Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
قوله تعالى ((وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر)) سورة الحجر
وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (ج) لَوْمَا تَأْتِنَا بِالْمَلَبِكَةِ إِن كُنتَ
مِنَ الصَّادِقِينَ (٣) مَا تُنَزِّلُ الْمَلِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًّا مُّنْظَرِينَ ﴾ إِنَّا نَحْنُ
محال، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه، وإذا كان
كذلك ، فقدرة الاله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص علمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص
بعينه، ولما كان تغير صفات الله تعالى أعني القدرة والارادة والعلم والحكمة ممتنعاً كان تغير ذلك
الاختصاص ممتنعا .
إذا عرفت هذا فنقول : هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعنى أن الصادر من زيد
هو الايمان والطاعة، ومن عمر وهو الكفر والمعصية ، فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما .
فان قالوا . إنما يلزم هذا لو كان المقتضي لحدوث الكفر والايمان من زيد وعمر و هو قدرة
الله تعالى ومشيئته، أما إذا قلنا: المقتضي لذلك هو قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك .
قلنا : قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك
القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الالزام ، وإن لم
تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له ولضده ، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر
لم يكن لمرجح ، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل ، وإن
كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث ولزم التسلسل ، وإن كان هو الله
تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص الله تعالى ، وحينئذ لا
يعود الالزام .
﴿ المسألة الثالثة ) دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله ، وإن من
قال : يجوز أن يموت قبل أجله فمخطىء .
فان قالوا : هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله ( وما أهلكنا) على الموت ، أما إذا
حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم .
قلنا: قوله (وما أهلكنا) إما أن يدخل تحته الموت او لا يدخل، فان دخل فالاستدلال
ظاهر لازم، وإن لم يدخل فنقول: إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم ولا
يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت ، فوجب أن يكون الحكم ههنا كذلك ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، لو ما تأتينا بالملائكة إن
الفخر الرازي ج٢١٩ ١١
:
١٦٢
قوله تعالى ((لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين)) سورة الحجر
نَّلْنَا الذِّكَ وَإِنَّا لَّهُ لَخَفِظُونَ
كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً منظرين إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
لحافظون﴾
اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهدید الكفار ذکر بعده شبهاتهم في إنكار نبوته :
: فالشبهة الأولى ﴾ أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات : الأول : أنه
عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون ، والدليل
عليه قوله (ويقولون إنه لمجنون ، وما هو إلا ذكر للعالمين) وأيضا قوله (أو لم يتفكروا ما
بصاحبهم من جِنّة ) والثاني : أنهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند الله تعالى ،
فالرجل اذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فر بما قال له هذا جنون وأنت مجنون،لبعدما يذكره من
طريقة العقل ، وقوله ( إنك لمجنون ) في هذه الآية يحتمل الوجهين .
أما قوله ﴿ يا أيها الذي نُزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ ففيه وجهان: الأول . أنهم ذكروه
على سبيل الاستهزاء كما قال فوعون ( إن رسولكم الذي أرسل اليكم لمجنون ) وكما قال قوم
شعيب ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) وكما قال تعالى ( فبشرُّهم بعذاب أليم ) لأن البشارة
بالعذاب ممتنعة . والثاني : ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) في زعمه واعتقاده ، وعند
أصحابه واتباعه . ثم حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبهاتهم (لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت
من الصادقين ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ المراد لو كنت صادقا في ادعاء النبوة لأتیتنا بالملائكة یشهدون عندنا
بصدقك فيما تدعيه من الرسالة ، لأن المرسل الحكيم إذا حاول تحصيل أمر ، وله طريق يفضى
الى تحصيل ذلك المقصود قطعا ، وطريق آخر قد يفضي وقد لا يفضي ، ويكون في محل الشكوك
والشبهات ، فان كان ذلك الحكيم أراد تحصيل ذلك المقصود ، فإنه يحاول تحصيله بالطريق
الأول لا بالطريق الثاني ، وإنزال الملائكة الذين يصدقونك ، ويقررون قولك طريق يفضى
الى حصول هذا المقصود قطعا ، والطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك
والشبهات ، فلو كنت صادقا في ادعاء النبوة لوجب في حكمة الله تعالى إنزال الملائكة الذين
يصرحون بتصديقك وحيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة في شىء ، فهذا تقرير هذه
الشبهة ، ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى
الأمر ) وفيه احتمال آخر : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب إن لم
يؤمنوا به ، فالقوم طالبوه نزول العذاب وقالوا له ( لو ما تأتينا بالملائكة ) الذين ينزلون عليك
١٦٣
قوله تعالى ((انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) سورة الحجر
ينزلون علينا بذلك العذاب لموعود، وهذا هو المراد بقوله تعالى ( ويستعجلونك بالعذاب ولولا
أجل مسمى لجاءهم العذاب ) ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله ( ما ننزل الملائكة إلا
بالحق وما كانوا إذاً منظرين ) فنقول : إن كان المراد من قولهم ( لو ما تأتينا بالملائكة ) هو الوجه
الأول ، كان تقرير هذا الجواب أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وعند حصول الفائدة ،
وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على
كفرهم ، وعلى هذا التقرير : فيصير إنزالهم عبثا باطلا ، ولا يكون حقا ، فلهذا السبب ما
أنزلهم الله تعالى . وقال المفسرون : المراد بالحق ههنا الموت ، والمعنى : أنهم لا ينزلون إلا
بالموت ، وإلا بعذاب الاستئصال ، ولم يبق بعد نزولهم إنظار ولا إمهال ، ونحن لا نريد
عذاب الاستئصال بهذه الأمة ، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة ، وأما إن كان المراد من قوله
تعالى ( لو ما تأتينا بالملائكة ) استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام
يتوعدهم به، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال ، وحكمنا في أمة
محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نفعل بهم ذلك ، وأن نمهلهم لما علمنا من ايمان بعضهم ، ومن
ايمان أولاد الباقين.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الفراء والزجاج: لولا ولوما لغتان: معناهما: هلا، ويستعملان
في الخبر والاستفهام، فالخبر مثل قولك لولا أنت لفعلت كذا، ومنه قوله تعالى (لولا أنتم لكنا
مؤمنين) والاستفهام كقولهم (لولا أنزل عليه ملك) وكهذه الآية. وقال الفراء: لو ما الميم فيه
بدل عن اللام في لولا، ومثله استولى على الشيء واستومى عليه، وحكى الأصمعي: خاللته
وخالمته إذا صادقته، وهو خلى وخلمى أي صديقي.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله ( ما ننزل الملائكة الا بالحق) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن
عاصم : ( ما ننزل ) بالنون وبكسر الزاي والتشديد ، والملائكة بالنصب لوقوع الانزال
عليها ، والمنزل هو الله تعالى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ( ما تُنزّل ) على فعل ما لم يسمى
فاعله ، والملائكة بالرفع . والباقون : ما تنزل الملائكة على اسناد فعل النزول الى الملائكة والله
أعلم.
﴿ المسألة الرابعة) قوله (وما كانوا اذا منظرين) يعنى: لو نزلت الملائكة لم ينظروا أي
يمهلوا، فان التكليف يزول عند نزول الملائكة. قال صاحب النظم: لفظ اذن مركبة من
كلمتين : من اذ وهو اسم بمنزلة حين . ألا ترى أنك تقول: أتيتك إذ جئتني، أي حین جئتني.
ثم ضم إليها أن، فصار إذ أن. ثم استثقلوا الهمزة، فحذفوها فصار إذن ،
٦٤°١
قوله تعالى ((ما ننزل الملائكة إلا بالحق)) سورة الحجر
ومجبىء لفظة اذن دليل على اضمار فعل بعدها والتقدير : وما كانوا منظرين اذ كان ما طلبوا،
وهذا تأويل حسن .
ثم قال تعالى ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أن القوم إنما قالوا (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) لأجل أنهم سمعوا
النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ((إن الله تعالى نزل الذكر علي)) ثم إنه تعالى حقق قوله في
هذه الآية فقال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
فأما قوله ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ فهذه الصيغة وإن كانت للجمع إلا أن هذا من كلام
الملوك عند إظهار التعظيم فان الواحد منهم إذا فعل فعلا أو قال قولاً قال: إنا فعلنا كذا وقلنا
كذا فكذا ههنا .
المسألة الثانية ﴾ الضمير في قوله (له لحافظون) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان :
القول الأول﴾ إنه عائد إلى الذكر يعني: وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف
والزيادة والنقصان ، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه) وقال: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .
فان قيل : فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى
بحفظه ، وما حفظه الله فلا خوف علیه؟
والجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فانه تعالى لما أن حفظه
قيضهم لذلك قال أصحابنا: وفي هذه الآية قوية على كون التسمية آية من أول كل سورة لأن
الله تعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصوناً من الزيادة والنقصان ،
فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كان القرآن مصونا عن التغيير ، ولما كان محفوظاً عن الزيادة،
ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لجاز أيضاً أن يظن بهم النقصان ، وذلك يوجب خروج
القرآن عن كونه حجة .
﴿ والقول الثاني﴾ أن الكناية في قوله (له) راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى
وإنا لمحمد لحافظون وهو قول الفراء، وقوي ابن الأنباري هذا القول فقال: لما ذكر الله الإنزال
والمنزل دل ذلك على المُنزَل علیه فحسنت الکنایة عنه ، لکونه أمراً معلوما کما في قوله تعالی ( إنا
أنزلناه في ليلة القدر ) فان هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم يتقدم ذكره ، وإنما حسنت
الكناية للسبب المعلوم فكذا ههنا ، إلا أن القول الأول أرجح القولين وأحسنهما
١٦٥
قوله تعالى ((ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين)) سورة الحجر
وَقَدْ أَرْ سَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِىِ شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ﴾ وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ
يَسْتَهْءُونَ ﴿يَ كَلِكَ نَسْلُكُ، فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (8) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ
الْأَوَّلِينَ (
مشابهة لظاهر التنزيل والله أعلم
﴿ المسألة الثالثة) إذا قلنا الكناية عائدة إلى القرآن فاختلفوا في انه تعالى كيف يحفظ
القرآن ؟ قال بعضهم : حفظه بأن جعله معجزاً مباينا لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه
والنقصان عنه لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه لتغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا
ليس من القرآن، فصار كونه معجزا كإحاطة السور بالمدينة لأنه يحصنها ويحفظها ، وقال
آخرون : إنه تعالى صانهوحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته ، وقال آخرون
أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهر ونه فيما بين الخلق
إلى آخر بقاء التكليف ، وقال آخرون المراد بالحفظ هو أن أحدا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة
لقال له أهل الدنيا : هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو
هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان : أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا
وكذا ، فهذا هو المراد من قوله ( وانا له لحافظون ).
(واعلم أنه لم يتفق لشىء من الكتب مثل هذا الحفظ ، فانه لا كتاب إلا وقد دخله
التصحيف والتحريف والتغيير ، إما في الكثير منه أو في القليل ، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن
جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من
أعظم المعجزات، وأيضاً أخبر الله تعالى عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف ، وانقضى الآن
قريباً من ستمائة سنة فكان هذا إخباراً عن الغيب ، فكان ذلك أيضا معجزا قاهرا .
﴿ المسألة الرابعة) احتج القاضي بقوله ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) على
فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان قال : لأنه لو كان
الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظا ، وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنه يجرى مجرى إثبات الشىء
بنفسه ، فالامامية الذين يقولون إن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان ، لعلهم يقولون
إن هذه الآية من جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن ، فثبت أن اثبات هذا المطلوب بهذه الآية
يجرى مجرى اثبات الشىء نفسه وأنه باطل والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به
يستهزؤن كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين ﴾.
١٦٦
قوله تعالى ((كذلك نسلكهُ في قلوب المجرمين)) سورة الحجر
اعلم أن القوم لما أساؤا في الأدب وخاطبوه بالسفاهة وقالوا: انك لمجنون، فالله تعالى
ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء هكذا كانت. ولك أسوة في الصبر على سفاهتهم
وجهالتهم بجميع الأنبياء عليهم السلام، فهذا هو الكلام في نظم الله للآية وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية محذوف والتقدير: ولقد أرسلنا من قبلك رسلا. إلا أنه
حذف ذكر الرسل لدلالة الارسال عليه. وقوله (في شيع الأولين) أي في أمم الأولين واتباعهم.
قال الفراء الشيع الأتباع واحدهم شيعة . وشيعة الرجل أتباعه، والشيعة الأمة سموا بذلك ،
لأن بعضهم شايع بعضا وشاكله ، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله ( أو يلبسكم شيعا)
قال الفراء : وقوله ( في شيع الأولين ) من اضافة الصفة الى الموصوف كقوله ( حق اليقين )
وقوله (بجانب الغربي) وقوله (وذلك دين القيمة) أما قوله (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به
يستهزئون) أي عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء والرسل ذلك الاستهزاء بهم كما فعلوا بك
ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .
واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة أمور . الأول : أنهم
يستثقلون التزام الطاعات والعبادات والاحتزاز عن الطيبات واللذات . والثاني : أن الرسول
يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة ومذاهبهم الباطلة ، وذلك شاق شديد على
الطباع . والثالث : أن الرسول متبوع مخدوم والأقوام يجب عليهم طاعته وخدمته . وذلك
أيضاً في غاية المشقة . والرابع : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون فقيرا ولا يكون له
أعوان وأنصار ولا مال ولا جاه فالمتنعمون والرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه
الصفة . والخامس : خذلان الله لهم وإلقاء دواعي الكفر والجهل في قلوبهم ، وهذا هو السبب
الأصلي؛ فلهذه الأسباب وما يشبهها تقع الجهال والضالّون مع أكابر الأنبياء عليهم السلام في
هذه الأعمال القبيحة والأفعال المنكرة.
