Indexed OCR Text
Pages 101-120
قوله تعالى : وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود . سورة الكهف . ١٠١ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِيُهُمْ ذَاتَ الْبِينِ وَذَاتَ الْشِعَالِ وَكَلِيُهُمْ بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ أَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَهُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب والفسم الموافق يصل، والمقصود أن الله تعالى صان أصحاب الكهف من أن يقع عليهم ضوء الشمس وإلا لفسدت أجسامهم فهى مصونة عن العفونة والفساد (والقول الثانى ) أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع اللّه ضوء الشمس من الوقوع . وكذا القول حال غروبها، وكان ذلك فعلا خارقا للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف، وهذا قول الزجاج واحتج على صحته بقوله (ذلك من آيات الله) قال ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمراً معتاداً مألوفاً فلم يكن ذلك من آيات الله، وأما إذا حملنا الآية على هذا الوجه الثانى كان ذلك كرامة جية فكانت من آيات الله، وأعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا فى متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء، قال (وهم فى نجوة منه ) أى من الكهف ، والفجوة متسع فى مكان ، قال أبو عبيدة وجمعها جرات، ومنه الحديث (فاذا وجد حيوة نص)) ثم قال تعالى ( ذلك من آيات اللّه) وفيه قولان الذين قالوا إنه يمنع وصول ضوء الشمس بقدرته قالوا المراد من قوله ذلك أى ذلك التزاور والميل، والذين لم يقولوا به قالوا المراد بقوله ذلك أى ذلك الحفظ الذى حفظهم الله فى ذلك الغار تلك المدة الطويلة، من آيات الله الدالة على عجائب قدرته وبدائع حكمته، ثم بين تعالى أنه كما أن بقاءهم هذه المدة الطويلة مصوناً عن الموت والهلاك من تدبيراته ولطفه وكرمه، فكذلك رجوعهم أولا عن الكفرورغبتهم فى الإيمان كان باعانة الله ولطفه فقال (من يهد الله فهو المهتد ) مثل أصحاب الكهف (ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) كدقيانوس الكافر وأصحابه ، ومناظرات أهل الجبر والقدر فى هذه الآية معلومة . قوله تعالى: ﴿وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً وملئت منهم رعباً ﴾ اعلم أن معنى قوله (وتحسبهم) على ما ذكرناه فى قوله (وترى الشمس) أى لو رأيتهم لحسبتهم (أيقاظاً) وهو جمع يقظ ويقظان قاله الأخفش وأبو عبيدة والزجاج وأنشدوا لرؤبة: ووجدوا إخوانهم أيقاظاً ١٠٢ قوله تعالى : وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود . سورة الكهف . ومثله قوله نجد ونجدان وأنجاد ، وهم رقود أى نائمون وهو مصدر سمى المفعول به كما يقال قوم ركوع وقعود وسجود يوصف الجمع بالمصدر ، ومن قال إنه جمع راقد فقد أبعد لأنه لم يجمع فاعل على فعول قال الواحدى وإنما يحسيون (أيقاظا) لأن أعينهم مفتحة وهم نيام وقال الزجاج لكثرة تقلبهم يظن أنهم أيقاظ ، والدليل عليه قوله تعالى (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) واختلفوا فى مقدار مدة التقليب فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن لهم فى كل عام تقليبتين وعن مجاهديمكثون على أيمانهم تسع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً تسع سنين وقيل لهم تقليبة واحدة فى يوم عاشوراء. وأقول هذه التقديرات لاسبيل للعقل اليها ، ولفظ القرآن لا يدل عليه ، وما جاء فيه خبر صحيح فكيف يعرف؟ وقال ابن عباس رضى الله عنهما فائدة تقليبهم لئلا تأكل الأرض لحومهم ولا تبليهم ، وأقول هذا عجيب لأنه تعالى لما قدر على أن يمسك حياتهم مدة ثلثمائة سنة وأكثر فلم لا يقدر على حفظ أجسادهم أيضا من غير تقليب؟ وقوله (ذات) منصوبة على الظرف لأن المعنى ( نقلبهم ) فى ناحية (اليمين) أو على ناحية (اليمين ) كما قلنا فى قوله ( تزاور عن كهفهم ذات اليمين) وقوله ( وكلبهم باسط ذراعيه) قال ابن عباس وأكثر المفسرين قالوا إنهم هربوا ليلا من ملكهم ، فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه ، وقال كعب مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا مرارا، فقال لهم الكلب ما تريدون مى لا تخشوا جانى أنا أحب أحباء لله فناموا حتى أحرسكم، وقال عبيد بن عمير كان ذلك كلب صيدهم ومعنى (باسط ذواعيه) أمى باليهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين، ومنه الحديث فى الصلاة («أنه نهى عن افتراش السبع» وقال «لا تفترش ذراعيك افتراش السبع» قوله (بالوصيد) يعنى ثناء الكيف قال الزجاج الوصيد فناء البيت وفناء الدار وجمعه وصائد ووصد، وقال يونس والأخفش والفراء الوصيد والأصيد لغتان مثل الوكاف والإكاف، وقال السدى (الوصيد) الباب والكهف لا يكون له باب ولا عتبة وإنما أراد أن الكلب منهبموضع العتبة من البيت ، ثم قال (لو اطلعت عليهم) أى أشرفت عليهم يقال اطلعت عليهم أى أشرفت عليهم ، ويقال أطلعت فلانا على الشىء فاطلع وقوله (لوليت منهم فراراً) قال الزجاج قوله (فراراً) منصوب على المصدر لأن معنى وليت منهم فررت (ولملئت منهم رعباً) أى فزعاً وخوفاً قيل فى التفسير طالت شعورهم وأظفارهم وبقيت أعينهم مفتوحة وهم نيام، فلهذا السبب لو رآهم الراقى لهرب منهم مرعوباً ، وقيل إنه تعالى جعلهم بحيث كل من رآهم فرع فزعا شديداً ،. فأما تفصيل سبب الرعب فالله أعلم به. وهذا هو الأصح وقوله ( ولملئت منهم رعباً) قرأ نافع وابن كثير لملئت بتشديد اللام والهمزة والباقون بتخفيف اللام، وروى عن ابن كثير بالتخفيف والمعنى واحد إلا أن فى التشديد مبالغة ، قال الأخفش الخفيفة أجود فى كلام العرب، يقال ملأتنى رعباً ، ولا يكادون يعرفون ملأتنى ، ويدل على هذا أكثر استعمالهم كقوله: ١٠٣ قوله تعالى : وكذلك بعثناهم ليتساءلوا . سورة الكهف . وَكَّلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَقَسَاءَ لُواْ بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَرْ لَبِئْتُمْ قَالُواْلَبِئْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَالِثْتُمْ فَأَبْعَنُواْ أَحَدَكُم بِوَرِّكُمْ هَذِهِةٍ إِلَى الْمَدِنَةِ فَلْيَنْظُرْأَيُهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلَبَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا جَهَ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْيُوكُمْ أَوْ يُعِدُ وكُمْ فِى مِلَتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا ٢٠٠ فيملأ بيتنا أقطاً وسمناً (١) وقول الآخر : ومن مالى. عينيه من شىء غيره إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى لا تملأ الدلو وعرق فيها وقال الآخر : امتلأ الحوض وقال قطنى وقال الآخر : وقد جاء التثقيل أيضاً ، وأنشدوا للمخبل السعدى : وإذ قتل النعمان بالناس محرماً فملأ من عوف بن كعب سلاسله وقرأ ابن عامر والكسانى رعباً بضم العين فى جميع القرآن والباقون بالإسكان . قوله تعالى: ﴿وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ، قال قائل منهم كم لبثتم، قالوا لبثنايوماًأو بعض يوم، قالوا ربكم أعلم بمالبتم. فابعثوا أحدكم بورقكم هذه الى المدينة ، فلينظر أيها أزكى طعاماً، فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً ، إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فىّ ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً ﴾ اعلم أن التقدير وكما (زدناهم هدى، وربطنا، على قلوبهم، فضربنا على آذانهم) وأغنام وأبقيناهم أحياء لا يأكلون ولا يشربون ونقلبهم فكذلك بعثناهم أى أحييناهم من تلك النومة التى تشبه الموت ليتساءلوا بينهم تساءل تنازع واختلاف فى مدة لبثهم ، فان قيل هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟ قلنا لا يبعد ذلك لأنهم إذا تساءلوا انكشف لهم من قدرة الله تعالى أمور عجيبة وأحوال غريبة، وذلك الانكشاف أمر مطلوب لذاته. ثم قال تعالى. (١) هذا صدر بيت من أبيات لامرىء القيس منها: إذا ما لم تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصى وحسبك من غنى شيع ورى فتملأ بيتنا أقطا وسمناً ١٠٤ قوله تعالى : وكذلك بعثناهم ليتساءلوا . سورة الكهف . (قال قائل منهم كم لبثتم ) أى كم مقدار ليثنا فى هذا الكهف ( قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) قال المفسرون إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله فى آخر النهار ، فلذلك قالوا لبثنا يوماً فلما رأوا الشمس باقية قالوا أو بعض يوم، ثم قال تعالى ( قالوا ربكم أعلم بما لبثتم)، قال ابن عباس هو رئيسهم يمليخارد على ذلك الى الله تعالى لأنه لمنا نظر إلى أشعارهم وأظفارهم وبشرة وجوههم رأى فيها آثار التغير الشديد فعلم أن مثل ذلك التغير لا يحصل إلا فى الأيام الطويلة . ثم قال (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بورة كم ساكنة الراء مفتوحة الوأو ومنهم من قرأ[ها] مكسورة الواو ساكنة الرالم وقرأ ابن كثير بورڤكم بكسر الراء وإدغام القاف فى الكاف وعن ابن محيصن أنه كسر الواوو أسكن الراء وأدغم القاف فى الكاف، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين على هذه، والورق إسم للفضة سواء كانت مضروبة أم لا ، ويدل عليه ماروى أن عرفة اتخذ أنفا من ورق، وفيه لغات ورق وورق وورق مثل كبد وكبد وكبد، ذكره الفراء والزجاج قال الفراء وكسر الواو أردؤها، ويقال أيضاً للورق الرقة، قال الأزهرى أصله ورق مثل صلة وعدة ، قال المفسرون كانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذى كان فى زمانهم يعنى بالمدينة التى يقال لها اليوم طرسوس، وهذه الآية تدل على أن السعى فى إمساك الزاد أمرمهم مشروع وأنه لا يبطل التوكل وقوله (فلينظر أيها أزكى طعاما). قال ابن عباس يريد ماحل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون إيمانهم وقال مجاهد كان ملكهم ظالماً فقولهم ( أزكى طعاماً ) يريدون أيها أبعد عن الغصب، وقيل أيها أطيب وألذ، وقيل أيها أرخص، قال الزجاج: قوله (أيها) رفع بالابتداء و(أزكى) خبره و (طعاما) نصب على التميز، وقوله ( وليتلطفب) أى يكون ذلك فى سر و کتمان يعنى دخول المدينة وشراء الطعام ( ولا يشعرن بكم أحداً) أى لا يخبرن بمكانكم أحداً من أهل المدينة (إنهم أن يظهروا عليكم) أى يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم ظهرت على فلان إذا علوته وظهرت على السطح إذا صرت فوقه ، ومنه قوله تعالى (فأصبحوا ظاهرين) أى عالين ، وكذلك قوله ( ليظهره على الدين كله) أى ليعليه وقوله (يرجموكم) يقتلوكم، والرجم بمعنى القتل كثير فى التنزيل كقوله ( ولولا رهطك لرجمناك) وقوله (أن ترجمون) وأصله الرمى ، قال الزجاج أى يقتلوكم بالرجم، والرجم أخبث أنواع القتل (أو يعيدوكم فى ملتهم) أى يردوكم إلى دينهم ( ولن تفلحوا إذاً أبداً) أى إذا رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا فى الدنيا ولا فى الآخرة قال الزجاج قوله ( إذاً أبدا) يدل على الشرط أى ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبداً ، قال القاضى ما على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين فأحدهما فيه هلاك النفس وهو الرجم الذى هو أخبث أنواع القتل ، والآخر هلاك الدين بأن يردوا إلى الكفر، فإن قيل أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى إنهم أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا (ولن تفلحوا إذاً أبدا) ١٠٥ قوله تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم . سورة الكهف . . وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِبَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقُّ وَأَنَّ السّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يََّّعُونَ بَيْتَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَلُواْ أَبْنُواْ عَيْهِ بُنَّا رَبُهُمْ أَعْلَمُِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَبُواْ عَ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (﴾ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ ◌ََّةٌ سَادِسُهُمْ كَُّهُمْ رَبْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَلِنهُمْ كَلْهُمْ قُل رَّبِ أَعْلَمُ بِعَِّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌّ فَلَا ثُمَارٍ فِهِمْ إِلَّ مِنْآءُ ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِنْهُمْ أَحَدًا ٢٢ قلنا يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لذلك الكفر مدة فانه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين فى الحقيقة، فهذا الاحتمال قاتم فكان خوفهم منه ، والله أعلم . قوله تعالى: ﴿وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا انوا عليهم بنيانا ربهم أعلم. م، قال الذين غلبوا على أمرهم لتخذن عليهم مسجداً، سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، ويقولون سبعة وكلمنهم كلبهم ، قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل، فلا تمارفيهم الا مراء ظاهراً ولا تستفت فيهم منهم أحدا﴾ إعلم أن المعنى كما زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وأنمناهم وقلبناهم وبعثناهم لما فيها من الحكم الظاهرة، فكذلك أعثرنا عليهم أى أطلعنا غيرهم على أحوالهم يقال عثرت على كذا أى علمته وقالوا إن أصل هذا أن من كان غافلا عن شىء فعثر به نظر اليه فعرفه، فكان العثار سباً لحصول العلم والتبين فأطلق اسم السبب على المسبب واختلفوا فى السبب الذى لأجله عرف الناس واقعة أصحاب الكهف على وجهين: ( الأول ) أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولا مخالفاً للعادة وظهرت فى بشرة وجوههم آثار عجيبة تدل على أن مدتهم قد طالت طولا خارجا عن العادة ( والثانى) أن ذلك الرجل لما ذهب إلى السوق ليشترى الطعام وأخرج الدراهم لثمن الطعام قال صاحب الطعام هذه النقود غير موجودة فى هذا اليوم . وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة طويلة ودهر داهر فلعلك وجدت كنزا، واختلف الناس فيه وحملوا ذلك الرجل الى ملك البلد فقال مثلك من أين وجدت هذه الدراهم؟ فقال: بعت بها أمس شيئاً من التمر، وخرجنا فرارا من ١٠٦ قوله تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم . سورة الكهف . الملك دقيانوس فعرف ذلك الملك أنه ما وجد كنزا وأن الله بعثه بعد موته ثم قال تعالى ( ليعلموا أن وعد الله حق) يعنى أنا إنما أطلعنا القوم على أحوالهم ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث والحشر والنشر روى أن ملك ذلك الوقت كان من ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً بجعل الله أمر الفتية دليلا للملك ، وقيل بل اختلفت الأمة فى ذلك الزمان فقال بعضهم الجسد والروح يبعثان جميعاً، وقال آخرون الروح تبعث، وأما الجسد فتأكله الأرض. ثم إن ذلك الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل بها على ماهو الحق فى هذه المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب أهل الكهف . فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للاجساد، لأن انتباههم بعدذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله ( إذ يتنازعون بينهم ) متعلق بأعثرنا أى أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم، واختلفوا فى المراد بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون فى صحة البعث، فالقائلون به استدلوا بهذه الواقعة على صحته ، وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها ، وقيل إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم اللّه فعند هذا اختلف الناس، فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى وقال آخرون بل الآن ماتوا ( والقول الثالث ) أن بعضهم قال: الأولى أن يسد باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم انسان. وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب الكهف مسجد وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين باله معترفين بالعبادة والصلاة ( والقول الرابع) أن الكفار قالوا : إنهم كانوا على ديننا فنتخذ عليهم بنياناً ، والمسلمون قالوا كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً ( والقول الخامس ) أنهم تنازعوا فى قدر مكثهم ( والسادس) أنهم تنازعوا فى عددهم وأسمائهم، ثم قال تعالى (ربهم أعلم بهم) وهذا فيه وجهان (أحدهما) أنه من كلام المتنازعين كأنهم لما تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام فى أسمائهم وأحوالهم ومدة لبنهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم (الثانى) أن هذا من كلام اللّه تعالى ذكره رداً الخائضين فى حديثهم من أولئك المتنازعين ثم قال تعالى (قال الذين غلبوا على أمرهم ) قيل المراد به الملك المسلم، وقيل أولياء أصحاب الكهف ، وقيل رؤساء البلد ( لنتخذن عليهم مسجداً) نعبد الله فيه ونستبقى آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد ، ثم قال تعالى (سبقولون ثلاثة رابعهم كلهم ) الضمير فى قوله ( سيقولون) عائد إلى المتنازعين، روى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبى صدر اليه نجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً كانوا ثلاثة رابعهم كلهم، وقال العاقب وكان نسطورياً كانوا خمسة سادسهم كلهم ، وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، قال أكثر المفسرين هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه ( الأول ) أن الواو فى قوله ( وثامنهم) هى الواو التى تدخل على الجملة الواقعة صفة النكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة فى نحوقولك ١٠٧ قوله تعالى : سيقولون ثلاثة رابعهم . سورة الكهف . جاءنى دجل ومعه آخر ، ومررت بزيد وفى يده سيف ، ومنه قوله تعالى ( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) وفائدتها توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اقصافه بها أمر ثابت مستقر ، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلهم . وأنهم قالوا قولا متقررا متحققا عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس (الوجه الثانى) قالوا إنه تعالى. خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صوناً للفظ عن التعطيل ، وكل من أثبت هذه الفائدة الزائدة قال المراد منها تخصيص هذا القول بالاثبات والتصحيح ( الوجه الثالث ) أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله ( رجماً بالغيب ) وتخصيص الشىء بالوصف يدل على أن الحال فى الباقى بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفاً له) فى كونهما رجما بالظن (والوجه الرابع) أنه تعالى لما حكى قولهم ( ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) قال بعده ( قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل) فاتباع القولين الأولين بكونهما رجماً بالغيب وإتباع هذا القول الثالث بقوله ( قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ) يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة ( والوجه الخامس ) أنه تعالى قال ( ما يعلمهم إلا قليل) وهذا يقتضى أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل وكل من قال من المسلمين قولا فى هذا الباب قالوا انهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول . كان على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول: كانوا سبعة وأسماؤهم هذا: يمليخا، مكسلمينا، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوس، ودبرنوس، وسادنوس، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة فى مهماته ، والسابع هو الراعى الذى وافقهم لما هربوا من ملكهم واسم كلهم قطمير، وكان ابن عباس رضى الله عنهما يقول: أنا من ذلك العدد القليل، وكان يقول إنهم سبعة وثامنهم كلبهم. (الوجه السادس ) أنه تعالى لما قال (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ) والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ولم يذكر ماهو الحق. فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة، ثم خص الأولين بأنهما رجم بالغيب فوجب أن يكون الحق هو هذا الثالث ( الوجه السابع ) أنه تعالى قال لرسوله ( فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً ولا تستفت فيهم منهم أحداً) فمنعه الله تعالى عن المناظرة معهم وعن استفتائهم فى هذا الباب، وهذا إنما يكون نو علمه حكم هذه الواقعة، وأيضاً أنه تعالى قال ( ما يعلمهم إلا قليل) ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبى ولا يحصل للنبى، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبى عليه السلام، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحى ، لأن الأصل فيما سواه العدم، وأن يكون الأمر كذلك فكان الحق هو قوله ( ويقولون سبعة ونامنهم كلبهم) واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف ١٠٨ قولهلى : سيقولون ثلاثة رابعهم . سورة الكهف . من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم. بق فى الآية مباحث ﴿ البحث الأول ) فى الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة ذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه ﴿ البحث الثانى) خص القول الأول بسين الاستقبال، وهو قوله سيقولون، والسبب فيه أن حرف العطف يوجب دخول القولين الآخرين فيه ﴿البحث الثالث) الرحم هو الرمى، والغيب ما غاب عن الإنسان فقوله ( رجماً بالغيب) معناه أن يرمى ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة ، يقال فلان يرمى بالكلام رمياً ، أى يتكلم من شير تدبر. ﴿ البحث الرابع) ذكروا فى فائدة الواو فى قوله (وثامنهم كلبهم) وجوها (الوجه الأول) ماذكرنا أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال ( وثانيها ) أن السبعة عند العرب أصل فى المبالغة فى العدد قال تعالى (إن تستغفر لهم سبعين مرة ) وإذا كان كذلك فاذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظا يدل على الاستئناف ، فقالوا وثمانية، فجاء هذا الكلام على هذا القانون ، قالوا ويدل عليه نظيره فى ثلاث آيات ، وهى قوله ( والناهون عن المنكر) لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة وقوله ( حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) لأن أبواب الجنة ثمانية ، وأبواب النار سبعة ، وقوله ( ثيبات وأبكارا) هو العدد الثامن مما تقدم ، والناس يسمون هذه الواو واو الثمانية، ومعناه ماذكرناه، قال القفال: وهذا ليس بشىء، والدليل عليه قوله تعالى (هو اللّه الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر) ولم يذكر الواو فى النعت الثامن ، ثم قال تعالى (قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل) وهذا هو الحق، لأن العلم - بتفاصيل كائنات العالم والحوادث التى حدثت فى الماضى والمستقبل لا تحصل إلا عند الله تعالى، وإلا عند من أخبره اللّه عنها، وقال ابن عباس أنا من أولئك القليل ، قال القاضى إن كان قد عرفه بيان الرسول صح، وإن كان قد تعلق فيه بحرف الواو فضعيف ، ويمكن أن يقال الوجوه السبعة المذكورة وإن كانت لا تفيد الجزم إلا أنها تفيد الظن، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعه بأن