Indexed OCR Text
Pages 101-120
الثاني عشر قوله تعالى ((فلماذا ذهبوا وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب)) سورة يوسف ١٠١ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِ غَبَتِ الْجُبٍ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِقَهُمُ ◌ِأَمْرِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (ق) وخسرناها . الرابع : أنهم كانوا قد أتعبوا أنفسهم في خدمة أبيهم واجتهدوا في القيام بمهماته وانما تحملوا تلك المتاعب ليفوزوا منه بالدعاء والثناء فقالوا : لو قصرنا في هذه الخدمة فقد أحبطنا كل تلك الأعمال وخسرنا كل ما صدر منا من أنواع الخدمة . ﴿ السؤال الرابع﴾ أن يعقوب عليه السلام اعتذر بعذرين فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر ؟ والجواب : أن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر الأول ، وهو شدة حبه له فلما سمعوا ذكر ذلك المعنى تغافلوا عنه . قوله تعالى ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا اليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ﴾ اعلم أنه لا بد من الاضمار في هذه الآية في موضعين : الأول : أن تقدير الآية قالوا ( لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون ) فأذن له وأرسله معهم ثم يتصل به قوله ( فلما ذهبوا به) والثاني انه لا بد لقوله (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب) من جواب إذ جواب لما غير مذكور وتقديره فجعلوه فيها، وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط أن يكون المذكور دليلا عليه وههنا كذلك . قال السدي : إن يوسف عليه السلام لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة الشديدة ، وجعل هذا الأخ يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه ولا يرى فيهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يقول يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك ، فقال يهودا أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه فانطلقوا به الى الجب يدلونه فيه وهو متعلق بشفير البئر فنزعوا قميصه ، وكان غرضهم أن يلطخوه بالدم ويعرضوه على يعقوب ، فقال لهم ردوا على قميصي لأتوارى به ، فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا لتؤنسك ، ثم دلوه في البئر حتى اذا بلغ نصفها ألقوه ليموت ، وکان في البئر ماء فسقط فیه ثم آوی الی صخرة فقام بها وهو يبكي فنادوه فظن أنه رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فقام يهودا فمنعهم وكان يهودا يأتيه بالطعام ، وروى أنه عليه السلام لما ألقى في الجب قال يا شاهداغير غائب . ويا قريبا غير بعيد . ويا غالبا غير مغلوب . اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا ، وروى أن ابراهيم عليه السلام لما ألقى في النار جرد عن ثيابه فجاءه جبريل عليه السلام ١٠٢ قوله تعالى (( وأوحينا اليه لتنبئنهم بأمرهم هذا)) سورة يوسف الجزء بقميص من حرير الجنة وألبسه إياه ، فدفعه ابراهيم الى اسحق ، واسحق الى يعقوب ، ! فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في عنق يوسف عليه السلام فجاء جبريل عليه السلام فأخرجه وألبسه إياه . ثم قال تعالى ﴿ وأوحينا اليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (وأوحينا اليه ) قولان: أحدهما: أن المراد منه الوحي والنبوة والرسالة وهذا قول طائفة عظيمة من المحققين ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام هل كان في ذلك الوقت بالغاً او كان صبيا قال بعضهم إنه كان في ذلك الوقت بالغاً وكان سنه سبع عشرة سنة، وقال آخرون: إنه كان صغيراً إلا أن الله تعالى أكمل عقله وجعله صالحاً لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى عليه السلام. ﴿ والقول الثاني ﴾ إن المراد من هذا الوحي الالهام كما في قوله تعالى ( وأوحينا إلى أم موسى ) وقوله ( وأوحى ربك إلى النحل) والأول : أولى، لأن الظاهر من الوحي ذلك. فان قيل : كيف يجعله نبياً في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة ؟ قلنا : لا يمتنع أن يشرفه بالوحي والتنزيل ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه وتسكين نفسه وإزالة الغم والوحشة عن قلبه . ﴿ المسألة الثانية﴾ في قوله ( وهم لا يشعرون) قولان: الأول: المراد أن الله تعالى أوحی إلی یوسف إنك لتخبر ن إخوتك بصنیعهم بعد هذا الیوم وهم لا يشعرون في ذلك الوقت إنك يوسف ، والمقصود تقوية قلبه بأنه سيحصل له الخلاص عن هذه المحنة ويصير مستوليا عليهم ويصيرون تحت قهره وقدرته . وروى أنهم حين دخلوا عليه لطلب الحنطة وعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ، ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف فطر حتموه في البئر وقلتم لأبيكم أكله الذئب ، والثاني: أن المراد إنا أوحينا الى يوسف عليه السلام في البئر بأنك تنبىء إخوتك بهذه الأعمال ، وهم ما كانوا يشعرون بنزول الوحي عليه ، والفائدة في إخفاء نزول ذلك الوحي عنهم أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله المسألة الثالثة﴾ اذا حملنا قوله ( وهم لا يشعرون) على التفسير الأول ، كان هذا أمرا من الله تعالى نحو يوسف في أن يستر نفسه عن أبيه وأن لا يخبره بأحوال نفسه ، فلهذا السبب كتم أخبار نفسه عن أبيه طول تلك المدة ، مع علمه بوجد أبيه به خوفا من مخالفة أمر ٠٠ ١٠٣ قوله تعالى (( وجاءوا أباهم عشاء یبکون )) سورة يوسف الثاني عشر وَجَةُ وَأَبَاهُمْ عِثَآَ يَبْكُونَ (٨٦) قَالُواْ يَاأَ بَانَآَ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْقَيِقُ وَتَرَ كْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَدِعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّعْبُ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْكَا صَادِقِينَ ﴿ وَجَاءُ وَ عَلَى قَِّصِهِ بِكَمِ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَميلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ١٨ الله تعالى ، وصبر على تجرع تلك المرارة ، فكان الله سبحانه وتعالى قد قضى على يعقوب عليه السلام أن يوصل اليه تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليكثر رجوعه الى الله تعالى ، وينقطع تعلق فكره عن الدنيا فيصل الى درجةٍ عالية في العبودية لا يمكن الوصول اليها إلا بتحمل المحن الشديدة . والله اعلم . قوله تعالى ﴿ وجاؤا أباهم عشاء یبکون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون اعلم أنهم لما طرحوا یوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء باکین ورواه بن جنی عشا بضم العين والقصر، وقال : عشوا من البكاء فعند ذلك فزع يعقوب وقال : هل أصابكم في غنمكم شيء ؟ قالوا لا قال : فما فعل يوسف؟ قالوا ( ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا! فأكله الذئب ) فبکی وصاح وقال : أین القميص ؟ فطرحه على وجهه حتى تخضب وجهه من دم القميص ، وروى أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي : يا أبا أمية ما تراها تبكي ؟ قال : قد جاء اخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة ، لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق ، واختلفوا في معنى الاستباق قال الزجاج : يسابق بعضهم بعضاً في الرمي ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام (( لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر)) يعني بالنصل الرمي، وأصل السبق في الرمي بالسهم هو أن يرمي اثنان ليتبين أيهما يكون أسبق سهماً وأبعد غلوة ، ثم يوصف المتراميان بذلك فيقال : استبقاوتسابقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أسبق سهما ويدل على صحة هذا التفسير ما روى أن في قراءه عبد الله ( إنا ذهبنا ننتضل ) ﴿ والقول الثاني ﴾ في تفسير الاستباق ما قاله السدى ومقاتل (نستبق) نشتد ونعدو ليتبين أينا أسرع عدواً . فان قيل ؛ كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون وهذا من فعل الصبيان ؟ ١٠٤ قوله تعالى (( وجاؤا على قميصه بدم كذب )) سورة يوسف الجزء قلنا : الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل وكانوا يجربون بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو ولأنه كالآلة لهم في محاربة العدو ومدافعة الذئب إذا اختلس الشاة وقوله ( فأكله الذئب ) قيل أكل الذئب يوسف وقيل عرضوا ، وأرادوا أكل الذئب المتاع ، والوجه هو الأول . ثم قالوا ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ ليس المعنى أن يعقوب عليه السلام لا يصدق من يعلم أنه صادق ، بل المعنى لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لا تهمتنا في يوسف لشدة محبتك إياه ولظننت أنا قد كذبنا. والحاصل انا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدقنا لأنك تتهمنا . وقيل : المعنى : إنا وإن كنا صادقين فانك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الايمان في أصل اللغة عبارة عن التصديق ، لأن المراد من قوله ( وما أنت بمؤمن لنا ) أي بمصدق . واذا ثبت أن الأمر كذلك في أصل اللغة وجب أن يبقى في عرف الشرع كذلك ، وقد سبق الاستقصاء فيه في أول سورة البقرة في تفسير قوله ( الذین يؤمنون بالغيب ). ثم قال تعالى ﴿ وجاؤا على قميصه بدم كذب ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ إنما جاؤا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم . قيل : ذبحوا جدياً ولطخوا ذلك القميص بدمه . قال القاضي : ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيداً لصدقهم ، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان ، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الايهام أقوى ، فلما شاهد يعقوب القميص صحيحا علم كذبهم . ﴿ المسألة الثانية ) قوله (وجاؤا على قميصه ) أي وجاؤا فوق قميصه بدم كما يقال : +۔۔ جاؤا على جمالهم بأحمال . المسألة الثالثة ﴾ قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن الانباري ( بدم کذب ) اي مکذوب فيه ، إلا أنه وصف بالمصدر علی تقدیر دم ذي کذب ولکنه جعل نفسه كذباً للمبالغة قالوا : والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال : ماء سكب ، أي مسكوب ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن ، والفاعل كقوله ( إن أصبح ماؤكم غورا ) ١٠٥ الثاني عشر قوله تعالى (( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا)) سورة يوسف ورجل عدل وصوم ، ونساء نوح ولما سميا بالمصدر سمى المصدر أيضاً بهما فقالوا : للعقل المعقول ، وللجلد المجلود ، ومنه قوله تعالى ( بأيكم المفتون ) وقوله ( إذا مزقتم كل ممزق ) قال الشعبي : قصة يوسف كلها في قميصه ، وذلك لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ، ولما شهد الشاهد قال ( إن كان قميصه قد من قبل ) ولما أتى بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقى على وجهه ارتد بصيرا . ثم ذكر تعالى أن إخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم قال يعقوب عليه السلام ( بل سولت لكم أنفسكم أمراً ) قال ابن عباس : معناه : بل زينت لكم أنفسكم أمرا. والتسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري : كأن التسويل تفعيل من سؤال الانسان ، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره . وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز وقال صاحب الكشاف؛ ( سولت ) سهلت من السول وهو الاسترخاء . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( بل ) رد لقولهم ( أكله الذئب ) كأنه قال : ليس كما تقولون ( بل سولت لكم أنفسكم) في شأنه ( أمراً) أي زينت لكم أنفسكم امراً غير ما تصفون ، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه : الأول : أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم . والثاني : أنه كان عالما بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف ( وكذلك يجتبيك ربك ) وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك . القول الثالث : قال سعيد بن جبير: لما جاؤا على قميصه بدم كذب ، وما كان متخرقاً ، قال كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه ، وعن السدى أنه قال : إن يعقوب عليه السلام قال إن هذا الذئب كان رحميا ، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه ؟ وقيل : إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم : بل قتله اللصوص. فقال كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله ؟ فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم . ثم قال يعقوب عليه السلام ( فصبر جميل ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ منهم من قال: إنه مرفوع بالابتداء ، وخبره محذوف، والتقدير: فصبر جميل أولى من الجزع ، ومنهم من أضمر المبتدأقال الخليل : الذي أفعله صبر جميل . وقال قطرب : معناه : فصبري صبر جميل . وقال الفراء : فهو صبر جميل . ﴿ المسألة الثانية) كان يعقوب عليه السلام قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة )، ١٠٦ قوله تعالى (( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون )) سورة يوسف الجزء. فقيل له : ما هذا؟ فقال طول الزمان وكثرة الأحزان : فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني ؟ فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي . وروى عن عائشة رضى الله عنها في قصة الافك أنها قالت : والله لئن حلفت لا تصدقوني وإن اعتذرت لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) فأنزل الله عز وجل في عذرها ما أنزل . المسألة الثالثة﴾ عن الحسن أنه سئل النبي وم لل عن قوله (فصبر جميل) فقال: ((صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر)) ويدل عليه من القرآن قوله تعالى (إنما أشكو بثی وحزني إلى الله) وقال مجاهد : فصبر جميل ، أي من غير جزع ، وقال الثوري : من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك ، ولا تزكي نفسك ، وههنا بحث وهو أن الصبر على قضّاء الله تعالى واجب فاما الصبر على ظلم الظالمين ، ومكر الماكرين فغير واجب ، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير ، وههنا أن اخوة يوسف لما ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك؟ ولم لم يبالغ في التفتيش والبحث سعياً منه في تخليص يوسف عليه السلام عن البلية والشدة ان كان في الاحياء وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه ، فثبت أن الصبر في المقام مذموم . ومما يقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بأنه حي سليم لأنه قال له (وكذلك يحتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث) والظاهر أنه انما قال هذا الكلام من الوحي وإذا كان عالما بأنه حي سليم فكان من الواجب أن يسعى في طلبه ، وأيضاً إن يعقوب عليه السلام كان رجلا عظيم القدر في نفسه ، وكان من بيت عظيم شريف، وأهل العلم كانوا يعرفونه ويعتقدون فيه ويعظمونه فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس . فما السبب في أنه عليه السلام مع شدة رغبته في حضور يوسف عليه السلام ، ونهاية حبه له لم يطلبه مع ان طلبه كان من الواجبات ، فثبت أن هذا الصبر في هذا المقام مذموم عقلا وشرعا . والجواب عنه : أن نقول لا جواب عنه إلا أن يقال إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه ، وتغليظاً للأمر عليه ، وأيضاً لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص ، وأنه لو بالغ في البحث فربما أقدموا على إيذائه وقتله ، وأيضاً لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وان أمره سيعظم بالآخرة، ثم لم يرد هتك أستار سرائر أولاده وما رضى بالقائهم في ألسنة الناس وذلك ١٠٧ قوله تعالى (( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم)) سورة يوسف الثاني عشر وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَبُشْرَى هَذَا غُلَمُ وَأَسَرُوهُ بِضَاعَةٌ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( لأن أحد الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن انتقم فانه يحترق قلبه على الولد الذي ينتقم منه ، فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر إلى الله تعالى بالكلية . ﴿ المسألة الرابعة) قوله تعالى ( فصبر جميل) يدل على أن الصبر على قسمين : منه ما قد يكون جميلا وما قد يكون غير جميل ، فالصبر الجميل هو أن يعرف منزل ذلك البلاء هو الله تعالى ، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك الملك ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملك نفسه فيصير استغراق قلبه في هذا المقام مانعاً له من إظهار الشكاية . والوجه الثاني ﴾ أنه يعلم أن منزل هذا البلاء ، حكيم لا يجهل: وعالم لا يغفل ، عليم لا ينسى رحيم لا يطغي ، وإذا كان كذلك ، فكان كل ما صدر عنه حكمة وصوابا ، فعند ذلك یسکت ولا يعترض . والوجه الثالث ﴾ أنه ینکشفله أن هذا البلاء من الحق ، فاستغراقه في شهود نور المبلى يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء . ولذلك قيل . المحبة التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء ، لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والحظ. وموصل النصيب لا يكون محبوباً بالذات بل بالعرض ، فهذا هو الصبر الجميل . أما اذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض ، فذلك الصبر لا يكون جميلا ، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان حسنا وإلا فلا ، وههنا يظهر صدق ما روى في الأثر ((استفت قلبك، ولو أفتاك المفتون)) فليتأمل الرجل تأملا شافيا ، أن الذي اتى به هل الحامل والباعث عليه طلب العبودية أم لا ؟ فان أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع البتة . ولما ذكر يعقوب قوّله ( فصبر جميل ) قال ( والله المستعان على ما تصفون ) والمعنى : أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى ، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية . والدواعي الروحانية تدعوه الى الصبر والرضا ، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين ، فما لم تحصل إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة ، فقوله ( فصبر جميل ) يجري مجرى قوله ( إياك نعبد ) وقوله ( والله المستعان على ما تصفون ) يجري مجرى قوله ( وإياك نستعين ) قوله تعالى ﴿ وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه وقال يا بشرى هذا غلام وأسر وه ١٠٨ قوله تعالى (( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم)) سورة يوسف الجزء وَشَرَوَّهُ بِثَمَنِ بَخْسٍ دَرَِهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ آَلَّهِدِينَ بضاعة والله عليم بما يعملون وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين اعلم أنه تعالى بين كيف سهل السبيل في خلاص يوسف من تلك المحنة ، فقال ( وجاءت سيارة ) يعني رفقة تسير للسفر . قال ابن عباس : جاءت سيارة أي قوم يسيرون من مدين إلى مصر فاخطؤا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق ، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف عليه السلام ، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة ، وقيل : كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقى فيه يوسف عليه السلام فارسلوا رجلا يقال له : مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء ، والوارد الذي يرد الماء ليستقني القوم ( فأدلى دلوه ) ونقل الواحدي عن عامة أهل اللغة أنه يقال : أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر ودلاها إذا نزعها من البئر يقال : أدلى يدلي إدلاء إذا أرسل ودلا يدلو دلواً إذا جذب وأخرج ، والدلو معروف، والجمع دلاء ( قال يا بشرى هذا غلام ) وههنا محذوف ، والتقدير : فظهر يوسف قال المفسرون : لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ناحية من قعر البئر تعلق بالحبل فنظر الوارد اليه ورأى حسنه نادى ، فقال : يا بشرى . وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي (بشرى) بغير الألف وبسكون الياء ، والباقون يا بشراي بالالف وفتح الياء على الأضافة المسألة الثانية ﴾ في قوله ( يا بشرى ) قولان : القول الأول ﴾ أنها كلمة تذكر عند البشارة ونظيره قولهم : يا عجبا من كذا وقوله ( يا أسفا على يوسف) وعلى هذا القول ففي تفسير النداء وجهان : الأول : قال الزجاج : معنى النداء في هذه الاشياء التي لا تجيب تنبيه المخاطبين وتوكيد القصة فاذا قلت : يا عجباه فكأنك قلت اعجبوا . الثاني : قال أبو علي : كأنه يقول : يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك ، ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن ولأمرت بالحضور . واعلم أن سبب البشارة هو أنهم وجدوا غلاما في غاية الحسن وقالوا : نبيعه بثمن عظيم ويصير ذلك سبباً لحصول الغنى ، والقول الثاني ﴾ وهو الذي ذكره السدی أن الذي نادی صاحبه وكان اسمه ، فقال يا بشرى كما تقول يا زيد . وعن الأعمش أنه قال : دعا امرأة اسمها بشرى ( يا بشرى ) قال أبو علي الفارسي : إن جعلنا البشرى اسما للبشارة ، وهو الوجه جاز أن يكون في محل الرفع كما ١٠٩ قوله تعالى ((وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون سورة يوسف الثاني عشر قيل : يا رجل لاختصاصه بالنداء ، وحاز أن يكون في موضع النصب على تقدير : أنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى ، ولم يخص كما تقول : يا رجلا ( ويا حسرة على العباد ) وأما قوله تعالى ﴿وأسروه بضاعة ﴾ ففيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ الضمير في (وأسروه ) الى من يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد الى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه في الجب ، وذلك لأنهم قالوا : إن قلنا للسيارة التقطناه شاركونا فيه ، وإن قلنا اشتريناه : سألونا الشركة ، فالأصوب أن نقول : إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر. والثاني : نقل عن ابن عباس أنه قال ( وأسروه) يعني : إخوة يوسف أسروا شأنه ، والمعنى : أنهم أخفوا كونه أخالهم ، بل قالوا : إنه عبد لنا أبق منا وتابعهم على ذلك يوسف لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية ، والأول أولى لأن قوله ( وأسروه بضاعة ) يدل على أن المراد أسروه حال ما حكموا بأنه بضاعة ، وذلك إنما يليق بالوارد لا باخوة يوسف . ﴿ المسألة الثانية ) البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت اللحم اذا قطعته . قال الزجاج : وبضاعة منصوبة على الحال كأنه قال : وأسروه حال ما جعلوه بضاعة . ثم قال تعالى ﴿ والله عليم بما يعملون﴾ والمراد منه أن يوسف عليه السلام لما رأى الكواكب والشمس والقمر في النوم سجدت له وذكر ذلك حسده إخوته عليه واحتالوا في ابطال ذلك الأمر عليه فأوقعوه في البلاء الشديد حتى لا يتيسر له ذلك المقصود ، وأنه تعالى جعل وقوعه في ذلك البلاء سبباً إلى وصوله الى مصر، ثم تمادت وقائعه وتتابع الأمر إلى أن صار ملك مصر وحصل ذلك الذي رآه في النوم فكان العمل الذي عمله الاعداء في دفعه عن ذلك المطلوب صيره الله تعالى سبباً لحصول ذلك المطلوب ، فلهذا المعنى قال ( والله عليم بما يعملون ) ثم قال تعالى ﴿ وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ﴾ أما قوله (.وشروه) ففيه قولان : ﴿القول الأول﴾ المراد من الشراء هو البيع، وعلى هذا التقدير ففي ذلك البائع قولان : القول الأول﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : أن إخوة يوسف لما طرحوا يوسف في الجب ورجعوا عادوا بعد ثلاث يتعرفون خبره ، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا : هذا عبدنا أبق منا فقالوا لهم : فبيعوه منا فباعوه منهم ، والمراد من قوله ( وشروه ) أي باعوه يقال : شريت الشيء اذا بعته ، وانما وجب حمل هذا الشراء على ١١٠ قوله تعالى (( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة )) سورة يوسف الجزء البيع، لأن الضمير في قوله (وشروه) وفي قوله (وكانوا فيه من الزاهدين) عائد الى شيء واحد لكن الضمير في قوله (وكانوا فيه من الزاهدين) عائد الى الأخوة فكذا في قوله (وشروه) يجب أن يكون عائداً إلى الأخوة، واذا كان كذلك فهم باعوه فوجب حمل هذا الشراء على البيع . والقول الثاني ﴾ أن بائع يوسف هم الذين استخرجوه من البئر، وقال محمد بن إسحق : ربك أعلم أإخوته باعوه أم السيارة ، وههنا قول آخر وهو أنه يحتمل أن يقال : المراد من الشراء نفس الشراء ، والمعنى أن القوم اشتروه وكانوا فيه من الزاهدين ، لأنهم علموا بقرائن الحال أن إخوة يوسف كذابون في قولهم إنه عبدنا وربما عرفوا أيضاً أنه ولد يعقوب فكرهوا شراءه خوفاً من الله تعالى ، ومن ظهور تلك الواقعة ، إلا أنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة لأنهم اشتروه بثمن قليل . مع أنهم أظهروا من أنفسهم كونهم فيه من الزاهدين ، وغرضهم أن يتوصلوا بذلك إلى تقليل الثمن ، ويحتمل أيضاً أن يقال إن الأخوة لما قالوا : إنه عبدنا أبق صار المشتري عديم الرغبة فيه . قال مجاهد : وكانوا يقولون استوثقوا منه لئلا يابق . ثم اعلم أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث . الصفة الأولى ﴾ كونه بخساً . قال ابن عباس : يريد حراماً لأن ثمن الحر حرام. وقال كل بخس في كتاب الله نقصان إلا هذا فانه حرام ، قال الواحدي سموا الحرام بخساً لأنه ناقص البركة ، وقال قتاده : بخس ظلم والظلم نقصان يقال ظلمه أي نقصه ، وقال عكرمة والشعبي قليل وقيل : ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً ، وقيل كانت الدراهم زيوفا ناقصة العيار . قال الواحدي رحمه الله تعالى : وعلى الأقوال كلها ، فالبخس مصدر وضع موضع الاسم ، والمعنى بثمن مبخوس . الصفة الثانية ) قوله ( دراهم معدودة) قيل تعد عداً ولا توزن ، لأنهم كانوا لا يزنون إلا إذا بلغ أوقية ، وهي الأربعون ويعدون ما دونها فقيل للقليل معدود ، لأن الكثيرة يمتنع من عدها لكثرتها ، وعن ابن عباس كانت عشرين درهما ، وعن السدى اثنين وعشرين درهما . قالوا والاخوة كانوا أحد عشر فكل واحد منهم أخذ درهمين إلا يهوذا لم يأخذ شيئاً . الصفة الثالثة) قوله ( وكانوا فيه من الزاهدين ) ومعنى الزهد قلة الرغبة يقال زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه وأصله القلة . يقال : رجل زهيد إذا كان قليل الطمع ، وفيه وجوه : أحدها : أن إخوة يوسف باعوه ، لأنهم كانوا فيه من الزاهدين . والثاني : أن السيارة الذين باعوه كانوا فيه من الزاهدين ، لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي بأي شيء : الثاني عشر قوله تعالى (( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمى مثواه )) سورة يوسف ١١١ وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَهُ مِن مِّصْرَ لِآَمْرَ أَنِهِ أَكْرِمِ مَثْوَهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ أَوْ تَّخِذَّهُ, وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكّلِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ وَلِنُعَلَِّهُ ،مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَدِيثِ وَالله ◌َلِبُ عَ أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يبيعه . أو لأنهم خافوا أن يظهر المستحق فينزعه من يدهم ، فلا جرم باعوه بأوكس الأثمان . والثالث : أن الذين اشتروه كانوا فيه من الزاهدين ، وقد سبق توجيه هذه الأقوال فيما تقدم ، والضمير في قوله ( فيه ) يحتمل أن يكون عائدا إلى يوسف عليه السلام ، ويحتمل أن يكون عائدا إلى الثمن البخس والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وقال الذي اشتراه من مصر لا مرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الاخوة أو من الواردين على الماء ذهب به الى مصر وباعه هناك . وقيل إن الذي اشتراه قطفير أو إطفير وهو العزيز الذي كان يلي خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق ، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف عليه السلام فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف الى الاسلام فابى واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرسنة واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله الملك والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة . وقيل كان الملك في أيامه فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى ( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ) وقيل فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف ، وقيل اشتراه العزيز بعشرين ديناراً ، وقيل أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه ما يساويه في الوزن من المسك والورق والحرير . فابتاعه قطفير بذلك الثمن . وقالوا : اسم تلك المرأة زليخا ، وقيل راعيل . واعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ، ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات، فالأليق بالعاقل أن يحترز من ذكرها . ١١٢ قوله تعالى: ((وكذلك مكنا ليوسف فى الأرص)) سورة يوسف الجزء المسألة الثانية) قوله ( أكرمي مثواه ) أي منزله ومقامه عندك من قولك ثويت بالمكان إذا أقمت به ، ومصدره الثواء والمعنى : اجعلي منزله عندك كريما حسناً مرضياً بدليل قوله ( إنه ربي أحسن مثواي ) وقال المحققون أمر العزيز امرأته باكرام مثواه دون إكرام نفسه ، يدل على أنه كان ينظر اليه على سبيل الاجلال والتعظيم وهو كما يقال : سلام الله على المجلس العالي ، ولما أمرها باكرام مثواه علل ذلك بأن قال ( عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) أي يقوم باصلاح مهماتنا ، أو نتخذه ولداً، لأنه كان لا يولد له ولد ، وكان حصوراً . ثم قال تعالى ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالسلامة من الجب مكناه بأن عطفنا عليه قلب العزيز ، حتى توصل بذلك الى أن صار متمكناً من الأمر والنهي في أرض مصر. واعلم أن الكمالات الحقيقية ليست إلا القدرة والعلم وأنه سبحانه لما حاول إعلاء شأن يوسف ذكره بهذين الوصفين ، أما تكميله في صفة القدرة والمكنة فاليه الاشارة بقوله ( مكنا ليوسف في الأرض ) وأما تكميله في صفة العلم ، فاليه الاشارة بقوله ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) وقد تقدم تفسير هذه الكلمة . واعلم أنا ذكرنا أنه عليه السلام لما ألقى في الجب قال تعالى ( وأوحينا اليه لتنبئهم بأمرهم هذا ) وذلك يدل ظاهرا على أنه تعالى أوحى اليه في ذلك الوقت . وعندنا الارهاص جائز ، فلا يبعد أن يقال : إن ذلك الوحي اليه في ذلك الوقت ما كان لأجل بعثته الى الخلق ، بل لأجل تقوية قلبه وإزالة الحزن عن صدره . ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل عليه السلام ، ثم انه تعالى قال ههنا ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) والمراد منه إرساله الى الخلق بتبليغ التكاليف ، ودعوة الخلق الى الدين الحق ، ويحتمل أيضاً أن يقال : إن ذلك الوحي الأول كان لأجل الرسالة والنبوة ويحمل قوله ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) على أنه تعالى أوحى اليه بزيادات ودرجات يصير بها كل يوم أعلى حالا مما كان قبله وقال ابن مسعود: أشد الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لا مرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، والمرأة لما رأت موسى، فقالت (يا أبت استأجره) وابو بكر حين استخلف عمر. ثم قال تعالى ﴿ والله غالب على أمره ) وفيه وجهان : الأول . غالب على أمر نفسه لأنه فعال لما يريد لا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في أرضه وسمائه ، والثاني: والله غالب على أمر يوسف ، يعني أن انتظام أموره كان إلهياً ، وما كان بسعيه وإخوته أرادوا به كل سوء ومكروه، والله أراد به الخير ، فكان كما أراد الله تعالى ودبر ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ١١٢ قوله تعالى (( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما )) سورة يوسف الثاني عشر وَلَمَّا بَلَغَ أَثُدَّهُرْ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ. الأمر كله بيد الله . واعلم أن من تأمل في أحوال الدنيا وعجائب أحوالها عرف وتيقن أن الأمر كله لله ، وان قضاء الله غالب . قوله تعالى ﴿ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ وجه النظم أن يقال : بين تعالى أن إخوته لما أساؤا اليه ، ثم إنه صبر على تلك الشدائد والمحن مكنه الله تعالى في الأرض، ثم لما بلغ أشده آتاه الله الحكم والعلم، والمقصود بيان أن جميع ما فاز به من النعم كان كالجزاء على صبره على تلك المحن، ، ومن الناس من قال: إن النبوة جزاء على الأعمال الحسنة، ومنهم من قال: إن من اجتهد وصبر على بلاء الله تعالى وشكر نعماء الله تعالى وجد منصب الرسالة. واحتجوا على صحة قولهم: بأنه تعالى لما ذكر صبر يوسف على تلك المحن ذكر أنه أعطاه النبوة والرسالة . ثم قال تعالى ﴿وكذلك نجزي المحسنين ) وهذا يدل على أن كل من أتى بالطاعات الحسنة التي أتى بها يوسف ، فان الله يعطيه تلك المناصب ، وهذا بعيد لاتفاق العلماء على أن النبوة غير مكتسبة . واعلم أن من قال : إن يوسف ما كان رسولا ولا نبيا البتة ، وإنما كان عبدا أطاع الله تعالى فأحسن الله اليه ، وهذا القول باطل بالإجماع . وقال الحسن : انه كان نبيا من الوقت الذي قال الله تعالى في حقه ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا) وما كان رسولا ، ثم إنه صار رسولا من هذا الوقت أعني قوله ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ) ومنهم من قال : إنه كان رسولا من الوقت الذي ألقى في غيابة الجب . ﴿ المسألة الثانية ) قال أبو عبيدة تقول العرب بلغ فلان أشده اذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان وهذا اللفظ يستعمل في الواحد والجمع يقال بلغ أشده وبلغوا أشدهم ، وقد ذكرنا تفسير الأشد في سورة الأنعام عند قوله ( حتى يبلغ أشده ) وأما التفسير فروى ابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس ، ولما بلغ أشده قال ثلاثا وثلاثين سنة : وأقول هذه الرواية شديدة الانطباق على القوانين الطبية وذلك لأن الأطباء قالوا إن الانسان يحدث في أول الأمر ويتزايد كل يوم شيئا فشيئا إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال ، ثم يأخذ في التراجع والانتقاص الى أن لا يبقى منه شيء ، فكانت حالته شبيهة بحال القمر ، فانه يظهر هلالا ١١٤ قوله تعالى (( آتيناه حكما وعلما )) سورة يوسف الجزء ضعيفا ثم لا يزال يزداد الى أن يصير بدرا تاما ، ثم يتراجع الى أن ينتهي الى العدم والمحاق . إذا عرفت هذا فنقول : مدة دور القمر ثمانية وعشرون يوما وكسر فاذا جعلت هذه الدورة أربعة أقسام ، كان كل قسم منها سبعة أيام ، فلا جرم رتبوا أحوال الأبدان على الأسابيع فالانسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى أن يتم له سبع سنين ، ثم إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم والذكاء والقوة . ثم لا يزال في الترقي الى أن يتم له أربع عشرة سنة . فاذا دخل في السنة الخامسة عشرة دخل في الأسبوع الثالث . وهناك يكمل العقل ويبلغ إلى حد التكليف وتتحرك فيه الشهوة ، ثم لا يزال يرتقي على هذه الحالة إلى أن يتم السنة الحادية والعشرين ، وهناك يتم الأسبوع الثالث ويدخل في السنة الثانية والعشرين ، وهذا الأسبوع آخر أسابيع النشو والنماء ، فاذا تمت السنة الثامنة والعشرون فقد تمت مدة النشو والنماء ، وينتقل الانسان منه الى زمان الوقوف وهو الزمان الذي يبلغ الانسان فيه أشده ، وبتمام هذا الأسبوع الخامس يحصل للانسان خمسة وثلاثون سنة ، ثم إن هذه المراتب مختلفة في الزيادة والنقصان ؛ فهذا الأسبوع الخامس الذي هو أسبوع الشدة والكمال يبتدأ من السنة التاسعة والعشرين الى الثالثة والثلاثين ، وقد يمتد الى الخامسة والثلاثين ، فهذا هو الطريق المعقول في هذا الباب ، والله أعلم بحقائق الأشياء . ﴿ المسألة الثالثة) في تفسير الحكم والعلم ، وفيه أقوال . القول الأول ﴾ أن الحكم والحكمة أصلهما حبس النفس عن هواها، ومنعها مما يشينها ، فالمراد من الحكم الحكمة العملية ، والمراد من العلم الحكمة النظرية . وإنما قدم الحكمة العملية هنا على العملية ، لأن أصحاب الرياضات يشتغلون بالحكمة العملية ، ثم يترقون منها الى الحكمة النظرية . وأما أصحاب الأفكار العقلية والأنظار الروحانية فانهم يصلون الى الحكمة النظرية أولا ، ثم ينزلون منها الى الحكمة العملية ، وطريقة يوسف عليه السلام هو الأول ، لأنه صبر على البلاء والمحنة ففتح الله عليه أبواب المكاشفات ، فلهذا السبب قال ( آتيناه حكما وعلما ) ﴿ القول الثاني ﴾ الحكم هو النبوة ، لأن النبي يكون حاكما على الخلق ، والعلم علم الدين . ﴿ والقول الثالث﴾ يحتمل أن يكون المراد من الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على نفسه الأمارة بالسوء مستعلية عليها قاهرة لها ومتى صارت القوة الشهوانية والغضبية مقهورة ضعيفة فاضت الأنوار القدسية والأضواء الالهية من عالم القدس على جوهر النفس وتحقيق ١١٥ قوله تعالى (( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه)) سورة يوسف الثاني عشر وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَاللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ الَّالِمُونَ القول في هذا الباب أن جوهر النفس الناطقة خلقت قابلة للمعارف الكلية والأنوار العقلية، إلا أنه قد ثبت عندنا بحسب البراهين العقلية وبحسب المكاشفات العلوية أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة بالماهيات فمنها ذكية وبليدة . ومنها حرة ونذلة. ومنها شريفة وخسيسة ، ومنها عظيمة الميل الى عالم الروحانيات وعظيمة الرغبة في الجسمانيات فهذه الأقسام كثيرة وكل واحد من هذه المقامات قابل للاشد والأضعف والأكمل والأنقص فاذا اتفق ان كان جوهر النفس الناطقة جوهرا مشرقا شريفا شديد الاستعداد لقبول الأضواء العقلية واللوائح الالهية، فهذه النفس في حال الصغر لا يظهر منها هذه الأحوال، لأن النفس الناطقة إنما تقوى على أفعالها بواسطة استعمال الآلات الجسدانية وهذه الآلات في حال الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها، فاذا كبر الانسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت، فصارت تلك الآلات البدنية صالحة لأن تستعملها النفس الانسانية وإذا كانت النفس في أصل جوهرها شريفة فعند كمال الآلات البدنية تكمل معارفها وتقوى أنوارها ويعظم لمعان الأضواء فيها، فقوله (ولما بلغ أشده) إشارة الى اعتدال الآلات البدنية، وقوله (آتيناه حكما وعلما) إشارة إلى استكمال النفس في قوتها العملية والنظرية، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ) اعلم أن يوسف عليه السلام كان في غاية الجمال والحسن ، فلما رأته المرأة طمعت فيه ويقال : أيضا إن زوجها كان عاجزا يقال : راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل واحد منهما الوطء والجماع ( وغلقت الأبواب ) والسبب أن ذلك العمل لا يؤتى به إلا في المواضع المستورة لا سيما اذا كان حراما ، ومع قيام الخوف الشديد وقوله ( وغلقت الابواب ) أي أغلقتها قال الواحدي : وأصل هذا من قولهم في كل شيء تشبث في شيء فلزمه قد غلق يقال : غلق في الباطل وغلق في غضبه ، ومنه غلق الرهن ، ثم يعدى بالألف فيقال : أغلق الباب اذا جعله بحيث يعسر فتحه . قال المفسرون : وانما جاء غلقت على التكثير لأنها غلقت سبعة أبواب ، ثم دعته الى نفسها ثم قال تعالى ﴿وقالت هيت لك ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي: هيت لك اسم للفعل نحو : رويدا ، وصه ، ومه . ١١٦ قوله تعالى (( معاذ الله انه ربي أحسن مثواي)) سورة يوسف الجزء ومعناه هلم في قول جميع أهل اللغة ، وقال الأخفش ( هيت لك ) مفتوحة الهاء والتاء ، ويجوز أيضا كسر التاء ورفعها . قال الواحدي : قال أبو الفضل المنذري : أفادني ابن التبريزي عن أبي زيد قال : هيت لك بالعبرانية هيالح ، أي تعالى عربه القرآن ، وقال الفراء : إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى بكه فتكلموا بها. قال ابن الأنباري وهذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في ((القسطاس)) ولغة العرب والفرس في السجيل ولغة العرب والترك في «الغساق)) ولغة العرب والحبشة في ((ناشئة الليل)) المسألة الثانية﴾ قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان ( هيت) بكسر الهاء وفتح التاء ، وقرأ ابن كثير ( هيت لك ) مثل حيث ، وقرأ هشام بن عمار عن أبي عامر ( هئت لك ) بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء مثل جئت من تهيأت لك ، والباقون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء ، ثم إنه تعالى قال : إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام . قال يوسف عليه السلام ( معاذ الله إنه ربى أحسن مثواي ) فقوله ( معاذ الله ) أي أعوذ بالله معاذا ، والضمير في قوله ( إنه ) للشأن والحديث ( ربي أحسن مثواي ) أي ربي وسيدي ومالكي أحسن مثواي حين قال لك : أكرمي مثواه ، فلا يليق بالعقل أن أجازيه على ذلك الاحسان بهذه الخيانة القبيحة ( إنه لا يفلح الظالمون ) الذين يجازون الاحسان بالاساءة ، وقيل : أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم أو لأن عملهم يقتضي وضع الشيء في غير موضعه ، وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ أن يوسف عليه السلام كان حرا وما كان عبدا لأحد فقوله (إنه ربي ) يكون كذبا وذلك ذنب وكبيرة . والجواب : أنه عليه السلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر وعلى وفق ما كانوا يعتقدون فيه من كونه عبدا له وأيضا أنه رباه وأنعم عليه بالوجوه الكثيرة فعنى بكونه رباله كونه مربياله ، وهذا من باب المعاريض الحسنة ، فان أهل الظاهر يحملونه على كونه ربا له وهو كان يعنى به أنه كان مربيا له ومنعما عليه . السؤال الثاني ﴾ هل يدل قول يوسف عليه السلام (معاذ الله) على صحة مذهبنا في القضاء والقدر والجواب : أنه يدل عليه دلالة ظاهرة لأن قوله عليه السلام أعوذ بالله معاذا ، طلب من الله أن يعيذه من ذلك العمل ، وتلك الاعاذة ليست عبارة عن اعطاء القدرة والعقل والآلة ، وازاحة الاعذار ، وازالة الموانع وفعل الالطاف ، لأن كل ما كان في مقدور الله تعالى من هذا الباب فقد فعله ، فيكون ذلك إما طلبا لتحصيل الحاصل ، أو طلبا لتحصيل الممتنع وأنه محال ١١٧ قوله تعالى ( ولقد همت به وهم بها )) سورة يوسف الثاني عشر وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآَ أَن ◌َّءَا بُرْهَدْنَ رَبِهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ٢٤ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُمِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ فعلمنا أن تلك الأعاذة التي طلبها يوسف من اللّه تعالى لا معنى لها ، إلا أن يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة وأن يزيل عن قلبه داعية المعصية ، وذلك هو المطلوب ، والدليل على أن المراد ما ذكرناه ما نقل أن النبي وي # لما وقع بصره على زينب قال (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) وكان المراد منه تقوية داعية الطاعة ، وإزالة داعية المعصية فكذا ههنا ، وكذا قوله عليه السلام ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن )) فالمراد من الأصبعين داعية الفعل ، وداعية الترك وهاتان الداعيتان لا يحصلان الا بخلق الله تعالى ، والا لافتقرت إلى داعية أخرى ولزم التسلسل فثبت أن قول يوسف عليه السلام ( معاذ الله ) من أدل الدلائل على قولنا والله أعلم . ﴿ السؤال الثالث ) ذكر يوسف عليه السلام في الجواب عن كلامها ثلاثة أشياء : أحدها : قوله ( معاذ الله ) والثاني : قوله تعالى عنه ( انه ربى أحسن مثواي ) والثالث : قوله ( إنه لا يفلح الظالمون ) فما وجه تعلق بعض هذا الجواب ببعض ؟ والجواب : هذا الترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن الانقياد لأمر الله تعالى وتكليفه أهم الأشياء لكثرة انعامه وألطافه في حق العبد فقوله ( معاذ الله ) اشارة الى أن حق الله تعالى يمنع عن هذا العمل ، وأيضا حقوق الخلق واجبه الرعاية ، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقي يقبح مقابلة إنعامه وإحسانه بالاساءة ، وأيضا صون النفس عن الضرر واجب ، وهذه اللذة لذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا ، وعذاب شديد في الآخرة ، واللذة القليلة اذا لزمها ضرر شديد ، فالعقل يقتضي تركها والاحتزاز عنها فقوله ( إنه لا يفلح الظالمون ) اشارة اليه ، فثبت أن هذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه الترتيب . قوله تعالى ﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ﴾ اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها وفي هذه الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في انه عليه السلام هل صدر عنه ذنب أم لا ؟ وفي هذه المسألة قولان : الأول : أن يوسف عليه السلام هم بالفاحشة . قال الواحدي : في كتاب البسيط قال المفسرون : الموثوق بعلمهم المرجوع الى روايتهم هم يوسف أيضا بهذه المرأة هما صحيحا ١١٨ قوله تعالى ((ولقد همت به وهم بها )) سورة يوسف الجزء وجلس منها مجلس الرجل من المرأة ، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه . قال جعفر الصادق رضى الله عنه : باسناده عن علي عليه السلام أنه قال : طمعت فيه وطمع فيها فكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن وعنه أيضا أنها استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه ، ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب ، وما ذكر آية يحتج بها ولا حديثا صحيحا يعول عليه في تصحيح هذه المقالة ، وما أمعن النظر في تلك الكلمات العارية عن الفائدة روى أن يوسف عليه السلام لما قال : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال له جبريل عليه السلام ولا حين هممت يا يوسف فقال يوسف عند ذلك ( وما أبرىء نفسي ) ثم قال والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء عليهم السلام وارتفاع منازلهم عند الله تعالى من الذين نفوا الهم عنه ، فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب . . ﴿ والقول الثاني﴾ أن يوسف عليه السلام كان برئيا عن العمل الباطل، والهم المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين، وبه نقول وعنه نذب . واعلم ان الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام كثيرة: ولقد استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم عليه السلام فلا نعيدها إلا أنا نزيد ههنا وجوها: ﴿ فالحجة الأولى ﴾ أن الزنا من منكرات الكبائر والخيانة في معرض الأمانة أيضا من منكرات الذنوب ، وأيضا مقابلة الاحسان العظيم بالاساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد أيضا من منكرات الذنوب ، وأيضا الصبي إذا تربى في حجر انسان وبقي مكفى المؤنة مصون العرض من أول صباه الى زمان شبابه وكمال قوته فاقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الاساءة إلى ذلك المنعم المعظم من منكرات الأعمال . إذا ثبت هذا فنقول : إن هذه المعصية التي نسبوها الى يوسف عليه السلام كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع ومثل هذه المعصية لو نسيت الى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه ، فكيف يجوز إسنادها الى الرسول عليه الصلاة والسلام ! المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة ، ثم إنه تعالى قال في غير هذه الواقعة ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه ، ولا شك أن المعصية التي نسبوها اليه أعظم أنواع وأفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء مع أنه كان قدأتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء. وأيضا فالآية تدل على قولنا من وجه آخر ، وذلك لأنا نقول هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه ، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة . ثم إنه يمدحه ويثنى عليه بأعظم المدائح ٤ ١١٩ قوله تعالى (( ولقد همت به وهم بها )) سورة يوسف الثاني عشر والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم ، فان مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه ، فان ذلك يستنكر جدا فكذا ههنا والله أعلم . الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام متى صدرت منهم زلة ، أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوها باظهار الندامة والتوبة والتواضع ، ولو كان يوسف عليه السلام أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع وحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية . الرابع : أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام من المعصية . واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة . يوسف عليه السلام ، وتلك المرأة وزوجها ، والنسوة والشهود ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب ، وابليس أقر ببراءته أيضا عن المعصية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب. أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه السلام ( هي راودتني عن نفسي ) وقوله عليه السلام ( رب السجن أحب إلى مما يدعونني اليه) وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) وأيضا قالت ( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك ، فهو قوله ( إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ) وأما الشهود ، فقوله تعالى ( وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ) وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات : أولها قوله ( لنصرف عنه السوء ) واللام للتأكيد والمبالغة . والثاني : قوله ( والفحشاء ) أي كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء . والثالث : قوله ( إنه من عبادنا) مع أنه تعالى قال ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) والرابع : قوله ( المخلصين ) وفيه قراءتان : تارة باسم الفاعل وأخرى باسم المفعول فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع صفة الأخلاص . ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته ، وعلى كلا الوجهين فانه من أدل الألفاظ على كونه منزها عما أضافوه اليه ، وأما بيان ان إبليس أقر بطهارته ، فلأنه قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى ( إنه من عبادنا المخلصين ) فكان هذا إقرار من إبليس بأنه من أغواه وما أضله عن طريقة الهدى ، وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة إن ١٢٠ قوله تعالى (( ولقد همت به وهم بها )) سورة يوسف الجزء كانوا من اتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليبقوا شهادة إبليس على طهارته ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه فزدنا عليه في السفاهة كما قال الخوار زمي : وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلومات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام برىء عما يقوله هؤلاء الجهال . وإذا عرفت هذا فنقول : الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين : المقام الأول ﴾ أن نقول لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها . والدليل عليه : أنه تعالى قال ( وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) وجواب ( لولا ) ههنا مقدم ، وهو كما يقال : قد كنت من الهالكين لولا أن فلانا خلصك ، وطعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين : الأول : أن تقديم جواب ( لولا ) شاذ وغير موجود في الكلام الفصيح . الثاني : أن (لولا ) يجاب اجوابها باللام ، فلو كان الأمر على ما ذكرتم لقال: ولقد همت ولهم بها لولا . وذكر غير الزجاج سؤالا ثالثا وهو أنه لو لم يوجد الهم لما كان لقوله ( لولا أن رأى برهان ربه ) فائدة . واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد ، لأنا نسلم أن تأخير جواب ( لولا ) حسن جائز ، إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب ، وكيف ونقل عن سيبويه أنه قال : إنهم يقدمون الأهم فالأهم ، والذي هم بشأنه أعنى فكان الأمر في جواز التقديم والتأخير مربوطا بشدة الاهتمام . وأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك مما لا يليق بالحكمة ، وأيضا ذكر جواب ( لولا ) باللام جائز. أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز، ثم إنا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين ، وهو قوله تعالى ( إن كادت لتبدی به لولا أن ربطنا على قلبها ) وأما السؤال الثالث﴾ وهو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله ( لولا أن رأى برهان ربه ) فائدة . فنقول : بل فيه أعظم الفوائد ، وهو بيان أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء ، وعدم قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل ، ثم نقول : إن الذي يدل على أن جواب ( لولا ) ما ذكرناه أن ( لولا ) تستدعي جوابا ، وهذا المذكور يصلح جوابا له ، فوجب الحكم بكونه جوابا له لا يقال إنا نضمر له جوابا ، وترك الجواب كثير في القرآن ، لأنا نقول : لا نزاع أنه كثير في القرآن ، إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفا .