Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
قوله تعالى (( ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس )) سورة يوسف
الثاني عشر
1
الجواب : أنه عليه السلام ،لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب قرن به كونه
من أهل بيت النبوة ، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء الله ورسله ، فان الانسان متى ادعى
حرفة أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه ، وأيضاً فكما أن درجة ابراهيم عليه السلام ، وإسحاق
ويعقوب كان أمراً مشهوراً في الدنيا ، فاذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظر وا اليه بعين الاجلال ،
فكان انقيادهم له أتم وتأثر قلوبهم بكلامه أكمل .
السؤال الثاني ﴾ لما كان نبيا فكيف قال. إني اتبعت ملة آبائي، والنبي لا بد وأن
يكون مختصا بشريعة نفسه .
قلنا : لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير ، وأيضا لعله كان رسولا من عند الله ، إلا أنه
كان على شريعة ابراهيم عليه السلام .
﴿ السؤال الثالث﴾ لم قال ( ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء) وحال كل المكلفين
كذلك ؟
والجواب : ليس المراد بقوله ( ما كان لنا) أنه حرم ذلك عليهم ، بل المراد أنه تعالى
طهر آباءه عن الكفر ، ونظيره قوله ( ما كان الله أن يتخذ من ولد )
﴿ السؤال الرابع ﴾ ما الفائدة في قوله ( من شيء)
الجواب : أن أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد النار ،
ومنهم من يعبد الكواكب ، ومنهم من يعبد العقل والنفس والطبيعة ، فقوله ( ما كان لنا أن
نشرك بالله من شيء ) رد على كل هؤلاء الطوائف والفرق ، وارشاد الى الدين الحق ، وهو أنه لا
موجد الا الله ولا خالق الا الله ولا رازق الا الله .
ثم قال ﴿ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس) وفيه مسألة. وهي أنه قال ( ما كان لنا
أن نشرك بالله من شيء )
ثم قال ﴿ ذلك من فضل الله ﴾ فقوله (ذلك) اشارة الى ما تقدم من عدم الاشراك ،
فهذا يدل على أن عدم الاشراك وحصول الايمان من اللّه . ثم بين أن الأمر كذلك في حقه
بعينه ، وفي حق الناس . ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون، ويجب أن يكون المراد أنهم لا
يشكرون الله على نعمة الايمان ، حكى أن واحدا من أهل السنة دخل على بشربن المعتمر ،
وقال : هل تشكر الله على الايمان أم لا . فان قلت لا ، فقد خالفت الاجماع ، وان شكرته
٠٠
٠٠

. .
١٤٢ قوله تعالى (( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله)) سورة يوسف الجزء
يُصَدِحَي السّجْنِ ، أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَرَّ أَمِ اللَّهُ الْوَِّدُ الْقَهَّارُ (٣٦) مَاتَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ
إلَّا أَسْمَاءُ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَابَ ؤُكُ مَّا أَنْزَلَ الَهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكُ إِلَّ ◌َِِّ أَمَ
أَلَّا تَعْبُدُواْإِلَّ إِنَّهُ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
فكيف تشكره على ما ليس فعلا له ، فقال له بشر إنا نشكره على أنه تعالى أعطانا القدرة والعقل
والآلة ، فيجب علينا أن نشكره على إعطاء القدرة والآلة ، فاما أن نشكره على الايمان مع أن
الايمان ليس فعلا له ، فذلك باطل ، وصعب الكلام على يشر، فدخل عليهم ثمامة بن
الأشرس وقال : إنا نشكر الله على الايمان ، بل الله يشكرنا عليه كما قال ( أولئك كان سعيهم
مشكورا ) فقال بشر: لما صعب الكلام سهل .
واعلم أن الذي الزمه ثمامة باطل بنص هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أن عدم
الاشراك من فضل الله ، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة ، وانما ذكره على سبيل
الذم فدل هذا على أنه يجب على كل مؤمن أن يشكر الله تعالى على نعمة الايمان وحينئذ
تقوى الحجة وتكمل الدلالة. قال القاضي قوله ( ذلك ) ان جعلناه اشارة إلى التمسك بالتوحيد
فهو من فضل الله تعالى لأنه انما حصل بألطافه وتسهيله ، ويحتمل أن يكون اشارة إلى النبوة.
والجواب : أن ذلك اشارة إلى المذكور السابق ، وذاك هو ترك الاشراك فوجب أن يكون
ترك الاشراك من فضل الله تعالى ، والقاضي يصرفه إلى الالطاف والتسهيل ، فكان هذا تركا
للظاهر وأما صرفه إلى النبوة فبعيد ، لأن اللفظ الدال على الاشارة يجب صرفه إلى اقرب
المذكورات وهو ههنا عدم الاشراك .
قوله تعالى ﴿ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون
من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا الله أمر ألا
تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى) قوله ( يا صاحبي السجن ) يريد صاحبي في السجن ، ويحتمل
أيضا أنه لما حصلت مرافقتهما في السجن مدة قليلة أضيفا إليه وإذا كانت المرافقة القليلة كافية

١٤٣
الثاني عشر قوله تعالى (( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله )) سورة يوسف
في كونه صاحبا فمن عرف الله وأحبه طول عمره أولى بأن يبقى عليه اسم المؤمن العارف
المحب .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أنه عليه السلام لما ادعى النبوة في الآية الأولى وكان اثبات النبوة
مبنياً على ثبات الالهيات لا جرم شرع في هذه الآية في تقرير الالهيات ، ولما كان أكثر الخلق
مقرين بوجود الاله العالم القادر وإنما الشأن في أنهم يتخذون أصناماً على صورة الأرواح
الفلكية ويعبدونها ويتوقعون حصول النفع والضرمنها لا جرم كان سعى أكثر الأنبياء في المنع من
عبادة الأوثان . فكان الأمر على هذا القانون في زمان يوسف عليه السلام ، فلهذا السبب شرع
ههنا في ذكر ما يدل على فساد القول بعبادة الأصنام وذكر أنواعا من الدلائل والحجج .
﴿ الحجة الأولى) قوله ( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) وتقرير هذه
الحجة أن نقول : إن الله تعالى بين أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد في هذا العالم وهو
قوله ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فكثرة الآلهة توجب الفساد والخلل ، وكون الاله واحداً
يقتضي حصول النظام وحسن الترتيب فلما قرر هذا المعنى في سائر الآيات . قال ههنا
( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) والمراد منه الاستفهام على سبيل الانكار .
والحجة الثانية ) أن هذه الأصنام معمولة لا عاملة ومقهورة لا قاهرة ، فان الانسان
إذا أراد كسرها وإبطالها قدر عليها فهي مقهورة لا تأثير لها ، ولا يتوقع حصول منفعة ولا مضرة
من جهتها وإله العالم فعال قهار قادر يقدر على أيصال الخيرات ودفع الشرور والآفات فكان
المراد أن عبادة الآلهة المقهورة الذليلة خير أم عبادة الله الواحد القهار ، فقوله ( أأرباب )
إشارة إلى الكثرة فجعل في مقابلته كونه تعالى واحدا وقوله ( متفرقون ) اشارة الى كونها مختلفة في
الكبر والصغر ، واللون والشكل ، وكل ذلك انما حصل بسبب أن الناحت والصانع يجعله على
تلك الصورة فقوله ( متفرقون ) اشارة إلى كونها مقهورة عاجزة وجعل في مقابلته كونه تعالى
قهاراً فبهذا الطريق الذي شرحناه اشتملت هذه الآية على هذين النوعين الظاهرين .
والحجة الثالثة ) أن كونه تعالى واحداً يوجب عبادته ، لأنه لو كان له ثان لم نعلم من
الذي خلقنا ورزقنا ودفع الشرور والآفات عنا ، فيقع الشك في أنا نعبد هذا أم ذاك ، وفيه
اشارة إلى ما يدل على فساد القول بعبادة الأوثان وذلك لأن بتقدير أن تحصل المساعدة على كونها
نافعة ضارة إلا أنها كثيرة فحنئذ لا نعلم أن نفعنا ودفع الضرر عنا حصل من هذا الصنم أو من
ذلك الآخر أو حصل بمشاركتهما ومعاونتهما ، وحينئذ يقع الشك في أن المستحق للعبادة هو
هذا أم ذاك أما اذا كان المعبود واحداً ارتفع هذا الشك وحصل اليقين في أنه لا يستحق للعبادة

