Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
قوله تعالى (( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)) سورة ابراهيم
العظيم، وإنعاما أيضا على الخلق من حيث أنه أرسل إليهم من خلّصهم من ظلمات الكفر
وأرشدهم إلى نور الايمان، فذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تكميل النعمة والاحسان في
الوجهين. أما بالنسبة الى الرسول عليه الصلاة والسلام، فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا
مبعوثين الى قومهم خاصة، وأما أنت يا محمد فمبعوث الى عامة الخلق. فكان هذا الانعام في
حقك أفضل وأكمل، وأما بالنسبة الى عامة الخلق، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولا الى قوم
إلا بلسان أولئك القوم، فإنه متى كان الأمر كذلك، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة،
ووقوفهم على حقائقها أسهل، وعن الغلط والخطأ أبعد، فهذا هو وجه النظم.
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا
توقيفية . قال لأن التوقيف لا يحصل الا بارسال الرسل ، وقد دلت هذه الآية على أن ارسال
جميع الرسل لا يكون إلا بلغة قومهم ، وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال
الرسل ، واذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف ، فوجب حصولها
بالاصطلاح .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ زعم طائفة من اليهود يقال لهم : العيسوية أن محمدا رسول الله لكن
الى العرب لا إلى سائر الطوائف ، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين : الأول : أن القرآن لما كان
ناز لا بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة ألى العرب . وحينئذ لا
يكون القرآن حجة إلا على العرب ، ومن لا يكون عربيا لم يكن القرآن حجة عليه . الثاني :
قالوا إن قوله ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ) المراد بذلك اللسان لسان العرب ،
وذلك يقتضي أن يقال : إنه ليس له قوم سوى العرب ، وذلك يدل على أنه مبعوث الى العرب
فقط .
×
والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد من ( قومه ) أهل بلده ،وليس المراد من (قومه)
أهل دعوته . والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى ( قل يا أيها الناس إني رسول الله اليكم
جميعا) بل الى الثقلين ، لأن التحدي كما وقع مع الانس فقد وقع مع الجن بدليل قوله تعالى
( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم
لبعض ظهيرا ).
﴿ المسألة الرابعة ﴾ تمسك أصحابنا بقوله تعالى ( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء )
على أن الضلال والهداية من الله تعالى ، والآية صريحة في هذا المعنى . قال الأصحاب : ومما
الفخر الرازي ج١٩م ٦

٨٢
قوله تعالى (( ليبين لهم فيضل الله من يشاء)) سورة ابراهيم
يؤكد هذا المعنى ما روي أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس وقد ارتفعت
أصواتهما ، فقال عليه السلام ((ما هذا)) فقال بعضهم: يا رسول الله يقول أبو بكر الحسنات
من الله والسيئات من أنفسنا ، ويقول : عمر كلاهما من الله ، وتبع بعضهم أبا بكر وبعضهم
عمر فتعرف الرسول و # ما قاله أبو بكر ، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه ، ثم أقبل على
عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه. ثم قال (( أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين
جبريل وميكائيل ، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر، فقضاء
اسرافيل أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما)»،قالت المعتزلة : هذه الآية
لا يمكن اجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال ( وما أرسلنا من رسول
إلا بلسان قومه ليبين لهم ) والمعنى : أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك
التكاليف بلسانهم ، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل ووقوفهم على المقصود والغرض
أكمل ، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الايمان
للمكلفين ، فأما لو كان مقصوده الاضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائما لهذا
المقصود . والثاني : أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر والضلال فيكم ، فلهم أن
يقولوا له فما الفائدة في بيانك ، وما المقصود من ارسالك ، وهل يمكننا أن نزيل كفرا خلقه الله
تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل . الثالث : أنه إذا كان الكفر
حاصلا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، وجب أن يكون الرضا به واجبا لأن الرضا بقضاء الله تعالى
واجب ، وذلك لا يقوله عاقل . والرابع : أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية وهو قوله
( لتخرج الناس من الظلمات الى النور ) يدل على مذهب العدل ، وأيضا مؤخرة الآية يدل
عليه ، وهو قوله ( وهو العزيز الحكيم ) فكيف يكون حكيما من كان خالقا للكفر والقبائح
ومريداً لها ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله ( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء )
على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد ، فوجب المصير الى التأويل ، وقد استقصينا ما في هذه
التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ( یضل به کثیرا ويهدي به كثيرا ) ولا بأس باعادة
بعضها ، فالأول أن المراد بالاضلال : هو الحكم بكونه كافرا ضالا كما يقال : فلان يكفر فلانا
ويضلله ، أي يحكم بكونه كافرا ضالا ، والثاني : أن يكون الاضلال عبارة عن الذهاب بهم
عن طريق الجنة الى النار ، والهداية عبارة عن إرشادهم الى طريق الجنة ، والثالث : أنه تعالى
لما ترك الضال على إضلاله ولم يتعرض له صار كأنه أضله ، والمهتدى لما أعانه بالالطاف صار
كأنه هو الذي هداه . قال صاحب الكشاف: المراد بالاضلال : التخلية ومنع الالطاف
وبالهداية: التوفيق واللطف .
والجواب عن قولهم : أولاً أن قوله تعالى ( ليبين لهم ) لا يليق به أن يضلهم .

٨٣
قوله تعالى ((ليبين لهم فيضل الله من يشاء)) الآية سورة ابراهيم
قلنا : قال الفراء : اذا ذكر فعل وبعده فعل آخر ، فان كان الفعل الثاني مشاكلاً للأول
نسقته علیه ، وإن لم یکن مشاکلا له استأنفته ورفعته . ونظيره قوله تعالى ( یریدون أن يطفئوا
نور الله بأفواههم ويأبى الله) فقوله ( ويأبى الله) في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ، لأنه لا
يحسن أن يقال : يريدون أن يأبى الله ، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف ،
ونظيره أيضا قوله ( لنبين لكم ونقر في الأرحام ) ومن ذلك قولهم : أردت أن أزورك فيمنعني
المطر، بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه ، ومثله قول الشاعر :
يريد أن يعربه فيعجمه
إذا عرفت هذا فنقول : ههنا قال تعالى ( ليبين لهم ) ثم قال ( فيضل الله من يشاء ) ذكر
فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله ، وأقول
تقرير هذا الكلام من حيث المعنى ، كأنه تعالى قال : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ،
ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه ، ثم قال ومع أن الأمر كذلك فانه
تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب
حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان وحصلت الهداية ، وانما
كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى . أما قوله ثانيا : لو
كان الضلال حاصلا بخلق الله تعالى لكان الكافر أن يقول له : ما الفائدة في بيانك ودعوتك ؟
فنقول : يعارضه أن الخصم يسلّم أن هذه الآيات إخبار عن كونه ضالا فيقول له الكافر : لما
أخبر إلهك عن كوني كافرا فان آمنت صار إلهك كاذبا فهل أقدر على جعل إلهك كاذبا ، وهل
أقدر على جعل علمه جهلا ؟ وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الايمان ؟ فثبت أن هذا
السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضا وارد عليه . وأما قوله ثالثا : يلزم أن يكون الرضا
بالكفر واجبا ، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
قلنا : ويلزمك أيضا على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي
تجهيله ، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا ، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره وعلم كفره فإزالة
الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا . وأما قوله رابعا : إن مقدمة الآية وهي
قوله تعالى ( لتخرج الناس من الظلمات الى النور ) يدل على صحة الاعتزال فنقول : قد ذكرنا
أن قوله ( باذن ربهم ) يدل على صحة مذهب أهل السنة . وأما قوله خامسا : أنه تعالى وصف
نفسه في آخر الآية بكونه حكيما وذلك ينافي كونه تعالى خالقا للكفر مريدا له . فنقول : وقد
وصف نفسه بكونه عزيزا والعزيز هو الغالب القاهر فلو أراد الايمان من الكافر مع أنه لا يحصل