أما قوله تعالى ﴿ كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ ففيه مسألتان:
{ المسألة الأولى ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط والرمح في
المطعون، وقيل: في قوله (ما سلككم في سقر) أي أدخلكم في جهنم. وذكر أبو عبيدة وأبو
عبيد: سلكته وأسلكته بمعنى واحد.
المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوب
الكفار، فقالوا قوله (كذلك نسلكه) أي كذلك نسلك الباطل والضلال في قلوب المجرمين ،
قالت المعتزلة: لم يجر الضلال والكفر ذكر فيما قبل هذا اللفظ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائداً
١٦٧
قوله تعالى ((كذلك نسلكه في قلوب المجرمين)) سورة الحجر
الیه، لا يقال: إنه تعالى قال (وما یأتیھم من رسول إلا کانوا به يستهزئون) وقوله ( يستهزئون)
يدل على الاستهزاء، فالضمير في قوله (كذلك نسلكه) عائد اليه، والاستهزاء بالأنبياء كفر
وضلال ، فثبت صحة قولنا المراد من قوله (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) هو أنه كذلك
نسلك الكفر والضلال والاستهزاء بأنبياء الله تعالى ورسله في قلوب المجرمين ، لأنا نقول: إن
کان الضمير في قوله (کذلك نسلكه) عائداً الى الاستهزاء وجب أن یکون الضمير في قوله (لا
يؤمنون به) عائداً أيضاً إلى الاستهزاء لأنهما ضميران تعاقبا وتلاصقا، فوجب عودهما إلى شيء
واحد . . فوجب أن لا يكونوا مؤمنين بذلك الاستهزاء، وذلك يوجب التناقض ، لأن الكافر
لا بد وأن يكون مؤمنا بكفره ، والذي لا يكون كذلك هو المسلم العالم ببطلان الكفر فلا
يصدق به ، وأيضا فلو كان تعالى هو الذي يسلك الكفر في قلب الكافر ويخلقه فيه فما أحد أولى
بالعذر من هؤلاء الكفار، ولكان على هذا التقدير يمتنع أن يذمهم في الدنيا وأن يعاقبهم في
الآخرة عليه، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على هذا الوجه. فنقول : التأويل الصحيح أن
الضمير في قوله تعالى (كذلك نسلكه) عائد الى الذكر الذي هو القرآن فانه تعالى قال قبل هذه
الآية (إنا نحن نزلنا الذكر) وقال بعده (كذلك نسلكه) أي هكذا نسلك القرآن في قلوب
المجرمين ، والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا
القرآن ويخلق فيها العلم بمعانيه وبين أنهم لجهلهم وإصرارهم لا يؤمنون به مع هذه الأحوال
عنادا وجهلا، فكان هذا موجبا للحوق الذم الشديد بهم ، ويدل على صحة هذا التأويل
وجهان : الأول : أن الضمير في قوله (لا يؤمنون به) عائد إلى القرآن بالاجماع فوجب أن يكون
الضمير في قوله (كذلك نسلكه) عائداً اليه أيضاً لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى
شيء واحد. والثاني : أن قوله (كذلك معناه : مثل ما عملنا كذا وكذا نعمل هذا السلك
فيكون هذا تشبيهاً لهذا السلك بعمل آخر ذكره الله تعالى قبل هذه الآية من أعمال نفسه، ولم
يجر لعمل من أعمال الله ذكر في سابقة هذه الآية إلا قوله (إنا نحن نزلنا الذكر) فوجب أن يكون
هذا معطوفا عليه ومشبهاً به، ومتى كان الأمر كذلك كان الضمير في قوله (نسلكه) عائدا إلى
الذكر وهذا تمام تقرير كلام القوم.
والجواب: لا يجوز أن يكون الضمير في قوله (نسلكه) عائداً على الذكر، ويدل عليه
وجوه :
الوجه الأول﴾ أن قوله (كذلك نسلكه) مذكور بحرف النون، والمراد منه إظهار
نهاية التعظيم والجلالة، ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلا يظهر له أثر قوي كامل
١٦٨
قوله تعالى ((كذلك نسلكه في قلوب المجرمين)) سورة الحجر
بحيث صار المنازع والمدافع له مغلوبا مقهورا . فأما إذا فعل فعلا ولم يظهر له أثر البتة، صار
المنازع والمدافع غالبا قاهرا ، فان ذكر اللفظ المشعر بنهاية العظمة والجلالة يكون مُستقبحاً في
هذا المقام، والأمر ههنا كذلك لأنه تعالى سلك أسماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر
لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت اليه ولم يؤمن به، فصار فعل الله تعالى كالهدر الضائع،
وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع، وإذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة
والجلالة في قوله (نسلكه) غير لائق بهذا المقام، فثبت بهذا أن التأويل الذي ذكروه فاسد.
﴿ والوجه الثاني ﴾ أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال ( كذلك نسلكه في قلوب
المجرمين) ولا يؤمنون به، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون . أما لم
يذكر الوار فعلمنا أن قوله (لا يؤمنون به) كالتفسير، والبيان لقوله (نسلكه في قلوب المجرمين)
وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم.
والوجه الثالث﴾ أن قوله ( إنا نحن نزلنا الذكر) بعيد ، وقوله ( يستهزئون)
قريب ، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب . أما قوله : لو كان الضمير في قوله
( نسلكه) عائداً إلى الاستهزاء لكان في قوله ( لا يؤمنون به ) عائدا اليه ، وحينئذ يلزم
التناقض .
قلنا : الجواب عنه من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن مقتضى الدليل عود الضمير الى أقرب المذكورات، ولا مانع من
اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا :
الضمير الأول عائد الى الاستهزاء ، والضمير الثاني عائد الى الذكر ، وتفريق الضمائر المتعاقبة
على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن ، أليس أن الجبائي والكعبى القاضي قالوا في قوله
تعالى ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ليسكن اليها فلما تغشاها حملت
حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين فلما
آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ) فقالوا هذه الضمائر من أول الآية
إلى قوله ( جعلا له شركاء ) عائدة إلى آدم وحواء ، وأما في قوله ( جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى
الله عما يشركون) عائدة إلى غيرهما ، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم ، وإذا ثبت هذا ظهر أنه
لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شىء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا ههنا والله
أعلم .
﴿ والوجه الثاني ﴾ في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله ( لا يؤمنون به )
١٦٩
قوله تعالى ((وقد خلت سنة الأولين)) سورة الحجر
تفسير للكناية في قوله ( نسلكه ) والتقدير : كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به .
والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به .
﴿ والوجه الثالث) وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الايمان والكفر
يمتنع أن يكون بالعبد ، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الايمان والصدق ، والعلم والحق ، وأن
أحداً لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب . فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الايمان والحق
ثم إنه لا يحصل ذلك ، وإنما يحصل الكفر والباطل ، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه .
فان قالوا : إنما حصل ذلك الكفر لأنه ظن أنه هو الايمان : فنقول : فعلى هذا التقدير
إنما رضى بتحصيل ذلك والجهل لأجل جهل آخر سابق عليه، فينقل الكلام إلى ذلك الجهل السابق
فان كان ذلك لأجل جهل آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإلا وجب انتهاء كل الجهالات إلى
جهل أول سابق حصل في قلبه لا بتحصيله بل بتخليق الله تعالى ، وذلك هو الذي قلناه : أن
المراد من قوله ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون ) والمعنى : نجعل في قلوبهم أن لا
يؤمنوا به ، وهو أنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها ، وأيضا قدماء المفسرين مثل : ابن عباس
وتلامذته أطبقوا على تفسير هذه الآية بأنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها ، والتأويل الذي
ذكره المعتزلة تأويل مستحدث لم يقل به أحد من المتقدمين فكان مردوداً، وروى القاضي عن
عكرمة أن المراد كذلك نسلك القسوة في قلوب المجرمين ، ثم قال القاضي : إن القسوة لا
تحصل إلا من قبل الكافر بأن يستمر على كفره ويعاند ، فلا يصح اضافته إلى الله تعالى ، فيقال
للقاضي : إن هذا يجري مجرى المكابرة ، وذلك لأن الكافر يجد من نفسه نفرة شديدة عن قبول
قول الرسول ونبوة عظيمة عنه حتى أنه كلما رآه تغير لونه واصفر وجهه ، وربما ارتعدت
أعضاؤه ولا يقدر على الالتفات إليه والاصغاء لقوله ، فحصول هذه الأحوال في قلبه أمر
اضطراري لا يمكنه دفعها عن نفسه ، فكيف يقال : إنها حصلت بفعله واختياره ؟
فان قالوا : إنه يمكنه ترك هذه الأحوال ، والرجوع إلى الانقياد والقبول ، فنقول هذا
مغالطة محضة ، لأنك إن أردت أنه مع حصول هذه النفرة الشديدة في القلب ، والنبوة
العظيمة في النفس يمكنه أن يعود الى الانقياد والقبول والطاعة والرضا فهذا مكابرة ، وإن
أردت أن عند زوال هذه الأحوال النفسانية يمكنه العود إلى القبول والتسليم فهذا حق ، إلا
أنه لا يمكنه ازالة هذه الدواعي والصوارف عن القلب فانه ان كان الفاعل لها هو الانسان لافتقر
في تحصيل هذه الدواعي والصوارف إلى دواعي سابقة عليها ولزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك
محال ، وان كان الفاعل لها هو الله تعالى فحينئذ يصح انه تعالى هو الذي يسلك هذه الدواعي
والصوارف في القلوب وذلك عين ما ذكرناه والله أعلم .
١٧٠
قوله تعالى ((ولو فتحنا عليهم بابا من السماء)) سورة الحجر
لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُواْ فِهِ يَعْرُجُونَ ﴾
أَبْصَُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ.
أما قوله تعالى ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ قفيه قولان: الأول : أنه تهديد لكفار مكة،
يقول قد مضت سنة الله باهلاك من كذب الرسل في القرون الماضية . الثاني : وهو قول
الزجاج : وقدمضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم ، وهذا أليق
بظاهر اللفظ .
قوله تعالى ﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت
أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ﴾
اعلم أن هذا الكلام هو المذكور في سورة الأنعام في قوله ( ولو نزلنا عليك كتابا في
قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) والحاصل: أن القوم لمّا طلبوا
نزول ملائكة يصرِّحون بتصديق الرسول عليه السلام في كونه رسولاً من عند الله تعالى، بين الله
تعالى في هذه الآية أن بتقدير أن يحصل هذا المعنى لقال الذين كفروا هذا من باب السحر
وهؤلاء الذين يُظَنُّ أنا نراهم فنحن في الحقيقة لا نراهم. والحاصل: أنه لما علم الله تعالى أنه لا
فائدة في نزول الملائكة فلهذا السبب ما أنزلهم .
فان قيل : كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يصيروا شاكين في وجود ما يشاهدونه
بالعين السليمة في النهار الواضح ، ولو جاز حصول الشك في ذلك كانت السفسطة لالازمة ،
ولا يبقى حينئذ اعتماد على الحس والمشاهدة؟
أجاب القاضي عنه : بأنه تعالى ما وصفهم بالشك فيما يبصرون ، وإنما وصفهم بأنهم
يقولون هذا القول ، وقد يجوز أن يقدم الانسان على الكذب على سبيل العناد والمكابرة، ثم
يسأل نفسه ويقول : أفيصح من الجمع العظيم أن يظهروا الشك في المشاهدات؟ ويجيب بأنه
يصح ذلك إذا جمعهم عليه غرض صحيح معتبر من مواطأة على دفع حجة أو غلبة خصم ،
وأيضا فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنزال
الملائكة، وهذا السؤال ما كان إلا من أساء القوم ، وكانوا قليلي العدد ، وإقدام العدد القليل
على ما يجري مجرى المكابرة جائز .
المسألة الثانية ) قوله تعالى (فظلوا فيه يعرجون) يقال: ظل فلان نهاره يفعل كذا إذا
فعله بالنهار ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل بالنهار، كما لا يقولون بات يبيت إلا
١٧١
قوله تعالى ((لقالوا انما سكرت ابصارنا)) سورة الحجر
بالليل ، والمصدر الظلول ، وقوله ( فيه يعرجون ) يقال : عرج يعرج عروجا ، ومنه
المعارج ، وهي المصاعد التي يصعد فيها ، وللمفسرين في هذه الآية قولان :
﴿ القول الأول ﴾ أن قوله ( فظلوا فيه يعرجون) من صفة المشركين . قال ابن عباس
رضى الله عنهما : لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون الى ملكوت الله تعالى
وقدرته وسلطانه ، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكّوا في تلك الرؤية
وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به
النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والانس أن يأتوا بمثله.
﴿ القول الثاني﴾ أن هذا العروج للملائكة ، والمعنى: أنه تعالى لو جعل هؤلاء
الكفار بحيث يروا أبوابا من السماء مفتوحة وتصعد منها الملائكة وتنزل لصرفوا ذلك عن
وجهه ، ولقالوا : إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الاباطيل التي لا حقيقة لها
وقوله ( لقالوا إنما سكرت أبصارنا ) فيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن كثير ( سكرت ) بالتخفيف، والباقون مشددة الكاف قال
الواحدي سكرت غشيت وسددت بالسحر هذا قول أهل اللغة قالوا : وأصله من السكر وهو
سد الشق لئلا ينفجر الماء ، فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء من
الجري ، والتشديد يوجب زيادة وتكثيرا، وقال أبو عمرو بن العلاء : هو مأخوذ من سكّر
الشراب يعنى أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير
العقل، فاذا كان هذا معنى التخفيف فسكرت بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد مرة بعد
أخرى ، وقال أبو عبيدة ( سكرت أبصارنا) أي غشيت أبصارنا فوجب سكونها وبطلانها ،
وعلى هذا القول أصله من السكون يقال : سكرت الريح سكرا إذا سكنت وسكر الحر يسكر
وليلة ساکرة لا ريح فيها وقال أوس:
فلیست بطلق ولا ساکرة
جذلت على ليلة ساهرة
ويقال : سكرت عينه سكرا إذا تحيرت وسكنت عن النظر وعلى هذا معنى : سكرت
أبصارنا . أي سكنت عن النظر وهذا القول اختيار الزجاج . وقال أبو على الفارسي :
سكرت صارت بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها ، وكان معنى السكر قطع
الشيء عن سننه الجارية ، فمن ذلك تسكير الماء وهو رده عن سننه في الجريان، والسكر في
الشراب هو أن ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في
الصحو، فهذه أقوال أربعة في تفسير ( سكرت ) وهي في الحقيقة متقاربة ، والله أعلم .
١٧٢
قوله تعالى ((ولقد جعلنا في السماء بروجا)) سورة الحجر
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُوجًا وَزَيَّنَّهَا لِلَِّظِرِ ينَ (٦) وَحَفِظَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ
رِجٍِ ﴿ إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾
المسألة الثانية ﴾ قال الجبائي : من جوز قدرة السحرة على أن يأخذوا بأعين الناس
حتى يروهم الشيء على خلاف ما هو عليه لم يصح إيمانه بالأنبياء والرسل ، وذلك لأنهم اذا
جوزوا ذلك فلعل هذا الذي يرى أنه محمد بن عبدالله ليس هو ذلك الرجل وإنما هو شيطان ،
ولعل هذه المعجزات التي نشاهدها ليس لها حقائق ، بل هي تكون من باب الآراء الباطلة من
ذلك الساحر ، واذا حصل هذا التجويز بطل الكل ، والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان
رجیم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ﴾.
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة ، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة متفرع
على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد . ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية ،
ومنها أرضية ، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية ، فقال ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها
للناظرين ) قال الليث : البرج واحد من بروج الفلك ، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجا ،
ونظيرة قوله تعالى ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا) وقال ( والسماء ذات البروج )، ووجه
دلالتها على وجود الصانع المختار ، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ماهو متفق عليه بين
أرباب الأحكام ، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية
والأبعاض المختلفة في الحقيقة ، وكل مركب فلا بد له من مركّب يركِّب تلك الأجزاء والأبعاض
بحسب الاختيار والحكمة ، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل
المختار ، وهو المطلوب ، وأما قوله ( وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من
استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله
تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين )، فلا نعيد ههنا إلا القدر
الذي لا بد منه قوله ( وزيناها ) أي بالشمس والقمر والنجوم ( للناظرين ) أي للمعتبرين بها
المستدلين بها على توحيد صانعها وقوله ( وحفظناها من كل شيطان رجيم ):
فان قيل : ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم ، والشيطان لا قدرة له على هدم
السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه .
قلنا : لما منعه من القرب منها ، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان . فحفظ الله
١٧٣
قوله تعالى ((إلا من استرق السمع فاتبعه شهاب مبين)) سورة الحجر
السماء منهم كما قد يحفظ منازلنا عن مُتجسِّس يخشى منه الفساد ثم نقول : معنى الرجم في اللغة
الرمي بالحجارة . ثم قيل للقتل رجم تشبيهاً له بالرجم بالحجارة ، والرجم أيضاً السب والشتم
لأنه رمي بالقول القبيح ومنه قوله (لأرجمنك ) أي لأسبَّنك، والرجم اسم لكل ما يرمى به ،
ومنه قوله ( وجعلناها رجوما للشياطين ) أي مرامي لهم ، والرجم القول بالظن ، ومنه قوله
( رجما بالغيب ) لأنه يرميه بذلك الظن والرجم أيضا اللعن والطرد ، وقوله الشيطان الرجيم ،
وقد فسروه بكل هذه الوجوه . قال ابن عباس رضى الله عنهما : كانت الشياطين لا تحجب عن
السموات ، فكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها الى الكهنة ، فلما
ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات ، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
منعوا من السموات كلها ، فكل واحد منهم إذا أراد استراق السمع رمي بشهاب . وقوله ( إلا
من استرق السمع ) لا يمكن حمل لفظة ( إلا ) ههنا على الاستثناء ، بدليل أن إقدامهم على
استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها ، وإنما
يحاولون القرب منها ، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق ، فوجب أن يكون معناه :
لكن من استرق السمع . قال الزجاج : موضع (مَن ) نصب على هذا التقدير . قال :
وجائز أن يكون في موضع خفض ، والتقدير : إلا ممن . قال ابن عباس : في قوله ( إلا من
استرق السمع ) يريد الخطفة اليسيرة ، وذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمي بالشهاب
فيحرقه ولا يقتله ، ومنهم من يحيله فيصير غولا يضل الناس في البراري . وقوله ( فأتبعه )
ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة بلعم بن باعورا في قوله ( فأتبعه الشيطان ) معناه لحقه ،
والشهاب شعلة نار ساطع ، ثم يسمى الكواكب شهابا ، والسنان شهابا لأجل أنهما لما فيهما من
البريق يشبهان النار .
واعلم أن في هذا الموضع أبحاثا دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة الجن ، ونذكر
منه ههنا إشكالا واحدا ، وهو أن لقائل أن يقول : إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان
الى السموات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار الغيوب عنهم ، ثم إنها تنزل وتلقى تلك الغيوب
على الكهنة فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزا لأن كل
غيب يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم قام فيه هذا الاحتمال وحينئذ يخرج عن كونه معجزا
دليلا على الصدق ، لا يقال إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله
عليه وسلم، لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد رسولا وكون القرآن
حقا ، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز ، وكون الإخبار عن الغيب معجزا لا يثبت إلا
بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل محال ، ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت
كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا بسائر المعجزات ، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله
١٧٤
قوله تعالى ((والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي)) سورة الحجر
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونِ (٨) وَجَعَلْنَا
◌َكُمْ فِهَا مَعَيِشَ وَمَن لَّسْتُمْلَهُ بِرَِّقِينَ
تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق ، وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب
معجزاً وبهذا الطريق يندفع الدور . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون
وجعلنا لكم فيها معایش ومن لستم له برازقين ﴾
اعلم أنه تعالى لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التوحيد . أتبعها بذكر الدلائل
الأرضية ، وهي أنواع :
﴿ النوع الأول﴾ قوله تعالى (والأرض مددناها) قال ابن عباس بسطناها على وجه
الماء ، وفيه احتمال آخر ، وذلك لأن الأرض جسم ، والجسم هو الذي يكون ممتدا في الجهات
الثلاثة ، وهي الطول والعرض والثخن ، وإذا كان كذلك ، فتمدد جسم الأرض في هذه
الجهات الثلاثة مختص بمقدار معين لما ثبت أن كل جسم فانه يجب أن يكون متناهيا . وإذا كان
كذلك كان تمدد جسم الأرض مختصا بمقدار معين مع أن الازدياد عليه معقول ، والانتقاص عنه
أيضا معقول ، وإذا كان كذلك كان اختصاص ذلك التمدد بذلك المقدّر المقدر مع جواز
حصول الأزيد والأنقص اختصاصا بأمر جائز . وذلك يجب أن يكون بتخصيص مخصص
وتقدير مقدر ، وهو الله سبحانه وتعالى .
فان قيل : هل يدل قوله ( والأرض مددناها ) على أنها بسيطة ؟
قلنا : نعم لأن الأرض بتقدير كونها كرة ، فهي كرة في غاية العظمة ، والكرة العظيمة
يكون كل قطعة صغيرة منها ، اذا نظر اليها ، فانها ترى كالسطح المستوي ، واذا كان كذلك
زال ما ذکر وه من الإشکال ، والدلیل علیه قوله تعالى ( والجبال أوتادا ) سماها أوتادا مع أنه قد
يحصل عليها سطوح عظيمة مستوية ، فكذا ههنا .
﴿ النوع الثاني﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى (وألقينا فيها رواسي)
وهي الجبال الثوابت ، واحدها راسي ، والجمع راسية ، وجمع الجمع رواسي ، وهو كقوله
تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) وفي تفسيره وجهان :
الوجه الأول ﴾ قال ابن عباس: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها
١٧٥
قوله تعالى ((وجعلنا لكم فيها معايش)) سورة الحجر
كالسفينة فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكيلا تميل بأهلها ..
فان قيل : أتقولون إنه تعالى خلق الأرض بدون الجبال فما لت بأهلها فخلق فيها الجبال
بعد ذلك أو تقولون إن الله خلق الأرض والجبال معا .
قلنا : كلا الوجهين محتمل .
والوجه الثاني ﴾ في تفسير قوله (وألقينا فيها رواسي ) يجوز أن يكون المراد أنه تعالى
خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة
المستقيمة ولا يقعون في الضلال وهذا الوجه ظاهر الاحتمال .
النوع الثالث ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى ( وأنبتنا فيها من كل
شىء موزون ) وفيه بحثان :
البحث الأول) أن الضمير في قوله ( وأنبتنا فيها ) يحتمل أن يكون راجعا إلى الأرض
وان يكون راجعا إلى الجبال الرواسي ، إلا أن رجوعه إلى الأرض اولى لأن أنواع النبات المنتفع
بها انما تتولد في الأراضي ، فأما الفواكة الجبلية فقليلة النفع ، ومنهم من قال : رجوع ذلك
الضمير إلى الجبال أولى ، لأن المعادن انما تتولد في الجبال ، والأشياء الموزونة في العرف والعادة
هي المعادن لا النبات .
البحث الثاني ﴾ اختلفوا في المراد بالموزون وفيه وجوه :
الوجه الأول﴾ أن يكون المراد أنه متقدر بقدر الحاجة . قال القاضي : وهذا
الوجه أقرب لأنه تعالى يعلم المقدار الذي يحتاج اليه الناس وينتفعون به فينبت تعالى في الأرض
ذلك المقدار ، ولذلك أتبعه بقوله ( وجعلنا لكم فيها معايش ) لأن ذلك الرزق الذي يظهر
بالنبات يكون معيشة لهم من وجهين : الأول : بحسب الأكل والانتفاع بعينه . والثاني : أن
ينتفع بالتجارة فيه ، والقائلون بهذا القول قالوا : الوزن انما يراد لمعرفة المقدار فكان إطلاق
لفظ الوزن لإرادة معرفة المقدار من باب اطلاق اسم السبب على المسبب قالوا : ويتأكد ذلك
أيضا بقوله تعالى ( وکل شیء عنده بمقدار ) وقوله ( وإن من شىء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا
بقدر معلوم )
والوجه الثاني ﴾ في تفسير هذا اللفظ أن هذا العالم عالم الأسباب والله تعالى إنما
يخلق المعادن والنبات والحيوان بواسطة تركيب طبائع هذا العالم ، فلا بد وأن يحصل من
الأرض قدر مخصوص من الماء والهواء كذلك ، ومن تأثير الشمس والكواكب في الحر والبرد
١٧٦
قوله تعالى ((ومن لستم له برازقين)) سورة الحجر
مقدار مخصوص ، ولو قدَّرنا حصول الزيادة على ذلك القدر المخصوص ، أو النقصان عنه لم
تتولد المعادن والنبات والحيوان، فالله سبحانه وتعالى غدرها على وجه مخصوص بقدرته وعلمه
وحكمته فكأنه تعالى وزنها بميزان الحكمة حتى حصلت هذه الأنواع .
والوجه الثالث ﴾ في تفسير هذا اللفظ أن أهل العرف يقولون : فلان موزون
الحركات أي حركات متناسبة حسنة مطابقة للحكمة ، وهذا للكلام كلام موزون اذا كان
متناسبا حسنا بعيدا عن اللغو والسخف فكان المراد منه أنه موزون بميزان الحكمة والعقل
وبالجملة فقد جعلوا لفظ الموزون كناية عن الحسن والتناسب ، فقوله ( وأنبتنا فيها من كل شىء
موزون ) أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة ومطابقة المصلحة .
﴿ والوجه الرابع ﴾ في تفسير هذا اللفظ أن الشىء الذي ينبت من الأرض نوعان:
المعادن والنبات : أما المعادن فهي بأسرها موزونة وهي الأجساد السبعة والأحجار والأملاح
والزجاجات وغيرها . وأما النبات فيرجع عاقبتها الى الوزن ، لأن الحبوب توزن ، وكذلك
الفواكه في الأكثر والله أعلم . وقوله تعالى ( وجعلنا لكم فيها معايش ) فيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ ذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف وقوله (ومن لستم له
برازقين ) فيه قولان :
القول الأول ﴾ أنه معطوف على محل لكم ، والتقدير : وجعلنا لكم فيها معايش ومن
لستم له برازقين .
والقول الثاني ﴾ أنه عطف على قوله ( معايش ) والتقدير : وجعلنا لكم معايش ومن
لستم له برازقين ، وعلى هذا القول ففيه احتمالات ثلاثة :
الاحتمال الأول﴾ أن كلمة ((من)) مختصة بالعقلاء فوجب أن يكون المراد من قوله
( ومن لستم له برازقين ) العقلاء وهم العيال والمماليك والخدم والعبيد ، وتقرير الكلام أن
الناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد ، وذلك خطأ فان الله
هو الرزاق برزق الخادم والمخدوم ، والمملوك والمالك فانه لولا أنه تعالى خلق الأطعمة
والأشربة ، وأعطى القوة المغذية والهاضمة ، وإلا لم يحصل لأحد رزق .
﴿ والاحتمال الثاني ) وهو قول الكلبي قال: المراد بقوله ( ومن لستم له برازقين )
الوحش والطير.
فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل مع أن صيغة من مختصة بمن يعقل ؟
١٧٧
قوله تعالى ((وإن من شيء إلا عندنا خزائنا )) سورة الحجر
وَإِنْ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا ◌َآَبِئُهُ, وَمَا نُنَزِلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُوٍ ﴾ وَأَرْسَلْنَا ◌َلِيَحَ
لَوْقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَاءَ فَأَسْقَيْنَكُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَدِنِينَ (
قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن صيغة من قد وردت في غير العقلاء ،
والدليل عليه قوله تعالى: ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى
على رجلين ومنهم من يمشى على أربع ) والثاني : أنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقا على الله
حيث قال ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرَّها ومستودعها ) فكأنها عند
الحاجة تطلب أرزاقها من خالقها فصارت شبيهة بمن يعقل من هذه الجهة ، فلم يبعد ذكرها
بصيغة من يعقل ، ألا ترى أنه قال ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) فذكرها بصيغة جمع
العقلاء ، وقال في الأصنام (فإنهم عدّو لي) وقال ( كلّ في فلك يسبحون ) فكذا ههنا لا يبعد
إطلاق اللفظة المختصة بالعقلاء على الوحش والطير لكونها شبيهة بالعقلاء من هذه الجهة
وسمعت في بعض الحكايات أنه قلت المياه في الأودية والجبال واشتد الحر في عام من الأعوام
فحكى عن بعضهم أنه رأى بعض الوحوش رافعاً رأسه إلى السماء عند اشتداد عطشه قال :
فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت بحيث امتلأت الأودية منها .
﴿والاحتمال الثالث ﴾ أنا نحمل قوله ( ومن لستم له برازقين ) على الاماء والعبيد ،
وعلى الوحش والطير ، وإنما أطلق عليها صيغة (مِن) تغليباً لجانب العقلاء على غيرهم .
المسألة الثانية ) قوله (ومن لستم له برازقين ) لا يجوز أن يكون مجرورا عطفا على
الضمير المجرور في لكم ، لأنه لا يعطف على الضمير المجرور ، لا يقال أخذت منك وزيد إلا
باعادة الخافض كقوله تعالى: ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ).
واعلم أن هذا المعنى جائز على قراءة من قرأ ( تساءلون به والأرحام ) بالخفض وقد
ذكرنا هذه المسألة هنالك . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزّله إلا بقدر معلوم وأرسلنا الرياح
لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيبا كموه وما أنتم له بخازنين ﴾.
اعلم أنه تعالى لما بين أنه أنبت في الأرض كل شىء موزون وجعل فيها معايش أتبعه
بذکر ما هو کالسبب لذلك فقال ( وإن من شىء إلا عندنا خزائنه ).
﴿ وهذا هو النوع الرابع ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه السورة على تقرير التوحيد ،
وفي الآية مسائل :
الفخر الرازي ج١٩م ١٢
١٧٨
قوله تعالى ((وما ننزله إلا بقدر معلوم)) سورة الحجر
المسألة الأولى﴾ قال الواحدي رحمه الله : الخزائن جمع الخزانة ، وهي اسم المكان
الذي يخزن فيه الشىء أي يحفظ، والخزانة أيضاعمل الخازن ، ويقال : خزن الشىء يخزنه اذا
أحرزه في خزانة ، وعامة المفسرين على أن المراد بقوله ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) هو
المطر ، وذلك لأنه هو السبب للأرزاق ولمعايش بنى آدم وغيرهم من الطيور والوحوش ، فلما
ذكر تعالى أنه يعطيهم المعايش بينَّ أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده ، أي في أمره
وحكمه وتدبيره ، وقوله ( وما ننزله إلا بقدر معلوم ) قال ابن عباس رحمهما الله : يريد قدر
الكفاية ، وقال الحكم : ما من عام بأكثر مطرا من عام آخر ، ولكنه يمطر قوم ويحرم قوم
آخرون ، وربما كان في البحر ، يعني أن الله تعالى ينزل المطر كل عام بقدر معلوم ، غير أنه
يصرفه الی من یشاء حيث شاء كما شاء .
ولقائل أن يقول : لفظ الآية لا يدل على هذا المعنى ، فان قوله تعالى ( وما ننزله إلا بقدر
معلوم ) لا يدل على أنه تعالى ینزله في جميع الأعوام على قدر واحد ، وإذا كان كذلك کان تفسیر
الآية بهذا المعنى تحكما من غير دليل . وأقول أيضا : تخصيص قوله تعالى ( وإن من شيء إلا
عندنا خزائنه ) بالمطر تحكم محض ، لأن قوله ( وإن من شيء) يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه
الدليل ، وهو الموجود القديم الواجب لذاته ، وقوله ( إلا عندنا خزائنه ) إشارة إلى كون تلك
الأشياء مقدورة له تعالى . وحاصل الأمر فيه أن المراد أن جميع الممكنات مقدورة له ، ومملوكة
يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، إلا أنه تعالى وإن كانت مقدوراته غير متناهية إلا أن
الذي يخرجه منها إلى الوجود يجب أن يكون متناهيا لأن دخول ما لانهاية له في الوجود محال فقوله
( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية وقوله ( وما ننزله إلا
بقدر معلوم ) إِشارة الى أن كل ما يدخل منها في الوجود فهو متناه ، ومتى كان الخارج منها الى
الوجود متناهياً كان لا محالة مختصاً في الحدوث بوقت مقدر مع جواز حصوله قبل ذلك الوقت أو
بعده بدلاً عنه، وکان مختصاً بحیّز معين مع جواز حصوله في سائر الأحياز بدلا عن ذلك الحيّز،
وكان مختصا بصفات معينة، مع أنه كان يجوز في العقل حصول سائر الصفات بدلاً عن تلك
الصفات، وإذا كان كذلك كان اختصاص تلك الأشياء المتناهية بذلك الوقت المعين والحيز
المعين والصفات المعينة بدلا عن أضدادها، لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدَّر،
وهذا هو المراد من قوله (وما ننزله إلا بقدر معلوم) والمعنى: أنه لولا القادر المختار الذي خصص
تلك الأشياء بتلك الأحوال الجائزة لامتنع اختصاصها بتلك الصفات الجائزة، والمراد من
الأنزال الإحداث والإنشاء والإبداع كقوله تعالى (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) وقوله
(وأنزلنا الحديد) والله أعلم.
