Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ قوله تعالى (( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك)) سورة هود وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ) شيئاً آخر سوى أنه عليه السلام فعل ذلك وللناس فيه وجوه : الأول : لا يمتنع أن يكون في معلوم الله تعالى أنه إنما يترك التقصير في أداء الوحي والتنزيل لسبب يرد عليه من الله تعالى ، أمثال هذه التهيدات . الثاني : أنهم كانوا لا يعتقدون بالقرآن ويتهاونون به ، فكان يضيق صدر الرسول وي أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فنبهَّه الله تعالى لأداء الرسالة وطرح المبالاة بكلماتهم الفاسدة وترك الالتفات إلى استهزائهم ، والغرض منه التنبيه على أنه إن أدى ذلك الوحي وقع في سخريتهم وسفاهتهم وإن لم يؤد ذلك الوحي إليهم وقع في ترك وحي الله تعالى وفي إيقاع الخيانة فيه، فاذا تحمل أحد الضررين وتحمل سفاهتهم أسهل من تحمل إيقاع خيانة في وحي الله تعالى، والغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على هذه الدقيقة، لأن الانسان إذا علم أن كل واحد من طرفي الفعل والترك يشتمل على ضرر عظيم ، ثم علم أن الضرر في جانب الترك أعظم وأقوى سهل عليه ذلك الفعل وخف، فالمقصود من ذکر هذا الكلام ما ذكرناه . فان قيل : قوله ( فلعلك ) كلمة شك فما الفائدة فيها ؟ قلنا : المراد منه الزجر ، والعرب تقول للرجل إذا أرادوا إبعاده عن أمر : لعلك تقدر أن تفعل كذا مع أنه لا شك فيه ، ويقول لولده لو أمره لعلك تقصر فيما أمرتك به . ویرید توكيد الأمر فمعناه لا تترك . وأما قوله ﴿وضائق به صدرك ) فالضائق بمعنى الضيق، قال الواحدي: الفرق بينهما أن الضائق يكون بضيق عارض غير لازم ، لأن رسول الله ﴿ كان أفسح الناس صدرا ، ومثله قولك : زيد سيد جواد تريد السيادة والجواد الثابتين المستقرين ، فاذا أردت الحدوث قلت : سائد وجائد ، والمعنى : ضائق صدرك لأجل أن يقولوا ( لولا أنزل غليه ) فان قيل : الكنز كيف ينزل ؟ قلنا : المراد ما يكنز وجرت العادة على أنه يسمى المال الكثير بهذا الاسم ، فكأن القوم قالوا : إن كنت صادقا في أنك رسول الاله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء وإنك عزيز عنده فهلا أنزل عليك ما تستغني به وتغني أحبابك من الكد والعناء وتستعين به على مهماتك وتعين أنصارك وإن كنت صادقاً فهلا أنزل الله معك ملكا يشهد لك على صدق قولك ويعينك على تحصيل مقصودك فتزول الشبهة في أمرك ، فلما لم يفعل إلهك ذلك فأنت غير صادق ، فبين ٢٠٢ قوله تعالى (( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله )) سورة هود أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنُهُ قُلْ فَأُتُواْبِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتِ وَآَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُمْ مِّنْ دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ١٣ تعالى أنه رسول منذر بالعقاب ومبشر بالثواب ولا قدرة له على ايجاد الاشياء . والذي أرسله هو القادر على ذلك فان شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه في فعله وفي حكمه. ومعنى ( وكيل ) حفيظ أي يحفظ عليهم أعمالهم ، أي يجازيهم بها ونظير هذه الآية ، قوله تعالى ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا) وقوله : ( قالوا لن نؤمن لك ) إلى قوله ( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا ) قوله تعالى ﴿ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دونالله إن كنتم صادقين ﴾ اعلم ان القوم لما طلبوا منه المعجز قال معجزي هذا القرآن ولما حصل المعجز الواحد كان طلب الزيادة بغياً وجهلا، ثم قرر كونه معجزاً بأن تحداهم بالمعارضة، وتقرير هذا الكلام بالاستقصاء قد تقدم في البقرة وفي سورة يونس وفي الآية مسائل ﴿ المسألة الأولى﴾ الضمير في قوله (افتراه) عائد إلى ما سبق من قوله ( يوحى إليك) أي إن قالوا إن هذا الذي يوحى اليك مفترى فقل لهم حتى يأتوا بعشر سور مثله مفتريات وقوله مثله بمعنى أمثاله حملا على كل واحد من تلك السور ولا يبعد أيضا أن يكون المراد هو المجموع ، لأن مجموع السور العشرة شيء واحد ، ﴿ المسألة الثانية) قال ابن عباس : هذه السورة التي وقع بها هذا التحدي معينة، وهي سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والاعراف والأنفال والتوبة ويونس وهود عليهما السلام ، وقوله ( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) إشارة إلى السور المتقدمة على هذه السورة ، وهذا فيه إشكال، لأن هذه السورة مكية ، وبعض السور المتقدمة على هذه السورة مدنية ، فكيف يمكن أن يكون المراد من هذه العشر سور التي ما نزلت عند هذا الكلام ، فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور التي يظهر فيها قوة تركيب الكلام وتأليفه . واعلم أن التحدي بعشرسور لا بد وأن يكون سابقا على التحدي بسورة واحدة ، وهو مثل أن يقول الرجل لغيره أكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فاذا ظهر عجزه عنه قال : قد ٢٠٣ قوله تعالى ((فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا انما أنزل بعلم الله)) سورة هود فَإِلَّْ يَسْتَجِيبُوْ لَكُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَاَ أَنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَآ إِلَهَ إِلَُّهُوَ فَهَلْ أَنْتُ مُسْلُونَ ١٤ اقتصرت منها على سطر واحد مثله . إذا عرفت هذا فنقول : التحدي بالسورة الواحدة ورد في سورة البقرة ، وفي سورة يونس كما تقدم ، أما تقدم هذه السورة على سورة البقرة فظاهر ، لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية ، وأما في سورة يونس فالاشكال زائل أيضا ، لأن كل واحدة من هاتين السورتين مكية ، والدليل الذي ذكرناه يقتضي أن تكون سورة هود متقدمة