نهى رسوله عن شيئين، عن المراء والاستفتاء، أما النهى عن المراء، فقوله ( فلا تمار فيهم إلا مراه ظاهرا ) والمراد من المراء الظاهر أن لا يكذبهم فى تعيين ذلك العدد، بل يقول: هذا التعيين لادليل عليه ، فوجب التوقف وترك القطع. ونظيره قوله تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) وأما النهى عن الاستفتاء فقوله (ولا تستفت فيهم منهم أحداً، وذلك لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم فى هذا الباب وجب المنع من استفتائهم، واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية قالوا لأن قوله ( رجماً بالغيب) وضع الرجم فيه موضع الظن فكانه قيل ظناً بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا: رجم بالظن مكان قولهم ظن، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين، ألا وما هو عنها بالحديث المرجم (١) ترى إلى قوله : (١) البيت النابغة الذيانى والرواية المشهورة : وما القول عنها بالحديث المرجم وما الحرب إلا ما علتم وذقم قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل . سورة الكهف . ١٠٩ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِىِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (﴾ إِلَّا أَن يَشَآءَ اللهُ وَأَذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَوْنَ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٨) وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَثَ مِنَةٍ مِنَ وَازْدَادُواْ تِسْعًا (ه قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئُواْ لَهُو ◌َغَيْبُ الَّمَتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرِيِهِ، وَأَشْمِعْ مَالَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلٍِ وَلَا يُثْرِكُ فِى حُكْمهة أَحَدًا أى المظنون هكذا قاله صاحب الكشاف ، وذلك يدل على أن القول بالظن مذموم عند الله ثم إنه تعالى لما ذم هذه الطريقة رتب عليه من استفتاء هؤلاء إلظانين ، فدل ذلك على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند الله، وجواب مثبتى القياس عنه قد ذكرناه مرارا. قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشداً. ولبثوا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً. قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض، أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحداً﴾ إعلم أن فى الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال المفسرون إن القوم لما سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة ، قال عليه السلام أجيكم عنها غدا ولم يقل إن شاء الله ، فاحتبس الوحى خمسة عشر يوما وفى رواية أخرى أربعين يوما ، ثم نزلت هذه الآية ، اعترض القاضى على هذا الكلام من وجهين (الأول) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالما بأنه إذا أخبر عن أنه سيفعل الفعل الفلانى غداً فربما جاءته الوفاة قبل الغد، وربما عاقه عائق آخر عن الإقدام على ذلك الفعل غدا، وإذا كان كل هذه الأمور محتملا، فلو لم يقل إن شاء الله ربما خرج الكلام مخالفاً لما عليه الوجود وذلك يوجب التنفير عنه وعن كلامه عليه السلام، أما إذا قال إن شاء الله كان محترزاً عن هذا المحذور، وإذا كان كذلك كان من البعيد أن يعد بشىء ولم يقل فيه إن شاء الله (الثانى) أن هذه الآية مشتملة على فوائد كثيرة وأحكام همة فيبعد قصرها على هذا السبب ويمكن أن يجاب عن الاول: إنه لا نزاع أن الأولى أن يقول إن شاء الله إلا أنه ربما اتفق له أنه نسى هذا الكلام لسبب من الأسباب فكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل، وأن يجاب عن الثانى أن اشتمل -على الفوائد الكثيرة لا يمنع من أن يكون سبب نزوله واحدا منها. ٠ ١١٠ قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل . سورة الكهف . المسألة الثانية) قوله ( إلا أن يشاء الله) ليس فيه بيان أنه شاء اللّه ماذا، وفيه قولان (الأول) التقدير ( ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله) أن يأذن لك فى ذلك القول، والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك أنك تفعل الفعل الفلانى إلا إذا أذن الله لك فى ذلك الإخبار ( القول الثانى) أن يكون التقدير ( ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غداً ) إلا أن تقول ( إن شاء اللّه) والسبب فى أنه لابد من ذكر هذا القول هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلافى غداً لم يبعد أن يموت قبل مجىء الغد، ولم يبعد أيضاً لو بقى حياً أن يعوقه عن ذلك الفعل شىء من العوائق، فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذباً فى ذلك الوعد، والكذب منفروذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، فلهذا السبب أوجب عليه أن يقول (إن شاء اللّه) حتى أن بتقدير أن يتعذر عليه الوفاء بذلك الموعود لم يصر كاذباً فلم يحصل التنفير . المسألة الثالثة﴾ إعلم أن مذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه فيقع مراد العبد ولا يقع مراد الله فتكون إرادة العبد غالبة وإرادة الله تعالى مغلوبة، وأما عندنا فكل ما أراد الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر ويريد الإيمان من المؤمن وعلى هذا التقرير فارادة الله تعالى غالبة وإراقة العبد مغلوبة إذا عرفت هذا فنقول إذا قال العبد لأفعلن كذا غداً إلا أن يشاء الله والله إنما يدفع عنه الكذب إذا كانت إرادة الله غالبة على إرادة العبد فان على هذا القول يكون التقدير أن العبد قال أنا أفعل الفعل الفلانى إلا إذا كانت إرادة الله بخلافه فأنا على هذا التقدير لا أفعل لأن إرادة الله غالبة على إرادتى فعند قيام المانع الغالب لا أقوى على الفعل ، أما بتقدير أن تكون ارادة الله تعالى مغلوبة فإنها لا تصلح عذراً فى هذا الباب، لأن المغلوب لا يمنع الغالب. إذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنه إذا قال والله لأفعلن كذا ثم قال إن شاء الله دافعاً للحنث فلا يكون دافعاً للحنث إلا إذا كانت إرادة الله غالبة، فلما حصل دفع الحنث بالاجماع وجب القطع بكون إرادة الله تعالى غالبة وأنه لا يحصل فى الوجود إلا ما أراده الله وأصحابنا أكدوا هذا الكلام فى صورة معينة وهو أن الرجل إذا كان له على انسان دين وكان ذلك المديون قادراً على أداء الدين فقال والله لأقضين هذا الدين غداً ، ثم قال ان شاء الله فاذا جاء الغد ولم يقض هذا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة أنه تعالى يريد منه قضاء الدين وعلى هذا التقدير فقوله ( ان شاء الله) تعليق لذلك الحكم على شرط واقع فوجب أن يحنث، ولما أجمعوا على أنه لا يحنث علمنا أن ذلك انما كان لأن الله تعالى ما شاء ذلك الفعل مع أن ذلك الفعل قد أمر الله به ورغب فيه وزجر عن الإخلال به وثبت أنه تعالى قد ينهى عن الشىء ويريده وقد يأمر بالشىء ولا يريده وهو المطلوب، فان قيل هب أن الأمر كما ذكر تم إلا أن كثيراً من الفقهاء قالوا اذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق فما السبب فيه ؟ قلنا السبب هو أنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئة الله لم يقع الا اذا عرفنا وقوع قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل . سورة الكهف . ١١١ الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق الا اذا عرفنا أولا حصول هذه المشيئة لكن مشيئة الله تعالى غيب فلا سبيل إلى العلم بحصولها الا اذا علمنا أن متعلق المشيئة قد وقع وحصل وهو الطلاق فعلى هذا الطريق لانعرف حصول المشيئة الا اذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق الا اذا عرفنا وقوع المشيئة فيتوقف العلم بكل واحد منها على العلم بالآخرة، وهو دورو الدور باطل فلهذا السبب قالوا الطلاق غير واقع . ﴿ المسألة الرابعة) احتج القائلون بأن المعدوم شىء بقوله ( ولا تقولن لشىء انى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) قالوا الشىء الذى سيفعله الفاعل غداً سماه اللّه تعالى فى الحال بأنه شىء لقوله ( ولا تقولن لشىء) ومعلوم أن الشىء الذى سيفعله الفاعل غداً فهو معدوم فى الحال، فوجب تسمية المعدوم بأنه شىء. والجواب أن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم مسمى بكونه شيئاً وعندنا أن السبب فيه أن الذى سيصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً فى الحال كما أنه قال (أتى أمر الله) والمراد سيأتى أمر الله، أما قوله (واذكر ربك إذا نسيت) ففيه وجهان (الأول) أنه كلام متعلق بما قبله والتقدير أنه إذا نسى أن يقول إن شاء الله فليذكره إذا تذكره وعند هذا اختلفوا فقال ابن عباس رضى الله عنهما لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى فى دفع الحنث وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم ، وعن طاوس أنه يقدر على الاستثناء فى مجلسه، وعن عطاء يستثنى على مقدار حلب الناقة الغزيرة ، وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له فى الأحكام ما لم يكن موصولا، واحتج ابن عباس بقوله (واذكر ربك إذا نسيت) لأن الظاهر أن المراد من قوله ( واذكر ربك إذا نسيت) هو الذى تقدم ذكره فى قوله ( إلا أن يشاء الله) وقوله (واذكر وبك) غير مختص بوقت معين بل هو يتناول كل الأوقات فوجب أن يجب عليه هذا الذكر فى أى وقت حصل هذا التذكر وكل من قال وجب هذا الذكر قال إنه إنما وجب لدفع الحنث وذلك يفيد المطلوب، واعلم أن استدلال ابن عباس رضى الله عنهما ظاهر فى أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلا، أما الفقهاء فقالوا إنا لو جوزنا ذلك لزم أن لا يستقر شىء من العقود، والأيمان، يحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس فى الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال، أبو حنيفة رحمه الله: هذا يرجع عليك ، فانك تأخذ البيعة بالايمان أتفرض أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجواعليك؟ فاستحسن المنصور كلامه ورضى به. واعلم أن حاصل هذا الكلام يرجع الى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه. وأيضا فلو قال إن شاء الله على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالاجماع مع أن المحذور الذى ذكر تم حاصل فيه. فثبت أن الذى عولوا عليه ليس بقوى، والأولى أن يحتجوا فىوجوب كون الاستثناء متصلا بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد قال تعالى (أوفوا بالعقود) وقال (وأوفوا بالعهد ) فالآتى بالعهد يجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات ١١٢ قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل . سورة الكهف . خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان متصلا لأن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد بدليل أن لفظ الاستثناء وحده لا يفيد شيئاً ،،فهو جار مجرى نصف اللفظ (١) الواحدة، لجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، وعلى هذا التقدير فعند ذكر الاستثناء عرفنا أنه لم يلزم شىء بخلاف ما اذا كان الاستثناء متصلا فانه حصل الالتزام التام بالكلام فوجب عليه الوفاء بذلك الملتزم والقول الثاني أن قوله ( واذكر ربك اذا نسيت ) لا تعلق له بما قبله بل هو كلام مستأنف وعلى هذا القول نفيه وجوه (أحدها) واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، والمراد منه الترغيب فى الاهتمام بذكر هذه الكلمة (وثانيها) واذكر ربك اذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسى (وثالثها) حمله بعضهم على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها، وهذا القول بما فيه من الوجوه الثلاثة بعيد لأن تعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام فى هذه القضية وجعله كلاما مستأنفاً يوجب صيرورة الكلام مبتدأ منقطعاً وذلك لا يجوز ثم قال تعالى( وقل عسى أن يهدین ربی لأقرب من هذا رشداً) وفيه وجوه (الأول) أن ترك قوله ( إن شاء الله) ليس بحسن وذ کره أحسن من تركه وقوله (لأقرب من هذا رشداً) المراد منه ذكر هذه الجملة (الثانى) إذا وعدهم بشىء وقال معه إن شاء الله فيقول عسى أن يهدينى ربى لشىء أحسن وأكمل ما وعدتكم به ( والثالث) أن قوله (لأقرب من هذا رشداً) إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتنى من البينات والدلائل على صحة أنى نى من عند الله صادق القول فى ادعاء النبوة ما هو أعظم فى الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل الله ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك، وأما قوله تعالى ( ولبثوا فى كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعاً قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا) فاعلم أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة فى قصة أصحاب الكهف وفى قوله ( ولبثوا فى كمفهم) قولان (الأول) أن هذا حكاية كلام القوم والدليل عليه أنه تعالى قال ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلهم ) وكذا إلى أن قال ( ولبثوا فى كهفهم) أى أن أولئك الأقوام قالوا ذلك ويؤ كده أنه تعالى قال بعده ( قل الله أعلم بما لبثوا) وهذا يشبه الرد على الكلام المذكور قبله ويؤكده أيضاً ما روى فى مصحف عبد اللّه: وقالوا ولبثوا فى كهفهم ( والقول الثانى) أن قوله (ولبثوا فى كهفهم ) هو كلام اللّه تعالى فانه أخبر عن كمية تلك المدة، وأما قوله ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلهم) فهو كلام قد تقدم وقد تخلل بينه وبين هذه الآية ما يوجب انقطاع أحدهما عن الآخر وهو قوله ( فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) وقوله ( قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض) لا يوجب أن ما قبله حكاية ، وذلك لأنه تعالى أراد (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض ) فارجعوا الى خبر اللّه دون ما يقوله أهل الكتاب. (١) هكذا فى الأصل: اللفظ الواحدة، والصواب أن يقال اللفظ الواحد، أو اللفظة الواحدة. قوله تعالى: ولا تقولن لشيء إني فاعل . سورة الكهف . ١١٣ ﴿ المسألة الخامسة﴾ قرأ حمزة والكسائى ثلثمائة سنين بغير تنوين والباقون بالتنوين وذلك لأن قوله ( سنين) عطف بيان لقوله ( ثلثمائةٍ) لأنه لما قال ( ولبنوا فى كهفهم ثلثمائة) لم يعرف أنها أیام أُم شهورام سنون فلما قال سنین صار هذا ییانا لقوله(نلمائة) فكانهذا عطف بيان له وقيل هو على التقديم والتأخير أى لبثوا سنين ثلثمائة. وأما وجه قراءة حمزة فهو أن الواجب فى الإضافة ثلثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع الواحد فى التميز كقوله ( بالأخسرين أعمالا). المسألة السادسة) قوله (وازدادوا تسعاً) المعنى وازدادوا تسع سنين فان قالوا: لم لم يقل ثلثمائة وتسع سنين؟ وما الفائدة فى قوله ( وازدادوا تسعاً)؟ قلنا قال بعضهم: كانت المدة ثلثمائة سنة من السنين الشمسية وثلثمائة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا القول ، ويمكن أن يقال: لعلهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه ثم اتفق ما أوجب بقاءهم فى النوم بعد ذلك تسع سنين ثم قال ( قل الله أعلم بما لبثوا) معناه أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدة من الناس الذين اختلفوا فيها، وإنما كان أولى بأن يكون عالما به لأنه موجد السموات والأرض ومدير للعالم، وإذا كان كذلك كان عالما بغيب السموات والأرض فيكون عالما بهذه الواقعة لا محالة ثم قال تعالى (أبصر به وأسمع ) وهذه كلمة تذكر فى التعجب ، والمعنى ما أبصره وما أسمعه، وقد بالغنا فى تفسير كلمة التعجب فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى ( فما أصبرهم على النار ) ثم قال تعالى (مالهم من دونه من ولى ) وفيه وجوه ( الأول) مالأصحاب الكهف من دون الله من ولى فانه هو الذى يتولى حفظهم فى ذلك النوم الطويل ( الثانى) ليس لهؤلاء المختلفين فى مدة لبث أهل الكهف ولى من دون الله يتولى أمرهم ويقيم لهم تدبير أنفسهم فاذا كانوا محتاجين إلى تدبير الله وحفظه فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير أعلامه ( الثالث ) أن بعض القوم لما ذكروا فى هذا الباب أفوالا على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب، فبين اللّه أنه ليس لهم من دونه ولى يمنع اللّه من إنزال العقاب عليهم. ثم قال ( ولا يشرك فى حكمه أحداً) والمعنى أنه تعالى لما حكم أن لبثهم هو هذا المقدار فليس لأحد أن يقول قولا بخلافه. والأصل أن الإثنين إذا كانا لشريكين فإن الاعتراض من كل واحد منهما على صاحبه يكثر ويصير ذلك مانعاً لكل واحد منهما من إمضاء الأمر على وفق مايريده. وحاصله يرجع إلى قوله تعالى ( لو كان فيه: ١آلهة إلا الله لفسدتا) فاقه تعالى نفى ذلك عن نفسه بقوله تعالى (ولا يشرك فى حكمه أحداً) وقرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء والجزم على النهى والخطاب عطفا على قوله ( ولا تقولن لشىء) أو على قوله ( واذكرربك إذا نسيت) والمعنى ولا تسأل أحداً عما أخبرك الله به من عدة أصحاب الكهف واقتصر على حكمه وبيانه ولا تشرك أحداً فى طلب معرفة تلك الواقعة وقرأ الباقون بالياء والرفع على الخبر والمعنى أنه تعالى لا يفعل ذلك. الفخر الرازي - ج ٢١ م ٨ ١١٤ قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل . سورة الكهف . المسألة السابعة ﴾ اختلف الناس فى زمان أصحاب الكهف وفى مكانهم، أما الزمان الذى حصلوا فيه ، فقيل إنهم كانوا قبل موسى عليه السلام وإن موسى ذكرثم فى التوراة ، ولهذا السبب فان اليهود سألوا عنهم، وقيل إنهم دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبر المسيح بخبرثم ثم بعثوا فى الوقت الذى بين عيسى عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل إنهم دخلوا الكهف بعد المسيح. و حکی القفال هذ القول عن محمد بن اسحق. وقال قوم إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة. وأما مكان هذا الكهف ، فكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمى المنجم أن الواثق أنهذه ليعرف حال أصحاب الكهف إلى الروم ، قال فوجه ملك الروم معى أقواماً إلى الموضع الذى يقال إنهم فيه ، قال وإن الرجل الموكل بذلك الموضع فزعنى من الدخول عليهم ، قال فدخلت ورأيت الشعور على صدورهم قال وعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجواتلك الجثث بالأدوية المجففة لأبدان الموتى لتصونها عن البلى مثل التلطيخ بالصبر وغيره، ثم قال القفال والذى عندنا لا يعرف أن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف أو موضع آخر، والذى أخبر الله عنه وجب القطع به ولا عبرة بقول أهل الروم إن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف، وذكر فى الكشاف عن معاوية أنه غزا الروم فر بالكهف فقال لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال ابن عباس رضى الله عنهما ليس لك ذلك قد منع الله من هو خير منك، فقال لو أطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملتت منهم رعبا ، فقال لابن عباس : لا أنتهى حتى أعلم حالهم ، فبعث أناساً فقال لهم اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم، وأقول العلم بذلك الزمان وبذلك المكان ليس للعقل فيه مجال، وإنما يستفاد ذلك من نص، وذلك مفقود فثبت أنه لا سبيل إليه . المسألة الثامنة﴾ إعلم أن مدار القول باثبات البعث والقيامة على أصول ثلاثة ( أحدها) أنه تعالى قادر على كل الممكنات ( والثانى) أنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات ( وثالثها) أن كل ما كان ممكن الحصول فى بعض الأوقات كان ممكن الحصول فى سائر الأوقات فاذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بامكان البعث والقيامة ، فكذلك هاهنا. ثبت أنه تعالى عالم قادر على الكل ، وثبت أن بقاء الإنسان حياً فى النوم مدة يوم ممكن فكذلك بقاؤه مدة ثلثمائة سنة يجب أن يكون ممكناً بمعنى أن إله العالم يحفظه ويصرنه عن الآفة . وأما الفلاسفة فانهم يقولون أيضاً لا يبعد وقوع أشكال فلكية غريبة توجب فى هيولى عالم الكون والفساد حصول أحوال غريبة نادرة ، وأقول: هذه السور الثلاثة المتعاقبة اشتمل كل واحد منها على حصول حالة عجيبة نادرة فى هذا العالم فورة بنى إسرائيل اشتملت على الإسراء بجسد محمد بد لتم من مكة إلى الشام وهو حالة عجيبة ، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم فى النوم مدة ثلثمائة سنة وأزيد وهو أيضاً حالة عجيبة، وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب وهو أيضاً حالة عجيبة . ١١٥ قوله تعالى : واتل ما أوحي إليك . سورة الكهف . وَثْلُ مَ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنِ كٍَّ رَبِّكَ لَأُمُبَدِّلَ لِكَلَتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ٢٧ وَأَصْبِرْنَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبِّهُ بِالْغَدَوِةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ثُرِيدُ زِينَةَ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا والمعتمد فى بيان إمكان كل هذه العجائب والغرائب المذكورة فى هذه السور الثلاثة المتوالية هو الطريقة التى ذكرناها . ومما يدل على أن هذا المعنى من الممكنات أن أبا على بن سينا ذكر فى باب الزمان من كتاب الشفاء أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف، ثم قال أبو على ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف. قوله تعالى: ﴿ واقل ما أوحى إليك من كتاب ربك لامبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى والخضر كلام واحد فى قصة واحدة ، وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول اللّه ◌َ يتم إن أردت أن نؤمن بك فاطرد من عندك هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بك واللّه تعالى نهاه عن ذلك ومنعه عنه وأطنب فى جملة هذه الآيات فى بيان أن الذى اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد واقتراح باطل ، ثم إنه تعالى جعل الأصل فى هذا الباب شيئا واحداً وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذى أوحاه الله إليه وعلى العمل به وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنت المتعنتين فقال ( واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك) وفى الآية مسألة وهى : أن قوله (اتل ) يتناول القراءة ويتناول الاتباع أيضافيكون المعنى الزم قراءة الكتاب الذى أوحى إليك والزم العمل به ثم قال ( لا مبدل لكلمانه ) أى يمتنع تطرق التغيير والتبديل إليه وهذه الآية يمكن التمسك بها فى إثبات أن تخصيص النص بالقياس غير جائز لأن قوله (اتل ما أوحى إليك من كتّاب ربك ) معناه الزم العمل بمقتضى هذا الكتاب وذلك يقتضى وجوب العمل بمقتضى ظاهره، فان قبل فيجب ألا يتطرق النسخ إليه قلنا هذا هو مذهب أبى مسلم الأصفهانى فليس يبعد، وأيضاً فالنسخ فى الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت فى وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالغاية فكيف يكون تبديلا .