٨٤
قوله تعالى (( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا )) سورة ابراهيم
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى ◌ِعَايَئِنَآ أَنْ أَنْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَ كِّرُهُم
بِأَيَّنِ اللهِإِنَّ فِ ذَلِكَ لَتِ لَّكُلِ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ
نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنَّكُم مِّنْءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَتِحُونَ
أَبْنَآءُ كُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ وَفِ ذَلِكُ بَلَهُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
٦
أو أراد عمل الكفر منهم ، وقد حصل لما بقي عزيزا غالبا ، فثبت أن الوجوه التي ذكروها
ضعيفة ، وأما التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مرارا فلا فائدة في
الاعادة .
قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات الى النور وذكرهم
بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . وإذ قال موسى لقومه اذكر وا نعمت الله عليكم
إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي
ذلکم بلاء من ربكم عظيم ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أرسل محمد الله إلى الناس ليخرجهم
من الظلمات الى النور . وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الارسال وفي تلك البعثة،
أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم وكيفية معاملة أقوامهم معهم تصبيرا للرسول
عليه السلام على أذى قومه وإرشادا له الى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم فذكر تعالى على العادة
المألوفة قصص بعث الأنبياء عليهم السلام فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام، فقال (ولقد
أرسلنا موسى بآياتنا ) قال الأصم : آيات موسى عليه السلام هي العصا واليد والجراد والقمل
والضفادع والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل وإنزال المَنّ والسلوى.
وقال الجبائي : أرسل الله تعالى موسى عليه السلام الى قومه من بني إسرائيل بآياته وهي أدّلته
وكتبه المنزلة عليه ، وأمره أن يبين لهم الدين . وقال أبو مسلم الأصفهاني : إنه تعالى قال في
صفة محمد # ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور) وقال في حق موسى عليه
السلام ( أن أخرج قومك من الظلمات الى النور ) والمقصود : بيان أن المقصود من البعثة

٨٥
قوله تعالى (( وذكرهم بأيام الله )) سورة ابراهيم
واحد في حق جميع الأنبياء عليهم السلام ، وهو أن يسعوا في إخراج الخلق من ظلمات
الضلالات الى أنوار الهدايات .
﴿المسألة الثانية﴾ قال الزجاج: قوله (أن أخرج قومك) أي بأن أخرج قومك. ثم قال
(أن) ههنا تصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي، ويكون المعنى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي
أخرج قومك، كأن المعنى قلنا له: أخرج قومك. ومثله قوله (وانطلق الملأ منهم أن امشوا)
أي امشوا، والتأويل قيل لهم: امشوا، وتصلح أيضا أن تكون المخففة التي هي للخبر،
والمعنى: أرسلناه بأن يخرج قومه إلا أن الجار حذف ووصلت (أن) بلفظ الأمر، ونظيره قولك:
كتبت اليه ان قم وأمرته أن قم، ثم إن الزجاج حكى هذين القولين عن سيبويه.
أما قوله ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ فاعلم أنه تعالى أمر موسى عليه السلام في هذا المقام
بشيئين : أحدهما : أن يخرجهم من ظلمات الكفر ، والثاني : أن يذكرهم بأيام الله ، وفيه
مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قال الواحدي: أيام جمع يوم ، واليوم هو مقدار المدة من طلوع
الشمس الى غروبها ، وكانت الأيام في الأصل أيوام فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما
بالسكون ، فأدغمت إحداهما في الأخرى وغلبت الياء .
﴿ المسألة الثانية ) أنه يعبر بالايام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها . يقال: فلان
عالم بأيام العرب ويريد وقائعها وفي المثل من ير يوما ير له معناه من رؤى في يوم مسروراً بمصرع
غيره ير في يوم آخر حزينا بمصرع نفسه، وقال تعالى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )
إذا عرفت هذا فالمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ، فالترغيب والوعد
أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل في سائر ما سلف من الأيام ،
والترهيب والوعيد : أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذّب الرسل ممن سلف من
الأمم فيما سلف من الأيام ، مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ، ليرغبوا في الوعد
فيصدقوا ويحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب .
واعلم أن أيام الله في حق موسى عليه السلام منها ما كان أيام المحنة والبلاء وهي الأيام
التي كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون ، ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن
والسلوى وانفلاق البحر وتظليل الغمام .

٨٦
قوله تعالى ((وذكرهم بأيام الله)) سورة ابراهيم
ثم قال تعالى ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ والمعنى أن في ذلك التذكير
والتنبيه دلائل لمن كان صبارا شكورا ، لأن الحال إما أن يكون حال محنة وبلية أو حال منحة
وعطية فان كان الأول ، كان المؤمن صبارا ، وإن كان الثاني كان شكورا . وهذا تنبيه على أن
المؤمن يجب أن لا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين فان جرى الوقت على ما يلائم طبعه
ويوافق إرادته كان مشغولا بالشكر ، وإن جرى بما لا يلائم طبعه كان مشغولا بالصبر .
فان قيل : إن ذلك التذكير آيات للكل فلماذا خص الصبار الشكور بها ؟
قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم لما كانوا هم المنتفعون بتلك الآيات صارت كأنها ليست
آيات إلا لهم كما في قوله ( هدى للمتقين) وقوله ( انما أنت منذر من يخشاه ) والثاني : لا يبعد
أن يقال : الانتفاع بهذا النوع من التذكير لا يمكن حصوله إلا لمن كان صابرا أو شاكرا ، أما
الذي لا يكون كذلك لم ينتفع بهذه الآيات .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهم بأيام الله تعالى ، حكى
عن موسى عليه السلام أنه ذكرهم بها فقال ( وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ
أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ) فقوله ( إذ أنجاكم ) ظرف للنعمة بمعنى
الانعام ، أي اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت . بقي في الآية سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ ذكر في سورة البقرة (يذبحون) وفي سورة الاعراف (يقتلون)
وههنا ( ويذبحون ) مع الواو فما الفرق ؟
والجواب : قال تعالى في سورة البقرة ( يذبحون ) بغير واو لأنه تفسير لقوله ( سوء
العذاب ) وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول : أتاني القوم زيد وعمرو . لأنك أردت أن
تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى ( ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب ) فالاثام لما صار
مفسرا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو ، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه ، لأن
المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله ( ويذبحون ) نوع آخر من العذاب، لا
أنه تفسير لما قبله،
﴿ السؤال الثاني﴾ كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم ؟
والجواب من وجهين : أحدهما : أن تمكين الله إياهم حتى فعلوا ما فعلوا كان بلاء من
الله. والثاني : وهو أن ذلك اشارة إلى الانجاء ، وهو بلاء عظيم ، والبلاء هو الابتلاء ،
وذلك قد يكون بالنعمة تارة ، وبالمحنة أخرى . قال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) وهذا

٨٧
قوله تعالى (( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم )) سورة ابراهيم
وَإِذْ تَأَذِّنَ رَبُّكُمْ لَبِنْ شَكْرُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيْنِ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (®)
الوجه أولى لأنه يوافق صدر الآية وهو قوله تعالى ( وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله
عليكم ).
السؤال الثالث ﴾ هب أن تذبيح الأبناء كان بلاء . أما استحياء النساء کیفیکون
بلاء .
الجواب : كانوا يستخدمونهن بالاستحياء في الخلاص منه نعمة ، وأيضا ابقاؤهن
منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار .
قوله تعالى ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾.
اعلم أن قوله ( وإذ تأذن ربكم ) من جملة ما قال موسى لقومه کأنه قيل : وإذ قال موسى
لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ، ومعنى ( تأذن ) أذن ربكم ، ونظير
تأذن وآذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل ، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل ، كأنه
قيل : وإذ آذن ربكم إيذانا بليغا ينتفي عنده الشكوك ، وتنزاح الشبهة ، والمعنى : وإذ تأذن
ربكم . فقال ( لئن شكرتم ) فأجرى ( تأذن ) مجرى قال لأنه ضرب من القول ، وفي قراءة ابن
مسعود رضى الله عنه ( وإذ قال ربك لئن شكرتم ).
واعلم أن المقصود من الآية بيان أن من اشتغل بشكر نعم الله زاده من نعمه ، ولا بد
ههنا من معرفة حقيقة الشكر ومن البحث عن تلك النعم الزائدة الحاصلة عند الاشتغال
بالشكر ، أما الشكر فهو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه
الطريقة ، وأما الزيادة في النعم فهي أقسام : منها النعم الروحانية ، ومنها النعم الجسمانية ،
أما النعم الروحانية فهي أن الشاكر يكون أبدا في مطالعة اقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله
وكرمه، ومن كثر احسانه إلى الرجل أحبه الرجل لا محالة فشغل النفس بمطالعة أنواع فضل
الله وإحسانه يوجب تأكد محبة العبد لله تعالى، ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد
يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلا عن الالتفات الى النعمة، ولا شك
أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله تعالى ومعرفته، فثبت أن الاشتغال بالشكر
يوجب مزيد النعم الروحانية ، وأما مزيد النعم الجسمانية، فلأن الاستقرار دل على أن من كان
اشتغاله بشكر نعم الله أكثر، كان وصول نعم الله اليه أكثر، وبالجملة فالشكر انما حسن موقعه
المقام الشريف العالي الذي يوجب السعادة في الدين والدنيا .
:

٨٨
قوله تعالى ((وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا)) سورة ابراهيم
وَقَالَ مُوَسَّ إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ هِيعًا فَإِنَّ الَّ لَغَنِّ حِدٌ ﴾ أَلَمْ
يَأْتِكُمْ نَبُأْلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَإٍ وَتَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا
اللّهُ جَاءَتُهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُواْ أَيْدِيَهُمْ فِىَ أَقْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآَ
أَرْسِلْتُم بِهِ، وَ إِنَّا لَفِي شَكِّ ◌ِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾
وأما قوله ﴿ولئن كفرتم ان عذابي لشديد ﴾ فالمراد منه الكفران ، لا الكفر ، لأن
الكفر المذكور في مقابلة الشكر ليس إلا الكفران ، والسبب فيه أن كفران النعمة لا يحصل إلا
عند الجهل بكون تلك النعمة نعمة من الله ، والجاهل بها جاهل بالله ، والجهل بالله من أعظم
أنواع العقاب والعذاب، وأيضا فههنا دقيقة أخرى وهي أن ماسوى الواحد الأحد الحق ممكن
لذاته وكل ممكن لذاته فوجوده إنما يحصل بايجاد الواجب لذاته، وعدمه إنما يحصل باعدام
الواجب لذاته ، وإذا كان كذلك فكل ما سوى الحق فهو منقاد للحق مطواع له ، وإذا كانت
الممكنات بأسرها منقادة للحق سبحانه فكل قلب حضرفيه نور معرفة الحق وشرف جلاله ، انقاد
لصاحب ذلك القلب ما سواه ، لأن حضور ذلك النور في قلبه يستخدم كل ما سواه بالطبع ،
وإذا خلا القلب عن ذلك النور ضعف وصار خسيساً فيستخدمه كل ما سواه ويستحقره كل ما
يغايره فبهذا الطريق الذوقي يحصل العلم بأن الاشتغال بمعرفة الحق يوجب انفتاح أبواب
الخيرات في الدنيا والآخرة ، وأما الإعراض عن معرفة الحق بالاشتغال بمجرد الجسمانيات
يوجب انفتاح أبواب الآفات والمخافات في الدنيا والآخرة .
قوله تعالى: ﴿وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فان الله، لغني حميد، ألم
يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم
رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما
تدعوننا إليه مريب ﴾
اعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا
وفي الآخرة ، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد ، وحصول الآفات في الدنيا
والآخرة ، بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر ،
وصاحب الكفران ، أما المعبود والمشكور فانه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر
بالكفران ، فلا جرم قال تعالى ( وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فان الله لغني

٨٩
قوله تعالى (( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم )) سورة ابراهيم
حميد ) والغرض منه بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة الى العابد لا لمنافع عائدة
الى المعبود ، والذي يدل على أن الأمر كذلك ما ذكره الله في قوله ( إن الله لغني ) وتفسيره أنه
واجب الوجود لذاته . واجب الوجود بحسب جميع صفاته واعتباراته ، فانه لو لم يكن واجب
الوجود لذاته ، لافتقر رجحان وجوده على عدمه الی مرجح فلم یکن غنیا ، وقد فرضناه غنیا
هذا خلف ، فثبت أن كونه غنيا يوجب كونه واجب الوجود في ذاته ، وإذا ثبت أنه واجب
الوجود لذاته ، كان أيضا واجب الوجود بحسب جميع كمالاته ، إذ لو لم تكن ذاته كافية في
حصول ذلك الكمال ، لافتقر في حصول ذلك الكمال الی سبب منفصل ، فحينئذ لا يكون
غنيا ، وقد فرضناه غنيا هذا خلف ، فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته ، واذا كان
الأمر كذلك كان حميدا لذاته ، لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق الحمد ، فثبت بهذا
التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنيا حميدا يقتضي أن لا يزداد بشكر الشاكرين ، ولا ينتقص
بكفران الكافرين ، فلهذا المعنى قال ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فان الله لغني
حميد ) وهذه المعاني من لطائف الأسرار .
واعلم أن قولنا ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ) سواء حمل على الكفر الذي
يقابل الايمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر ، فالمعنى لا يتفاوت البتة . فانه تعالى غني عن
العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت كبريائه وجلاله .
ثم إنه تعالى قال ﴿ الم یأتکم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ﴾ وذکر أبو
مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابا من موسى عليه السلام لقومه والمقصود منه
أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم ، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعالى على
لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى ، والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال
المتقدمين . وهذا المقصود حاصل على التقديرين إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة
لقوم الرسول ◌ِ﴾
واعلم أنه تعالى ذكر أقواما ثلاثة ، وهم : قوم نوح وعاد وثمود .
ثم قال تعالى ( والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ) وذكر صاحب الكشاف فيه
احتمالين : الأول : أن يكون قوله ( والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ) جملة من مبتدأ وخبر
وقعت اعتراضا والثاني : أن يقال قوله ( والذين من بعدهم ) معطوف على قوم نوح وعاد وثمود
وقوله ( لا يعلمهم إلا الله) فيه قولان :
القول الأول ﴾ أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا الله ، لأن المذكور في

٩٠
قوله تعالى (( فردوا أيديهم في أفواههم )) سورة ابراهيم
القرآن جملة فأما ذكر العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل .
﴿ والقول الثاني ﴾ أن المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلا كذبوا رسلا لم نعرفهم
أصلا ، ولا يعلمهم إلا الله والقائلون بهذا القول الثاني طعنوا في قول من يصل الأنساب إلى
آدم عليه السلام كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم
الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد ، وعن ابن عباس : بين عدنان وبين إسمعيل ثلاثون
أبا لا يعرفون، ونظير هذه الآية قوله تعالى (وقرونا بين ذلك کثیرا) وقوله (منهم من قصصنا
عليك ومنهم من لم نقصص عليك) وعن النبي يعلق : أنه كان في انتسابه لا يجاوز معد بن
عدنان بن أدد. وقال (( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم . وتعلموا من النجوم ما
تستدلون له على الطريق )) قال القاضي : وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع على مقدار السنين من
لدن آدم عليه السلام الى هذا الوقت ، لأنه إن أمكن ذلك لم يبعد أيضا تحصيل العلم
بالأنساب الموصولة .
فان قيل : أي القولين أولى ؟
قلنا : القول الثاني عندي أقرب ، لأن قوله تعالى ( لا يعلمهم إلا الله ) نفى العلم
بهم ، وذلك يقتضي نفي العلم بذواتهم إذ لو كانت ذواتهم معلومة ، وكان المجهول هو مدد
أعمارهم وكيفية صفاتهم لما صح نفي العلم بذواتهم ، ولما كان ظاهر الآية دليلا على نفي العلم
بذواتهم لا جرم كان الأقرب هو القول الثاني ، ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم
ذكرهم أنه لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات أتوا بأمور: أولها : قوله ( فردوا أيديهم في
أفواههم ) وفي معناه قولان : الأول : أن المراد باليد والفم الجارحتان المعلومتان ، والثاني :
أن المراد بهما شيء غير هاتين الجارحتين وإنما ذكرهما مجازا وتوسعا . وأما من قال بالقول الأول
ففيه ثلاثة أوجه :
الوجه الأول ﴾ أن يكون الضمير في ( أيديهم) و(أفواههم) عائدا الى الكفار ،
وعلى هذا ففيه احتمالات : الأول : أن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها من الغيظ
والضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل واستماع كلامهم ، ونظيره قوله تعالى ( عضّوا عليكم
الأنامل من الغيظ) وهذا القول مروى عن ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله تعالى ، وهو
اختيار القاضي، والثاني : أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل
السخرية ، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبة الضحك فوضع يده على
فيه ، والثالث : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك الى الأنبياء أن كفوا عن هذا

٩١
قوله تعالى (( إنا كفرنا بما أرسلتم به )) سورة ابراهيم
الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث ، وهذا مروى عن الكلبي . والرابع : أنهم أشاروا
بأيديهم الى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به ، أي هذا هو الجواب
عندنا عما ذكرتموه ، وليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق ألا ترى إلى قوله ( فردوا أيديهم
في أفواههم وقالوا إنا کفرنا بما أرسلتم به ).
﴿ الوجه الثاني ﴾ أن يكون الضميران راجعين الى الرسل عليهم السلام وفيه وجهان:
الأول : أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا
كلامهم . الثاني : أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيديهم على أفواه أنفسهم
فان من ذكر كلاما عند قوم وأنكروه وخافهم ، فذلك المتكلم ربما وضع يده على فمه
وغرضه أن يعرّفهم أنه لا يعود الى ذلك الكلام البتة .
الوجه الثالث ﴾ أن يكون الضمير في أيديهم يرجع الى الكفار وفي الأفواه الى الرسل
وفيه وجهان : الأول : أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء عليهم السلام ونصائحهم وكلامهم
أشاروا بأيديهم الى أفواه الرسل تكذيبا لهم ورداً عليهم . والثاني : أن الكفار وضعوا أيديهم
على أفواه الأنبياء عليهم السلام منعا لهم من الكلام ، ومن بالغ في منع غيره من الكلام فقد
يفعل به ذلك . أما على القول الثاني : وهو أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز ففيه وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد باليد ما نطقت به الرسل من
الحجج وذلك لأن إسماع الحجة إنعام عظيم والانعام يسمى يدا . يقال لفلان عندي يد إذا
أولاه معروفا، وقد يذكر اليد ، والمراد منها صفقة البيع والعقد كقوله تعالى (إن الذين يبايعونك
إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها
ويقررونها نعم وأياد ، وأيضا العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي، وجمع اليد في العدد
القليل هو الأيدي وفي العدد الكثير هو الأيادي ، فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام
وعهودهم صح تسميتها بالأيدي ، واذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم ، فاذا لم
تقبل صارت مردودة الى حيث جاءت ، ونظيره قوله تعالى ( اذ تلقونه بألسنتكم وتقولون
بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) فلما كان القبول تلقيا بالأفواه عن الأفواه كان الدفع رداً في
الأفواه ، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه .
الوجه الثاني ﴾ نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله ( فردوا أيديهم في
أفواههم ) أنهم سكتوا عن الجواب يقال للرجل اذا أمسك عن الجواب ، رد يده في فيه وتقول
العرب كلمت فلانا في حاجة فرد يده في فيه اذا سكت عنه فلم يجب ، ثم انه زيف هذا الوجه
وقال : انهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا ( إنا كفرنا بما أرسلتم به ).

٩٢
قوله تعالى (( قالت رسلهم أفي الله شك)) سورة إبراهيم
قَالَتْ رُسُهُمْ أَفِ اللَِّ شَكٌّ فَاطِ الََّنَاتِ وَالْأَرْضِ بَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
وَيُؤَنَّ كُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ◌ُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّ كَانَ
يَعْبُدُ ءَابَآ ؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (
١٠
الوجه الثالث﴾ المراد من الايدي نعم الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولما كذبوا
الأنبياء فقد عرضوا تلك النعم للازالة والابطال فقوله ( ردوا أيديهم في أفواههم ) أي ردوا نعم
الله تعالى عن أنفسهم بالكلمات التي صدرت عن أفواههم ولا يبعد حمل ((في )) على معنى الباء
لأن حروف الجر لا يمتنع اقامة بعضها مقام بعض .
النوع الثاني ﴾ من الأشياء التي حكاها الله تعالى عن الكفار قولهم ( انا كفرنا بما
أرسلتم به ) والمعنى : انا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم فيه لأنهم ما أقروا بأنهم أرسلوا .
واعلم أن المرتبة الأولى هو أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم السلام وحاولوا
اسكات الأنبياء عن تلك الدعوى ، وهذه المرتبة الثانية أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك
البعثة .
﴿ والنوع الثالث) قولهم (وانا لفي شك مما تدعوننا اليه مريب ) قال صاحب
الكشاف: وقرىء تدعونا بادغام النون ( مريب ) موقع في الريبة أوذى ريبة من أرابه ،
والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن الى الامر .
فان قيل : لما ذكروا في المرتبة الثانية أنهم كافرون برسالتهم کیف ذكروا بعد ذلك كونهم
شاكين مرتابين في صحة قولهم ؟
قلنا : كأنهم قالوا : إما أن نكون كافرين برسالتكم أو إن لم ندع هذا الجزم واليقين فلا
أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم ، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف
بنبوتكم والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من
ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد
آباؤنا فأتونا بسلطان مبين
اعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل وإنا لفي شك مما تدعوننا اليه مريب ، قالت

٩٣
قوله تعالى ((فاطر السموات والأرض )) سورة ابراهيم
رسلهم: وهل تشكّون في الله ، وفي كونه فاطر السموات والأرض وفاطراً لأنفسنا وأرواحنا
وأرزاقنا وجميع مصالحنا وإنا لا ندعوكم إلا الى عبادة هذا الاله المنعم ، ولا نمنعكم إلا عن
عبادة غيره وهذه المعاني يشهد صريح العقل بصحتها ، فكيف قلتم : وإنا لفي شك مما تدعوننا
اليه مريب ؟ وهذا النظم في غاية الحسن . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله ﴿أفي الله شك﴾ استفهام على سبيل الانكار، فلما ذكر هذا
المعنى أردفه بالدلالة الدالة على وجود الصانع المختار ، وهو قوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾
وقد ذكرنا في هذا الكتاب كيف أنّ وجود السموات والأرض يدل على احتياجه إلى الصانع
المختار الحكيم مرارا وأطوارا فلا نعيدها ههنا .
المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: أدخلت همزة الانكار على الظرف ، لأن
الكلام ليس في الشك إنما هو في أن وجود الله تعالى لا يحتمل الشك ، وأقول من الناس من
ذهب الى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار ، ويدل
على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك وجوه :
الوجه الأول ﴾ قال بعض العقلاء : إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة
تدل على وجود الصانع المختار وعلى حصول التكليف وعلى وجوب دار الجزاء وعلى وجود
النبي ، أما دلالتها على وجود الصانع المختار ، فلأن الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على
وجهه يصيح ويقول : من الذي ضربني، وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما
حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها ، ولأجل مختار أدخلها في الوجود
فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار ذلك الحادث مع قلته وحقارته الى الفاعل، فبأن تشهد بافتقار
جميع حوادث العالم الى الفاعل كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب التكليف، فلأن ذلك
الصبي ينادي ويصيح ويقول : لم ضربني ذلك الضارب ؟ وهذا يدل على أن فطرته شهدت
بأن الافعال الانسانية داخلة تحت الأمر والنهي ومندرجة تحت التكليف ، وأن الانسان ما خلق
حتى يفعل أي فعل شاء واشتهى ، وأما دلالتها على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك
الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة وما دام يمكنه طلب ذلك الجزاء فانه لا يتركه، فلما شهدت
الفطرة الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع
الأعمال كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون الى انسان يبين لهم أن
العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي ولا معنى للنبي إلا الانسان الذي يقدِّر

٩٤
قوله تعالى (( يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم )) سورة ابراهيم
هذه الأمور ويبين لهم هذه الاحكام ، فثبت أن فطرة العقل حاکمة بأن الانسان لا بد له من
هذه الأمور الأربعة .
﴿ الوجه الثاني ﴾ في التنبيه على أن الاقرار بوجود الصانع بديهي، هو أن الفطرة شاهد
بأن حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة ، مبنيّة على التركيبات اللطيفة الموافقة للحكم
والمصلحة يستحيل إلا عند وجود نقّاش عالم ، وبان حكيم ومعلوم أن آثار الحكمة في العالم
العلوي والسفلي أكثر من آثار الحكمة في تلك الدار المختصرة فلما شهدت الفطرة الأصلية
بافتقار النقش الى النقاش ، والبناء الى الباني ، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم الى الفاعل
المختار الحكيم كان أولى .
﴿ الوجه الثالث ﴾ أن الانسان إذا وقع في محنة شديدة وبلية قوية لا يبقى في ظنه رجاء
المعاونة من أحد ، فكأنه بأصل خلقته ومقتضى جبلته يتضرع الى من يخلّصه منها ويخرجه عن
علائقها وحبائلها، وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالافتقار الى الصانع المدبر .
﴿ الوجه الرابع ﴾ أن الموجود إما أن يكون غنيا عن المؤثر أو لا يكون ، فان كان غنيا
عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته ، فانه لا معنى للواجب لذاته إلا الموجود الذي لا حاجة الى
غيره . وإن لم يكن غنيا عن المؤثر فهو محتاج ، والمحتاج لا بد له من المحتاج اليه وذلك هو
الصانع المختار .
الوجه الخامس ﴾ أن الاعتراف بوجود الاله المختار المكلف، وبوجود المعاد أحوط،
فوجب المصير اليه، فهذه مراتب أربعة : أولها : أن الاقرار بوجود الاله أحوط ، لانه لولم يكن
موجودا فلا ضرر في الاقرار بوجوده وإن كان موجودا ففي إنكاره أعظم المضار . وثانيها :
الاقرار بكونه فاعلا مختارا لأنه لو كان موجبا فلاضرر في الاقرار بكونه مختارا ، أما لو كان مختارا
ففي إنكار كونه مختارا أعظم المضار . وثالثها : الاقرار بأنه كلف عباده . لأنه لو لم يكلف
أحدا من عبيده شيئا فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد، أما إنه لو كلف ففي إنكار تلك
التكاليف أعظم المضار . ورابعها : الاقرار بوجود المعاد فانه إن كان الحق أنه لا معاد فلا ضرر
في الاقرار بوجوده ، لأنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية وهي حقيرة ومنقوصة، وإن كان
الحق هو وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار فظهر أن الاقرار بهذه المقامات أحوط فوجب
المصير اليه ، لأن بديهة العقل حاكمة بأنه يجب دفع الضرر عن النفس بقدر الامكان ..
المسألة الثالثة﴾ لما أقام الدلالة على وجود الاله بدليل كونه فاطر السموات والارض،
وسفه بكمال الرحمة والكرم والجود وبين ذلك من وجهين ، الأول : قوله ﴿ يدعوكم ليغفر لكم

١٥
قوله تعالى (( ويؤخركم إلى أجل مسمى)) سورة ابراهيم
من ذنوبكم ﴾ قال صاحب الكشاف: لو قال قائل ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم ، ثم
أجاب فقال ما جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين ، كقوله ﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
يغفر لكم من ذنوبكم). (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ﴾ وقال في
خطاب المؤمنين ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) إلى أن قال ﴿ يغفر لكم
ذنوبكم﴾ والاستقراء يدل على صحة ما ذكرناه ، ثم قال: وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ،
ولئلا يسوي بين الفريقين في المعاد ، وقيل : إنه أراد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى
بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم ، هذا الرجل ، وقال الواحدي في
البسيط : قال أبو عبيدة ﴿من﴾ زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب، وإذا قلنا: إنها
ليست زائدة فههنا وجهان : أحدهما أنه ذكر البعض ههنا وأريد به الجميع توسعا ، والثاني :
أن ﴿ من ﴾ ههنا للبدل والمعنى لتكون المغفرة بدلا من الذنوب فدخلت من لتضمن المغفرة
معنى البدل من السيئة ، وقال القاضي ذكر الأصم إن كلمة ﴿ من ﴾ ههنا تفيد التبعيض ،
والمعنى أنكم إذا تبتم فانه يغفر لكم الذنوب التي هي من الكبائر ، فأما التي تكون من باب
الصغائر فلا حاجة الى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة ، قال القاضي : وقد أبعد في هذا
التأويل ، لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر إلا بالتوبة وإنما تكون الصغيرة
مغفورة من المؤمنين الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابهم ، فأما من لا ثواب له أصلا فلا
يكون شيء من ذنوبه صغيرا ولا يكون شيء منها مغفورا . ثم قال: وفيه وجه آخر وهو أن الكافر
قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإنابته فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه فهذا جملة
أقوال الناس في هذه الكلمة .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ أقول: هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من غير توبة في
حق أهل الايمان والدليل عليه أنه قال ﴿ يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ وعد بغفران بعض
الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة ، فوجب أن يغفر لبعض الذنوب مطلقا من غير التوبة
وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الاجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر الا بالتوبة عنه
والدخول في الايمان، فوجب أن يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عدا الكفر من
الذنوب .
فان قيل : لم لا يجوز أن يقال كلمة ﴿من ﴾ صلة على ما قاله أبو عبيدة أو نقول:
المراد من البعض ههنا هو الكل على ما قاله الواحدي . أو نقول : المراد منها إبدال السيئة
أو نقول: المراد منه تمييز المؤمن عن الكافر في الخطاب على ما قاله صاحب الكشاف، أو نقول:
المراد منه تخصيص هذا الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم. ونقول: المراد منه الذنوب التي

٩٦
قوله تعالى ((إن أنتم إلا بشر مثلنا)) سورة ابراهيم
يذكرها الكافر عند الدخول في الايمان على ما قاله القاضي، فنقول: هذه الوجوه بأسرها ضعيفة
أما قوله: إنها صلة فمعناه الحكم على كلمة من كلام الله تعالى بأنها حشو ضائع فاسد، والعاقل
لا يجوز المصير اليه من غير ضرورة، فأما قول الواحدي: المراد من كلمة ﴿من﴾ ههنا هو الكل
فهو عين ما قاله أبو عبيدة لأن حاصله أن قوله ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ هو أنه يغفر لكم
ذنوبكم وهذا عين ما نقله عن أبي عبيدة ، وحكي عن سيبويه إنكاره، وأما قوله: المراد منه
إبدال السيئة بالحسنة فليس في اللغة أن كلمة في تفيد الابدال، وأما قول صاحب الكشاف:
المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من باب الطامات، لأن هذا
التبعيض إن حصل فلا حاجة إلی ذکر هذا الجواب، وإن لم يحصل كان هذا الجواب فاسدا،
وأما قول الأصم فقد سبق إبطاله، وأما قول القاضي فجوابه: ان الكافر إذا أسلم صارت
ذنوبه بسرها مغفورة لقوله عليه السلام ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) فثبت أن جميع ما
ذكروه من التأويلات تعسف ساقط بل المراد ما ذكرنا أنه تعالى يغفر بعض ذنوبه من غير توبة
وهو ما عدا الكفر، وأما الكفر فهو أيضا من الذنوب وأنه تعالى لا يغفره الا بالتوبة، وإذا ثبت
أنه تعالى يغفر كبائر كافر من غير توبة بشرط أن يأتي بالايمان فبأن تحصل هذه الحالة للمؤمن كان
أولى، هذا ما خطر بالبال على سبيل الارتجال، والله أعلم بحقيقة الحال.
النوع الثاني﴾ مما وعد الله تعالى به في هذه الآية قوله ﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾
وفيه وجهان : الأول : المعنى أنكم إن آمنتم أخر الله موتكم إلى أجل مسمى وإلا عاجلكم
بعذاب الاستئصال ، الثاني : قال ابن عباس : المعنى يمتعكم في الدنيا بالطيبات واللذات الى
الموت .
فان قيل : أليس إنه تعالى قال ﴿ فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾
فكيف قال ههنا ﴿ ويؤخركم الى أجل مسمى ﴾؟
قلنا : قد تكلمنا في هذه المسألة في سورة الأنعام في قوله ﴿ ثم قضى أجلا وأجل مسمى
عنده﴾، ثم حكى تعالى أن الرسل لما ذكروا هذه الاشياء لأولئك الكفار قالوا ﴿ إن أنتم إلا بشر
مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين
واعلم أن هذا الكلام مشتمل على ثلاثة انواع من الشبه :
فالشبهة الأولى ﴾ أن الاشخاص الانسانية متساوية في تمام الماهية ، فيمتنع أن يبلغ
التفاوت بين تلك الأشخاص الى هذا الحد ، وهو أن يكون الواحد منهم رسولاً من عند الله

٩٧
قوله تعالى (( قالت لهم رسلهم ان نحن الا بشرمثلكم )) سورة ابراهيم
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن تَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا
كَانَ لَنَآَ أَن نَّأْتِيَُّ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْبَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (﴾ وَمَا
لَنَا أَلَّا تَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَدْنَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَا ذَيْتُمُونَا وَعَلَى الهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَّلُونَ (﴾
مطلعا على الغيب مخالطا لزمرة الملائكة ، والباقون يكونون غافلين عن كل هذه الأحوال، أيضا
كانوا يقولون : إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الالهية الشريفة ، وجب أن تفارقنا في
الأحوال الخسيسة ، وهي الحاجة إلى الأكل والشرب والحدث والوقاع ، وهذه الشبهة هي المراد
من قولهم ﴿ إن أنتم إلا بشرمثلنا ﴾.
﴿ والشبهة الثانية ﴾ التمسك بطريقة التقليد، وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم
وكبراءهم مطبقين متفقين على عبادة الأوثان. قالوا: ويبعد أن يقال: إن أولئك القدماء على
كثرتهم وقوة خواطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين، وأن الرجل الواحد عرف فساده ووقف
على بطلانه، والعوام ربما زادوا في هذا الباب كلاما آخر، وذلك أن الرجل العالم إذا بين ضعف
كلام بعض المتقدمين قالوا إن كلامك إنما يظهر صحته لو كان المتقدمون حاضرين، أما المناظرة
مع الميت فسهلة، فهذا كلام يذكره الحمقى والرعاع وأولئك الكفار أيضا ذكروه، وهذه الشبهة
هي المراد من قوله ﴿تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا﴾
﴿ والشبهة الثالثة ) أن قالوا المعجز لا يدل على الصدق أصلا، وإن كانوا سلموا على
أن المعجز يدل على الصدق ، إلا أن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنها أمور
معتادة ، وأنها ليست من باب المعجزات الخارجية عن قدرة البشر، وإلى هذا النوع من الشبهة
الاشارة بقوله ﴿ فأتونا بسلطان مبين ﴾ فهذا تفسير هذه الآية بحسب الوسع والله أعلم.
قوله تعالى ﴿قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من
عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا باذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل
على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة ، حكى عن الأنبياء
عليهم السلام جوابهم عنها .
الفخر الرازي ج١٩م ٧

٩٨
قوله تعالى ((وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان )) سورة ابراهيم
﴿ أما الشبهة الأولى﴾ وهي قولهم ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾ فجوابه: أن الأنبياء
سلّموا أن الأمر كذلك ، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية والانسانية لا يمنع من اختصاص
بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب يمنّ الله به على من يشاء من عباده ، فاذا كان
الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة .
واعلم أن هذا المقام فيه بحث شريف دقيق ، وهو أن جماعة من حكماء الاسلام قالوا :
إن الانسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصا بخواص شريفة علوية قدسية ، فانه يمتنع عقلاً
حصول صفة النبوة له . وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة ، فقد زعموا أن حصول
النبوة عطية من الله تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده ، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك
الانسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، فانه
تعالى بين أن حصول النبوة ليس الا بمحض المنة من الله تعالى والعطية منه ، والكلام في هذا
الباب غامض دقيق ، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية
تواضعا منهم ، واقتصروا على قولهم ﴿ ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ﴾ بالنبوة ، لأنه قد
علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا
ذلك التخصيص ، كما قال تعالى ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾.
﴿وأما الشبهة الثانية) وهي قولهم: إطباق السلف على ذلك الدين يدل على كونه
حقاً ، لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم ، فجوابه : عين الجواب
المذكور عن الشبهة الأولى ، لأن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب عطيّة من الله تعالى
وفضل منه ، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية وأن يحرم الجمع العظيم منها .
﴿وأما الشبهة الثالثة﴾ وهي قولهم : إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها ، وإنما
نريد معجزات قاهرة قوية .
فالجواب عنها : قوله تعالى ﴿وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان الا باذن الله ﴾ وشرح هذا
الجواب أن المعجزة التي جئنا بها وتمسكنا بها حجة قاطعة وبينة قاهرة ودليل تام ، فأما الأشياء
التي طلبتموها فهي أمور زائدة والحكم فيها لله تعالى فان خلقها وأظهرها فله الفضل ، وإن لم
يخلقها فله العدل ، ولا يحكم عليه بعد ظهور قدر الكفاية . ثم إنه تعالى حكى عن الانبياء
والرسل عليهم السلام أنهم قالوا بعد ذلك ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) والظاهر أن الأنبياء
لما أجابوا عن شبهاتهم بذلك الجواب فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف والوعيد ، وعند هذا
قالت الأنبياء عليهم السلام : لا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم بعد أن توكلنا على الله

٩٩
قوله تعالى ((ومالنا ألا نتوكل على الله )) سورة ابراهيم
واعتمدنا على فضل الله، ولعل الله سبحانه كان قد أوحى اليهم أن أولئك الكفرة لا يقدرون على
ايصال الشر والآفة اليهم وَلَوْ لم يكن حصل هذا الوحي ، فلا يبعد منهم أن لا يلتفتوا إلى
سفاهتهم،لما أن أرواحهم كانت مشرقة بالمعارف الالهية مشرقة بأضواء عالم الغيب ، والروح
متى كانت موصوفة بهذه الصفات فقلما يبالى بالأحوال الجسمانية،وقلما يقيم لها وزنا في حالتي
السراء والضراء وطورى الشدة والرخاء، فلهذا السبب توكلوا على الله وعولوا على فضل الله
وقطعوا أطماعهم عما سوى الله ، والذي يدل على أن المراد ما ذكرناه قوله تعالى حكاية عنهم
{ وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا﴾ يعني أنه تعالى لما
خصنا بهذه الدرجات الروحانية والمعارف الالهية الربانية، فكيف يليق بنا أن لا نتوكل على الله؟
بل اللائق بنا أن لا نتوكل إلا عليه ولا نعوِّل في تحصيل المهمات إلا عليه ، فان من فاز بشرف
العبودية ووصل الى مكان الاخلاص والمكاشفة يقبح به أن يرجع في أمر من الأمور الى غير الحق
سواء كان ملكا له أو ملكا أو روحا أو جسمها ، وهذه الآية دالة على أنه تعالى يعصم أولياءه
المخلصين في عبوديته من كيد أعدائهم ومكرهم ، ثم قالوا ﴿ ولنصبرن على ما آذيتمونا ﴾ فان
الصبر مفتاح الفرج ، ومطلع الخيرات ، والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا ، والباطل لا بد
وأن يصير مغلوبا مقهورا ، ثم أعادوا قولهم ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ والفائدة فيه أنهم
أمروا أنفسهم بالتوكل على الله في قوله ﴿وما لنا ألا نتوكل على الله ﴾، ثم لما فرغوا من
أنفسهم أمروا أتباعهم بذلك وقالوا ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾، وذلك يدل على أن الآمر
بالخير لا يؤثر قوله إلا إذا أتى بذلك الخير أولا ، ورأيت في كلام الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه
الله فصلا حسنا وحاصله : أن الانسان إما أن يكون ناقصا أو كاملا أو خاليا عن الوصفين ،
أما الناقص فاما أن يكون ناقصا في ذاته ولكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره ، وإما أن يكون
ناقصا ويكون مع ذلك ساعيا في تنقيص حال الغير ، فالأول هو الضال ، والثاني هو الضال
المضل ، وأما الكامل فاما أن يكون كاملا ولا يقدر على تكميل الغير وهم الأولياء ، وإما أن
يكون كاملا ويقدر على تكميل الناقصين وهم الأنبياء ولذلك قال عليه السلام ((علماء أمتى
كأنبياء بني اسرائيل))، ولما كانت مراتب النقصان والكمال ومراتب الاكمال والاضلال غير متناهية
بحسب الكمية والكيفية ، لا جرم كانت مراتب الولاية والحياة غير متناهية بحسب الكمال
والنقصان، فالولي هو الانسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل ، والنبي هو الانسان الكامل
المكمل ، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية وافية بتكميل إنسانين ناقصين ، وقد تكون
أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة ومائة ، وقد تكون تلك القوة قاهرة تؤثر تأثير الشمس في
العالم فيقلب أرواح أكثر أهل العالم من مقام الجهل الى مقام المعرفة ومن طلب الدنيا الى
طلب الآخرة ، وذلك مثل روح محمد ◌ّ فان وقت ظهوره كان العالم مملوءاً من اليهود وأكثرهم

١٠٠
قوله تعالى ((وقال الذين كفروا لرسلهم)) سورة ابراهيم
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِ جَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىَ
إِلَيْهِمْ رَبُهُمْ لَتُهْلِكَنَّ الظَّلِينَ () وَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ
خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ
وَأُسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِدٍ (٥) مِّنْ وَرَآيِهِ
١٤
جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاءِصَدِيدٍ لَه ◌َُّهُ وَلَ يَكَادُ يُسِيغُهُ، وَيَأْنِهِ الْمَوْتُ مِن كُلِ مَكَادٍ
وَمَا هُوَ بِيْتٍ وَمِن وَرَابِهِ، عَذَابٌ غَلِظُ
ـمد
١٧
كانوا مشبّهة ومن النصارى وهم حلولية ، ومن المجوس مذاهبهم ظاهر، ومن عبدة الأوثان
وسخف دينهم أظهر من أن يحتاج الى بيان، فلما ظهرت دعوة محمد محمّلفي سرت قوة روحه في
الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك الى التوحيد ، ومن التجسيم الى التنزيه ، ومن
الاستغراق في طلب الدنيا الى التوجه الى عالم الآخرة ، فمن هذا المقام ينكشف للانسان مقام
النبوة والرسالة .
إذا عرفت هذا فنقول: قوله ﴿وما لنا ألا نتوكل على الله ﴾ إشارة إلى ما كانت
حاصلة لهم من كمالات نفوسهم ، وقولهم في آخر الأمر : (وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إشارة
الى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح الناقصة فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ
القرآن ، فمن نظر في علم القرآن وكان غافلا عنها كان محروما من أسرار علوم القرآن والله
أعلم ، وفي الآية وجه آخر وهو أن قوله ﴿ وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلّا باذن الله وعلى الله
فليتوكل المؤمنون ﴾ المراد منه أن الذين يطلبون سائر المعجزات وجب عليهم أن يتوكلوا في
حصولها على الله تعالى لا عليها ، فإن شاء أظهرها وان شاء لم يظهرها .
وأما قوله في آخر الآية ﴿ولنبصرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ المراد
منه الأمر بالتوكل على الله في دفع شرالناس الكفار وسفاهتهم ، وعلى هذا التقدير فالتكرار غير
حاصل لأن قوله ﴿ وعلى الله فليتوكل ﴾ وارد في موضعين مختلفين بحسب مقصودين
متغايرين ، وقيل أيضا الأول ذكر لاستحداث التوكل ، والثاني للسعي في ابقائه وادامته والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ وقال الذين كفر والرسلهم لنخرجتّكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى.
اليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد،
واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد،من ورائه جهنم ویسقى من ماء صدید یتجرعه ولا یکاد
يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ﴾