في النزول على سورة يونس حتى يستقيم الكلام الذي ذكرناه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزا، فقال بعضهم : هو الفصاحة ، وقال بعضهم : هو الأسلوب ، وقال ثالث : هو عدم التناقض ، وقال رابع : هو اشتماله على العلوم الكثيرة ، وقال خامس : هو الصرف، وقال سادس : هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب ، والمختار عندي وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة ، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية لأنه لو كان وجه الاعجاز هو كثرة العلوم أو الاخبار عن الغيوب أو عدم التناقض لم يكن لقوله ( مفتريات ) معنى أما إذا كان وجه الاعجاز هو الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الفصيح تظهر بالكلام ، سواء كان الكلام صدقا أو كذبا ، وأيضاً لو كان الوجه في كونه معجزاً هو الصرف لكان دلالة الكلام الركيك النازل في الفصاحة على هذا المطلوب أوكد من دلالة العالى في الفصاحة ثم انه تعالى لما قرر وجه التحدي قال ( وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) والمراد إن كنتم صادقين في ادعاء كونه مفترى كما قاله ( أم يقولون افتراه) واعلم أن هذا الكلام يدل على أنه لا بد في إثبات الدين من تقرير الدلائل والبراهين ، وذلك لأنه تعالى أورد في إثبات نبوة محمد عليه السلام هذا الدليل وهذه الحجة ، ولولا أن الدين لا يتم إلا بالدليل لم يكن في ذكره فائدة . قوله تعالى ﴿ فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ﴾ ٢٠٤ قوله تعالى ((فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا انما انزل بعلم الله)) سورة هود اعلم أن الآية المتقدمة اشتلمت على خطابين : أحدهما : خطاب الرسول ، وهو قوله ( قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) والثاني : خطاب الكفار وهو قوله ( وادعوا من استطعتم من دون الله ) فلما أتبعه بقوله ( فان لم يستجيبوا لكم ) احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لتعذرها عليهم ، واحتمل أن من يدعونه من دون الله لم يستجيبوا ، فلهذا السبب اختلف المفسرون على قولين: فبعضهم قال: هذا خطاب للرسول وَ ل﴿ وللمؤمنين، والمراد أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في الاتيان بالمعارضة ، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله . والمعنى : فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه . وازدادوا یقینا وثبات قدم على أنه منزل من عند الله ، ومعنى قوله ( فهل أنتم مسلمون ) أي فهل أنتم مخلصون ، ومنهم من قال فيه إضمار ، والتقدير : فقولوا أيها المسلمون للكفار اعلموا أنما أنزل بعلم الله . والقول الثاني ﴾ أن هذا خطاب مع الكفار ، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله إذا لم يستجيبوا لكم في الاعانة على المعارضة ، فاعلموا أيها الكفار أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله فهل أنتم مسلمون بعد لزوم الحجة عليكم ، والقائلون بهذا القول قالوا هذا أولى من القول الأول ، لأنكم في القول الأول احتجتم إلى أن حملتم قوله ( فاعلموا ) على الأمر بالثبات أو على إضمار القول ، وعلى هذا الاحتمال لا حاجة فيه إلى اضمار ، فكان هذا أولى ، وأيضا فعود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ، وأقرب المذكورين في هذه الآية هو هذا الاحتمال الثاني ، وأيضا أن الخطاب الأول كان مع الرسول عليه الصلاة والسلام وحده بقوله ( قل فأتوا بعشر سور ) والخطاب الثاني كان مع جماعة الكفار بقوله ( وادعوا من استطعتم من دون الله) وقوله ( فان لم يستجيبوا لكم) خطاب مع الجماعة فكان حمله على هذا الذي قلناه أولى . بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول ﴾ ما الشيء الذي لم يستجيبوا فيه ؟ الجواب : المعنى فان لم يستجيبوا لكم في معارضة القرآن ، وقال بعضهم فان لم يستجيبوا لكم في جملة الايمان وهو بعيد . السؤال الثاني ﴾ من المشار اليه بقوله ( لكم ) ؟ والجواب : إن حملنا قوله ( فان لم يستجيبوا لكم ) على المؤمنين فذلك ظاهر ، وان حملناه على الرسول فعنه جوابان : الأول : المراد فان لم يستجيبوا لك وللمؤمنين ، لأن الرسول عليه السلام والمؤمنين كانوا يتحدونهم، وقال في موضع آخر فان لم يستجيبوا لك ٢٠٥ قوله تعالى ((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها)) سورة هود مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَزَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفٍ إِلَيْهِمْ أَعْمَلُهُمْ فِهَا وَهُمْ فِيهَ لَيُبْخَسُونَ ١٥ فاعلم . والثاني: يجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله ◌َّه. ﴿ السؤال الثالث﴾ أي تعلق بين الشرط المذكور في هذه الآية وبين ما فيها من الجزاء؟ والجواب : أن القوم ادعوا كون القرآن مفترى على الله تعالى ، فقال : لو كان مفترى على الله لوجب أن يقدر الخلق على مثله ولما لم يقدروا عليه ، ثبت أنه من عند الله ، فقوله ( إنما أنزل بعلم الله ) كناية عن كونه من عند الله ومن قبله ، كما يقول الحاكم هذا الحكم جرى بعلمي . ﴿ السؤال الرابع﴾ أي تعلق لقوله (وأن لا إله إلا هو) يعجزهم عن المعارضة. والجواب فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما أمر محمدالنّ له حتى يطلب من الكفار أن يستعينوا بالأصنام في تحقيق المعارضة ثم ظهر عجزهم فحينئذ ظهر أنها لا تنفع ولا تضر في شيء من المطالب البتة، ومتى كان كذلك، فقد بطل القول باثبات كونهم آلهة، فصار عجز القوم عن المعارضة بعد الاستعانة بالأصنام مبطلا لالهية الأصنام. ودليلا على ثبوت نبوة محمد بَطالت، فكان قوله ( وأن لا إله إلا هو ) إشارة إلى ما ظهر من فساد القول بآلهية الأصنام : الثاني : أنه ثبت في علم الأصول أن القول بنفي الشريك عن الله من المسائل التي يمكن