المسألة الثانية ﴾ تمسك بعض المعتزلة بهذه الآية في إثبات أن المعدوم شىء، قال لأن قوله
١٧٩
قوله تعالى ((وارسلنا الرياح لواقح)) سورة الحجر
تعالى (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) يقتضي أن يكون لجميع الأشياء خزائن ، وأن تكون
تلك الخزائن حاصلة عند الله تعالى ، ولا جائز أن يكون المراد من تلك الخزائن الموجودة عند
الله تعالى هي تلك الموجودات من حيث أنها موجودة ، لأنا بينا أن المراد من قوله تعالى ( وما
تنزله إلا بقدر معلوم) الأحداث والابداع والانشاء والتكوين ، وهذا يقتضى أن يكون حصول
تلك الخزائن عند الله متقدما على حدوثها ودخولها في الوجود ، وإذا بطل هذا وجب أن يكون
المراد أن تلك الذوات والحقائق والماهيات كانت متقررة عند الله تعالى ، بمعنى إنها كانت ثابتة
من حيث أنها حقائق وماهيات ، ثم إنه تعالى أنزل بعضها أي أخرج بعضها من العدم الى
الوجود .
ولقائل أن يجيب عن ذلك بقوله : لا شك أن لفظ الخزائن إنما ورد ههنا على سبيل
التمثيل والتخييل ، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه مجرد كونه تعالى قادرا على إيجاد تلك الأشياء
وتكوينها وإخراجها من العدم إلى الوجود ؟ وعلى هذا التقدير : يسقط الاستدلال ، والمباحث
الدقيقة باقية ، والله أعلم .
إما قوله تعالى ﴿وأرسلنا الرياح لواقح ﴾ فاعلم أن هذا هو النوع الخامس من دلائل
التوحيد ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في وصف الرياح بأنها لواقح أقوال :
القول الأول ﴾ قال ابن عباس: الرياح لواقح للشجر وللسحاب ، وهو قول الحسن
وقتادة والضحاك وأصل هذا من قولهم : لقّحت الناقة وألقحها الفحل اذا ألقى الماء فيها
فحملت ، فكذلك الرياح جارية مجرى الفحل للسحاب . قال ابن مسعود في تفسير هذه
هذه الآية: يبعث الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء وتمجه في السحاب ، ثم إنه يعصر
السحاب ويدره كما تدر اللقحة فهذا هو تفسير إلقاحها للسحاب ، وأما تفسير القاحها للشجر
فما ذكروه .
فان قيل : كيف قال ( لواقح ) وهي ملقحة ؟
والجواب : ما ذهب اليه أبو عبيدة أن ( لواقح ) ههنا بمعنى ملاقح جمع ملقحة وأنشد
لسهيل يرثى أخاه :
یائس
یزید
ليبك
ذو ضراعة
وأشعث
مما طوحته الطوائح
أراد المطوحات ، وقرر ابن الأنباري ذلك فقال : تقول العرب أبقل النبت فهو باقل
١٨٠
قوله تعالى ((فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه)) سورة الحجر
يريدون هو مبقل وهذا بدل على جواز ورود لاقح ، عبارة عن ملقح .
والوجه الثاني ﴾ في الجواب قال الزجاج : يجوز أن يقال لها لواقح وان ألحقت غيرها
لأن معناها النسبة وهو كما يقال: درهم وازن، أي ذو وزن ، ورامح وسائف، أي ذو رمح
وذو سيف قال الواحدي : هذا الجواب ليس بمغْن ، لأنه كان يجب أن يصح اللاقح، بمعنى
ذات اللقاح وهذا ليس بشىء ، لأن اللاقح هو المنسوب إلى اللقحة ، ومن أفاد غيره اللقحة فله
نسبة إلى اللقحة فصح هذا الجواب والله أعلم .
والوجه الثالث ﴾ في الجواب أن الريح في نفسها لافحة وتقريره بطريقين :
﴿ الطريق الأول ﴾ أن الريح حاصلة للسحاب ، والدليل عليه قوله سبحانه ( وهو
الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ) أي حملت فعلى هذا المعنى
تكون الريح لاقحة ، بمعنى أنها حاملة تحمل السحاب والماء .
﴿ والطريق الثاني﴾ قال الزجاج: يجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير ، كما
قيل لها عقيم إذا لم بأت بالخير، وهذا كما تقول العرب : قد لقحت الحرب وقد نتجت ولداً
أنكد يشبهون ما تشتمل عليه من ضروب الشر بما تحمله الناقة فكذا ههنا والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ الريح هواء متحرك وحركة الهراء بعد أن لم یکن متحركا لا بد له من
سبب ، وذلك السبب ليس نفس كونه هواء ولا شيئا من لوازم ذاته ، وإلا لدامت حركة الهواء
بدوام ذاته وذلك محال ، فلم يبق إلا أن يقال : إنه يتحرك بتحريك الفاعل المختار ، والأحوال
التي تذكرها الفلاسفة في سبب حركة الهواء عند حدوث الريح قد حكيناها في هذا الكتاب
مرارا فأبطلناها . وبينا أنه لا يمكن أن يكون شىء منها سببا لحدوث الرياح ، فبقى أن يكون
محركها هو الله سبحانه .
وأما قوله ﴿وأنزلنا من السماء ماء فأسقينا كموه وما أنتم له بخازنين ﴾ ففيه مباحث :
الأول : أن ماء المطر هل ينزل من السماء أو ينزل من ماء السحاب ؟ وبتقدير أن يقال إنه
ينزل من السحاب كيف أطلق الله على السحاب لفظ السماء ؟ وثانيها : أنه ليس السبب في
حدوث المطر ما يذكره الفلاسفة بل السبب فيه أن الفاعل المختار ينزله من السحاب الى الأرض
لغرض الاحسان الى العباد كما قال ههنا ( فأسقينا كموه )،قال الأزهري : تقول العرب لکل ما
كان في بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري أسقيته ، أي جعلته شربا له ، وجعلت له منها
مسقى ، فاذا كانت السقيا لسقيه ، قالوا سقاه ، ولم يقولوا أسقاه . والذي يؤكد هذا اختلاف
القراء في قوله ( نسقيكم مما في بطونه ) فقرؤا باللغتين ، ولم يختلفوا في قوله ( وسقاهم ربهم