١٤٤
قوله تعالى (( ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها )) سورة يوسف
الجزء
إلا هو ولا معبود للمخلوقات والكائنات إلا هو ، فهذا أيضاً وجه لطيف مستنبط من هذه
الآية .
﴿ والحجة الرابعة) أن بتقدير أن يساعد على أن هذه الاصنام تنفع وتضر على ما يقوله
أصحاب الطلسمات ، إلا أنه لا نزاع في أنها تنفع في أوقات مخصوصة وبحسب آثار
مخصوصة ، والإله تعالى قادر على جميع المقدورات فهو قهار على الاطلاق نافذ المشيئة والقدرة في
كل الممكنات على الاطلاق فكان الاشتغال بعبادته أولى .
الحجة الخامسة) وهي شريفة عالية ، وذلك لأن شرط القهار أن لا يقهره أحد سواء
وأن يكون هو قهاراً لكل ما سواه وهذا يقتضي أن يكون الاله واجب الوجود لذاته إذ لو كان
ممكنا لكان مقهوراً لا قاهراً ويجب أن يكون واحداً ، اذ لو حصل في الوجود واجبان لما كان قاهراً
لكل ما سواه ، فالاله لا يكون قهاراً إلا إذا كان واجباً لذاته وكان واحداً ، واذا كان المعبود يجب
أن يكون كذلك فهذا يقتضى أن يكون الاله شيئاً غير الفلك وغير الكواكب وغير النور والظلمة
وغير العقل والنفس . فأما من تمسك بالكواكب فهي أرباب متفرقون وهي ليست موصوفة بأنها
قهارة ، وكذا القول في الطبائع والأرواح والعقول والنفوس فهذا الحرف الواحد كاف في إثبات
هذا التوحيد المطلق وأنه مقام عال فهذا مجموع الدلائل المستنبطة من هذه الآية يبقى فيها
سؤالان :
﴿ السؤال الأول ﴾ لم سماها أرباباً وليست كذلك .
والجواب : لاعتقادهم فيها أنها كذلك ، وأيضاً الكلام خرج على سبيل الفرض
والتقدير : والمعنى أنها إن كانت أرباباً فهي خير أم الله الواحد القهار .
﴿ السؤال الثاني ﴾ هو يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال إنها خير أم
الله الواحد القهار ؟
الجواب : أنه خرج على سبيل الفرض ، والمعنى : لو سلمنا أنه حصل منها ما يوجب
الخير فهي خير أم الله الواحد القهار .
ثم قال ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من
سلطان) وفيه سؤال: وهو أنه تعالى قال فيما قبل هذه الآية ( أأرباب متفرقون خير أم الله
الواحد القهار ) وذلك يدل على وجود هذه المسميات . ثم قال عقيب تلك الآية ( ما تعبدون
من دونه إلا أسماء سميتموها) وهذا يدل على أن المسمى غير حاصل وبينهما تناقض .

الثاني عشر قوله تعالى ((يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمراً)) سورة يوسف ١٤٥
◌َصَدِحَى السّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِ رَبَّهُ نَمْرًا وَأَمَا أَخُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ
الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِىِ فِيهِ نَسْتَفْتِيَانِ (!
٤١
الجواب : أن الذات موجودة حاصلة إلا أن المسمى بالاله غير حاصل . وبيانه من
وجهين : الأول : أن ذوات الأصنام وإن كانت موجودة إلا أنهما غير موصوفة بصفات
الالهية ، وإذا كان كذلك كان الشيء الذي هو مسمى بالاله في الحقيقة غير موجود ولا حاصل .
الثاني : يروى أن عبدة الأوثان مشبهة فاعتقدوا أن الاله هو النور الأعظم وأن الملائكة أنوار
صغيرة ووضعوا على صورة تلك الأنوار هذه الأوثان ومعبودهم في الحقيقة هو تلك الأنوار
السماوية ، وهذا قول المشبهة فانهم تصوروا جسماً كبيراً مستقرا على العرش ويعبدونه وهذا
المتخيل غير موجود البتة فصح أنهم لا يعبدون إلا مجرد الأسماء .
واعلم أن جماعة ممن يعبدون الأصنام قالوا نحن لا نقول : إن هذه الأصنام آلهة للعالم
بمعنى أنها هي التي خلقت العالم إلا أنا نطلق عليها اسم الاله ونعبدها ونعظمها لاعتقادنا أن
الله أمرنا بذلك، فأجاب الله تعالى عنه ، فقال أما تسميتها بالآلهة فما أمر الله تعالى بذلك وما
أنزل في حصول هذه التسمية حجة ولا برهانا ولا دليلا ولا سلطانا ، وليس لغير الله حكم
واجب القبول ولا أمر واجب الالتزام بل الحكم والأمر والتكليف ليس إلّ لَهُ، ثم إنه أمر أن
لا تعبدوا إلا إياه ، وذلك لأن العبادة نهاية التعظيم والاجلال فلا تليق إلا بمن حصل منه نهاية
الانعام وهو الاله تعالى لأن منه الخلق والاحياء والعقل والرزق والهداية ، ونعم الله كثيرة
وجهات إحسانه إلى الخلق غير متناهية ثم إنه تعالى لما بين هذه الأشياء ، قال ( ولكن أكثر الناس
لا يعلمون) وتفسيره أن أكثر الخلق يسندون حدوث الحوادث الأرضية إلى الاتصالات الفلكية
والمناسبات الکوکبية لأجل أنه تقرر في العقول أن الحادث لا بد له من سبب فاذا رأوا أن تغیر
أحوال هذا العالم في الحر والبرد والفصول الأربعة ، إنما يحصل عند تغير أحوال الشمس في
أرباع الفلك ربطوا الفصول الأربعة بحركة الشمس ، ثم لما شاهدوا أن أحوال النبات
والحيوان مختلفة بحسب اختلاف الفصول الأربعة ربطوا حدوث النبات وتغير أحوال الحيوان
باختلاف الفصول الأربعة ، فبهذا الطريق غلب على طباع أكثر الخلق أن المدبر لحدوث
الحوادث في هذا العالم هو الشمس والقمر وسائر الكواكب ، ثم إنه تعالى اذا وفق إنسانا حتى
ترقى من هذه الدرجة وعرف أنها في ذواتها وصفاتها مفتقرة الى موجد ومبدع قادر عليم حكيم ،
فذلك الشخص يكون في غاية الندرة ، فلهذا قال ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون )
قوله عز وجل ﴿ يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الآخر فيصلب
فتأكل الطير من رأسه قضى الأمر الذي فيه تستفتیان

١٤٦
قوله تعالى ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما )) سورة يوسف
الجزء
وَقَالَ لِلَّذِىِ ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَنُهُ الشَّيْطَانُ ذِ كْرَرَبِّهِ، فَلَِثَ
فِى السِجْنِ بِضِّعَ سِنِينَ
٤٢
اعلم أنه عليه السلام لما قرر أمر التوحيد والنبوة عاد إلى الجواب عن السؤال الذي
ذكراه ، والمعنی ظاهر ، وذلك لأن الساقي لما قص رؤیاہ علی یوسف، وقد ذكرنا کیف قص
عليه قال له يوسف: ما أحسن ما رأيت . أما حسن العنبة فهو حسن حالك ، وأما الأغصان
الثلاثة فثلاثة أيام يوجه اليك الملك عند انقضائهن فيردك الى عملك فتصير كما كنت بل
أحسن ، وقال للخباز : لما قص عليه بئسما رأيت السلال الثلاث ثلاثة أيام يوجه إليك الملك
عند انقضائهن فيصلبك وتأكل الطير من رأسك ، ثم نقل في التفسير أنهما قالا ما رأينا شيئا
فقال ( قضى الأمر الذي فيه تستفتيان ) واختلف فيما لأجله قالا ما رأينا شيئا فقيل إنهما وضعا هذا
الكلام ليختبراً عمله بالتعبير مع أنهما ما رأيا شيئا وقيل : إنهما لما كرها ذلك الجواب قالا ما رأينا
شيئاً .
فان قيل .: هذا الجواب الذي ذكره يوسف عليه السلام ذكره بناء على الوحي من قبل الله
تعالى أو بناء على على علم التعبير ، والاول باطل لأن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما نقل أنه
إنما ذكره على سبيل التعبير ، أيضا قال تعالى ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما ) ولو كان ذلك
التعبير مبنيا على الوحي لكان الحاصل منه القطع واليقين لا الظن والتخمين ، والثاني : أيضا
باطل لأن علم التعبير مبني على الظن والحسبان .
الجواب : لا يبعد أن يقال : إنهما لما سألاه عن ذلك المنام صدقا فيه أو كذبا فان الله
تعالى أوحى إليه أن عاقبة كل واحد منهما تكون على الوجه المخصوص ، فلما نزل الوحي
بذلك الغيب عند ذلك السؤال وقع في الظن أنه ذكره على سبيل التعبير ، ولا يبعد أيضا أن
يقال : إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير ، وقوله ( قضى الأمر الذي فيه تستفتيان ) ما عنى
به ان الذي ذكره واقع لا محالة بل عنى به أنه حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره .
قوله عز وجل ﴿ وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر
ربه فلبث في السجن بضع سنين ﴾
فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في أن الموصوف بالظن هو يوسف عليه السلام أو الناجي

١٤٧
قوله تعالى ( فأنساه الشيطان ذکر ر به )) سورة يوسف
الثاني عشر
فعلى الاول كان المعنى وقال الرجل الذي ظن يوسف عليه السلام كونه ناجيا ، وعلى هذا القول
ففيه وجهان : الأول : أن تحمل هذا الظن على العلم واليقين ، وهذا اذا قلنا بأنه عليه السلام
إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الوحي . قال هذا القائل وورود لفظ الظن بمعنى اليقين كثير في
القرآن . قال تعالى ( الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ) وقال ( إني ظننت أني ملاق حسابيه )
والثاني : أن تحمل هذا الظن على حقيقة الظن ، وهذا اذا قلنا انه عليه السلام ذكر ذلك التعبير
لا بناء على الوحي ، بل على الأصول المذكورة في ذلك العلم ، وهي لا تفيد الا الظن
والحسبان .
والقول الثاني ﴾ أن هذا الظن صفة الناجي ، فان الرجلين السائلين ما كانا مؤمنين
بنبوة يوسف ورسالته ، ولكنهما كانا حسنى الاعتقاد فيه ، فكان قوله لا يفيد في حقهما الا مجرد
الظن .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال يوسف عليه السلام لذلك الرجل الذمى حكم بأنه يخرج من
الحبس ويرجع الى خدمة الملك ( اذكرني عند ربك ) أي عند الملك . والمعنى : اذكر عنده أنه
مظلوم من جهة اخوته لما أخرجوه وباعوه ، ثم انه مظلوم في هذه الواقعة التي لأجلها حبس ،
فهذا هو المراد من الذكر .
ثم قال ﴿ فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ وفيه قولان: الأول: أنه راجع الى يوسف،
والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه ، وعلى هذا القول ففيه وجهان : أحدهما : أن
تمسكه بغير الله كان مستدركا عليه ، وتقريره من وجوه: الأول : أن مصلحته كانت في أن لا.
يرجع في تلك الواقعة الى أحد من المخلوقين وأن لا يعرض حاجته على أحد سوى الله ، وأن
يقتدى بجده إبراهيم عليه السلام ، فانه حين وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار جاءه جبريل عليه
السلام وقال: هل من حاجة، فقال أما اليك فلا، فلما رجع يوسف إلى المخلوق لا جرم وصف
الله ذلك بأن الشيطان أنساه ذلك التفويض، وذلك التوحيد، ودعاه إلى عرض الحاجة إلى
المخلوقين ، ثم لما وصفه بذلك ذكر أنه بقي لذلك السبب في السجن بضع سنين ، والمعنى أنه
لما عدل عن الانقطاع إلى ربه إلى هذا المخلوق عوقب بأن لبث في السجن بض سنين ، وحاصل
الأمر أن رجوع يوسف إلى المخلوق صار سبباً لأمرين : أحدهما : أنه صار سبباً لاستيلاء
الشيطان عليه حتى أنساه ذكر ربه . الثاني : أنه صار سبباً لبقاء المحنة عليه مدة طويلة .
الوجه الثاني ﴾ أن يوسف عليه السلام قال في ابطال عبادة الأوثان (أأرباب
(متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) ثم إنه ههنا أثبت ربا غيره حيث قال ( اذكرني عند ربك)

١٤٨
قوله تعالى: (فأنساه الشيطان ذکر ر به» سورة يوسف
الجزء
ومعاذ الله أن يقال إنه حكم عليه بكونه رباً بمعنى كونه إلها ، بل حكم عليه بالربوبية كما يقال:
رب الدار ، ورب الثوب على أن اطلاق لفظ الرب عليه بحسب الظاهر يناقض نفي الأرباب .
الوجه الثالث ﴾ أنه قال في تلك الآية ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، وذلك نفي
للشرك على الاطلاق ، وتفويض الأمور بالكلية الى الله تعالى ، فههنا الرجوع الى غير الله تعالى
كالمناقض لذلك التوحيد .
واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة ، إلا أن حسنات الأبرار
سيئات المقربين فهذا وان كان جائزا لعامة الخلق الا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن
الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا الا بمسبب الأسباب .
الوجه الثاني ﴾ في تأويل الآية أن يقال : هب أنه تمسك بغير الله وطلب من ذلك
الساقي أن يشرح حاله عند ذلك الملك ، إلا أنه كان من الواجب عليه أن لا يخلي ذلك الكلام
من ذكر الله مثل أن يقول ان شاء الله أو قدر الله فلما أخلاه عن هذا الذكر وقع هذا
الاستدراك .
﴿القول الثاني﴾ أن يقال إن قوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) راجع إلى الناجي
والمعنى : أن الشيطان أنسى ذلك الفتى أن يذكر يوسف للملك حتى طال الأمر ( فلبث في
السجن بضع سنين ) بهذا السبب ، ومن الناس من قال القول الأول أولى لما روى عنه عليه
السلام قال ((رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن)) وعن قتادة أن
يوسف عليه السلام عوقب بسبب رجوعه إلى غير الله ، وعن إبراهيم التيمي أنه لما انتهى الى
باب السجن قال له صاحبه : ما حاجتك قال : أن تذكرني عند رب سوى الرب الذي قال
يوسف ، وعن مالك لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قيل : يا يوسف اتخذت من دوني
وكيلا الأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال : طول البلاء أنساني ذكر المولى فقلت هذه الكلمة
فويل لاخوتي .
قال مصنف الكتاب فخر الدين الرازي رحمه الله . والذي جربته من أول عمري إلى
آخره أن الانسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سبباً إلى البلاء والمحنة ،
والشدة والرزية ، وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب
على أحسن الوجوه فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمري الى هذا الوقت الذي بلغت
فيه الى السابع والخمسين ، فعند هذا إستقر قلبي على أنه لا مصلحة للانسان في التعويل على

١٤٩
قوله تعالى ((فأنساه الشيطان ذكر ربه)) سورة يوسف
الثاني عشر
شيء سوى فضل الله تعالى واحسانه ومن الناس من رجح القول الثاني لأن صرف وسوسة
الشيطان الى ذلك الرجل أولى من صرفها الى يوسف الصديق ، ولأن الاستعانة بالعباد في
التخلص من الظلم جائزة .
واعلم أن الحق هو القول الأول وما ذكره هذا القائل الثاني تمسك بظاهر الشريعة وما
قرره القائل الأول تمسك بأسرار الحقيقة ومكارم الشريعة ، ومن كان له ذوق في مقام العبودية
وشرب من مشرب التوحيد عرف أن الأمر كما ذكرناه ، وأيضاً ففي لفظ الآية ما يدل على أن هذا
القول ضعيف ، لأنه لو كان المراد ذلك لقال فأنساه الشيطان ذكره لربه .
المسألة الثالثة﴾ الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة لا انكار عليه الا
أنه لما كان ذلك مستدركا من المحققين المتوغلين في بحار العبودية لا جرم صار يوسف
عليه السلام مؤاخذا به ، وعند هذا نقول : الذي يصير مؤاخذا بهذا القدر لأن مؤاخذا بالاقدام
على طلب الزنا ومكافأة الاحسان بالاساءة كان أولى. فلما رأينا الله تعالى آخذه بهذا القدر، ولم
يؤاخذه في تلك القضية البتة، وما عابه بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء علمنا أنه عليه السلام
كان مبرأ مما نسبه الجهال والحشوية اليه .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ الشيطان يمكنه القاء الوسوسة، وأما النسيان فلا، لأنه عبارة عن
ازالة العلم عن القلب ، والشيطان لا قدرة له عليه ، وإلا لكان قد أزال معرفة الله تعالى عن
قلوب بني آدم .
وجوابه : أنه يمكنه من حيث أنه بوسوسته يدعو إلى سائر الأعمال واشتغال الانسان
بسائر الأعمال يمنعه عن استحضار ذلك العلم وتلك المعرفة .
المسألة الخامسة ﴾ قوله ( فلبث في السجن بضع سنين ) فيه بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ بحسب اللغة قال الزجاج: اشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت
ومعناه القطعة من العدد قال الفراء : ولا يذكر البضع إلا مع عشرة أو عشرين إلى التسعين .
وذلك يقتضي أن يكون مخصوصاً بما بين الثلاثة إلى التسعة . وقال هكذا رأيت العرب يقولون
وما رأيتهم يقولون بضع ومائة ، وروى الشعبي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه
((كم البضع)) قالوا الله ورسوله أعلم قال ((ما دون العشرة)) واتفق الأكثرون على أن المراد ههنا
ببضع سنين ، سبع سنين قالوا : إن يوسف عليه السلام حين قال لذلك الرجل ( اذكرني عند
ربك ) كان قد بقي في السجن خمس سنين ثم بقي بعد ذلك سبع سنين . قال ابن عباس رضى

١٥٠
قوله تعالى ( وقال الملك إني أری سبع بقرات سمان )) سورة يوسف
الجزء
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَنٍ يَأْكُهُنَّ سَبْعٌ عِجَانٌ وَسَعَ سُنْبُلَتٍ خُضٍْ
وَأَرَ يَا ◌ِسَتٍ بَأْيُهَا الْعَلَ أَقْتُونِى فِ رُؤَْىَ إِن كُنتُمْ لِلرَِّيَ تَعْبُرُونَ (٦) قَالُواْ
أَضْغَتُ أَهْلٍَ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَمِ بِعَلِينَ
٤٤
الله عنهما : لما تضرع یوسف علیه السلام إلی ذلك الرجل كان قد اقترب وقت خر وجه فلما ذکر
ذلك لبث في السجن بعده سبع سنين ، وروى أن الحسن روی قوله صلوات الله عليه وسلامه
(( رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن هذه المدة الطويلة)) ثم بكى الحسن
وقال : نحن إذا نزل بنا أمر تضرعنا إلى الناس .
قوله تعالى ﴿ وقال الملك إني أری سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات
خضر وأخر يابسات يا أيها الملاء أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث
أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين ﴾
اعلم أنه تعالى إذا أراد شيئاً هيأ له أسباباً ، ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك
مصر في النوم سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس . وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف
السمان ، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها . وسبعاً أخر يابسات . فالتوت اليابسات
على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكهنة وذكرها لهم وهو المراد من قوله ( يا أيها الملأ أفتوني في
رؤياي ) فقال القوم هذه الرؤيا مختلطة فلا نقدر على تأويلها وتعبيرها ، فهذا ظاهر الكلام وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الليث: العجف ذهاب السمن والفعل عجفو يعجف والذكر
أعجف والأنثى عجفاء والجمع عجاف في الذكران والاناث . وليس في كلام العرب أفعل
وفعلاء جمعا على فعال غير أعجف وعجاف وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا : سمان
وعجاف لأنهما نقيضان . ومن دأبهم حمل النظير على النظير ، والنقيض على النقيض ، واللام في
قوله ( للرؤيا تعبرون ) على قول البعض زائدة لتقدم المفعول على الفعل ، وقال صاحب
الکشاف : يجوز ان تكون الرؤیا خبر كان كما تقول : كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلا به
متمكنا منه وتعبرون خبرا آخر او حالا ، ويقال عبرت الرؤيا اعبرها عبارة وعبرتها تعبير إذا
فسرتها . وحكى الأزهري أن هذا مأخوذ من العبر ، وهو جانب النهر . ومعنى عبرت النهر ،
والطريق قطعته إلى الجانب الآخر فقيل لعابر الرؤيا عابر ، لأنه يتأمل جانبي الرؤيا فيتفكر في
أطرافها وينتقل من أحد الطرفين إلى الآخر . والأضغاث جمع الضغث وهو الحزمة من أنواع

١٥١
قوله تعالى (( وقال الذي نجا منهما )) سورة يوسف
الثاني عشر
وَقَالَ الَّذِى تَجَامِنْهُمَا وَادَ كَرَبَعْدَ أُمَّةِ أَنَا أُنَبِئُكُم بِتَأْوِيلِهِ، فَأَرْسِلُونِ (٥) يُوسُفُ
أُهَا الصِّدِيُ أَقْنَافِى سَعْ بَقَرَتِ سِمَنٍ يَأْكُنَّ سَبْعَّ عِبَفٌ وَجْ سُنَبُلَتِ خُضٍْ
وَأَخَرَ يَاِسْتٍ لَعَلِّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْنَبُونَ (
٤٦
النبت والحشيش بشرط أن يكون مما قام على ساق واستطال قال تعالى ( وخذ بيدك ضغثاً)
إذا عرفت هذا فنقول : الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت شبيهة
بالضغٹ
﴿المسألة الثانية﴾ أنه تعالى جعل تلك الرؤيا سبباً لخلاص يوسف عليه السلام من
السجن ، وذلك لأن الملك لما قلق واضطرب بسببه ، لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى
على الكامل اقوى فشهدت فطرته بأن هذا ليس بجيد وأنه منذر بنوع من أنواع الشر، إلا أنه
ما عرف كيفية الحال فيه والشيء إذا صار معلوماً من وجه وبقي مجهولا من وجه آخر عظم تشوق
الناس إلى تكميل تلك المعرفة وقويت الرغبة في اتمام الناقص لا سيما إذا كان الانسان عظيم
الشأن واسع المملكة ، وكان ذلك الشيء دالا على الشرمن بعض الوجوه فبهذا الطريق قوى الله
داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتعبير هذه الرؤيا ، ثم إنه تعالى أعجز المعبرين الذين
حضروا عند ذلك الملك عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ليصير ذلك سبباً لخلاص يوسف من
تلك المحنة .
واعلم أن القوم مانفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير ، بل قالوا : إن علم
التعبير على قسمين منه ما تكون الرؤيا فيه منتسقة منتظمة فيسهل الانتقال من الأمور المتخلية
إلى الحقائق العقلية الروحانية ومنه ما تكون فيه مختلطة مضطربة ولا يكون فيها ترتيب معلوم
وهو المسمى بالاضغاث والقوم قالوا إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير
عالمين بتعبير هذا القسم وكأنهم قالوا هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان كذلك فنحن لا
نهتدي اليها ولا يحيط عقلنا بها وفيه ايهام أن الكامل في هذا العلم والمتبحر فيه قد يهتدي اليها ،
فعند هذه المقالة تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف فانه كان يعتقد فيه كونه متبحرا في هذا العلم .
قوله تعالى ﴿ وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.يوسف
أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر
يابسات لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ﴾

١٥٢
قوله تعالى (( قال تزرعون سبع سنين دأبا)) سورة يوسف
الجزء
اعلم أن الملك لما سأل الملأ عن الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب قال
الشرابي إن في الحبس رجلا فاضلا صالحاً كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه
منامين فذكر تأويلهما فصدق في الكل . وما أخطأ في حرف فان أذنت مضيت اليه وجئتك
بالجواب ، فهذا هو قوله ( وقال الذي نجا منهما )
وأما قوله ﴿وادكر بعد أمة﴾ فنقول: سيجيء ادكر في تفسير قوله تعالى (من مذكر) في
سورة القمر قال صاحب الكشاف (وادكر) بالدال هو الفصيح عن الحسن (واذكر) بالذال أي
تذكر ، وأما الأمة ففيه وجوه : الأول : ( بعد أمة ) أي بعد حين ، وذلك لأن الحين إنما يحصل
عند اجتماع الأيام الكثيرة كما أن الأمة إنما تحصل عند اجتماع الجمع العظيم فالحين كان أمة من
الأيام والساعات والثاني : قرأ الأشهب العقيلي ( بعد أمة ) بكسر الهمزة والأمة النعمة قال
عدى :
ثم بعد الفلاح والملك ولأمة وارتهم هناك القبور
والمعنى : بعد ما أنعم عليه بالنجاة . الثالث : قرىء ( بعد أمة ) أي بعد نسيان يقال
أمه يأمه أمها إذا نسى والصحيح أنها بفتح الميم وذكره أبو عبيدة بسكون الميم ، وحاصل
الكلام أنه إما أن يكون المراد وادكر بعد مضى الأوقات الكثيرة من الوقت الذي أوصاه يوسف
عليه السلام بذكره عند الملك ، والمراد واذكر بعد وجدان النعمة عند ذلك الملك أو المراد واذكر
بعد النسيان .
فان قيل : قوله ( وادكر بعد أمة ) يدل على أن الناسي هو الشرابي وأنتم تقولون الناسي
هو يوسف عليه السلام .
قلنا : قال ابن الانباري : ادكر بمعنى ذكر وأخبر وهذا لا يدل على سبق النسيان فلعل
الساقي انما لم يذكره للملك خوفاً من أن يكون ذلك اذكاراً لذنبه الذي من أجله حبسه فيزداد
الشر ويحتمل أيضاً أن يقال : حصل النسيان ليوسف عليه السلام وحصل أيضاً لذلك
الشرابي . وأما قوله ( فأرسلون ) خطاب إما للملك والجمع أو للملك وحده على سبيل
التعظيم ، أما قوله ( يوسف أيها الصديق ) ففيه محذوف ، والتقدير : فارسل وأتاه وقال أيها
الصديق ، والصديق هو البالغ في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه لم يجرب عليه كذباً وقيل :
لأنه صدق في تعبير رؤياه وهذا يدل على أن من أراد أن يتعلم من رجل شيئا فانه يجب عليه أن
يعظمه ، وأن يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالاجلال ثم إنه أعاد السؤال بعين اللفظ الذي ذكره الملك
ونعم ما فعل ، فان تعبير الرؤيا قد يختلف بسبب اختلاف اللفظ كما هو مذكور في ذلك العلم .

١٥٣
قوله تعالى (( قال تزرعون سبع سنين دأبا )) سورة يوسف
الثاني عشر
قَالَ تَزْرَعُونَ سَعَ مِنِينَ دَأْبًا فَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِى سُفْلٍِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُونَ
٢) ثُمَ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (﴾
٤٧
ثُمَيَأْنِىِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَمٌ فِهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِهِ يَعْصِرُونَ (
أما قوله تعالى ﴿ لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ﴾ فالمراد لعلى أرجع إلى الناس
بفتواك لعلهم يعلمون فضلك وعلمك وانما قال لعلي أرجع إلى الناس بفتواك لأنه رأى عجز
سائر المعبرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز هو أيضا عنها ، فلهذا السبب قال ( لعلي
أرجع الى الناس )
قوله عز وجل ﴿ قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذر وه في سنبلة إلا قليلا مما
تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من
بعد ذلك عام فیه یغاث الناس وفيه يعصرون ﴾
اعلم أنه عليه السلام ذكر تعبير تلك الرؤيا فقال (تزرعون) وهو خبر بمعنى الأمر ،
كقوله ( والمطلقات يتربصن . والوالدات يرضعن ) وإنما يخرج الخبر بمعنى الأمر ، ويخرج
الأمر في صورة الخبر للمبالغة في الايجاب ، فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه . والدليل على كونه
في معنى الأمر قوله ( فذروه في سنبلة ) وقوله ( دأبا) قال أهل اللغة : الدأب استمرار الشيء
على حالة واحدة . وهو دائب بفعل كذا اذا استمر في فعله ، وقد دأب يدأب دأباً ودأباً أي
زراعة متوالية في هذه السنين . قال أبو علي الفارسي : الأكثرية فيَّ دأب الاسكان ولعل الفتحة
لغة ، فيكون كشمع وشمع ، ونهر ونهر . قال الزجاج : وانتصب دأباً على معنى تدأبون
دأبا . وقيل : إنه مصدر وضع في موضع الحال ، وتقديره تزرعون دائبین فما حصدتم فذروه
في سنبله إلا قليلا مما تأكلون کل ما أردتم أکله فدوسوه ودعوا الباقي في سنبله حتی لا یفسد ولا
يقع السوس فيه ، لأن إبقاء الحبة في سنبلة يوجب بقاءها على الصلاح ( ثم يأتي من بعد ذلك
سبع شداد) أي سبع سنين مجدبات ، والشداد الصعاب التي تشتد على الناس ، وقوله
( يأكلن ما قدمتم لهن ) هذا مجاز ، فان السنة لا تأكل فيجعل أكل أهل تلك السنين مسنداً الى
السنين . وقوله ( إلا قليلا مما تحصنون ) الاحصان الاحراز، وهو إلقاء الشيء في الحصن يقال
أحصنه إحصانا إذا جعله في حرز ، والمراد إلا قليلا مما تحرزون أي تدخرون وكلها ألفاظ ابن

١٥٤
قوله تعالى ( وقال الملك ائتوني به )) سورة يوسف
الجزء
وَقَالَ الْمَلِكُ أَنْتُونِهِ، فَلَّا جَآءَهُ الَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْعَلْهُ مَابَالُ الْنِسْوَةِ
الَّتِ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِى بِكَيْدِمِنَّ عَلِيمٌ (﴾ قَالَ مَاخَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدَتُنَّ يُوسُفَ
عَنْ نَّفْسِهِ، قُلْنَ حَشَ لِلَّ مَاعلَّ عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ أَمْرَأْتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ
الْحَقُّ أَنَاْ رَوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦﴾ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ
بِالْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَلَ يَهْدِى ◌َيْدَ الْحَابِنَ (®
عباس رضى الله عنهما ، وقوله ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) قال المفسرون
السبعة المتقدمة سنو الخصب وكثرة النعم والسبعة الثانية سنو القحط والقلة وهي معلومة من
الرؤيا ، وأما حال هذه السنة فما حصل في ذلك المنام شيء يدل عليه بل حصل ذلك من الوحي
فكأنه عليه السلام ذكر أنه يحصل بعد السبعة المخصبة . والسعبة المجدية سنة مباركة كثيرة
الخير والنعم ، وعن قتادة زاده الله علم سنة .
فان قيل : لما كانت العجاف سبعا دل ذلك على أن السنين المجدية لا تزيد على هذا
العدد ، ومن المعلوم أن الحاصل بعد أنقضاء القحط هو الخصب وكان هذا ايضا من مدلولات
المنام ، فلم قلتم إنه حصل بالوحي والالهام ؟
قلنا : هب أن تبدل القحط بالخصب معلوم من المنام ، أما تفصيل الحال فيه ، وهو قوله
( فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) لا يعلم إلا بالوحي ، قال ابن السكيت يقال : غاث الله
البلاد يغيثها غيثا اذا أنزل فيها الغيث وقد غيثت الأرض تغاث ، وقوله ( يغاث الناس ) معناه
يمطرون ، ويجوز أن يكون من قولهم : أغاثه الله اذا أنقذه من كرب أو غم ، ومعناه ينقذ
الناس فيه من كرب الجدب ، وقوله ( وفيه يعصرون ) أي يعصرون السمسم دهناً والعنب خمرا
والزيتون زيتا ، وهذا يدل على ذهاب الجدب وحصول الخصب والخير ، وقيل : يحلبون
الضروع ، وقرىء ( يعصرون ) من عصره اذا نجاه ، وقيل : معناه يمطرون من أعصرت
السحابة اذا اعصرت بالمطر ، ومنه قوله ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا )
قوله تعالى ﴿ وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع الى ربك فاسأله ما بال
النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه
قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن
نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾

١٥٥
الثاني عشر قوله تعالى ((فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن )) سورة يوسف
اعلم أنه لما رجع الشرابي الى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام
استحسنه الملك فقال : ائتوني به ، وهذا يدل على فضيلة العلم ، فانه سبحانه جعل علمه سببا
لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سببا للخلاص من المحن الأخروية ، فعاد
الشرابي الى يوسف عليه السلام قال أجب الملك ، فأبي يوسف عليه السلام أن يخرج من
السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه. وعن النبي و لير قال ((عجبت من
يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه لما
أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني)) ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال (ارجع الى
ربك) ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم الى الباب؛ ولما
ابتغيت العذر أنه كان حليما ذا أناة .
واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف الى أن تفحص الملك عن حاله هو
اللائق بالحرم والعقل ، وبيانه من وجوه : الأول أنه لو خرج في الحال فربما كان يبقى في قلب
الملك من تلك التهمة أثرها ، فلما التمس من الملك أن يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك
على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها
الى الطعن فيه . الثاني : أن الانسان الذي بقي في السجن اثنتى عشرة سنة اذا طلبه الملك وأمر
باخراجه الظاهر أنه يبادر بالخروج ، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل والصبر
والثبات ، وذلك يصير سببا لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع التهم ، ولأن يحكم بأن كل ما
قيل فيه كان كذبا وبهتانا . الثالث : أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة
يدل ايضا على شدة طهارته إذ لو كان ملوثاً بوجه ما ، لكان خائفا أن يذكر ما سبق . الرابع :
أنه حين قال للشرابي ( اذكرني عند ربك ) فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين ،
وههنا طلبه الملك فلم يلتفت اليه ولم يقم لطلبه وزنا ، واشتغل باظهار براءته عن التهمة ،
ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات الى رد الملك قبوله ، وكان هذا
العمل جاريا مجرى التلافي لما صدر من التوسل اليه في قوله ( اذكرني عند ربك ) ليظهر أيضا
هذا المعنى لذلك الشرابي ، فانه هو الذي كان واسطة في الحالتين معا .
أما قوله ﴿ فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير والكسائي (فسله) بغير همز والباقون ( فاسأله )
بالهمز ، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه ( النسوة ) بضم النون والباقون بكسر النون ، وهما
لغتان .

١٥٦
قوله تعالى (( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه )) سورة يوسف
الجزء
﴿ المسألة الثانية) اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف: أولها: أن معنى
الآية : فسل الملك بأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براءتي عن تلك التهمة ، إلا
أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجرى أمر الملك بعمل
أو فعل وثانيها : أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في القائه في السجن الطويل ، بل
اقتصر على ذكر سائر النسوة . وثالثها : أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبته الى عمل قبيح وفعل
شنيع عند الملك ، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله ( ما بال النسوة اللاتي قطعن
أيديهن ) وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل ، ثم قال يوسف بعد ذلك (إن ربي
بكيدهن عليم ) وفي المراد من قوله ( ان ربي ) وجهان : الأول : أنه هو الله تعالى ، لأنه تعالى
هو العالم بخفيات الأمور . والثاني : أن المراد الملك وجعله ربا لنفسه لكونه مربياً له وفيه
اشارة الى كون ذلك الملك عالما بكيدهن ومكرهن ،
واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوها : أحدها : أن كل واحدة منهن ربما طمعت
فيه ، فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه الى القبيح . وثانيها: لعل كل واحدة
منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها ، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة
في حق السيد المنعم لا تجوز ، فأشار بقوله ( إن ربي بكيدهن عليم ) الى مبالغتهن في الترغيب
في تلك الخيانة ، وثالثها : أنه استخرج منهن وجوها من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف
عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك ، ثم انه تعالى حكى عن يوسف عليه
السلام أنه لما التمس ذلك ، أمر الملك باحضارهن وقال لهن ( ما خطبكن إذ راودتن يوسف
عن نفسه ) وفيه وجهان : الأول : أن قوله ( إذ راودتن يوسف عن نفسه ) وإن كانت صيغة
الجمع ، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم )
والثاني : أن المراد منه خطاب الجماعة . ثم ههنا وجهان : الأول : أن كل واحدة منهن
راودت يوسف عن نفسها . والثاني : أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز
فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه ، وعند هذا السؤال ( قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء )
وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن ( ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم )
واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة ، وكانت تعلم أن هذه المناظرات والتفحصات إنما
وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق وقالت ( الآن حصحص
الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن يوسف صلوات الله عليه كان
.

١٥٧
قوله تعالى « ذلك لیعلم أني لم أخنه بالغيب )) سورة يوسف
الثاني عشر
مبرأ عن كل الذنوب مطهراً عن جميع العيوب ، وههنا دقيقة ، وهي أن يوسف عليه السلام
راعى جانب امرأة العزيز حيث قال ( ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) فذكرهن ولم يذكر
تلك المرأة البته فعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيما لجانبها وإخفاء للأمر
عليها ، فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء واعترفت بأن
الذنب كله كان من جانبها وأن يوسف عليه السلام كان مبرأ عن الكل ، ورأيت في بعض
الكتب أن أمرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر ، فأمر القاضي بأن يكشف عن
وجهها حتى تتمكن الشهود من اقامة الشهادة ، فقال الزوج : لا حاجة إلى ذلك ، فاني مقر
بصدقها في دعواها ، فقالت المرأة لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتكمن كل
حق لي عليك .
﴿المسألة الثانية ﴾ قال أهل اللغة ( حصحص الحق ) معناه: وضح وانكشف وتمكن في
القلوب والنفوس من قولهم : حصحص البعير في بروكه ، إذا تمكن واستقر في الأرض . قال
الزجاج : اشتقاقه في اللغة من الحصة، أي بانت حصة الحق من حصة الباطل .
﴿ المسألة الثالثة ) اختلفوا في أن قوله ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) كلام من ؟
وفيه أقوال :
﴿ القول الأول﴾ وهو قول الأكثرين انه قول يوسف عليه السلام. قال الفراء: ولا
يبعد وصل كلام انسان بكلام انسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله ، قوله تعالى ( إن الملوك
إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) وهذا كلام بلقيس . ثم إنه تعالى قال
( وكذلك يفعلون ) وأيضاً قوله تعالى (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ) الداعي .
ثم قال ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ بقي على هذا القول سؤالات :
﴿ السؤال الأول) قوله (ذلك) اشارة الى الغائب، والمراد ههنا: الاشارة إلى تلك
الحادثة الحاضرة .
والجواب : أجبنا عنه في قوله ( ذلك الكتاب ) وقيل : ذلك اشارة الى ما فعله من رد
الرسول كأنه يقول ذلك الذي فعلت من ردى الرسول إنما كان ، ليعلم الملك أني لم أخنه
بالغيب .
﴿ السؤال الثاني﴾ متى قال يوسف عليه السلام هذا القول؟

١٥٨
قوله تعالى (( وأن الله لا يهدي كيد الخائبين)) سورة يوسف
الجزء
الجواب : روى عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما دخل على
الملك قال ذلك ليعلم وإنما ذكره على لفظ الغيبة تعظيما للملك عن الخطاب والأولى أنه عليه
السلام إنما قال ذلك عند عود الرسول اليه لأن ذكر هذا الكلام في حضرة الملك سوء أدب .
﴿ السؤال الثالث ) هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول ( ذلك ليعلم أني لم
أخنه بالغيب )
والجواب : قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة ، وقيل إنه إذا خان وزيره
فقد خانه من بعض الوجوه ، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن
قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب . ثم ختم الكلام بقوله ( وأن الله لا يهدي كيد
الخائنين ) ولعل المراد منه أني لو كنت خائناً لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة ، وحيث
خلصني منها ظهر أني كنت مبرأ عما نسبوني اليه .
﴿ القول الثاني﴾ ان قوله ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) كلام امرأة العزيز
والمعنى : أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته ،
أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق ، ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول ، وقالت
( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) يعني أنني لما أقدمت على الكيد والمكر . لا جرم افتضحت
وأنها لما كان برئياً عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه . قال صاحب هذا القول: والذي
يدل على صحته أنه يوسف عليه السلام ما كان حاضراً في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة
قولها ( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) ففي تلك الحالة يقول
يوسف ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك
المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية ، ثم إن يوسف يقول ابتداء ( ذلك ليعلم أني لم
أخنه بالغيب ) ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء البتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن
هذا من تمام كلام المرأة .
المسألة الرابعة ) هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه
كثيرة الأول : أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهماً بفعل قبيح
وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف ، والعادة أن يطلب من الملك أن
يفتحص عن تلك الواقعة ، لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص
عن تلك الواقعة كان ذلك سعياً منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة
مخفية والعاقل لا يفعل ذلك ، وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا
٠٠.

١٥٩
قوله تعالى ( وما أبرىء نفسي )) سورة يوسف
الثالث عشر
وَمَآ أُبَرِنُ نَفْسِىّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ
شك أنه كان عاقلا ، والعاقل يتمنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الاعداء على أن يبالغوا
في اظهار عيوبه. والثاني : أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حیث قلن ( حاش
لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم ) وفي المرة الثانية حيث قلن ( حاش لله ما علمنا عليه من
سوء ) والثالث : أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت ( ولقد راودته عن
نفسه فاستعصم ) وفي المرة الثانية في هذه الآية .
واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه : أولها : قول المرأة ( أنا راودته عن
نفسه ) وثانيها : قولها ( وإنه لمن الصادقين ) وهو اشارة الى أنه صادق في قوله ( هي راودتني
عن نفسي ) وثالثها : قول يوسف عليه السلام ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) والحشوية
يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام . قال جبريل عليه السلام . ولا حين هممت ، وهذا
من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد ، بل هم يلحقونها بهذا الموضع
سعيا منهم في تحريف ظاهر القرآن . ورابعها : قوله ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) يعني أن
صاحب الخيانة لا بد وأن يفتضح ، فلو كنت خائنا لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح
وخلصني الله تعالى من هذه الورطة ، فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين ، وههنا
وجه آخر وهو أقوى من الكل ، وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة ، وتلك
المحنة صارت منتهية ، فاقدامه على قوله ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) مع أنه خانه
بأعظم وجوه الخيانة اقدام على وقاحة عظيمة ، وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة
بوجه ما ، والاقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلا لا يليق بأحد من العقلاء ، فكيف
يليق اسناده إلى سيد العقلاء ، وقدوة الأصفياء ؟ فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على
براءته مما يقوله الجهال والحشوية .
قوله تعالى ﴿وما ابرىء نفسي إن النفس الأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور
رحيم ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اعلم أن تفسير هذه الآية یختلفبحسب اختلافما قبلها لأنا إن قلنا
إن قوله ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) كلام يوسف كان هذا أيضاً من كلام يوسف ، وإن

١٦٠
قوله تعالى ((إن النفس الأمارة بالسوء)) سورة يوسف
الجزء
قلنا ان ذلك من تمام كلام المرأة كان هذا أيضا كذلك ونحن نفسر هذه الآية على كلا
التقديرين ، أما اذا قلنا ان هذا كلام يوسف عليه السلام فالحشوية تمسكوا به وقالوا : إنه عليه
السلام لما قال ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت
بفك سراويلك فعند ذلك قال يوسف ( وما أبرىء نفسي إن النفس الأمارة بالسوء ) أي بالزنا
( إلا ما رحم ربي ) أي عصم ربي ( إن ربي غفور ) للهم الذي هممت به ( رحيم ) أي لو
فعلته لتاب على .
واعلم أن هذا الكلام ضعيف فانا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته عن
الذنب بقي أن يقال : فما جوابكم عن هذه الآية لنقول فيه وجهان :
﴿ الوجه الأول ﴾ أنه عليه السلام لما قال ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) كان ذلك
جاريا مجرى مدح النفس وتزكيتها ، وقال تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم ) فاستدرك ذلك على نفسه
بقوله ( وما أبرىء نفسي ) والمعنى : وما أزكى نفسي ان النفس الأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح
راغبة في المعصية
﴿ والوجه الثاني ﴾ في الجواب أن الآية لا تدل البتة على شيء مما ذكروه وذلك لأن
يوسف عليه السلام لما قال ( إني لم أخنه بالغيب ) بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة ولعدم
ميل النفس والطبيعة . لأن النفس أمارة بالسوء والطبيعة تواقة إلى اللذات فبين بهذا الكلام أن
الترك ما كان لعدم الرغبة ، بل لقيام الخوف من الله تعالى . أما إذا قلنا : إن هذا الكلام من
بقية كلام المرأة ففيه وجهان : الأول : وما أبرىء نفسي عن مراودته ومقصودها تصديق يوسف
عليه السلام في قوله ( هي راودتني عن نفسي ) الثاني : أنها لما قالت ( ذلك ليعلم أني لم أخنه
بالغيب ) قالت وما أبرىء نفسي عن الخيانة مطلقا فاني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه
وقلت ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) وأودعته السجن كأنها
أرادت الاعتذار مما كان .
فان قيل : جعل هذا الكلام كلاما ليوسف أولى أم جعله كلاماً للمرأة ؟
قلنا : جعله كلاما ليوسف مشكل ، لأن قوله ( قالت امرأة العزيز الآن حصحص
الحق ) كلام موصول بعضه ببعض الى آخره ، فالقول بأن بعضه كلام المرأة والبعض كلام
يوسف مع تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد ، وأيضا جعله كلاماً للمرأة
مشكل أيضاً . لأن قوله ( وما أبرىء نفسي إن النفس الأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ) كلام لا
يحسن صدوره الاممن احترز عن المعاصي ، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس ، وذلك
لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية .
المسألة الثانية) قالوا (ما) في قوله (الا ما رحم ربي) بمعنى ((من)) والتقدير: الا