اثباتها بقول الرسول عليه السلام ، وعلى هذا فكأنه قيل : لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقاً، وثبت كون محمد لي صادقا في دعوى الرسالة ، ثم إنه كان يخبر عن أنه لا إله إلا الله. فلما ثبت كونه محقاً في دعوى النبوة ثبت قوله ( أن لا إله إلا هو ) الثالث : أن ذكر قوله ( وأن لا إله إلا هو ) جار مجرى التهديد ، كأنه قيل : لما ثبت بهذا الدليل كون محمد عليه السلام صادقا في دعوى الرسالة وعلمتم أنه لا إله الا الله ، فكونوا خائفين من قهره وعذابه واتركوا الاصرار على الكفر واقبلوا الاسلام ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة عند ذكر آية التحدي ( فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) وأما قوله ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ فان قلنا : إنه خطاب مع المؤمنين كان معناه الترغيب في زيادة الاخلاص . وإن قلنا : إنه خطاب مع الكفار كان معناه الترغيب في أصل الاسلام . قوله تعالى ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا یبخسون ٢٠٦ قوله تعالى «من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها)) سورة هود أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَاصَنَعُوْ فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ اعلم أن الكفار كانوا ينازعون محمدا ◌ّه في أكثر الأحوال ، فكانوا يظهرون من أنفسهم أن محمدا مبطل ونحن محقون ، وإنما نبالغ في منازعته لتحقيق الحق وإبطال الباطل ، وكانوا كاذبين فيه ، بل كان غرضهم محض الحسد والاستنكاف من المتابعة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتقرير هذا المعنى . ونظير هذه الآية قوله تعالى ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نرید) وقوله ( من کان یرید حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن کان یرید حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أن في الآية قولين : ﴿ القول الأول ﴾ أنها مختصة بالكفار، لأن قوله ( من كان يريد الحياة الدنيا) يندرج فيه المؤمن والكافر والصديق والزنديق . لأن كل أحد يريد التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها ، إلا أن آخر الآية يدل على أن المراد من هذا العام الخاص وهو الكافر ، لأن قوله تعالى ( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) لا يليق إلا بالكفار ، فصار تقدير الاية : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط ، أي تكون إرادته مقصورة على حب الدنيا وزينتها ولم يكن طالباً لسعادات الآخرة ، كان حكمه كذا وكذا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فيه ، فمنهم من قال : المراد منهم منكروا البعث فانهم ينكرون الآخرة ولا يرغبون إلا في سعادلت الدنيا . وهذا قول الأصم وكلامه ظاهر . ﴿ والقول الثاني﴾ أن الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول عليه السلام الغنائم من دون أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها . والقول الثالث ﴾ أن المراد: اليهود والنصارى؛ وهو منقول عن أنس . ﴿ والقول الرابع ﴾ وهو الذي اختاره القاضي أن المراد : من كان يريد بعمل الخير ٢٠٧ قوله تعالى ((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها)) سورة هود الحياة الدنيا وزينتها ، وعمل الخير قسمان : العبادات ، وإيصال المنفعة الى الحيوان ، ويدخل في هذا القسم الثاني البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعي في دفع الشرور وإجراء الأنهار . فهذه الأشياء إذا أتى بها الكافر لأجل الثناء في الدنيا ، فان بسببها تصل الخيرات والمنافع الى المحتاجين ، فكلها تكون من أعمال الخير .. فلا جرم هذه الأعمال تكون طاعات سواء صدرت من الكافر أو المسلم . وأما العبادات : فهي إنما تكون طاعات بنيات مخصوصة ، فاذا لم يؤت بتلك النية ، وإنما أتى فاعلها بها على طلب زينة الدنيا ، وتحصيل الرياء والسمعة فيها صار وجودها كعدمها فلا تكون من باب الطاعات . واذا عرفت هذا فنقول : قوله ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ) المراد منه الطاعات التي يصح صدورها من الكافر . ﴿ القول الثاني) وهو أن تجري الآية على ظاهرها في العموم، ونقول: إنه يندرج فيه المؤمن الذي يأتي بالطاعات على سبيل الرياء والسمعة ، ويندرج فيه الكافر الذي هذا صفته ، وهذا القول مشكل ، لأن قوله ( أولئك الذي ليس لهم في الآخرة إلا النار ) لا يليق بالمؤمن، إلا إذا قلنا : المراد ( أولئك الذين ليس في الآخرة إلا النار ) بسبب هذه الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة المقرونة بالرياء ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا أخباراً كثيرة في هذا الباب . روى أن الرسول عليه السلام قال «تعوذوا بالله من جب الحزن قيل وما جب الحزن ؟ قال عليه الصلاة والسلام ((واد في جهنم يلقى فيه القراء المراؤون)) وقال عليه الصلاة والسلام ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيراً ولا خير فيه)) وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن رسول الله و لو أنه قال ((إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جمع القرآن، فيقال له ما عملت فيه؟ فيقول يا رب قمت به آناء الليل والنهار فيقول الله له ألم أوسع عليك فماذا عملت فيما آتیتك فیقول: وصلت الرحم وتصدقت، فیقول الله تعالی کذبت بل اردت ان يقال فلان جواد، وقد قيل ذلك ويؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جرىء وقد قيل ذلك)) قال أبو هريرة رضي الله عنه ثم ضرب رسول الله و 98 ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر هذا الحديث عند معاوية قال الراوي فبكى حتى ظننا انه هالك ثم افاق وقال صدق الله ورسوله (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف اليهم اعمالهم فيها) ﴿ المسألة الثانية ﴾ المراد من توفية أجور تلك الأعمال هو أن كل ما يستحقون بها من ٢٠٨ قوله تعالى ((أفمن كان على بينة من ربه)) سورة هود أَنْ كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِهِ، وَيَتْلُهُ شَاهِدُ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ، كِتَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَجَمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَن يَكْفُرْبِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ، فَلَاتَكُ فِى مِرْنَةٍ مِنْهُ إِنَُّ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ( الثواب فانه يصل اليهم حال كونهم في دار الدنيا ، فاذا خرجوا من الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال اثر من آثار الخيرات ، بل ليس لهم منها إلا النار . واعلم أن العقل يدل عليه قطعا ، وذلك لأن من أتى بالأعمال لأجل طلب الثناء في الدنيا ، ولأجل الرياء ، فذلك لأجل أنه غلب على قلبه حب الدنيا ، ولم يحصل في قلبه حب الآخرة ، اذ لو عرف حقيقة الآخرة وما فيها من السعادات لامتنع أن يأتي بالخيرات لأجل الدنيا ويسىء أمر الآخرة، فثبت أن الآتي بأعمال البر لأجل الدنيا لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الدنيا عديم الطلب للآخرة ومن كان كذلك فاذا مات فانه يفوته جميع منافع الدنيا ويبقى عاجزاً عن وجدانها غير قادر على تحصيلها ، ومن أحب شيئا ثم حيل بينه وبين المطلوب فانه لا بد وأن تشتعل في قلبه نيران الحسرات فثبت بهذا البرهان العقلي ، أن كل من أتى بعمل من الأعمال لطلب الاحوال الدنيوية فانه يجد تلك المنفعة الدنيوية اللائقة بذلك العمل ، ثم اذا مات فانه لا يحصل له منه إلا النار ويصير ذلك العمل في الدار الآخرة محبطا باطلا عديم الأثر : قوله تعالى ﴿ أُفمن کان على بينة من ر به و یتلوه شاهد منه ومن قبله کتاب موسی إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلاتك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر ، والتقدير : أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ، إلا أنه حذف الجواب لظهوره ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فان الله يضل من يشاء ) وقوله (أمّن هو قائم آناء الليل ساجدا وقائما) وقوله (قل هو يستوي الذين يعلمون والذين لا یعلمون) واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد مجُمل. فالأول : أن هذا ٢٠٩ قوله تعالى ((أولئك يؤمنون)) سورة هود الذي وصف الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو. والثاني : أنه ما المراد بهذه البينة . والثالث : أن المراد بقوله ( يتلوه ) القرآن أو كونه حاصلا عقيب غيره . والرابع : أن هذا الشاهد ما هو ؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة ، فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية . أما الأول ﴾ وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو؟ فقيل : المراد به النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد به من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره ، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية ( أولئك يؤمنون به ) وهذا صيغة جمع ، فلا يجوز رجوعه إلى محمد ◌َّة ، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في ( يتلوه ) يرجع إلى معنى البينة ، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى ، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى . واعلم أن كون كتاب موسى تابعاً للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و ( (إماما ) نصب على الحال ، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة ؛ أولها : دلالة البينات العقلية على صحته . وثانيها : شهادة القرآن بصحته ، وثالثها : شهادة التوراة بصحته ، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب ، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر . فالقول الأول ﴾ إن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد عليه السلام والبينة هو القرآن ، والمراد بقوله ( يتلوه ) هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوها : أحدها : أنه جبريل عليه السلام ، والمعنى : أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام . وثانيها : أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن ، ورواية عن محمد بن الحنيفة عن علي رضى الله عنهما قال : قلت لأبي أنت التالي قال : وما معنى التالي قلت قوله ( ويتلوه شاهد منه ) قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول وَ لّولما كان الانسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تاليا على سبيل المجاز كما يقال : عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق . وثالثها : أن المراد هو علي بن أبي طالب رضى الله عنه ، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله ( منه ) أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه ، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام . ورابعها : أن لا يكون المراد بقوله ( ويتلوه ) القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة ، وعلى هذا الوجه قالوا إن الفخر الرازي ج١٧ م١٤ ٢١٠ قوله تعالى (أولئك يؤمنون به)) سورة هود المراد : أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه ، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كاهن ، ولا ساحر ، ولا كذاب ، والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي ◌َّر . ﴿ القول الثاني﴾ أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة هم المؤمنون وهم أصحاب النبي ◌َّو، والمراد بالبينة القرآن (ويتلوه ) أي ويتلو الكتاب