أما قوله (ولن تجدمن دونه ملتجداً) اتفقوا على أن الملتحد هو الملجأ قال أهل اللغة هو من لحد وألحد إذا مال ومنه قوله تعالى ( لسان الذى يلحدون إليه ) والملحد المائل عن الدين والمعنى ولن تجد من دونه ملجأ فى البيان والرشاد. قوله تعالى : ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ١١٦ قوله تعالى . ولا تطع من أغفلنا قلبه . سورة الكهف . وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ, عَن ذِكِْنَا وَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرٍُ فَرَطَالَّ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكر ناواتبع هواه وكان أمره فرطا ﴾ اعلم أن أكابر قريش اجتمعوا وقالوا لرسول اللّه ب لتم إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك، فاذا حضر نالم يحضروا ، وتعين لهم وقتاً يجتمعون فيه عندك فأنزل الله تعالى ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) الآية فبين فيها إنه لا يجوز طردهم بل تجالسهم وتوافقهم وتعظم شأنهم ولا تلتفت الى أقوال أولئك الكفار ولا تقيم لهم فى نظرك وزنا سواء غابوا أو حضروا . وهذه القصة منقطعة عما قبلها وكلام مبتدأ مستقل . ونظير هذه الآية قد سبق فى سورة الأنعام وهو قوله ( ولا تطرد الذين يدعون بهم بالغداة والعشي) ففى تلك الآية نهى الرسول عني اللي عن طردهم وفى هذه الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم فقوله (واصبر نفسك) أصل الصبر الحبس ومنه نهى رسول اللّه ◌ُ لٍّ عن المصبورة وهى البهيمة تحبس فترمى، أما قوله ( مع الذين يدعون ربهم بالغذاء والعشى ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر بالغدوة بضم الغين والباقون بالغدده وكلاهما لغة. ﴿ المسألة الثانية) فى قوله ( بالغداة والعشى) وجوه: (الأول) المراد كونهم مواظبين على هذا العمل فى كل الأوقات كقول القائل ليس لفلان عمل بالغداة والعشى إلا شتم الناس ( الثانى ) أن المراد صلاة الفجر والعصر ( الثالث ) المراد أن الغداة هى الوقت الذى ينتقل الإنسان فيه من النوم إلى اليقظة وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت الى الحياة والعشى هو الوقت الذى ينتقل الانسان فيه من اليقظة إلى النوم ومن الحياة الى الموت والإنسان العاقل يكون فى هذين الوقتين كثير الذكر لله عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه، ثم قال (ولا تعد عيناك عنهم ) يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاء القوم عدا زيداً وإنماعدى بلفظة عن لأنها تفيد المباعدة فكانه تعالى نهى عن تلك المباعدة وقرىء ( ولا تعد عينيك) ولا تعد عينيك من أعداه وغداه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو ومنه قوله شعر: فعد عما ترى إذ لا ارتجاغ له والمقصود من الآية أنه تعالى نهى رسول الله القلم عن أن يزدرى فقراء المؤمنين وأن تنبو عيناه عنهم لأجل رغبته فى مجالسة الأغنياء وحسن صورتهم وقوله (تريد زينة الحياة الدنيا) نصب فى موضع الحال ، يعنى أنك [إن] فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك فى زينة الحياة الدنيا ، ولما بالغ فى أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين بالغ فى النهى عن الالتفات إلى أقوال الاغنياء والمتكبرين فقال (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى هو الذى يخلق الجهل والغفلة فى قلوب الجهال لأن قوله (أغفلنا) يدل على هذا المعنى ، قالت المعتزلة المراد بقوله تعالى (أغفلنا قلبه ١١٧ قوله تعالى : ولا تطع من أغفلنا قلبه . سورة الكهف . عن ذكرنا ) أنا وجدنا قلبه غافلا وليس المراد خلق الغفلة فيه ، والدليل عليه ماروى عن عمرو بن معد يكرب الزبيدى أنه قال لبنى سليم: قاتلنا كم فما أجبناكم، وسألنا كم فما أبخلنا كم، ومجونا کم فا أنجمناكم.أى ماوجدنا كم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين. ثم نقول حمل اللفظ على هذا المعنى أولى ويدل عليه وجوه: (الأول) أنه لو كان كذلك لما استحقوا الذم (الثانى) أنه تعالى قال بعد هذه الآية (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ولو كان تعالى خلق الغفلة فى قلبه لما صح ذلك (الثالث) لو كان المراد هو أنه تعالى جعل قلبه غافلا لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنافاتبع هواه. لأن على هذا التقدير يكون ذلك من أفعال المطاوعة، وهى إنما تعطف بالفاء لا بالواو، ويقال كسرته فانكسر ودفعته فاندفع ولا يقال وانكسر واندفع (الرابع) قوله تعالى (واتبع هواه) ولو كان تعالى أغفل فى الحقيقة قلبه لم يجزأن يضاف ذلك إلى اتباعه هواه . والجواب: قوله المراد من قوله (أغفلنا) أى وجدناه غافلا، وليس المراد تحصيل الغفلة فيه. قلنا الجواب عنه من وجهين ( الأول) أن الاشترك خلاف الأصل فوجب أن يعتقد أن وزن الأفعال حقيقة فى أحدهما مجاز فى الآخر وجعله حقيقة فى التكوين مجازاً فى الوجدان أولى من العكس وبيانه من وجوه : (أحدها ) أن مجىء بناء الأفعال بمعنى التكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان والكثرة دليل الرجحان ( وثانيها ) أن مبادرة الفهم من هذا البناء الى التكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان ومبادرة الفهم دليل الرجحان ( وثالثها ) أنا إن جعلناه حقيقة فى التكوين أمكن جعله مجازاً فى الوجدان لأن العلم بالشىء تابع لحصول المعلوم ، فجعل اللفظ حقيقة فى المتبوع ومجازا فى الشبع موافق للمعقول، أما لو جعلناه حقيقة فى الوجدان مجازاً فى الايجاد لزم جعله حقيقة فى التبع مجازا فى الأصل وأنه عكس المعقول فثبت أن الأصل جعل هذا البناء حقيقة فى الايجاد لا فى الوجدان ( الوجه الثانى) فى الجواب عن السؤال أنا نسلم كون اللفظ مشتركا بالنسبة إلى الايجاد وإلى الوجدان إلا أنا نقول يجب حمل قوله ( أغفلنا) على إيجاد الغفلة وذلك لأن الدليل العقلى دل على أنه يمتنع كون العبد موجداً للغفلة فى نفسه والدليل عليه أنه إذا حاول إيجاد الغفلة ، فاماً أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة أو يحاول إيجاد الغفلة عن شىء معين والأول باطل، وإلا لم يكن بأن تحصل له الغفلة عن هذا الشىء أولى بأن تحصل له الغفلة عن شىء آخر ، لأن الطبيعة المشترك فيها بين الأنواع الكثيرة تكون نسبتها الى كل تلك الأنواع على السوية، أما الثانى فهو أيضاً باطل لأن الغفلة عن كذا عبارة عن غفلة لا تمتاز عن سائر أقسام الغفلات إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشىء المعين بعينه، فعلى هذا لا يمكنه أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا إذا تصور أن تلك الغفلة غفلة عن كذا ، ولا يمكنه أن يتصور كون تلك الغفلة غفلة عن كذا إلا اذا تصور كذا لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروط بتصور كل واحد من المنتسبين. فثبت أنه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا مع الشعور بكذا لكن الغفلة عن كذا ضد الشعور بكذا؛ فثبت ١١٨ قوله تعالى : ولا تطع من أغفلنا قلبه . سورة الكهف . أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة الا عند اجتماع الضدين وذلك محال، والموقوف على المحال محال، فثبت أن العبد غير قادر على إيجاد الغفلة ، فوجب أن يكون خالق الغفلات وموجدها فى العباد هو الله، وهذه نكتة قاطعة فى إثبات هذا المطلوب ، وعند هذا يظهر أن المراد بقوله تعالى ( ولا قطع من أغفلنا قلبه ) هو إيجاد الغفلة لا وجدانها ، أما حديث المدح والذم فقد عارضناه مراراً وأطواراً بالعلم والداعى، أماقوله تعالى بعد هذه الآية (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فالبحث عنه سيأنى إن شاء الله تعالى، أما قوله (ولا قطع من أغفلنا قلبه ) لو كان المراد إيجاد الغفلة لوجب ذكر الفاء، لا ذكر الواو ، فنقول هذا إنما يلزم لو كان خلق الغفلة فى القلب من لوازمه حصول اتباع الهوى كما أن الكسر من لوازمه حصول الانكسار، وليس الأمر كذلك لأنه لا يلزم من حصول الغفلة عن اللّه حصول متابعة الهوى لاحتمال أن يصير غافلا عن ذكر الله ، ومع ذلك فلا يتبع الهوى بل يبقى متوقفاً لاينافى مقام الحيرة والدهشة والخوف من الكلى فقط هذا السؤال، وذكر القفال فى تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوها أخرى (فأحدها ) أنه تعالى لما صب عليهم الدنيا صباً وأدى ذلك إلى رسوخ الغفلة فى قلوبهم صح على هذا التأويل أنه تعالى حصل الغفلة فى قلوبهم كما فى قوله تعالى ( فلم يزدهم دعائى إلا فرارا)، ( والوجه الثانى) أن معنى قوله (أغفلنا) أى تركناه غافلا فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وهومن قولهم بعير غفل أى لاسمة عليه (وثالثها) أن المراد من قوله أغفلنا قلبه أى خلاه مع الشيطان ولم يمنع الشيطان منه فيقال فى (الوجه الأول) إن فتح باب لذات الدنيا عليه هل يؤثر فى حصول الغفلة فى قلبه أو لا يؤثر، فإن أثر كان أثر إيصال اللذات اليه سبيا لحصول الغفلة فى قلبه. وذلك عين القول بأنه تعالى فعل ما يوجب حصول الغفلة فى قلبه ، وإن كان لا تأثير له فى حصول هذه الغفلة بطل إسناده اليه ، وقد يقال فى (الوجه الثانى) إن قوله أغفلنا قلبه بمنزلة قوله سودنا قلبه وبيضنا وجهه ولا يفيد إلا ما ذكرناه، ويقال فى الوجه الثالث إن كان لتلك التخلية أثر فى حصول تلك الغفلة فقد صح قولنا ، وإلا بطل استناد تلك الغفلة إلى الله تعالى. المسألة الثانية﴾. قوله ( ولا قطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه) يدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خالياً عن ذكر الحق ويكون مملوءا من الهوى الداعى الى الاشتغال بالخلق وتحقيق القول أن ذكر الله نور وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة، والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله، وما سوى الله فهو ممكن الوجوداذانه. والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق، وإذا توجه القلب الى الخلق فقد حصل فيهالظلم والظلمة بل الظلمات فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظامة الخاصة التامة الإعراض عن الحق هو المراد بقوله (أغفلنا قلبه عن ذكرنا) والإقبال على الخلق هو المراد بقوله (واتبع هواه). ١١٩ قوله تعالى وقل الحق من ربكم . سورة الكهف . وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْبَكْفُرْ إِنَّ أُمْعَنَا لِلِّنَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ مُرَادِقُهَا وَ إِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُوا بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْ تَفَقًّا المسألة الثالثة) قيل (فرطاً) أى مجاوزا للحد من قولهم: فرس فرط، إذا كان متقدما الخيل ، قال الليث: الفرط الأمر الذى يفرط فيه يقال كل أمر فلان فرط ، وأنشد شعراً: لقد كلفتنى شططا وأمراً خائبا فرطا أى مضيعاً، فقوله وكان أمره فرطا معناه أن الأمر الذى يلزمه الحفظ له والإهتمام به وهو أمر دينه يكون مخصوصا بايقاع التفريط والتقصيرفيه، وهذه الحالة صفة من لا ينظر لدينه وإنما عمله لدنياه. فبين تعالى من حال الغافلين عن ذكر الله التابعين لهواهم أنهم مقصرون فى مهماتهم معرضون عما وجب عليهم من التدبر فى الآيات والتحفظ بممهمات الدنيا والآخرة، والحاصل أنه تعالى وصف أولئك الفقراء بالمواظبة على ذكر الله والإعراض عن غير ذكر الله فقال (مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) ووصف هؤلاء الأغنياء بالإعراض عن ذكر الله تعالى والإقبال على غير الله وهو قوله (أغفلنا قلبه واتبع هواه) ثم أمر رسوله بمجالة أولئك والمباعدة عن هؤلاء، روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه قال كنت جالساً فى عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضا من العرى وقارىء يقرأ القرآن بفجاء رسول اللّه بت لته فقال ماذا كنتم تصنعون؟ قلنا يارسول اللّه كان واجد يقرأ من كتاب الله ونحن نستمع، فقال عليه السلام ((الحمد لله الذى جعل من أمتى من أمرت إلى أن أصبر نفسى معهم)) ثم جلس وسطنا وقال (( أبشروا باصعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسين ألف سنة)). قوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا فى الآية مسائل ﴿المسألة الأولى) فى تقرير النظم وجوه (الأول) أنه تعالى لما أمر رسوله بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا إن طردت الفقراء آمنا بك قال بعده ( وقل الحق من ربكم) أى قل لهؤلاء إن هذا الدين الحق إنما أتى من عند الله فان قبلتموه عاد النفع اليكم وإن لم تقبلوه عاد الضرر اليكم ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى والقبح والحسن والخمولى والشهرة ( الوجه الثانى) فى تقرير النظم يمكن أن يكون المراد أن الحق ما جاء من عند الله، والحق الذى ١٢٠ قوله تعالى : وقل الحق من ربكم سورة الكهف . جاءنى من عنده أن أصبر نفسى مع هؤلاء الفقراء ولا أطردهم ولا ألتفت إلى الرؤساء وأهل الدنيا ( والوجه الثالث ) فى تقرير النظم أن يكون المراد هو أن الحق الذى جاء من عند الله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأن الله تعالى لم يأذن فى طرد من آمن وعمل صالحاً لأجل أن يدخل فى الإيمان جمع من الكفار، فان قيل أليس أن العقل يقتضى ترجيح الأهم على المهم فطرد أولئك الفقراء لا يوجب إلا سقوط حرمتهم وهذا ضرر قليل . أما عدم طردهم فأنه يوجب بقاء الكفار على الكفر ، وهذا ضرر عظيم ، قلنا: أما عدم طردهم فإنه يوجب بقاء الكفار على الكفر فسلم إلا أن من ترك الإيمان لأجل الحذر من مجالسة الفقراء فإيمانه ليس بإيمان بل هو نفاق قبيح، فوجب على العاقل أن لا يلتفت إلى إيمان من هذا حاله وصفته . ﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة قوله تعالى (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) صريح فى أن الأمر فى الإيمان والكفر والطاعة والمعصية مفوض إلى العبد واختياره. فمن أنكر ذلك فقد خالف صريح القرآن، ولقد سألنى بعضهم عن هذه الآية فقلت هذه الآية من أقوى الدلائل على صحة قولنا وذلك لأن الآية صريحة فى أن حصول الإيمان وحصول الكفر موقوف على حصول مشيئة الإيمان وحصول مشيئة الكفروصريح العقل أيضاً يدل له ، فان العقل الاختيارى يمتنع حصوله بدون القصد اليه وبدون الاختيار له. اذا عرفت هذا فنقول حصول ذلك القصد والاختيار إن كان بقصد آخر يتقدمه واختيار آخر يتقدمه لزم أن يكون كل قصد واختيار مسبوقا بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال ، فوجب انتهاء تلك القصود وتلك الاختيارات إلى قصد واختيار يخلقه الله تعالى فى العبد على سبيل الضرورة عند حصول ذلك القصد الضرورى والاختيار الضرورى يوجب الفعل فالإنسان شاء أولم يشأ إن لم تحصل فى قلبه تلك المشيئة الجازمة الخالية عن المعارض لم يترتب الفعل ، وإذا حصلت تلك المشيئة الجازمة شاء أو لم يشأ يجب ترتب الفعل عليه، فلا حصول المشيئة مترتب على حصول الفعل ، ولا حصول الفعل مترتب على المشيئة. فالإنسان مضطر فى صورة مختار ، ولقد قرر الشيخ أبو حامد الغزالى رحمه الله هذا المعنى فى باب التوكل من كتاب إحياء علوم الدين فقال: فان قلت إنى أجد فى نفسى وجدانا ضرورياً أنى إن شئت الفعل قدرت على الفعل وأن شئت الترك قدرت على الترك فالفعل والترك بى لا بغيرى . وأجاب عنه ، وقال: هب أنك تجد من نفسك هذا المعنى ولكن هل تجد من نفسك أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئة، وإن لم تشأ تلك المشيئة لم تحصل . بل العقل يشهد بأنه يشاء الفعل لا بسبق مشيئة أخرى على تلك المشيئة ، وإذا شاء الفعل وجب حصول الفعل من غير مكنة واختيار فى هذا المقام فصول المشيئة فى القلب أمر لازم وترتب الفعل على حصول المشيئة أيضاً أمر لازم وهذا يدل على أن الكل من اللّه تعالى . ﴿ المسألة الثالثة﴾. قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فيه فوائد: