Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ قوله تعالى ((وكلا نقص عليك من أنباء الرسل)) سورة هود الثاني عشر وَكُلُّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الزَّسُلِ مَا تُثَبِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِ هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِّكَرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ١٢٠ والقول الثالث) وهو المختار أنه خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف. روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا وأهل العذاب لأن يختلفوا ، وخلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا ، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه : الأول : الدلائل القاطعة الدالة على أن العلم والجهل ٧ يمكن حصولهما في العبد إلا بتخليق الله تعالى . الثاني : أن يقال : إنه تعالى لما حكم على البعض بكونهم مختلفين وعلى الآخرين بأنهم من أهل الرحمة وعلم ذلك امتنع انقلاب ذلك وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وهو محال . الثالث : أنه تعالى قال بعده ( وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقواما للهداية والجنة . وأقواما آخرين للضلالة والنار ، وذلك يقوى هذا التأويل . قوله تعالى ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذکری للمؤمنین اعلم أنه تعالى لما ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة ذكر في هذه الآية نوعين من الفائدة الفائدة الأولى ﴾ تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر احتمال الأذى ، وذلك لأن الانسان إذا ابتلى بمحنة وبلية فاذا رأى له فيه مشاركا خف ذلك على قلبه كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت ، فإذا سمع الرسول هذه القصص ، وعلم أن حال جميع الأنبياء صلوات الله عليهم مع اتباعهم هكذا ، سهل عليه تحمل الأذى من قومه ، وأمكنه الصبر عليه . ﴿والفائدة الثانية) قوله (وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) وفي قوله ( في هذه) وجوه : أحدها : في هذه السورة . وثانيها : في هذه الآية . وثالثها : في هذه الدنيا ، وهذا بعيد غير لائق بهذا الموضع . واعلم أنه لا يلزم من تخصيص هذه السورة بمجيء الحق فيها أن يكون حال سائر السور بخلاف ذلك ، لاحتمال أن يكون الحق المذكور في هذه السورة أكمل حالا مما ذكر في سائر ٩ ٨٢ قوله تعالى (( وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم )) سورة هود · الجزء وَقُلِلِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَلْمِلُونَ (١٨) وَأَنْتَظِرُواْ إِنَّ مُنْتَظُرُونَ ١٢٢ وَلَّ غَيْبُ اَلَّمَدَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ، فَاعْبُدُهُ وَتَوَّلْ عَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( السور ، ولو لم يكن فيها إلا قوله ( فاستقم كما أمرت ) لكان الأمر كما ذكرنا ، ثم إنه تعالى بين أنه جاء في هذه السورة أمور ثلاثة. الحق والموعظة والذكرى . أما الحق : فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة . وأما الذكرى : فهي إشارة إلى الارشاد إلى الأعمال الباقية الصالحة . وأما الموعظة : فهي إشارة إلى التنفير من الدنيا وتقبيح أحوالها في الدار الآخرة ، والمذكرة لما هنالك من السعادة والشقاوة ، وذلك لأن الروح إنما جاء من ذلك العالم إلا أنه الاستغراقه في محبة الجسد في هذا العالم نسى أحوال ذلك العالم فالكلام الالهي يذكره أحوال ذلك العالم ، فلهذا السبب صح إطلاق لفظ الذكر عليه . ثم ههنا دقيقة أخرى عجيبة : وهي أن المعارف الالهية لا بد لها من قابل ومن موجب ، وقابلها هو القلب ، والقلب ما لم يكن كامل الاستعداد لقبول تلك المعارف الالهية والتجليات القدسية ، لم يحصل الانتفاع بسماع الدلائل ، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر اصلاح القلب ، وهو تثبيت الفؤاد ، ثم لما ذكر صلاح حال القابل ، أردفه بذكر الموجب ، وهو مجيء هذه السور المشتملة على الحق والموعظة والذكرى ، وهذا الترتيب في غاية الشرف والجلالة . / قوله تعالى ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظر ون/ ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون اعلم أنه تعالى لما بلغ الغاية في الأعذار والانذار ، والترغيب والترهيب ، أتبع ذلك بأن قال للرسول ( وقل للذين لا يؤمنون ) ولم تؤثر فيهم البيانات البالغة ( اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ) وهذا عين ما حكاه الله تعالى عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه ، والمعنى افعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشر، فنحن أيضا عاملون . وقوله ( اعملوا) وإن كانت صيغته صيغة الأمر، إلا أن المراد منها التهديد، كقوله تعالى لابليس (واستفزز من استطعت ٨٣ قوله تعالى ((ولله غيب السموات والأرض)) سورة هود الثاني عشر منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) وكقوله ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وانتظروا ما يعدكم الشيطان من الخذلان فانا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والاحسان. قال ابن عباس رضى الله عنهما : ( وانتظروا ) الهلاك فانا منتظرون لكم العذاب. ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة المقدسة فقال (ولله غيب السموات والأرض) واعلم أن مجموع ما يحتاج الإنسان إلى معرفته أمور ثلاثة وهي : الماضي والحاضر والمستقبل . أما الماضي فهو أن يعرف الموجود الذي كان موجودا قبله ، وذلك الموجود المتقدم عليه هو الذي نقله من العدم إلى الوجود ، وذلك هو الاله تعالى وتقدس . واعلم أن حقيقة ذات الاله وكنه هويته غير معلومة للبشر البتة ، وإنما المعلوم للبشر صفاته ، ثم إن صفاته قسمان : صفات الجلال ، وصفات الاكرام . أما صفات الجلال ، فهي سلوب ، كقولنا : إنه ليس بجوهر ولا جسم ، ولا كذا ولا كذا . وهذه السلوب في الحقيقة ليست صفات الكمال ، لأن السلوب عدم ، والعدم المحض والنفي الصرف ، لا كمال فيه ، فقولنا لا تأخذه سنة ولا نوم إنما أفاد الكلام لدلالته على العلم المحيط الدائم المبرأ عن التغير ولولا ذلك كان عدم النوم ليس يدل على كمال أصلا ، ألا ترى أن الميت والجماد لا تأخذه سنة ولا نوم وقوله ( وهو يطعم ولا يطعم ) إنما أفاد الجلال والكمال والكبرياء ، لأن قوله ( ولا يطعم ) يفيد كونه واجب الوجود لذاته غنيا عن الطعام والشراب بل عن كل ما سواه ، فثبت أن صفات الكمال والعز والعلوهي الصفات الثبوتية وأشرف الصفات الثبوتية الدالة على الكمال والجلال صفتان : العلم والقدرة ، فلهذا السبب وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بهما في معرض التعظيم والثناء والمدح . أما صفة العلم فقوله ( ولله غيب السموات والأرض ) والمراد أن علمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات والمعدومات والموجودات والحاضرات والغائبات ، وتمام البيان والشرح في دلالة هذا اللفظ على نهاية الكمال ما ذكرناه في تفسير قوله سبحانه وتعالى ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وأما صفة القدرة ، فقوله ( وإليه يرجع الأمر كله ) والمراد أن مرجع الكل إليه ، وإنما يكون كذلك لو كان مصدر الكل ومبدأ الكل هو هو والذي يكون مبدأ الممكنات واليه يكون مرجع كل المحدثات والكائنات ، كان عظيم القدرة نافذ المشيئة قهارا للعدم بالوجود والتحصيل جبارا له بالقوة والفعل والتكميل ، فهذان الوصفان هما المذكوران في شرح جلال المبدأ ونعت كبريائه . والمرتبة الثانية ) من المراتب التي يجب على الانسان كونه عالما بها أن يعرف ما هو مهم ٨٤ قوله تعالى ( فاعبده وتوكل عليه )) سورة هود . الجزء له في زمان حياته في الدنيا ، وما ذلك إلا تكميل النفس بالمعارف الروحانية والجلايا القدسية ، وهذه المرتبة لها بداية ونهاية. أما بدايتها فالاشتغال بالعبادات الجسدانية والروحانية . أما العبادات الجسدانية ، فأفضل الحركات الصلاة ، وأكمل السكنات الصيام ، وأنفع البر الصدقة . وأما العبادة الروحانية فهي : الفكر ، والتأمل في عجائب صنع الله تعالى في ملكوت السموات والأرض ، كما قال تعالى ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) وأما نهاية هذه المرتبة ، فالانتهاء من الأسباب الى مسببها ، وقطع النظر عن كل الممكنات والمبدعات ، وتوجيه حدقة العقل الى نور عالم الجلال ، واستغراق الروح في أضواء عالم الكبرياء ومن وصل الى هذه الدرجة رأي كل ما سواه مهرولا تائها في ساحة كبريائه هالكا فانيا في فناء سناء أسمائه . وحاصل الكلام : أن أول درجات السير الى الله تعالى هو عبودية الله وآخرها التوكل على الله ، فلهذا السبب قال ( فاعبده وتوكل عليه ) والمرتبة الثالثة ﴾ من المراتب المهمة لكل عامل معرفة المستقبل. وهو أنه يعرف كيف يصير حاله بعد انقضاء هذه الحياة الجسمانية ، وهل لأعماله أثر في السعادة والشقاوة ، وإليه الاشارة بقوله تعالى ( وما ربك بغافل عما تعملون ) والمقصود أنه لا يضيع طاعات المطيعين ولا يهمل أحوال المتمردين الجاحدين ، وذلك بأن يحضروا في موقف القيامة ويحاسبوا على النقير والقطمير ويعاتبوا في الصغير والكبير ، ثم يحصل عاقبة الأمر فريق في الجنة وفريق في السعير ، فظهر/أن هذه الآية وافية بالاشارة إلى جميع المطالب العلوية ، والمقاصد القدسية ، وأنه ليس وراءها للعقول مرتقى ولا للخواطر منتهى والله الهادى للصواب ، تمت الشَّورة بحمد الله وعونه ، وقد وجد بخط المصنف رضى الله عنه في النسخة المنتقل منها ثم تفسير هذه السورة قبل طلوع الصبح ليلة الاثنين من شهر رجب ختمه الله بالخير والبركة سنة إحدى وستمائة ، وقد كان لى ولد صالح حسن السيرة فتوفى في الغربة في عنفوان شبابه ، وكان قلبي كالمحترق لذلك السبب، فانا أنشد الله إخواني في الدين وشركائي في طلب اليقين وكل من نظر في هذا الكتاب وانتفع به أن يذكر ذلك الشاب بالرحمة والمغفرة ، وأن يذكر هذا المسكين بالدعاء وهو يقول ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ٨٥ قوله تعالى (( الرتلك آيات الكتاب المبين)) سورة يوسف الثاني عشر (١٢) سُورَة يُوسُفِيَكِيَّة وَآَيَائِهَا إِخْرَى عَشِرَة وَمَانَةْ مكية إلا الآيات: ٧,٣,٢,١ فمدينة نزلت بعد سورة هود بِسُـ الّرِ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ ( إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَ بِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الرتلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ﴾ وقد ذكرنا في أول سورة يونس تفسير ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ) فقوله ( تلك ) إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة (الر) هي ( آيات الكتاب المبين ) وهو القرآن ، وإنما وصف القرآن بكونه مبيناً لوجوه : الأول : أن القرآن معجزة قاهرة وآية بينة لمحمد هير. والثاني: أنه بين فيه الهدى والرشد، والحلال والحرام ، ولما بينت هذه الأشياء فيه كان الكتاب مبيناً لهذه الأشياء . الثالث : أنه بينت فيه قصص الأولين وشرحت فيه أحوال المتقدمين . ثم قال ﴿ إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ روى أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين، سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن كيفية قصة يوسف ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وذكر فيها أنه تعالى عبر عن هذه القصة بألفاظ عربية ، ليتمكنوا من فهمها ويقدروا على تحصيل المعرفة بها . والتقدير : إنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه قرآناً عربياً ، وسمى بعض القرآن قرآناً ، لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض . ﴿ المسألة الثانية) احتج الجبائي بهذه الآية على كون القرآن مخلوقا من ثلاثة أوجه: الأول : أن قوله ( إنا أنزلناه ) يدل عليه ، فان القدیم لا يجوز تنزيله وإنزاله وتحويله من حال ٨٦ قوله تعالى (( نحن نقص عليك أحسن القصص )) سورة يوسف الجزء نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ ٣ إلى حال الثاني : أنه تعالى وصفه بكونه عربيا والقديم لا يكون عربياً ولا فارسيا . الثالث : أنه لما قال ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً) دل على أنه تعالى كان قادراً على أن ينزله لا عربياً، وذلك يدل على حدوثه . الرابع : أن قوله ( تلك آيات الكتاب ) يدل على أنه مركب من الآيات والكلمات ، وكل ما كان مركباً كان محدثاً . والجواب عن هذه الوجوه بأسرها أن نقول : إنها تدل على أن المركب من الحروف والكلمات والألفاظ العبارات محدث وذلك لا نزاع فيه ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر فسقط هذا الاستدلال ﴿ المسألة الثالثة) احتج الجبائي بقوله (لعلكم تعقلون) فقال: كلمة ((لعل)) يجب حملها على الجزم والتقدير : إنا أنزلناه قرآناً عربياً لتعقلوا معانيه في أمر الدين ، إذ لا يجوز أن يراد بلعلكم تعقلون ؟ الشك لأنه على الله محال ، فثبت أن المراد أنه أنزله لارادة أن يعرفوا دلائله ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من كل العباد أن يعقلوا توحيده وأمر دينه ، من عرف منهم ، ومن لم يعرف ، بخلاف قول المجيرة . والجواب : هب أن الأمر على ما ذكرتم إلا أنه يدل على أنه تعالى أنزل هذه السورة ، وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة ولكن لم قلتم إنها تدل على أنه تعالى أراد من الكل الايمان والعمل الصالح قوله تعالى ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين وفيه مسائل : المسألة الأولى ) روى سعيد بن جبير انه تعالى لما أنزل القرآن على رسول الله ي ليه وكان يتلوه على قومه ، فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فنزلت هذه السورة فتلاها عليهم فقالوا لو حدثتنا فنزل ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً) فقالوا لو ذكرتنا فنزل ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) ٨٧ قوله تعالى: (واذ قال يوسف لأبيه)) سورة يوسف الثاني عشر إِذْ قَالَ يُوسُفٍُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِ سَجِدِينَ ﴿ المسألة الثانية ﴾ القصص اتباع الخبر بعضه بعضاً وأصله في اللغة المتابعة قال تعالى ( وقالت لأخته قصيه ) أي اتبعي أثره وقال تعالى ( فار تداعلى آثارهما قصصا ) أي اتباعا وإنما سميت الحكاية قصصاً لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئاً فشيئاً كما يقال تلا القرآن إذا قرأه لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية والقصص في هذه الآية يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص يقال قص الحديث يقصه قصاً وقصصاً إذا طرده وساقه كما يقال أرسله يرسله إرسالا ويجوز أن يكون من باب تسمية المفعول بالمصدر كقولك هذا قدرة الله تعالى أي مقدوره وهذا الكتاب علم فلان أي معلومه وهذا رجاؤنا أي مرجونا فان حملناه على المصدر كان المعنى نقص عليك أحسن الاقتصاص ، وعلى هذا التقدير فالحسن يعود إلى حسن البيان لا إلى القصة والمراد من هذا الحسن كون هذه الألفاظ فصيحة بالغة في الفصاحة الی حد الاعجاز ألا ترى أن هذه القصة مذكورة في كتب التواريخ مع أن شيئاً منها لا يشابه هذه السورة في الفصاحة والبلاغة وإن حملناه على المفعول كان معنى كونه أحسن القصص لما فيه من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها فان إحدى الفوائد التي في هذه القصة أنه لا دافع لقضاء الله تعالى ولا مانع من قدر الله تعالى وأنه تعالى إذا قضى للانسان بخير ومكرمة فلو أن أهل العالم اجتمعوا عليه لم يقدروا على دفعه . ﴿ والفائدة الثانية ﴾ دلالتها على أن الحسد سبب للخذلان والنقصان. ﴿ والفائدة الثالثة ﴾ أن الصبر مفتاح الفرج كما في حق يعقوب عليه السلام فانه لما صبر فاز بمقصوده ، وكذلك في حق يوسف عليه السلام . فأما قوله ( بما أوحينا إليك هذا القرآن ) فالمعنى بوحينا اليك هذا القرآن ، وهذا التقدير إن جعلنا ((ما)) مع الفعل بمنزلة المصدر . ثم قال ﴿ وإن كنت من قبله ﴾ يريد من قبل أن نوحي اليك (لمن الغافلين) عن قصة يوسف وإخوته ، لأنه عليه السلام إنما علم ذلك بالوحي ، ومنهم من قال: المراد انه كان من الغافلين عن الدين والشريعة قبل ذلك كما قال تعالى ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ) قوله تعالى ﴿ إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدین ﴾ ٨٨ قوله تعالى ((إذ قال يوسف لأبيه يا أبت)) سورة يوسف الجزء وفيه مسائل : ﴾ تقدير الآية: اذكر ( إذ قال يوسف) قال صاحب الكشاف : المسألة الأولى الصحيح أنه أسم عبراني ، لأنه لو كان عربيا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف ، وقرأ بعضهم ( يوسف) بكسر السين ( ويوسف) بفتحها . وأيضاً روى في يونس هذه اللغات الثلاث، وعن النبي ◌َ ﴿ قال ((اذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف · ابن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام)» ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن عامر ( يا أبت) بفتح التاء في جميع القرآن ، والباقون بكسر التاء . أما الفتح فوجهه أنه كان في الأصل يا أبتاه على سبيل الندبة ، فحذفت الألف والهاء . وأما الكسرفأصله يا أبي ، فحذفت الياء واكتفى بالكسرة عنها ثم أدخل هاء الوقف فقال ( یا أبت ) ثم كثر استعماله حتى صار كأنه من نفس الكلمة فأدخلوا عليه الاضافة ، وهذا قول ثعلب وابن الأنباري . , واعلم أن النحويين طولوا في هذه المسألة ، ومن أراد كلامهم فليطالع كتبهم . ﴿ المسألة الثالثة ) أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر سجدت له ، وكان له أحد عشر نفرا من الاخوة ، ففسر الكواكب بالاخوة ، والشمس والقمر بالأب والأم ، والسجود بتواضعهم له . ودخولهم تحت أمره ، وإنما حملنا قوله ( إني رأيت أحد عشركوكبا) على الرؤيا لوجهين : الأول : أن الكواكب لا تسجد في الحقيقة ، فوجب حمل هذا الكلام على الرؤيا . والثاني : قول يعقوب عليه السلام ( لا تقصص رؤياك على إخوتك ) وفي الآية سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ قوله (رأيتهم لي ساجدين) فقوله (ساجدين) لا يليق إلا بالعقلاء ، والكواكب جمادات ، فكيف جازت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات . قلنا : إن جماعة من الفلاسفة الذين يزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة احتجوا بهذه الآية ، وكذلك احتجوا بقوله تعالى ( وكل في فلك يسبحون) والجمع بالواو والنون مختص بالعقلاء . وقال الواحدي : إنه تعالى لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل ، فأخبر عنها كما يخبر عما يعقل كما قال في صفة الأصنام (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) وكما في قوله ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) ﴿ السؤال الثاني﴾ قال ( إني رأيت أحد عشركوكباً والشمس والقمر ) ثم أعاد لفظ ٨٩ قوله تعالى (( إني رأيت أحد عشر كوكبا )) سورة يوسف الثاني عشر الرؤيا مرة ثانية ، وقال ( رأيتهم لي ساجدين ) فما الفائدة في هذا التكرير ؟ الجواب : قال القفال رحمه : الله ذكر الرؤية الأولى لتدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر ، والثانية لتدل على مشاهدة كونها ساجدة له ، وقال بعضهم : إنه لما قال ( إني رأيت أحد عشركوكباً والشمس والقمر ) فكأنه قيل له : كيف رأيت ؟ فقال : رأيتهم لي ساجدين ، وقال آخرون : يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا ، وهذا القائل لم يبين أن أيهما يحمل على الرؤية وأيهما الرؤيا فذكر وقلا مجملا غير مبين . السؤال الثالث ﴾ لم أخر الشمس والقمر ؟ قلنا : أخرهما لفضلهما على الكواكب ، لأن التخصيص بالذكر يدل على مزيد الشرف كما في قوله ( وملائكته ورسله وجبريل ومیکال ) السؤال الرابع ﴾ المراد بالسجود نفس السجود أو التواضع كما في قوله : تری الأكم فيه سجدا للحوافر قلنا : كلاهما محتمل ، والأصل في الكلام حمله على حقيقته . ولا مانع أن يرى في المنام أن الشمس والقمر والكواكب سجدت له . السؤال الخامس ﴾ متى رأى يوسف عليه السلام هذه الرؤيا؟ قلنا : لا شك أنه رآها حال الصغر ، فاما ذلك الزمان بعينه فلا يعلم إلا بالاخبار . قال وهب : رأي يوسف عليه السلام وهو ابن سبع سنين أن أحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة . وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها فذكر ذلك لأبيه فقال إياك أن تذكر هذا لأخوتك ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال لا تذکرها لهم فیکیدوا لك کیدا . وقيل : کان بین رؤيا يوسف ومصير اخوته اليه أربعون سنة وقيل : ثمانون سنة . واعلم أن الحكماء يقولون إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب ، والرؤيا الجيدة انما يظهر تعبيرها بعد حين . قالوا : والسبب في ذلك أن رحمة الله تقتضي أن لا يحصل الاعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل ، وأما الأعلام بالخير فانه يحصل متقدماً على ظهوره بزمان طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر وأتم . ٩٠ قوله تعالى (( قال يا بني لا تقصص رؤياك على اخو تلك)) سورة يوسف الجزء قَالَ يَبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُ واْلَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوُمُبِينٌ ﴾ وَكَذَلِكَ يَحْتَكَ رَبُّكَ وَيُعَلِمُكَ مِنْ تَأْوِيِلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُ نِعْمَتَهُ. عَلَيْكَ وَعَلَّءَالِ يَعْقُوبَ كَمَا أَّهَا عَلَ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيمَ وَإِنْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم السؤال السادس ﴾ قال بعضهم: المراد من الشمس والقمر أبوه وخالته فما السبب فيه ؟ قلنا : انما قالوا ذلك من حيث ورد في الخبر أن والدته توفيت وما دخلت عليه حال ما كان بمصر قالوا : ولو كان المراد من الشمس والقمر أباه وأمه لما ماتت لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام لا بد وأن تكون وحي وَهذه الحجة غير قوية لأن يوسف عليه السلام ما كان في ذلك الوقت من الأنبياء السؤال السابع ) وما تلك الكواكب ؟ قلنا: روى صاحب الكشاف أن يهودياً جاء إلى النبي ◌َّ فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت رسول الله ** فنزل جبريل عليه السلام وأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام لليهودي ((إن أخبرتك هل تسلم)) قال نعم قال (( جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلت من السماء وسجدت له )) فقال اليهودي : أي والله انها لأسماؤها واعلم أن كثيراً من هذه الأسماء غير مذكور في الكتب المصنفة في صورة الكواكب والله أعلم بحقيقة الحال . قوله تعالى ﴿ قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل یعقوب کما أتمها على أبويك من قبلإبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم ﴾ في الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ حفص ( يا بني ) بفتح الياء والباقون بالكسر. ٩١ قوله تعالى ((إن الشيطان للإنسان عدو مبين)) سورة يوسف الثاني عشر المسألة الثانية ﴾ أن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف وأخيه فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك المعنى ليعقوب عليه السلام بالأمارات الكثيرة فلما ذكر يوسف عليه السلام هذه الرؤيا وكان تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فقال لا تخبرهم برؤياك فانهم يعرفون تأويلها فيكيدوا لك كيداً . المسألة الثالثة قال الواحدى : الرؤيا مصدر كالبشرى والسقياوالبقيا والشورى إلا أنه لما صار اسما لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء ، قال صاحب الكشاف : الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة. فلا جرم فرق بينهما بحر في التأنيث ، كما قيل : القربة والقربى وقرىء روياك بقلب الهمزة واواً وسمع الكسائي يقرأ رياك ورياك بالادغام وضم الراء وكسرها وهي ضعيفة . ثم قال تعالى ﴿ فيكيدوا لك كيدا﴾ وهو منصوب باضمار أن والمعنى إن قصصتها عليهم کادوك فان قيل : فلم لم يقل فیکیدوك کما قال ( فکیدوني ). قلنا : هذه اللام تأكيد للصلة كقوله للرؤيا تعبرون ، وكقولك نصحتك ونصحت وشکرتك وشكرت لك ، وقيل هي من صلة الكيد على معنى فيكيدوا كيداً لك . قال أهل التحقیق : وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بتعبير الرؤيا وإلا لم يعلموا من هذه الرؤيا ما يوجب حقداً وغضبا . ثم قال ﴿ إن الشيطان للانسان عدو مبين﴾ والسبب في هذا الكلام انهم لو اقدموا على الكيد لكان ذلك مضافا إلى الشيطان ونظيره قول موسى عليه السلام هذا من عمل الشيطان ، ثم إن يعقوب عليه السلام قصد بهذه النصيحة تعبير تلك الرؤيا وذكروا أموراً : أولها : قوله ( وكذلك يجتبيك ربك ) يعني وكما اجتباك بمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبر شأن كذلك يجتبيك لأمور عظام . قال الزجاج : الاجتباء مشتق من جبيت الشيء إذا خلصته لنفسك ومنه جبيت الماء في الحوض ، واختلفوا في المراد بهذا الاجتباء ، فقال الحسن : يجتبيك ربك بالنبوة ، وقال آخرون : المراد منه اعلاء الدرجة وتعظيم المرتبة فاما تعيين النبوة فلا دلالة في اللفظ عليه . وثانيها : قوله (ويعلمك من تأويل الأحاديث ) وفيه وجوه : الأول : المراد منه تعبير الرؤيا سماه تأويلا لأنه يؤل أمره الى ما رآه في المنام يعني تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم . قالوا : إنه عليه السلام كان في علم التعبير غاية ، والثاني : تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدمين، كما أن الواحد من علماء زماننا يشتغل بتفسير القرآن وتأويله ، وتأويل الأحاديث المروية عن الرسول عليه، والثالث : ٩٢ قوله تعالى (( ویتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب )) سورة يوسف الجزء الأحاديث جمع حديث ، والحديث هو الحادث ، وتأويلها مآلها ، ومآل الحوادث الى قدرة الله تعالى وتكوينه وحكمته ، والمراد من تأويل الأحاديث كيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات الروحانية والجسمانية على قدرة الله تعالى حكمته وجلالته ، وثالثها : قوله ( ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ) واعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة ههنا بالنبوة أيضا وإلا لزم التكرار ، بل يفسر إتمام النعمة ههنا بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة . أما سعادات الدنيا فالا كثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والحشم وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد . وأما سعادات الآخرة : فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى . وأما من فسر الاجتباء بنيل الدرجات العالية ، فههنا يفسر إتمام النعمة بالنبوة ويتأكد هذا بأمور : الأول : أن إتمام النعمة عبارة عما به تصير النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان . وما ذاك في حق البشر إلا بالنبوة ، فان جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة ناقص بالنسبة الى كمال النبوة ، فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشرليس إلا النبوة ، والثاني : قوله ( كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق ) ومعلوم أن النعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحق عن سائر البشرليس إلا النبوة ، فوجب أن يكون المراد باتمام النعمة هو النبوة . واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كانهم كانوا أنبياء ، وذلك لأنه قال ( ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ) وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب ، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو النبوة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبناءه فوجب أن لا يبقى معمولا به في حق أولاده . وأيضا أن يوسف عليه السلام قال ( إني رأيت أحد عشر كوكبا) وكان تأويله أحد عشر نفساً لهم فضل وكمال . ويستضيء بعلمهم ودينهم أهل الأرض ، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدي . وذلك يقتضي أن یکون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلا . فان قيل : کیفیجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف عليه السلام؟ قلنا : ذلك وقع قبل النبوة ، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها . ﴿ القول الثاني﴾ أن المراد من قوله (ويتم نعمته عليك ) خلاصه من المحن ، ويكون وجه التشبيه في ذلك بابراهيم واسحق عليهما السلام هو انعام الله تعالى على ابراهيم بانجائه من ٩٣ الثاني عشر قوله تعالى (( لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين )) سورة يوسف ◌َّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءَايَنْتُ لِلسَّآَ بِلِينَ ﴾ إِذْ قَالُواْلَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِيِّنَا مِنَّا وَنَّحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَالَفِي ضَلَلِ مُّبِينٍ النار وعلى ابنه اسحق بتخليصه من الذبح. والقول الثالث ﴾ أن اتمام النعمة هو وصل نعمة الله عليه في الدنيا بنعمة الآخرة بأن جعلهم في الدنيا أنبياء وملوكا ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة . واعلم أن القول الصحيح هو الأول ، لأن النعمة التامة في حق البشرليست إلا النبوة ، وكل ما سواها فهي ناقصة بالنسبة اليها ، ثم إنه عليه السلام لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام بقوله ( إن ربك عليم حكيم ) فقوله ( عليم ) اشارة إلى قوله ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) وقوله ( حكيم ) اشارة إلى أن الله تعالى مقدس عن السفه والعبث ، لا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وجوهرة مشرقة علوية . فان قيل : هذه البشارات التي ذكرها يعقوب عليه السلام هل كان قاطعا بصحتها أم لا ؟ فان كان قاطعا بصحتها ، فكيف حزن على يوسف عليه السلام ، وكيف جاز أن يشتبه عليه أن الذئب أكله ، وکیف خاف عليه من إخوته أن يهلكوه ، وكيف قال لأخوته وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ، مع علمه بأن سبحانه سيجتبيه ويجعله رسولا ، فاما إذا قلنا إنه عليه السلام ما كان عالما بصحة هذه الأحوال ، فكيف قطع بها؟ وكيف حكم بوقوعها ؟ حكماً جازما من غير تردد . قلنا : لا یبعد أن یکون قوله ( وكذلك يجتبیك ربك ) مشروطا بأن لا یکیدوه ، لأن ذکر ذلك قد تقدم ، وأيضاً فبتقدير أن يقال : إنه عليه السلام كان قاطعا بأن يوسف عليه السلام سيصل إلى هذه المناصب إلا أنه لا يمتنع أن يقع في المضايق الشديدة ثم يتخلص منها ويصل إلى تلك المناصب فكان خوفه لهذا السبب ويكون معنى قوله ( وأخاف أن يأكله الذئب ) الزجر عن التهاون في حفظه وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل اليه . قوله تعالى ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين﴾ في هذه الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكر صاحب الكشاف أسماء إخوة يوسف: يهودا ، روبيل ، ٩٤ قوله تعالى ((إذا قالوا ليسوف وأخوه أحب إلى أبينا منا)) سورة يوسف الجزء شمعون لاوى ، ربالون ، يشجر ، دينة ، دان ، نفتالى، جاد ، آشر. ثم قال : السبعة الأولون من ليا بنت خالة يعقوب والأربعة الآخرون من سريتين . زلفة وبلهة ، فلما توفيت ليا تزوج یعقوب أختها احیل فولدت له بنیامین ويوسف . ﴿ المسألة الثانية ) قوله ( آيات للسائلين ) قرأ ابن كثير آية ألف جمله على شأن يوسف والباقون ( آیات) على الجمع لأن أمور یوسف كانت كثيرة وكل واحد منها آية بنفسه. المسألة الثالثة ﴾ ذكروا في تفسير قوله تعالى ( آيات للسائلين ) وجوها الأول : قال ابن عباس دخل حبر من اليهود على النبي ﴿ فسمع منه قراءة يوسف فعاد إلى اليهود فأعلمهم أنه سمعها منه كما هي في التوراة ، فانطلق نفر منهم فسمعوا كما سمع ، فقالوا له من علمك هذه القصة؟ فقال : الله علمني ، فنزل (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ) وهذا الوجه عندي بعيد ، لأن المفهوم من الآية أن في واقعة يوسف آيات للسائلين وعلى هذا الوجه الذي نقلناه ما كانت الآيات في قصة يوسف، بل كانت الآيات في أخبار محمد لي عنها من غير سبق تعلم ولا مطالعة وبين الكلامين فرق ظاهر . والثاني : أن أهل مكة أكثرهم كانوا أقارب الرسول عليه الصلاة والسلام وكانوا ينكرون نبوته ويظهرون العداوة الشديدة معه بسبب الجسد فذكر الله تعالى هذه القصة وبين أن إخوة يوسف بالغوا في إيذائه لأجل الحسد وبالآخرة فان الله تعالى نصره وقواه وجعلهم تحت يده ورايته ، ومثل هذه الواقعة إذا سمعها العاقل كانت زجرا له عن الاقدام على الحسد والثالث : أن يعقوب لما عبر رؤيا يوسف وقع ذلك التعبير ودخل في الوجود بعد ثمانين سنة فكذلك أن الله تعالى لما وعد محمداً عليه الصلاة والسلام بالنصر والظفر على الأعداء ، فاذا تأخر ذلك الموعد مدة من الزمان لم يدل ذلك على كون محمد عليه الصلاة والسلام كاذباً فيه فذكر هذه القصة نافع من هذا الوجه . الرابع : أن إخوة يوسف بالغوا في إبطال أمزه ، ولكن الله تعالى لما وعده بالنصر والظفر كان الأمر كما قدره الله تعالى لا كما مسعى فيه الأعداء، فكذلك واقعة محمدر لي فان الله لما ضمن له إعلاء الدرجة لم يضره سعى الكفار في إبطال أمره . وأما قوله ( للسائلين ) فاعلم أن هذه القصة فيها آيات كثيرة لمن سأل عنها ، وهو كقوله تعالى ( في أربعة أيام سواء للسائلين ) ثم قال تعالى ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (ليوسف) اللام لام الابتداء ، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة. أرادوا أن زيادة محبته لها أمر ثابت لا شبهة فيه وأخوه هو بنيامين ، وإنما قالوا أخوه ، ٩٥ قوله تعالى (( إن أبانا لفى ضلال مبين )) سورة يوسف الثاني عشر وهم جميعاً إخوة لأن أمهما كانت واحدة والعصبة والعصابة العشرة فصاعدا ، وقيل إلى الأربعين سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ، ونقل عن على رضي الله عنه أنه قرأ ( ونحن عصبة) بالنصب قيل : معناه ونحن نجتمع عصبة ، ﴿ المسألة الثانية﴾ المراد منه بيان السبب الذي لأجله قصدوا إيذاء يوسف، وذلك أن يعقوب كان يفضل يوسف وأخاه على سائر الأولاد في الحب وأنهم تأذوا منه لوجوه : الأول : أنهم كانوا أكبر سنا منهما. وثانيها: أنهم كانوا أكثر قوة وأكثر قياماً بمصالح الأب منهما ، وثالثها: أنهم قالوا إنا نحن القائمون بدفع المفاسد والآفات، والمشتغلون بتحصيل المنافع والخيرات . إذا ثبت ما ذكرناه من كونهم متقدمين على يوسف واخيه في هذه الفضائل ، ثم إنه عليه السلام كان يفضل يوسف وأخاه عليهم . لا جرم قالوا ( إن أبانا لفى ضلال مبين ) يعني هذا حيف ظاهر وضلال بين . وههنا سؤالات : ﴿السؤال الأول) إن من الأمور المعلومة أن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد ، ويورث الآفات ، فلما كان يعقوب عليه السلام عالما بذلك فلم أقدم على هذا التفضيل وأيضاً الأسن والأعلم والأنفع أفضل ، فلم قلب هذه القضية؟ والجواب : أنه عليه السلام ما فضلهما على سائر الأولاد إلا في المحبة ، والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذوراً فيه ولا يلحقه بسبب ذلك لوم . السؤال الثاني ﴾ أن أولاد يعقوب عليه السلام إن كانوا قد آمنوا بكونه رسولا حقاً من عند الله تعالى فكيف اعترضوا عليه، وكيف زيفوا طريقته وطعنوا في فعله، وإن كانوا مكذبين لنیوته، فهذا یوجب کفرهم .. والجواب : أنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم مقرين بكونه رسولا حقاً من عند الله تعالى .. إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يفعلوا أفعالا مخصوصة بمجرد الاجتهاد ، ثم إن اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد ، وذلك لأنهم كانوا يقولون هما صبيان ما بلغا العقل الكامل ونحن متقدمون عليهما في السن والعقل والكفاية والمنفعة وكثرة الخدمة والقيام بالمهمات وإصراره على تقديم يوسف علينا يخالف هذا الدليل . وأما يعقوب عليه السلام فلعله كان يقول : زيادة المحبة ليست في الوسع والطاقة ، فليس لله على فيه تكليف . وأما تخصيصهما بمزيد البر فيحتمل أنه كان لوجوه : أحدها : أن أمهما ماتت وهما صغار . وثانيها : لأنه كان يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد ، وثالثها : لعله ٩٦ قوله تعالى (( اقتلوا یوسف أو اطرحوه أرضاً )) سورة يوسف الجزء أَقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوْ اْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُرُ وَجْهُ أَبِيَكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِ غَيَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ ١٠ عليه السلام وإن كان صغيراً إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدم أشرف وأعلى مما كان يصدر عن سائر الأولاد ، والحاصل أن هذه المسألة كانت اجتهادية ، وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة ، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر أو في عرضه . السؤال الثالث ﴾ أنهم نسبوا أباهم الى الضلال المبين ، وذلك مبالغه في الذم والطعن ، ومن بالغ في الطعن في الرسول كفر ، لا سيما اذا كان الطاعن ولداً فان حق الأبوة يوجب مزيد التعظيم . والجواب : المراد منه الضلال عن رعاية المصالح في الدنيا لا البعد عن طريق الرشد والصواب . السؤال الرابع ﴾ أن قولهم (ليوسف وأخوه أحب الى أبينا منا) محض الحسد، والحسد من أمهات الكبائر ، لا سيما وقد أقدموا على الكذب بسبب ذلك الحسد ، وعلى تضييع ذلك الأخ الصالح وإلقائه في ذل العبودية وتبعيده عن الأب المشفق ، وألقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم ، وأقدموا على الكذب فما بقيت خصلة مذمومة ولا طريقة في الشر والفساد إلا وقد أتوا بها ، وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوة . والجواب : الأمر كما ذكرتم ، إلا أن المعتبر عندنا عصمة الأنبياء عليهم السلام في قوت حصول النبوة . وأما قبلها فذلك غير واجب والله أعلم . قوله تعالى ﴿ اقتلوا یوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوامن بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف والقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلین ٩٧ قوله تعالى (( وألقوه في غیابت الجب )) سورة يوسف الثاني عشر واعلم انه لما قوى الحسد وبلغ النهاية قالوا لا بد من تبعيد يوسف عن أبيه : وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين : القتل ، أو التغريب إلى أرض يحصل اليأس من اجتماعه مع أبيه ولا وجه في الشر يبلغه الحاسد أعظم من ذلك، ثم ذكروا العلة فيه وهي قولهم (يخل لكم وجه أبيكم ) والمعنى أن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه فاذا أفقده أقبل علينا بالميل والمحبة ( وتكونوا من بعده قوماً صالحين ) وفيه وجوه : الأول : أنهم علموا أن ذلك الذي عزموا عليه من الكبائر فقالوا : إذا فعلنا ذلك تبنا إلى الله ونصير من القوم الصالحين . والثاني : أنه ليس المقصود ههنا صلاح الدين بل المعنى يصلح شأنكم عند أبيكم ويصير أبوكم محبا لكم مشتغلا بشأنكم . الثالث : المراد أنكم بسبب هذه الوحشة صرتم مشوشين لا تتفرغون لاصلاح مهم ، فاذا زالت هذه الوحشة تفرغتم لاصلاح مهماتكم ، واختلفوا في أن هذا القائل الذي أمر بالقتل من كان ؟ على قولين : أحدهما : أن بعض إخوته قال هذا . والثاني : أنهم شاوروا أجنبياً فأشار عليهم بقتله، ولم يقل ذلك أحد من اخوته ، فأما من قال بالأول فقد اختلفوا. فقال هب : إنه شمعون ، وقال مقاتل : روبيل : فان قيل : كيف يليق هذا بهم وهم أنبياء ؟ قلنا : من الناس من أجاب عنه بأنهم كانوا في هذا الوقت مراهقين وما كانوا بالغين ، وهذا ضعيف ، لأنه يبعد من مثل نبي الله تعالى يعقوب عليه السلام أن يبعث جماعة من الصبيان من غير أن يكون معهم إنسان عاقل يمنعهم من القبائح . وأيضاً أنهم قالوا (وتكونوا من بعده قوماً صالحين ) وهذا يدل على أنهم قبل التوبة لا يكونون صالحين ، وذلك ينافي كونهم من الصبيان ، ومنهم من أجاب بأن هذا من باب الصغائر ، وهذا أيضاً بعيد لأن إيذاء الأب الذي هو نبي معصوم ، والكذب معه والسعي في إهلاك الأخ الصغير كل واحد من ذلك من أمهات الكبائر ، بل الجواب الصحيح أن يقال : إنهم ما كانوا أنبياء ، وإن كانوا أنبياء إلا أن هذه الواقعة إنما أقدموا عليها قبل النبوة . ثم إنه تعالی حکی أن قائلا قال ( لا تقتلوا یوسف) قيل إنه كان روبيل وكان ابن خاله يوسف وكان أحسنهم رأياً فيه فمنعهم عن القتل ، وقيل يهودا ، وكان أقدمهم في الرأي والفضل والسن . ثم قال ﴿ وألقوه في غیابت الجب ﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع (في غيابات الجب) على الجمع في الحرفين ، هذا والذي بعده ، والباقون ( غيابة ) على الواحد في الحرفين . أما وجه الغيابات فهو أن للجب أقطار ٠ ٩٨ قوله تعالى (( قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف)) سورة يوسف الجزء قَالُواْ بَأْبَانَا مَالَكَ لَا تَأْمَئِنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ، لَتَشْصِحُونَ (٨) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ، لَخَفِظُونَ ونواحي ، فيكون فيها غيابات . ومن وحد قال : المقصود موضوع واحد من الجب يغيب فيه يوسف ، فالتوحيد أخص وأدل على المعنى المطلوب . وقرأ الجحدري ( في غيبة الجب ) ﴿ المسألةُ الثانية ) قال أهل اللغة : الغيابة كل ما غيب شيئا وستره ، فغيابه الجب غوره ، وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله . والجب البئر التي ليست بمطوية سميت جبا ، لأنها قطعت قطعا ولم يحصل فيها غير القطع من طى أو ما أشبه به ذلك، وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين فافاد ذكر الغيابة هذا المعنى إذ كان يحتمل أن يلقي في موضع من الجب لا يحول بينه بين الناظرين . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الألف واللام في الجب تقتضي المعهود السابق، واختلفوا في ذلك الجب فقال قتاده : هو بئر ببيت المقدس ، وقال وهب : هو بأرض الأردن ، وقال مقاتل : هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب ، وانما عينوا ذلك الجب للعلة التي ذكروها وهيٍ قولهم ( يلتقطه بعض السيارة ) وذلك لأن تلك البئر كانت معروفة وكانوا يردون عليها كثيراً ، وكان يعلم أنه إذا طرح فيها يكون إلى السلامة أقرب ، لأن السيارة إذا جازوا وردوها ، وإذا وردوها شاهدوا ذلك الانسان فيها ، وإذا شهدوا أخرجوه وذهبوا به فكان القاؤه فيها أبعد عن الهلاك. المسألة الرابعة ﴾ الالتقاط تناول الشيء من الطريق ، ومنه : اللقطة واللقيط ، وقرأ الحسن ( تلتقطه ) بالتاء على المعنى ، لأن بعض السيارة أيضاً سيارة ، والسيارة الجماعة الذين يسيرون في الطريق للسفر . قال ابن عباس : يريد المارة وقوله ( إن كنتم فاعلين ) فيه إشارة إلى أن الأولى أن لا تفعلوا شيئاً من ذلك ، وأما إن كان ولا بد فاقتصروا على هذا القدر ونظيره قوله تعالى ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) يعين الأولى أن لا تفعلوا ذلك قوله تعالى ﴿ قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غداً. پرتع ويلعب وإنا له لحافظون ﴾ اعلم أن هذا الكلام يدل على أن يعقوب عليه السلام كان يخافهم على يوسف ولولا ذلك وإلا لما قالوا هذا القول ٩٩ قوله تعالى ((قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف)) سورة يوسف الثاني عشر واعلم أنهم لما أحكموا العزم ذكروا هذا الكلام وأظهر وا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف وفي غاية الشفقة عليه ، وكانت عادتهم أن يغيبوا عنه مدة إلى الرعي فسألوه أن يرسله معهم وقد كان عليه السلام يجب تطبيب قلب يوسف فاغتر بقولهم وأرسله معهم . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: ( لا تأمنا) قرىء باظهار النونين وبالادغام باشمام وبغير إشمام ، والمعنى لم تخافنا عليه ونحن نحبه وتريد الخير به . المسألة الثانية) في ( يرتع ويلعب ) خمس قرآآت : القراءة الأولى﴾ قرأ ابن كثير: بالنون، وبكسرعين نرتع من الارتعاء ، ويلعب بالياء والارتعاء افتعال من رعيت ، يقال: رعت الماشية الكلأ ترعاه رعيا إذا أكلته . وقوله (نرتع ) الارتعاء للابل والمواشي، وقد أضافوه إلى أنفسهم، لأن المعنى نرتع إبلنا، ثم نسبوه إلى أنفسهم لأنهم هم السبب في ذلك الرعي ، والحاصل أنهم أضافوا الارتعاء والقيام بحفظ المال إلى أنفسهم لأنهم بالغون كاملون وأضافوا اللعب إلى يوسف لصغره . القراءة الثانية﴾ قرأ نافع: كلاهما بالياء وكسر العين من يرتع أضاف الارتعاء إلى يوسف بمعنى أنه يباشر رعي الابل ليتدرب بذلك فمرة يرتع ومرة يلعب كفعل الصبيان . القراءة الثالثة ﴾ قرأ أبو عمرو وأبن عامر (نرتع) بالنون وجزم العين ومثله نلعب. قال ابن الأعرابي : الرتع الأكل بشره ، وقيل : إنه الخصب ، وقيل : المراد من اللعب الاقام على المباحات وهذا يوصف به الانسان ، وأما نلعب فروى أنه قيل لأبي عمرو : كيف يقولون نلعب وهم أنبياء ؟ فقال لم يكونوا يومئذ أنبياء، وأيضًا جاز أن يكون المراد من اللعب الاقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر كما روى عن النبي أنه قال لجابر ((فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك)) وأيضا كان لعبهم الاستباق ، والغرض منه تعلم المحاربة والمقاتلة مع الكفار ، والدليل عليه قولهم : إنا ذهبنا نستبق وإنما سموه لعبا لأنه في صورته. القراءة الرابعة ﴾ قرأ أهل الكوفة : كليهما بالياء وسكون العين ، ومعناه اسناد الرتع واللعب إلى يوسف عليه السلام القراءة الخامسة ﴾ ( يرتع ) بالياء ( ونلعب ) بالنون وهذا بعيد ، لأنهم انما سألوا. إرسال يوسف معهم ليفرح هو باللعب لا ليفرحوا باللعب ، والله اعلم . ١٠٠ قوله تعالى (( قال إني ليحزنني أن تذهبوا به )) سورة يوسف الجزء قَالَ إِنِّى لَيَخُْنِيِّ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُ الذّعْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ (يَِّ قَالُواْ لَيْنْ أَكَلَهُ الذِّئْبَ وَنَحْنُ عَصْبَةُ إِنَّا إِذَا تَسِرُونَ ١٤ قوله تعالى ﴿ قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون ﴾ اعلم أنهم لما طلبوا منه أن يرسل يوسف معهم اعتذر إليهم بشيئين : أحدهما : أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة . والثاني : خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم لقلة اهتمامهم به . قيل : إنه رأى في النوم أن الذئب شد على يوسف ، فكان يحذره فمن هذا ذكر ذلك ، وكأنه لقتهم الحجة ، وفي أمثالهم البلاء موكل بالمنطق . وقيل : الذئاب كانت في أراضيهم كثيرة ، وقرىء ( الذئب ) بالهمز على الأصل وبالتخفيف . وقيل : اشتقاقه من تذاءبت الريح اذا أتت من كل جهة ، فلما ذكر يعقوب عليه السلام هذا الكلام أجابوا بقولهم ( لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا اذا لخاسرون ) وفيه سؤالات : السؤال الأول ﴾ ما فائدة اللام في قوله ( لئن أكله الذئب ) والجواب من وجهين : الأول : أن كلمة إن تفيد كون الشرط مستلزماً للجزاء ، أي إن وقعت هذه الواقعة فنحن خاسرون ، فهذه اللام دخلت لتأكيد هذا الاستلزام . الثاني : قال صاحب الكشاف هذه اللام تدل على إضمار القسم تقديره : والله لئن أكله الذئب لكنا خاسرين . ﴿ السؤال الثاني ﴾ ما فائدة الواو في قوله (ونحن عصبة ) الجواب : أنها واو الحال حلفوا لئن حصل ما خافه من خطف الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفي الخطوب إنهم إذاً لقوم خاسرون . ﴿ السؤال الثالث﴾ ما المراد من قولهم (إنا إذاً لخاسرون ) الجواب فيه وجوه : الأول : خاسرون أي هالكون ضعفاً وعجزاً ، ونظيره قوله تعالى ( لئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون) أي لعاجزون . الثاني : أنهم يكونون مستحقين لأن يدعي عليهم بالخسارة والدمار . وأن يقال خسرهم الله تعالى ودمرهم حين أكل الذئب أخاهم وهم حاضرون . الثالث : المعنى أنا ان لم نقدر على حفظ أخينا فقد هلكت مواشينا