Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الثالث عشر قوله تعالى (( ولما دخلوا على يوسف آوى اليه أخاه )) سورة يوسف وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنَّ أَنَأْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ فَلَّا جَهَّزَهُم بِجَهَاِهِمْ جَعَلَ الِقَابَةَ فِى رَحْلِ أَخِهِ ثُمْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيُّهَا الْغِيُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ (*) قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (٨) قَالُواْ نَفْقِدُ سُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَآءَ بِهِه ◌ِحِلُ بَعِرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ قوله تعالى ﴿ ولما دخلوا على يوسف آوى اليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا تفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعیم ﴾ اعلم انهم لما اتوه بأخيه بنيامين اكرمهم واضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنیامین وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه فقال يوسف بقي أخوكم وحيدا فاجلسه معه على مائدة ثم أمر أن ينزل منهم كل اثنين بيتا وقال : هذا لا ثاني له فاتركوه معي فاواه اليه ، ولما رأى يوسف تأسفه على أخ له هلك قال له : أتحب أن أكون اخاك بدل أخيك الهالك قال : من يجد أخا مثلك ولكنك لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه السلام وقام اليه وعانقه وقال : اني انا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ﴿ آوى اليه أخاه ﴾ أي انزله في الموضع الذي كان يأوي اليه . وقوله ﴿ إني أنا أخوك ) فيه قولان: قال وهب: لم يرد انه أخوه من النسب ، ولكن أراد به إني أقوم لك مقام أخيك في الايناس لئلا تستوحش بالتفرد . والصحيح ما عليه سائر المفسرين من أنه اراد تعريف النسب ، لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة وحصول الأنس ، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة ، فلا وجه لصرفه عنها الى المجاز من غير ضرورة . وأما قوله ﴿ فلا تبتئس ﴾ فقال أهل اللغة: تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضرر والشدة والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس . وقوله ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ فيه وجوه : الأول: المراد بما كانوا يعملون من إقامتهم على حسدنا والحرص على انصراف وجه أبينا عنا ، الثاني : أن يوسف عليه السلام ما بقي في قلبه شيء من العداوة وصار صافيا مع إخوته ، فأراد أن يجعل قلب أخيه ١٨٢ قوله تعالى (( ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون )) سورة يوسف الجزء صافيا معهم أيضا ، فقال ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يعملون ﴾ أي لا تلتفت الى ما صنعوه فيما تقدم ، ولا تلتفت الى أعمالهم المنكرة التي أقدموا عليها . الثالث : أنهم إنما فعلوا بيوسف ما فعلوه ، لأنهم حسدوه على إقبال الأب عليه وتخصيصه بمزيد الاكرام ، فخاف بنيامين أن يحسدوه بسبب ان الملك خصه بمزيد الاكرام ، فأمنه منه وقال : لا تلتفت الى ذلك فان الله قد جمع بيني وبينك . الرابع : روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا يعيرون يوسف وأخاه بسبب أن جدهما أبا أمهما كان يعبد الأصنام ، وأن أم يوسف أمر ت يوسف فسرق جونة كانت لأبيها فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها اذا فقدها . فقال له ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يعملون ﴾ أي من التعيير لنا بما كان عليه جدنا والله أعلم. ثم قال تعالى ﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ) وقد مضى الكلام في الجهاز والرحل ، أما السقاية فقال صاحب الكشاف : مشربة يسقى بها وهو الصواع قيل : كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به ، وهو بعيد لأن الاناء الذي يشرب الملك الكبير منه لا يصلح أن يجعل صاعا ، وقيل : كانت الدواب تسقى بها ويكال بها ايضا وهذا أقرب ، ثم قال وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب ، وقيل : كانت من ذهب وقيل : كانت مرصعة بالجواهر وهذا أيضا بعيد لأن الآنية التي يسقى فيها الدواب لا تكون كذلك ، والأولى أن يقال : كان ذلك الاناء شيئا له قيمة ، أما الى هذا الحد الذي ذكر وه فلا . ثم قال تعالى ﴿ ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون﴾ يقال: أذنه أي أعلمه وفي الفرق بين اذن وبين أذن وجهان : قال ابن الأنباري : أذن معناه اعلم اعلاما بعد إعلام لأن فعل يوجب تكرير الفعل قال ويجوز أن يكون اعلاما واحدا من قبيل أن العرب تجعل فعل بمعنى أفعل في كثير من المواضع ، وقال سيبويه : أذنت وأذنت معناه أعلمت لا فرق بينهما ، والتأذين معناه : النداء والتصويت بالاعلام . وأما قوله تعالى ﴿ أيتها العير إنكم لسارقون ﴾ قال أبو الهيثم: كل ما سير عليه من الابل والحمير والبغال فهو عير وقول من قال العير الابل خاصة باطل ، وقيل : العير الابل التي عليها الاحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء ، وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل قافلة عير كانها جمع عير وجمعها فعل كسقف وسقف . إذا عرفت هذا فنقول ( أيتها العير ) المراد أصحاب العير كقوله يا خيل الله اركبي وقرأ ابن مسعود ( وجعل السقاية ) على حذف جواب لما كأنه قيل فلما جهزهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا ( ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون . ١٨٣ قوله تعالى ( ولمن جاء به حمل بعیر )) سورة يوسف الثالث عشر فان قيل : هل كان ذلك النداء بأمر یوسف أو ما كان بأمره ؟ فان كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهم أقواما وينسبهم الى السرقة كذبا وبهتانا ، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة . قلنا : العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوها : الأول : أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له : إني أريد أن أحبسك ههنا ، ولا سبيل اليه إلا بهذه الحيلة فان رضيت بها فالأمر لك فرضى بأن يقال في حقه ذلك ، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنبا . والثاني : أن المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام . والمعاريض لا تكون إلا كذلك . والثالث : أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام ، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذبا . الرابع : ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب الى ظاهر الحال انهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها ثم إن إخوة يوسف ( قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى ( تفقدون ) من أفقدته إذا وجدته فقيدا قالوا تفقد صواع الملك . قال صاحب الكشاف : قرىء صواع وصاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها ، والعين معجمة وغير معجمة . قال بعضهم جمع صواع صيعان ، كغراب وغربان ، وجمع صاع أصواع ، كباب وأبواب ، وقال آخرون : لا فرق بين الصاع والصواع ، والدليل عليه قراءة أبي هريرة ( قالوا نفقد صاع الملك ) وقال بعضهم : الصواع اسم ، والسقاية وصف ، كقولهم : كوز وسقاء ، فالكور اسم والسقاء وصف . ثم قال ﴿ ولمن جاء به حمل بعير﴾ أي من الطعام وأنا به زعيم . وقال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي أذن ، وتفسير زعيم كفيل . قال الكلبي : الزعيم الكفيل بلسان أهل اليمن . روى أبو عبيدة عن الكسائي : زعمت به تزعم زعما وزعامة . أي كفلت به ، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله وَ ثير في قوله ((الزعيم غارم)) فان قيل : هذه كفالة بشيء مجهول ؟ قلنا : حمل بعير من الطعام كان معلوما عندهم ، فصحت الكفالة به إلا أن هذه كفالة مال لرد سرقة ، وهو كفالة بما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على رد السرقة ، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم . الجزء ١٨٤ قوله تعالى (( قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض )) سورة يوسف قَالُواْ تَِّلَقَدْ عَلْتُ مَّ ◌ِثْنَا لِنُفْسِدَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كُّ سَِقِينَ ◌َِّ قَالُواأَمَا جَزَاؤُهُ: إِن كُنتُمْ كَئِذٍ بِينَ (٣٨) قَالُوْ بَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ بَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّلِينَ ٢٧٥ قوله تعالى ﴿ قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين ﴾ قال البصريون : الواو في ( والله ) بدل من التاء والتاء بدل من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل . قال المفسرون : حلفوا على أمرين : أحدهما : على أنهم ما جاؤا لأجل الفساد في الأرض لأنه ظهر من أحوالهم امتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بالأكل ولا بارسال الدواب في مزارع الناس ، حتى روى أنهم كانوا قد سدوا أفواه دوابهم لئلا تعبث في زرع ، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ، ومن كانت هذه صفته فالفساد في الأرض لا يليق به . والثاني : انهم ما كانوا سارقين ، وقد حصل لهم فيه شاهدا قاطع ، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم الى مصر ولم يستحلوا أخذها ، والسارق لا يفعل ذلك البتة ثم لما بينوا براءتهم عن تلك التهمة قال أصحاب يوسف عليه السلام ( فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ) فأجابوا و( قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ) قال ابن عباس كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ، والمعنى جزاء هذا الجرم من وجد المسروق في رحله ، أي ذلك الشخص هو جزاء ذلك الجرم ، والمعنى : أن استعباده هو جزاء ذلك الجرم ، قال الزجاج : وفيه وجهان : أحدهما : أن يقال جزاؤه مبتدأ ومن وجد في رحله خبره . والمعنى : جزاء السرقة هو الانسان الذي وجد في رحله السرقة ، ويكون قوله ( فهو جزاؤه ) زيادة في البيان كما تقول جزاء السارق القطع فهو جزاؤه . الثاني: أي يقال ( جزاؤه ) مبتدأ وقوله ( من وجد في رحله فهو جزاؤه ) جملة وهي في موضع خبر المبتدأ . والتقدير : كأنه قيل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ، إلا أنه أقام المضمر للتأكيد والمبالغة فى البيان وأنشد النحويون : لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت الغنى والفقيرا وأما قوله ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾ أي مثل هذا الجزاء . جزاء الظالمين. يريد إذا ١٨٥ قوله تعالى (( فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه)) سورة يوسف الثالث عشر فَبَدَأَبِأَوْعِهِمْ قَبْلَ وَِاءِ أَخِيٍ ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن ◌َِاءِ أَخِهِ كَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ نَفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ سرق استرق ثم قيل : هذا من بقية كلام اخوة يوسف . وقيل : إنهم لما قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، فقال أصحاب يوسف ( كذلك نجزي الظالمين ) قوله تعالى ﴿ فبدأ بأوعیتھم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه کذلك کدنا لیوسف ما کان ليأخذ أخاه في دین الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم) اعلم أن اخوة يوسف لما أقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق قال لهم المؤذن : انه لا بد من تفتيش أمتعتكم ، فانصرف بهم الى يوسف ( فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ) لازالة التهمة . والأوعية جمع الوعاء وهو كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به استخرجها من وعاء أخيه ، وقرأ الحسن ( وعاء أخيه ) بضم الواو وهي لغة ، وقرأ سعيد بن جبير ( اعاء أخيه ) فقلب الواو همزة . فان قيل : لم ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه ؟ قلنا : قالوا رجع ضمير المؤنث الى السقاية وضمير المذكر الى الصواع أو يقال : الصواع يؤنث ويذكر ، فكان كل واحد منهما جائزا أو يقال : لعل يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعا فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية وفيما يتصل بهم صواعا ، عن قتادة أنه قال : كان لا ینظر في وعاء إلا استغفر الله تائبا مما قذفهم به ، حتى أنه لم يبق إلا أخوه قال ما أری هذا قد أخذ شيئا ، فقالوا : لا نذهب حتى تتفحص عن حاله أيضا ، فلما نظروا في متاعه استخرجوا الصواع من وعائه والقوم كانوا قد حكموا بأن من سرق يسترق ، فأخذوا برقبته وجر وا به الى دار يوسف . . ثم قال تعالى ﴿ كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ وفيه بحثان : الأول : المعنى ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف، وذلك إشارة الى الحكم باسترقاق السارق ، أي مثل هذا الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف . الثاني : لفظ الكيد مشعر بالحيلة والخديعة ، وذلك في حق الله تعالى محال . إلا أنا ذكرنا قانونا معتبرا في هذا الباب ، وهو أن ١٨٦ قوله تعالى « ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك )) سورة يوسف الجزء أمثال هذه الألفاظ تحمل على نهايات الأغراض لا على بدايات الأغراض ، وقررنا هذا الأصل في تفسير قوله تعالى ( إن الله لا يستحي ) فالكيد السعي في الحيلة والخديعة ، ونهايته إلقاء الانسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه ولا سبيل له الى دفعه ، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى . ثم اختلفوا في المراد بالكيد ههنا فقال بعضهم : المراد أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمر يوسف ، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره. وقال آخرون : المراد من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلوب إخوته أن حكموا بأن جزاء السارق هو أن يسترق ، لا جرم لما ظهر الصواع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق ، وصار ذلك سببا لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه . ثم قال تعالى ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ والمعنى : أنه كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق ، فما كان يوسف قادرا على حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك وحكمه ، إلا أنه تعالى كاد له ما جرى على لسان اخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق فقد بينا أن هذا الكلام توسل به الى أخذ أخيه وحبسه عند نفسه وهو معنى قوله ( إلا أن يشاء الله ) ثم قال ( نرفع درجات من نشاء ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة وعاصم والكسائي (درجات) بالتنوين غير مضاف، والباقون بالاضافة . ﴿ المسألة الثانية ﴾ المراد من قوله (نرفع درجات من نشاء) هو أنه تعالى يريه وجوه الصواب في بلوغ المراد ، ويخصه بأنواع العلوم ، وأقسام الفضائل ، والمراد ههنا هو أنه تعالى رفع درجات يوسف على اخوته في كل شيء . واعلم أن هذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات ، لأنه تعالى لما هدى يوسف الى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك فقال ( نرفع درجات من نشاء ) وأيضا وصف ابراهيم عليه السلام بقوله ( نرفع درجات من نشاء ) عند ايراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن الهية الشمس والقمر والكواكب ووصف ههنا يوسف أيضا بقوله ( نرفع درجات من نشاء ) لما هداه الى هذه الحيلة وكم بين المرتبتين من التفاوت . ثم قال تعالى ﴿وفوق كل ذي علم عليم ) والمعنى أن أخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء فضلاء ، إلا أن يوسف كان زائدا عليهم في العلم . واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم . فقالوا : لو كان ١٨٧ الثالث عشر قوله تعالى (( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ))سورة يوسف قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخُ لَّهُو مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ عالما بالعلم لكان ذاعلم . ولو كان كذلك ، لحصل فوقه عليم تمسكا بعموم هذه الآية وهذا باطل . واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على اثبات العلم لله تعالى وهي قوله ( إن الله عنده علم الساعة . وأنزله بعلمه . ولا يحيطون بشيء من علمه . وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) واذا وقع التعارض فنحن نحمل الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص العموم ، إلا أنه لا بد من المصير اليه لأن العالم مشتق من العلم ، والمشتق مركب منه مفرد، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا . قوله تعالى ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ﴾ اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخى يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا : هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين ، ثم قالوا : يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم ، فقال بنيامين ما أكثر البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة ، ثم تقولون لي هذا الكلام، قالوا له : فكيف خرج الصواع من رحلك ، فقال : وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم . واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك : إن هذا الأمر ليس بغريب منه فان أخاه الذي هلك كان أيضا سارقا ، وكان غرضهم من هذا الكلام انا لسنا على طريقته ولا على سيرته ، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة لأنهما من أم أخرى ، واختلفوا في السرقة التي نسبوها الى يوسف عليه السلام على أقوال : الأول : قال سعيد بن جبير : كان جده أبو أمه كافرا يعبد الأوثان فأمرأته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك ، فهذا هو السرقة ، والثاني : أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه ويدفعه الى الفقراء . وقيل سرق عناقا من أبيه ودفعه الى المسكين وقيل دجاجة . والثالث : أن عمته كانت تحبه حبا شديدا فارادت أن تمسكه عند نفسها ، وكان قد بقي عندها منطقة لاسحق عليه السلام وكانوا يتبركون بها فشدتها على وسط يوسف ثم قالت بانه سرقها وكان من حكمهم بأن من سرق ١٨٨ قوله تعالى (( فأسرها يوسف في نفسه )) سورة يوسف الجزء يسترق ، فتوسلت بهذه الحيلة الى أمساكه عند نفسها. والرابع : أنهم كذبوا عليه وبهتوه وكانت قلوبهم مملوءة بالغضب على يوسف بعد تلك الوقائع ، وبعد انقضاء تلك المدة الطويلة ، وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطهر عن الغل البتة . ثم قال تعالى ﴿ فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله ( فأسرها يوسف) إلى أي شيء يعود على قولين قال الزجاج: فأسرها اضمار على شريطة التفسير ، تفسيره أنتم شرمكانا وانما أنث لأن قوله ( أنتم شرمكانا) جملة أو كلمة لأنهم يسمون الطائفة من الكلام كلمة كأنه قال : فاسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله ( أنتم شر مكانا ) وفي قراءة ابن مسعود ( فاسر) بالتذكير يريد القول أو الكلام وطعن أبو على الفارسي في هذا الوجه فيما استدركه على الزجاج من وجهين : ﴿ الوجه الأول ﴾ قال الاضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين: أحدهما : أن يفسر بمفرد كقولنا : نعم رجلا زيد ففي نعم ضمير فاعلها ، ورجلا تفسير لذلك الفاعل المضمر والآخر أن يفسر بجملة وأصل هذا يقع في الابتداء كقوله ( فاذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا . وقل هو الله أحد ) والمعنى القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر الله أحد . ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضا نحو ان كقوله ( إنه من يأت ربه مجرما . فانها لا تعمى الأبصار ) إذا عرفت هذا فنقول : نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل بالجملة التي حصل منها الاضمار ، ولا يكون خارجا عن تلك الجملة ولا مباينا لها . وههنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الاضمار فوجب أن لا يحسن . والثاني : أنه تعالى قال ( أنتم شرمكانا ) وذلك يدل على أنه ذكر هذا الكلام ، ولو قلنا : إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله انه قال ذلك كذبا . واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه : أما الأول ﴾ فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث . وأما الثاني ﴾ فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال . والوجه الثاني ﴾ وهو أن الضمير في قوله ( فأسرها) عائد الى الاجابة كأنهم قالوا ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) فأسر يوسف إجابتهم في نفسه ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة الى وقت ثان ويجوز أيضا أن يكون إضمارا للمقالة . والمعنى : أسر يوسف ١٨٩ قوله تعالى (( قالوا يا أيها العزيز)) سورة يوسف الثالث عشر قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُرٍ أَبَا شَيْخَا كَبِيرًاً فَخُذُ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ ◌َ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَأْخُذَ إِلَّ مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُإِنَّا إِذَا لَّظَلِمُونَ اَلْمُحْسِنِينَ ( ٧٩ مقالتهم ، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة كما يراد بالخلق المخلوق . وبالعلم المعلوم . يعني أسر يوسف في نفسه كيفية تلك السرقة ، ولم يبين لهم انها كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والطعن . روى عن ابن عباس وضى الله عنهما أنه قال عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها ، عوقب بالحبس وبقوله ( اذكرني عند ربك ) عوقب بالحبس الطويل وبقوله ( إنكم لسارقون ) عوقب بقولهم ( فقد سرق أخ له من قبل ) ثم حكى تعالى عن يوسف أنه قال ( أنتم شرمكانا ) أي أنتم شرمنزلة عند الله تعالى لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب ، ثم قلتم لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون ، ثم بعتموه بعشرين درهما ، ثم بعد المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة . ثم قال تعالى ﴿والله أعلم بما تصفون ﴾ يريد أن سرقة يوسف كانت رضا الله، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم واللوم اليه ، والمعنى : والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود مذمة الیه أم لا . قوله تعالى ﴿ قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ الامن وجدنا متاعنا عنده إنا إذا الظالمون ) اعلم أنه تعالی بین أنهم بعد الذي ذكر وه من قولهم ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) أحبوا موافقته والعدول الى طريقة الشفاعة فانهم وان كانوا قد اعترفوا أن حكم الله تعالى في السارق أن يستعبد ، الا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضا جائزا ، فقالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا أي في السن ، ويجوز أن يكون في القدر والدين ، وإنما ذكروا ذلك لأن كونه ابنا لرجل كبير القدر يوجب العفو والصفح . ثم قالوا ( فخذ أحدنا مكانه ) يحتمل أن يكون المراد على طريق الاستبعاد ويحتمل أن يكون المراد على طريق الرهن حتى نوصل الفداء اليك . ثم قالوا ( إنا نراك من المحسنين ) وفيه وجوه : أحدها : انا نراك من المحسنين لو فعلت ذلك . وثانيها : إنا نراك من المحسنين الينا حيث أكرمتنا وأعطيتنا البذل الكثير وحصلت لنا مطلوبنا ١٩٠ قوله تعالى « فلما استیاسوا منه خلصوا نجيا )) سورة يوسف الجزء فَلَّا أَسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ خَلَصُوْلَّا قَالَ كَِرُهُمْ أَلَمْ تَعَلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُرْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِن قَبْلُ مَّهُمْ فِ يُوسُفَ فَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ خَّى يَأْذَنَ لِّ أَبِ أَوْ يَحْكُرَ اْللَّهُ لِ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِينَ (® على أحسن الوجوه ورددت إلينا ثمن الطعام . وثالثها نقل انه عليه السلام لما اشتد القحط على القوم ولم يجدوا شيئا يشترون به الطعام ، وكانوا يبيعون أنفسهم منه فصار ذلك سببا لصيرورة أكثر أهل مصر عبيدا له ثم إنه أعتق الكل ، فلعلهم قالوا : ( إنا نراك من المحسنين ) الى عامة الناس بالاعتاق فكن محسنا أيضا الى هذا الانسان باعتاقه من هذه المحنة ، فقال يوسف ( معاذ الله ) أي أعوذ بالله معاذا أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ، أي أعوذ بالله أن آخذ بريئا بمذنب قال الزجاج: موضع ((أن)) نصب والمعنى: أعوذ بالله من أخذ أحد بغيره فلما سقطت كلمة (( من)) انتصب الفعل عليه وقوله ( إنا إذا لظالمون ) أي لقد تعديت وظلمت إن آذيت إنسانا بجرم صدر عن غيره . فان قيل : هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب ، فكيف يجوز من يوسف عليه السلام مع رسالته الاقدام على هذا التزوير والترويج وإيذاء الناس من غير سبب لا سيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عند نفسه بهذه التهمة فانه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه ، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير الى هذا الحد . والجواب : لعله تعالى أمره بذلك تشديدا للمحنة على يعقوب ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر تعالى صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر . قوله تعالى ﴿ فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ﴾ في الاية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أنهم لما قالوا ( فخذ أحدنا مكانه) وهو نهاية ما يمكنهم بذله فقال يوسف في جوابه ( معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ) فانقطع طمعهم من يوسف عليه السلام في رده ، فعند هذا قال تعالى ( فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ) وهو مبالغة في يأسهم من رده ( وخلصوا نجيا ) أي تفردوا عن سائر الناس يتناجون ولا شبهة أن المراد ١٩١ قوله تعالى (( قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم )) سورة يوسف الثالث عشر يتشاورون ويتحيلون الرأي فيما وقعوا فيه ، لانهم إنما أخذوا بنيامين من أبيهم بعد المواثيق المؤكدة وبعد أن كانوا متهمين في حق يوسف فلو لم يعيدوه الى أبيهم لحصلت محن كثيرة : أحدها : أنه لو لم يعودوا الى أبيهم وكان شيخا كبيرا فبقاؤه وحده من غير أحد من أولاده محنة عظيمة . وثانيها : أن أهل بيتهم كانوا محتاجين الى الطعام أشد الحاجة . وثالثها : أن يعقوب عليه السلام ربما كان يظن أن أولاده هلكوا بالكلية وذلك غم شديد ولو عادوا الى أبيهم بدون بنيامين لعظم حياؤهم فان ظاهر الأمر يوهم أنهم خانوه في هذا الابن كما أنهم خانوه في الابن الأول ، ولكان يوهم أيضا أنهم ما أقاموا لتلك المواثيق المؤكدة وزنا ولا شك أن هذا الموضع موضع فكرة وحيرة ، وذلك يوجب التفاوض والتشاور طلبا للأصلح الأصوب فهذا هو المراد من قوله ( فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ) ﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي روى عن ابن كثير، استيأسوا . وحتى اذا استيأس الرسل بغير همز وفي ييئس لغتان يئس وييأس مثل حسب ويحسب ومن قال استيأس قلب العين الى موضع الفاء فصار استعفل وأصله استيأس ثم خففت الهمزة . قال صاحب الكشاف: استيأسوا يئسوا ، وزيادة السين والتاء للمبالغة كما في قوله ( استعصم ) وقوله ( خلصوا ) قال الواحدي : يقال خلص الشيء يخلص خلوصا اذا ذهب عنه الشائب من غيره ، ثم فيه وجهان : الأول : قال الزجاج خلصوا أي انفردوا ، وليس معهم أخوهم ، والثاني : قال الباقون تميزوا عن الأجانب ، وهذا هو الأظهر . وأما قوله ( نجيا) فقال صاحب الكشاف : النجى على معنيين يكون بمعنى المناجى كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر . ومنه قوله تعالى (وقر بناه نجيا) وبمعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل : النجوى بمعنى المتناجين ، فعلى هذا معنى ( خلصوا نجيا) اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم ( نجيا) أي مناجيا . روى ( نجوى ) أي فوجا ( نجيا ) أي مناجيا لمناجاة بعضهم بعضا ، وأحسن الوجوه أن يقال : إنهم تمحضوا تناجيا ، لأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه صار ذلك الشيء ، فلما أخذوا في التناجي على غاية الجد صاروا كأنهم في أنفسهم ، صاروا نفس التناجي حقيقة . أما قوله تعالى ﴿ قال کبیرهم ﴾ فقيل المراد کبیرهم في السن وهو روبیل ، وقیل کبیرهم في العقل وهو يهودا، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف، ثم حكى تعالى عن هذا الكبير|أنه إقال (ألم تعلموا ان اباكم قد اخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف) وفيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : لما قال يوسف عليه السلام ( معاذ الله أن نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده) غضب يهودا ، وكان اذا غضب وصاح فلا تسمع صوته ١٩٢ قوله تعالى (( ارجعوا إلى أبيكم )) سورة يوسف الجزء أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِكُمْ فَقُولُواْ يَأْبَانَآَ إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّ بِمَا عَلْنَا وَمَا كُاَ لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ ﴾ وَسْعَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّافِيهَا وَالْغِيرَ الَِّىِّ أَقْبَلْنَافِيهَا وَإِنَّا ٨٢ لَصَدِقُونَ حامل إلا وضعت ويقوم شعره على جسده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فقال لبعض إخوته اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف عليه السلام لابن صغير له مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف عليه السلام رجله على الأرض وأخذ بملابسه وجذبه فسقط فعنده قال يا أيها العزيز، فلما أيسوا من قبول الشفاعة تذاكروا وقالوا: إن أبانا قد أخذ علينا موثقا عظيما من الله. وأيضا نحن متهمون بواقعة يوسف فكيف المخلص من هذه الورطة . ﴿ المسألة الثانية﴾ لفظ ما في قوله ( ما فرطتم) فيها وجوه : الأول : أن يكون أصله من قبل هذا فرطتم في شأن يوسف عليه السلام ، ولم تحفظوا عهد أبيكم . الثاني : أن تكون مصدرية ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف ، وهو من قبل . ومعناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف ، الثالث : النصب عطفا على مفعول ( ألم تعلموا ) والتقدير : ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقكم وتفريطكم من قبل في يوسف . الرابع : أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة ، ومحله الرفع والنصب على الوجهين المذكورين ، ثم قال ( فلن أبرح الأرض ) أي فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبي في الانصراف اليه أو يحكم الله لي بالخروج منها . أو بالانتصاف ممن أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب وهو خير الحاكمين ، لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق ، وبالجملة فالمراد ظهور عذر يزول معه حياؤه وخجله من أبيه أو غيره قاله انقطاعا إلى الله تعالى في إظهار عذره بوجه من الوجوه . قوله تعالى ﴿ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ﴾ واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم ان الأصوب هو الرجوع ، وأن يذكروالأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت ، والظاهر أن هذا القول قاله ذلك الكبير الذي قال ( فلن أبرح الأرض حتى بأذن لي أبي ) قيل إنه روبيل. وبقي هو في مصر وبعث ١٩٣ قوله تعالى ((فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق )) سورة يوسف الثالث عشر سائر إخوته الى الأب . فان قيل : كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة . لا سيما وهو قد أجاب بالجواب الشافي ، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحلكم . والجواب عنه من وجوه : ﴿ الوجه الأول ﴾ أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعا في موضع ما كان يدخله أحد إلا هم، فلما شاهدوا انهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه هو الذي أخذ الصواع، وأما قوله: وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم. فالفرق ظاهر، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة اليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأما هذا الصواع فان أحدا لم يعترف بانه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق. فلهذا السبب غلب على ظنونهم انه سرق، فشهدوا بناء على هذا الظن، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين) والوجه الثاني ﴾ في الجواب ان تقدير الكلام (إن ابنك سرق) في قول الملك واصحابه ومثله كثير في القرآن . قال تعالى ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) أي عند نفسك ، وقال تعالى ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا ههنا . الوجه الثالث ﴾ في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فان اطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ﴿ الوجه الرابع﴾ أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئا يوهم ذلك . ﴿ الوجه الخامس ﴾ أن ابن عباس رضى الله عنهما كان يقرأ (ان ابنك سرق) بالتشديد ، أي نسب الى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه الى السرقة ، إلا انا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القرآآت لا تدفع السؤال ، لأن الاشكال انما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة ، والقراءة الحقة هي هذه . أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الاشكال باقيا سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح ، فثبت أنه لا بد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة أما قوله (وما شهدنا إلا بما علمنا) فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى ( وما شهدنا إلا بما علمنا ) وذلك يقتضي كون الشهادة ١٩٤ قوله تعالى (( واسأل القرية التي كنا فيها )) سورة يوسف الجزء مغايرة للعلم ولأنه عليه السلام قال : إذا علمت مثل الشمس فاشهد ، وذلك أيضا يقتضي ما ذكرناه وليست الشهادة أيضا عبارة عن قوله أشهد لأن قوله أشهد أخبار عن الشهادة والاخبار عن الشهادة غير الشهادة . اذا ثبت هذا فنقول : الشهادة عبارة عن الحكم الذهني وهو الذي يسميه المتكلمون "بكلام النفس ، وأما قوله ( وما كنا للغيب حافظين ) ففيه وجوه : الأول : أتا قد رأينا أنهم أخرجوا الصواع من رحله ، وأما حقيقة الحال فغير معلومة لنا فان الغيب لا يعلمه الا الله . والثاني : قال عكرمة معناه : لعل الصواع دس في متاعه بالليل فان الغيب اسم لليل على بعض اللغات . والثالث : قال مجاهد والحسن وقتادة : ما كنا نعلم أن ابنك يسرق ، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به الى الملك وما أعطيناك موثقا من الله في رده اليك . والرابع : نقل أن يعقوب عليه السلام قال لهم : فهب أنه سرق ولكن كيف عرف الملك أن شرع بني اسرائيل أن من سرق يسترق ، بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم فقالوا عند هذا الكلام : انا قد ذكرنا له هذا الحكم قبل وقوعنا في هذه الواقعة وما كنا نعلم أن هذه الواقعة نقع فيها فقوله(وما كنا للغيب حافظين) اشارة إلى هذا المعنى . فان قيل : فهل يجوز من يعقوب عليه السلام أن يسعى في اخفاء حكم الله تعالى على هذا القول قلنا : لعله كان ذلك الحكم مخصوصا بما إذا كان المسروق منه مسلما فلهذا أنكر ذكر هذا الحكم عند الملك الذي ظنه كافرا . ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا ( واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ) واعلم أنهم لما كانوا متهمين بسبب واقعة يوسف عليه السلام بالغوا في ازالة التهمة عن أنفسهم فقالوا ( واسأل القرية التي كنا فيها ) والأكثرون اتفقوا على أن المراد من هذه القرية مصر وقال قوم ، بل المراد منه قرية على باب مصر جرى فيها حديث السرقة والتفتيش ، ثم فيه قولان : الأول : المراد واسأل أهل القرية إلا أنه حذف المضاف للايجاز والاختصار ، وهذا النوع من المجاز مشهور في لغة العرب قال أبو علي الفارسي ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضروريات وجاحد المحسوسات . والثاني : قال أبو بكر الأنباري المعنى : اسأل القرية والعير والجدار والحيطان فانها تجيبك وتذكر لك صحة ما ذكرناه لأنك من أكابر أنبياء الله فلا يبعد أن ينطق الله هذه الجمادات معجزة لك حتى تخبر بصحة ما ذكرناه ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن الشيء إذا ظهر ظهورا تاما كاملا فقد يقال فيه ، سل السماء والأرض وجميع الأشياء عنه ، ١٩٥ الثالث عشر قوله تعالى ((قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا)) سورة يوسف قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُرْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جِلٍ عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ بَجميعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ والمراد أنه بلغ في الظهور الى الغاية التي ما بقي للشك فيه مجال . أما قوله ﴿والعير التي أقبلنا فيها ﴾ فقال المفسرون كان قد صحبهم قوم من الكنعانيين فقالوا : سلهم عن هذه الواقعة . ثم إنهم لما بالغوا في التأكيد والتقرير قالوا ( وإنا لصادقون ) يعني سواء نسبتنا الى التهمة أو لم تنسبنا اليها فنحن صادقون ، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم بأنفسهم لأن هذا يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ، بل الانسان إذا قدم ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده وأنا صادق في ذلك يعني فتأمل فیما ذكرته من الدلائل والبينات لتزول عنك الشبهة قوله تعالى ﴿ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ﴾ اعلم أن یعقوب علیه السلام لما سمع من أبنائه ذلك الكلام لم يصدقھم فیما ذکر وا کما في واقعة يوسف فقال ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ) فذكر هذا الكلام بعينه في هذه الواقعة إلا أنه قال في واقعة يوسف عليه السلام (والله المستعان على ما تصفون ) وقال ههنا ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال بعضهم إن قوله (بل سولت لكم أنفسكم أمرا) ليس المراد منه ههنا الكذب والاحتيال كما في قوله في واقعة يوسف عليه السلام حين قال ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا) لكنه عني سولت لكم أنفسكم اخراج بنيامين عني والمصير به الى مصر طلبا للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألحْتم علي في ارساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله انما جاء على خلاف تقديركم وقيل : بل المعنى سولت لكم أنفسكم أمرا خيلت لكم أنفسكم أنه سرق وما سرق . المسألة الثانية) قيل إن روبيل لما عزم على الاقامة بمصر أمره الملك أن يذهب مع اخوته فقال اتركوني وإلا صحت صيحة لا تبقى بمصر امرأة حامل وتضع حملها فقال يوسف دعوه ولما رجع القوم إلى يعقوب عليه السلام وأخبروه بالواقعة بكى وقال: يا بني لا تخرجوا من عندي مرة إلا ونقص بعضكم، ذهبتم مرة فنقص يوسف، وفي الثانية نقص شمعون، وفي هذه الثالثة ١٩٦ قوله تعالى ( وتولی عنهم وقال یا أسفي على يوسف))سورة يوسف الجزء وَتَوََّّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَتَأْسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ٨٤ قَالُواْ ثَلَِّ تَنْتَقْتَذْ كُ يُوسُفَ خَّى تَكُونَ خَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ أَهَْلِكِينَ (َهِ قَالَ إِنَا أَشْكُوْبَنِّي وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٥) يَنَبَنِيَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِهِ وَلَا تَأَيْكَسُوْ مِن رَّوْعِ اللهِ إِنَّهُلَا يَأْفَسُ مِنْ زَّوْجِ اللهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْكِِّفِرُونَ من AV نقص روبيل وبنيامين ، ثم بكى وقال : عسى الله أن يأتيني بهم جميعا . وانما حكم بهذا الحكم. لوجوه : الأول : أنه لما طال حزنه وبلاؤه ومحنته علم أنه تعالى سيجعل له فرجا ومخرجاً عن قريب فقال ذلك على سبيل حسن الظن برحمة الله . والثاني : لعله تعالى قد أخبره من بعد محنة يوسف أنه حي أو ظهرت له علامات ذلك وانما قال ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) لأنهم حين ذهبوا بيوسف كانوا اثنى عشر فضاع يوسف وبقي أحد عشر، ولما أرسلهم الى مصر عادوا تسعة لأن بنيامين حبسه يوسف واحتبس ذلك الكبير الذي قال ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ) فلما كان الغائبون ثلاثة لا جرم ( قال عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) ثم قال ﴿ إنه هو العليم الحكيم ﴾ يعني هو العالم بحقائق الأمور الحكيم فيها على الوجه المطابق للفضل والاحسان والرحمة والمصلحة . قوله تعالى ﴿ وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم مالا تعلمون يا بني اذهبوافتحسسوامن يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ییأس من روح الله إلا القوم الكافرون واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جداً وأعرض عنهم وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم وعاد اليهم . ﴿ أما المقام الأول﴾ وهو أنه أعرض عنهم، وفر منهم فهو قوله (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف ) واعلم أنه لما ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين عظم أسفه على يوسف عليه السلام ( وقال يا أسفي على يوسف) وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند ١٩٧ قوله تعالى (( وقال يا أسفي على يوسف)) سورة يوسف الثالث عشر هذه الواقعة لوجوه : : الوجه الأول ﴾ أن الحزن الجديد يقوى الحزن القديم الكامن . والقدح إذا وقع على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة : رفيقي لتذراف الدموع السوافك وقد لا منى عند القبور على البكا لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقال أتبكي كل قبر رأيته فدعني فهذا كله قبر مالك فقلت له إن الأسی یبعث الأسى وذلك لأنه اذا رأى قبرا فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه ، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى . وقال آخر : فلم تنسنى أوفى المصيبات بعده ولكن نكاء القرح بالقرح اوجع والوجه الثاني ﴾ أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة . وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل ، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية (يوسف عليه السلام ، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد ، ﴿ الوجه الثالث﴾ أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا ، وكان الأسف عليه أسفا على الكل . الرابع : أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها . وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه ، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوما له ، وأيضا أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة . وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أوميت ، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله . المسألة الثانية ﴾ من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله ( يا أسفي على يوسف) قال لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله وانه لا يجوز ، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل ، وتقريره أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه ، وهو المراد من قوله ( وابيضت عيناه من الحزن ) ثم أمسك لسانه عن النياحة، وذكر ما لا ينبغي ، وهو المراد من قوله ( فهو كظيم ) ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق بدليل قوله ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) وكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته فانه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم . روى أن يوسف عليه السلام سأل جبريل هل لك علم بيعقوب ؟ قال نعم ، قال وكيف حزنه ؟ ١٩٨ قوله تعالى ((قال انما أشكو بثي وحزني إلى الله )) سورة يوسف الجزء قال حزن سبعين ثكلى وهي التي لها ولد واحد ثم يموت . قال فهل له فيه أجر ؟ قال نعم أجر مائة شهيد . فان قيل : روى عن محمد بن علي الباقر قال : مر بيعقوب شيخ كبير فقال له انت إبراهيم فقال أنا أبن ابنه والهموم غير تني وذهبت بحسنى وقوتي ، فأوحى الله تعالى اليه (( حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني لأبدلنك لحما خيرا من لحمك ودما خيرا من دمك)) فكان من بعد يقول إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي و الر أنه قال ((كان ليعقوب أخ مواخ)) فقال له: ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين ، فأوحى الله تعالى اليه ((أما تستحي تشكوني إلى غيري)) فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، فقال يارب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري ، وأذهبت بصري ، فاردد على ريحانتي يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال : لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعاما للمساكين ، فان أحب عبادي الي الأنبياء والمساكين ، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب ، واذا كان صائما نادى مثله عند الافطار . وروى أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر ، فقال له رجل : ما هذا الذي أراه بك ، قال طول الزمان وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه ((أتشكوني يا يعقوب)) فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي . قلنا : انا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة . وروى أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له : جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي فقال لا ، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك ، وأما البكاء فليس من المعاصي . وروى أن النبي عليه الصلاة والسلام: بكى على ولده إبراهيم عليه السلام وقال ((إن القلب ليحزن والعين تدمع ، ولا نقول : ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون)) وأيضا فابستيلاء الحزن على الانسان ليس باختياره ، فلا يكون ذلك داخلا تحت التكليف. وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه ، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين . وأيضا ففيه دقيقة أخرى وهي ان الانسان اذا كان في موضع التحير والتردد لا بد وأن يرجع الى الله تعالى، فيعقوب عليه السلام كان يعلم أن يوسف بقي حيا أم صارميتا ، فكان متوقفا فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع الى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة ، وكانت أحواله في هذه الواقعة مختلفة ، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق الهم بذكر الله تعالى ، فان عن تذكر هذه الواقعة ، فكان ذكرها كلا سواها ، فلهذا السبب صارت هذه الواقعة ١٩٩ قوله تعالى (( وابيضت عيناه من الحزن )) سورة يوسف الثالث عشر بالنسبة اليه ، جارية مجرى الالقاء في النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لا بنه الذبيح. فان قيل: أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول (إنا لله وإنا اليه راجعون) حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) قلنا : قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله ( إنا لله ) اشارة إلى أنا مملوكون الله وهو الذي خلقنا وأوجدنا ، وقوله ( وإنا اليه راجعون ) اشارة إلى أنه لا بد من الحشر والقيامة ، ومن المحال أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لا بد في العاقبة من رجوعه الى الله تعالى ، فهناك تحصل السلوة التامة عند تلك المصيبة ، ومن المحال أن يكون المؤمن بالله غير عارف بذلك . ﴿ المسألة الثالثة ) قوله ( يا أسفي على يوسف نداء الأسف وهو كقوله ( يا عجبا) والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول : هذا وقت حصولك وأوان مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله ( حاش الله ) والأسف الحزن على ما فأت . قال الليث : اذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزين ومتأسف أيضا . قال الزجاج : الأصل ( يا أسفي ) الا أن ياء الاضافة يجوز ابدالها بالألف لخفة الألف والفتحة . ثم قال تعالى ﴿وابيضت عيناه من الحزن ﴾ وفيه وجهان : ﴿الوجه الأول﴾ أنه لما قال يا أسفي على يوسف غلبه البكاء، وعند غلبه البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها أبيضت من بياض ذلك الماء وقوله (وابيضت عيناه من الحزن) كناية عن غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول ان تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسناً: ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى. وهذا للتفسير مع الدليل رواه الواحدي في البسيط عن ابن عباس رضى الله عنهما . والوجه الثاني ﴾ أن المراد هو العمى قال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقمیص یوسف عليه السلام وهو قوله ( فالقوه على وجه أبي يأت بصيرا ) قيل إن جبر یل علیه السلام دخل على يوسفعليه السلام حينما كان في السجن فقال إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك فوضع يده على رأسه وقال : ليت أمي لم تلدني ولم أك حزنا على أبي ، ٢٠٠ قوله تعالى (( قالوا تالله تفتؤ نذكر)) سورة يوسف الجزء والقائلون بهذا التأويل قالوا : الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى ، فالحزن كان سببا للعمى بهذه الواسطة ، وانما كان البكاء الدائم يوجب العمى ، لأنه يورث كدورة في سوداء العين ، ومنهم من قال : ما عمى لكنه صار بحيث يدرك ادراكا ضعيفا . قيل : ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام إلى حين لقائه ، وتلك المدة ثمانون عاما ، وما كان على وجه الأرض عبدا أكرم على الله تعالى من يعقوب عليه السلام . أما قوله تعالى ﴿من الحزن) فاعلم أنه قرىء (من الحزن) برفع الحاء وسكون الزاي، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي. قال الواحدي: واختلفوا في الحزن، والحزن فقال قوم: الحزن البكاء والحزن ضد الفرح ، وقال قوم : هما لغتان يقال أصابه حزن شديد ، وحزن شديد ، وهو مذهب أكثر أهل اللغة ، وروى يونس عن أبي عمر وقال : إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله ( ترى أعينهم تفيض من الدمع حزنا ) وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله ( من الحزن ) وقوله ( أشكو بثي وحزني إلى الله ) قال هو في موضع رفع بالابتداء . وأما قوله تعالى ﴿فهو كظيم﴾ فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة : ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم ، ومعناه المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه ، ويجوز أيضا أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده واعلم أن أشرف أعضاء الانسان هذه الثلاثة ، فبين تعالى أنها كانت غريقه في الغم فاللسان كان مشغولا بقوله (يا أسفي) والعين بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه وهذا مبالغة في وصف ذلك الغمر، أما قوله تعالى ﴿قالوا تاهتفتؤ تذکر یوسف حتی تکون حرضا أو تكون من الهالكين﴾ ففيه مسائل ﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن السكيت يقال: ما زلت أفعله وما فتئت أفعله وما برحت أفعله ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد، قال ابن قتيبة يقال: ما فتيت وما فتئت لغتان فتيا وفتوأ إذا نسيته وانقطعت عنه قال النحويون وحرف النفي ههنا مضمر على معنى قالوا : ما تفتؤا ولا تفتؤ وجاز حذفه لأنه لو أريد الاثبات لكان باللام والنون نحو . والله لتفعلن فلما كان بغير اللام والنون عرف أن كلمة لا . مضمرة وأنشدوا قول امرىء القيس : فقلت يمين الله أبرح قاعداً