الذي هو الحجة يعني ويعقبه شاهد من الله تعالى ، وعلى هذا القول اختلفوا في ذلك الشاهد . فقال بعضهم : إنه محمد عليه السلام ، وقال آخرون ؛ بل ذلك الشاهد هو كون القرآن واقعاً على وجه يعرف كل من نظر فيه أنه معجزة وذلك الوجه هو اشتماله على الفصاحة التامة والبلاغة الكاملة وكونه بحيث لا يقدر البشرعلى الاتيان بمثله ، وقوله ( شاهد منه ) أي من تلك البينة لأن أحوال القرآن وصفاته من القرآآت متعلقة به . وثالثها : قال الفراء : ( ويتلوه شاهد منه ) يعني الانجيل يتلو القرآن وإن كان قد أنزل قبله، والمعنى: أنه يتلوه في التصديق، وتقريره: أنه تعالى ذكر محمداً زل في الانجيل ، وأمر بالايمان به . واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم . واعلم أنه تعالى وصف كتاب موسى عليه السلام بكونه إماماً ورحمة ، ومعنى كونه إماما أنه كان مقتدى العالمين ، وإماما لهم يرجعون إليه في معرفة الدين والشرائع ، وأما كونه رحمة فلأنه يهدي الى الحق في الدنيا والدين ، وذلك سبب لحصول الرحمة والثواب ، فلما كان سبباً للرحمة أطلق اسم الرحمة عليه اطلاقا لاسم المسبب على السبب . ثم قال ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ والمعنى : أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون . واعلم أن المطالب على قسمين : منها ما يعلم صحتها بالبديهة ، ومنها ما يحتاج في تحصيل العلم بها الى طلب واجتهاد . وهذا القسم الثاني على قسمين ، لأن طريق تحصيل المعارف اما الحجة والبرهان المستنبط بالعقل وأما الاستفادة من الوحي والالهام ، فهذان الطريقان هما الطريقان اللذان يمكن الرجوع اليهما في تعريف المجهولات ، فاذا اجتمعا واعتضد كل واحد منهما بالآخر بلغا الغاية في القوة والوثوق ، ثم إن في أنبياء الله تعالى كثرة ، فاذا توافقت كلمات الأنبياء على صحته ، وكان البرهان اليقيني قائماً على صحته ، فهذه المرتبة قد بلغت في القوة الى حيث لا يمكن الزيادة فقوله ( أفمن كان على بينة من ربه ) المراد بالبينة ٤ ٢١١ قوله تعالى ((ومن اظلم ممن افترى على الله كذباً)) سورة هود وَمَنْ أَظْلَمُ مَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَدُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوْ عَ رَبِّهِمْ أَ لَعْنَةُ الَّهِ عَلَى الظَّلِينَ (٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ الدلائل العقلية اليقينية ، وقوله ( ويتلوه شاهد منه ) اشارة الى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام ، وقوله ( ومن قبله كتاب موسى اماماً ورحمة ) اشارة الى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام ، وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء الى حيث لا يمكن الزيادة عليه . ثم قال تعالى ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ والمراد من الأحزاب أصناف الكفار ، فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس . روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي ◌َّ قال ((لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار)) قال أبو موسى: فقلت في نفسي إن النبي والقر لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن ، فوجدت الله تعالى يقول ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) وقال بعضهم: لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده ، دلت على أن من لا يكفر به لم تكن النار موعده . ثم قال تعالى ﴿ فلاتك في مرية منه إنه الحق من ربك ﴾ ففيه قولان : الأول : فلاتك في مرية من صحة هذا الدين ، ومن كون القرآن نازلا من عند الله تعالى ، فكان متعلقا بما تقدم من قوله تعالى ( أم يقولون افتراه ) الثاني : فلاتك في مرية من أن موعد الكافر النار . وقرىء ( مرية ) بضم الميم . ثم قال ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ والتقدير: لما ظهر الحق ظهوراً في الغاية ، فكن أنت متابعاً له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا، والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن . قوله تعالى ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ﴾ ٢١٢ قوله تعالى ((أولئك يعرضون على ربهم)) سورة هود اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة ، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم في تحصيلها ، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) إلى آخر الآية، ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول لا ير ، ويقدحون في معجزاته ، وقد أبطل الله تعالى ذلك بقوله ( أفمن كان على بينة من ربه ) ومنها إنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله ، وقد أبطل الله تعالى ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى، فلما بين وعيد المفترين على الله ، فقد دخل فيه هذا الكلام . واعلم أن قوله ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) إنما يورد في معرض المبالغة . وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم . ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله ﴿ أولئك يعرضون على ربهم ﴾ وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض ، لأن العرض عام في كل العباد كما قال ( وعرضوا على ربك صفا) وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم ( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ) فحصل لهم من الخزى والنكال ما لا مزيد عليه ، وفيه سؤالات : السؤال الأول﴾ إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان ، فكيف قال ( يعرضون على ربهم ) والجواب : أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال ، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك عرضاً على من شاء الله من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين . ﴿ السؤال الثاني ﴾ من الأشهاد الذين أضيف اليهم هذا القول ؟ الجواب : قال مجاهد : هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا . وقال قتادة ومقاتل ( الأشهاد ) الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد ، يعني على رؤوس الناس. وقال الآخرون : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قال الله تعالى ( فلنسألن الذين أرسل اليهم ولنسألن المرسلين) والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة . السؤال الثالث ﴾ الأشهاد جمع فما واحده ؟ والجواب : يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب ، وناصر وأنصار ، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف. قال أبو علي الفارسي : وهذا كأنه أرجح ، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل ، كقوله ( ويكون الرسول عليكم شهيداً).(وجئنا ٢١٣ قوله تعالى (( أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض )) سورة هود أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ الَِّ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ( أُوْلَِّكَ الَّذِينَ خَسِرُواْأَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٣) لَا جَمَ أَنَهُمْ فِ اْآَخِرَةِ هُمُ اُلْأُخْسَرُونَ ٢٢ بك على هؤلاء شهيدا ) ثم لما أخبر عن حالهم في عذاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال فقال ( ألا لعنة الله على الظالمين) وبين أنهم في الحال الملعونون من عند الله، ثم ذكر من صفاتهم أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا يعني أنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال ، فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق ، وإلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، لأنه لا يقال في العاصي : يبغي عوجا ، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستقامة ، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات ، وتقرير الضلالات . ثم قال ﴿ وهم بالآخرة هم كافرون﴾ قال الزجاج: كلمة ((هم)) كررت على جهة التوكيد لثباتهم في الكفر . قوله عز وجل ﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ اعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم . الصفة الأولى﴾ كونهم مفترين على الله ، وهي قوله (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ) والصفة الثانية﴾ أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزى والنكال . وهي قوله ( أولئك يعرضون على ربهم ) والصفة الثالثة ﴾ حصول الخزى والنكال والفضيحة العظيمة ، وهي قوله ( ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ) ٢١٤ قوله تعالى ((أولئك لم يكونوا معجزين)) سورة هود والصفة الرابعة ﴾ كونهم ملعونين من عند الله، وهي قوله ( ألا لعنة الله على الظالمين ) .-... والصفة الخامسة ﴾ كونهم صادين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق ، وهي قوله ( الذين يصدون عن سبيل الله ) ﴿ والصفة السادسة ) سعيهم في إلقاء الشبهات، وتعويج الدلائل المستقيمة، وهي قوله ( ويبغونها عوجا) والصفة السابعة ﴾ كونهم كافرين ، وهي قوله (وهم بالآخرة هم كافرون) والصفة الثامنة﴾ كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله ، وهي قوله ( أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ) قال الواحدي : معنى الاعجاز المنع من تحصيل المراد . يقال أعجزني فلان أي منعني عن مرادي ، ومعنى معجزين في الأرض أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا فان هرب العبد من عذاب الله محال ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات ، ولا تتفاوت قدرته بالبعد والقرب والقوة والضعف . ﴿ والصفة التاسعة ﴾ أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عذاب الله عنهم ، والمراد منه الرد عليهم في وصفهم الأصنام بأنها شفعاؤهم عند الله والمقصود أن قوله ( أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ) دل على أنهم لا قدرة لهم على الفرار وقوله ( وما كان لهم من دون الله من أولياء) هو أن أحداً لا يقدر على تخليصهم من ذلك العذاب ، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة ، ثم اختلفوا فقال قوم المراد إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع الله من إنزال العذاب ولا لأجل أن لهم ناصراً يمنع ذلك العذاب عنهم ، بل إنما حصل ذلك الامهال لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا فيزولوا عن كفرهم فاذا أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة ، وقال بعضهم : بل المراد أن يكونوا معجزين لله عما يريد إنزاله عليهم من العذاب في الآخرة أو في الدنيا ولا يجدون ولياً ينصرهم ويدفع ذلك عنهم . والصفة العاشرة ﴾ قوله تعالى ( يضاعف لهم العذاب ) قيل سبب تضعيف العذاب في حقهم أنهم كفروا بالله وبالبعث وبالنشور ، فكفرهم بالمبدأ والمعاد صار سبباً لتضعيف العذاب ، الأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشديد ، سعوا في الاضلال ومنع الناس عن ٢١٥ قوله تعالى (( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون)) سورة هود الدين الحق ، فلهذا المعنى حصل هذا التضعيف عليهم . الصفة الحادية عشرة ) قوله ( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) والمراد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلب وعمى النفس ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه من الايمان، روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال إنه تعالى منع الكافر من الايمان في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا ففي قوله تعالى (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) وأما في الآخرة فهو قوله ( يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) وحاصل الكلام في هذا الاستدلال أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا يستطيعون السمع ، فاما أن يكون المراد أنهم ما كانوا يستطيعون سمع الأصوات والحروف ، وإما أن يكون المراد كونهم عاجزين عن الوقوف على دلائل الله تعالى ، والقول الأول باطل لأن البديهة دلت على أنهم كانوا يسمعون الأصوات والحروف ، فوجب حمل اللفظ على الثاني أجاب الجبائي عنه بأن السمع إما أن يكون عبارة عن الحاسة المخصوصة ، أو عن معنى يخلقه الله تعالى في صماخ الأذن ، وكلاهما لا يقدر العبد عليه ، لأنه لو اجتهد في أن يفعل ذلك أو يتركه لتعذر عليه ، وإذا ثبت هذا كان إثبات الاستطاعة فيه محالا ، وإذا كان اثباتها محالا كان نفي الاستطاعة عنه هو الحق ، فثبت أن ظاهر الآية لا يقدح في قولنا . ثم قال المراد بقوله ( ما كانوا يستطيعون السمع ) إهمالهم له ونفورهم عنه كما يقول القائل : هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه ، وهذا مما يمجه سمعى وذكر غير الجبائي عذراً آخر ، فقال إنه تعالى نفى أن يكون لهم أولياء والمراد الأصنام ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله ( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) فكيف يصلحون للولاية . والجواب : أما حمل الآية على أنه لا قدرة لهم على خلق الحاسة وعلى خلق المعنى فيها فباطل ، لأن هذه الآية وردت في معرض الوعيد فلا بد وأن يكون ذلك معنى مختصاً بهم ، والمعنى الذي قالوه حاصل في الملائكة والأنبياء فكيف يمكن حمل اللفظ عليه ، وأما قوله إن ذلك محمول على أنهم كانوا يستثقلون سماع كلام رسول الله يله وإبصار صورته . فالجواب أنه تعالى نفى الاستطاعة فحمله على معنى آخر خلاف الظاهر ، وأيضاً أن حصول ذلك الاستثقال إما أن يمنع من الفهم والوصول إلى الغرض أو لم يمنع ، فان منع فهو المقصود ، وإن لم يمنع منه فحينئذ كان ذلك سبباً أجنبياً عن المعاني المعتبرة في الفهم والادراك ، ولا تختلف أحوال القلب في العلم والمعرفة بسببه ، فكيف يمكن جعله ذماً لهم في هذا المعرض ، وأيضاً قد بينا مراراً كثيرة في هذا الكتاب أن حصول الفعل مع قيام الصارف ٢١٦ قوله تعالى ((أولئك الذين خسروا أنفسهم)) سورة هود محال ، فلما بين تعالى كون هذا المعنى صارفاً عن قبول الدين الحق وبين فيه أنه حصل حصولا على سبيل اللزوم بحيث لا يزول البتة في ذلك الوقت كان المكلف في ذلك الوقت ممنوعاً عن الايمان ، وحينئذ يحصل المطلوب ، وأما قوله فانا نجعل هذه الصفة من صفة الأوثان فبعيد لأنه تعالى قال ( يضاعف لهم العذاب ) ثم قال ( ما كانوا يستطيعون السمع ) فوجب أن يكون الضمير في هذه الآية المتأخرة عائدا إلى عين ما عاد إليه الضمير المذكور في هذه الآية الأولى . وأما قوله ( وما كانوا يبصرون ) فقيل : المراد منه البصيرة ، وقيل : المراد منه أنهم عدلوا عن إيصار ما يكون حجة لهم . ﴿ الصفة الثانية عشرة ) قوله (أولئك الذين خسروا أنفسهم) ومعناه أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران . الصفة الثالثة عشرة ﴾ قوله ( وضل عنهم ما كانوا يفترون) والمعنى أنهم لما باعوا الدين بالدنيا ، فقد خسروا ، لأنهم أعطوا الشريف ، ورضوا بأخذ الخسيس ، وهذا عين الخسران في الدنيا ثم في الاخرة فهذا الخسيس يضيع ويهلك ولا يبقى منه أثر . وهو المراد بقوله ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) ﴿الصفة الرابعة عشرة﴾ قوله (لا جرم انهم في الآخرة هم الأخسرون) وتقريره ما تقدم، وهو أنه لما أعطى الشريف الرفيع ورضى بالخسيس الوضيع فقد خسر في التجارة . ثم لما كان هذا الخسيس بحيث لا يبقى بل لا بد وأن يهلك ويفنى انقلبت تلك التجارة إلى النهاية في صفة الخسارة ، فلهذا قال ( لا جرم أنهم في الاخرة هم الأخسرون ) وقوله ( لا جرم ) قال الفراء : إنها بمنزلة قولنا لا بد ولا محالة ، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً ، تقول العرب : لا جزم أنك محسن ، على معنى حقاً إنك محسن ، وأما النحويون فلهم فيه وجوه : الأول : لا حرف نفي وجزم ، أي قطع ، فاذا قلنا : لا جرم معناه أنه لا قطع عنهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . الثاني : قال الزجاج إن كلمة ( لا) نفى لما ظنوا أنه ينفعهم ، و( جرم ) معناه كسب ذلك الفعل ، والمعنى : لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا والآخرة ،وذكرنا ( جرم) بمعنى كسب في تفسير قوله تعالى ( لا يجرمنكم شنآن قوم ) قال الأزهري ، وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب . الثالث : قال سيبويه والأخفش : لا رد على أهل الكفر كما ذكرنا . وجرم معناه حق وصحيح ، والتأويل أنه حق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم . واحتج سيبويه بقول الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا ٢١٧ قوله تعالى ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات واخبتوا إلى ربهم ))سورة هود إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَحْبَتُوَاْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَعَْبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ﴾ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعَْى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَ كَّرُونَ (3) أراد حقت الطعنة فزارة أن يغضبوا . قوله تعالى ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم ، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين ، والاخبات هو الخشوع والخضوع وهو مأخوذ من الخبت وهو الأرض المطمئنة ، وخبت ذكره ، أي خفى، فقوله ((أخبت)) أي دخل في الخبت ، كما يقال فيمن صار إلى نجد أنجد والى تهامة أتهم ، ومنه المخبت من الناس الذي أخبت إلى ربه أي اطمأن اليه ، ولفظ الاخبات يتعدى بالى وباللام ، فاذا قلنا : أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه ، وإذا قلنا أخبت له فمعناه خشع له . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) إشارة إلى جميع الأعمال الصالحة ، وقوله (وأخبتوا ) إشارة إلى أن هذه الأعمال لا تنفع في الآخرة إلا مع الأحوال القلبية ثم إن فسرنا الاخبات بالطمأنينة كان المراد أنهم يعبدون الله وكانت قلوبهم عند أداء العبادات مطمئنة بذكر الله فارغة عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى . أو يقال إنما قلوبهم مطمئنة إلى صدق الله بكل ما وعدهم من الثواب والعقاب، وأما إن فسرنا الاخبات بالخشوع كان معناه أنهم يأتون بالأعمال الصاحلة خائفين وجلين من أن يكونوا أتوا بها مع وجود الاخلال والتقصير ، ثم بين أن من حصل له هذه الصفات الثلاثة فهم أصحاب الجنة ، ويحصل لهم الخلود في الجنة . قوله تعالى ﴿ مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذکر ون ﴾ ٢١٨ قوله تعالى ((ولقد ارسلنا نوحا الى قومه)) سورة هود أَن لَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ إِنِّ ٢٥ نَذِيرٌ مُّبِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، إِنِّ لَكُمْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمِ أَلِيمِ ٢٦ واعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين ذكر فيهما مثالا مطابقا ثم اختلفوا . فقيل : إنه راجع إلى من ذكر آخراً من المؤمنين والكافرين من قبل ، وقال آخرون : بل رجع إلى قوله ( أفمن كان على بينة من ربه ) ثم ذكر من بعده الكافرين ووصفهم بأنهم لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ، والسميع والبصيرهم الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم . واعلم أن وجه التشبيه هو أنه سبحانه خلق الانسان مركبا من الجسد ومن النفس ، وكما أن للجسد بصرا وسمعا فكذلك حصل لجوهر الروح سمع وبصر ، وكما أن الجسد إذا كان أعمى أصم بقي متحيراً لا يهتدي إلى شيء من المصالح ، بل يكون كالتائه في حضيض الظلمات لا يبصر نوراً يهتدي به ولا يسمع صوتا، فكذلك الجاهل الضال المضل ، يكون أعمى وأصم القلب ، فيبقى في ظلمات الضلالات حائرا تائها . ثم قال تعالى ﴿ أفلا تذكرون﴾ منبها على أنه يمكنه علاج هذا العمى وهذا الصمم ، وإذا كان العلاج ممكنا من الضرر الحاصل بسبب حصول هذا العمى وهذا الصمم . وجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر الامكان . واعلم أنه قد جرت العادة بأنه تعالى إذا أورد على الكافر أنواع الدلائل أتبعها بالقصص ، ليصير ذكرها مؤكدا لتلك الدلائل على ما قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة ، وفي هذه السورة ذكر أنواعا من القصص . القصة الأولى قصة نوح عليه السلام قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا إلى قومه إنى لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف علیکم عذاب يوم أليم ﴾ اعلم أنه تعالى قد بدأ بذكر هذه القصة في سورة يونس وقد أعادها في هذه السورة أيضا لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم ، وفيه مسألتان : ٢١٩ قوله تعالى ((فقال الملأ الذين كفروا)) سورة هود فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا تَرَئِكَ إِلَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَدِلُنَا بَادِىَ الَأْيِ وَمَا نَزَ لَكُمْ عَلَيْنَ مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُّكُمْ كَئِذِينَ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (أني) بفتح الهمزة ، والمعنى : أرسلنا نوحا بأني لكم نذير مبين ، ومعناه أرسلناه ملتبسا بهذا الكلام وهو قوله ( أني لكم نذير مبين ) فلما اتصل به حرف الجر وهو الباء فتح كما فتح في كان ، وأما سائر القراء فقرؤا ( إني ) بالکسرعلى معنی قال (إني لكم نذير مبين ) ﴿ المسألة الثانية﴾ قال بعضهم : المراد من النذير كونه مهددا للعصاة بالعقاب ، ومن المبين كونه مبينا ما أعد الله للمطيعين من الثواب ، والأولى أن يكون المعنى أنه نذير للعصاة من العقاب وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك الانذار على الطريق الأكمل والبيان الأقوى الأظهر ، ثم بين تعالى أن ذلك الانذار إنما حصل في النهي عن عبادة غير الله . وفي الأمر بعبادة الله لأن قوله ( أن لا تعبدوا إلا الله ) استثناء من النفى وهو يوجب نفي غير المستثنى. واعلم أن تقدير الآية كأنه تعالى قال ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بهذا الكلام وهو قوله ( أني لكم نذير مبين ) . ثم قال ﴿ أن لا تعبدوا الا الله ﴾ فقوله ( أن لا تعبدوا الا الله ) بدل من قوله ( إني لكم نذير ) ثم انه أكد ذلك بقوله ( إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) والمعنى أنه لما حصل الألم العظيم في ذلك اليوم أسند ذلك الألم إلى اليوم ، كقولهم نهارك صائم . وليلك قائم . قوله تعالى ﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك الا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك الا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه الى عبادة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوته بثلاثة أنواع من الشبهات . فالشبهة الأولى ﴾ أنه بشرمثلهم، والتفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع انهاؤه الى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة لجميع العالمين . والشبهة الثانية ) كونه ما اتبعه إلا أراذل من القوم كالحياكة وأهل الصنائع الخسيسة ، قالوا ولو كنت صادقا لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم ، ونظيره قوله ٢٢٠ قوله تعالى : ((فقال الملأ الذين كفروا )) سورة هود تعالى في سورة الشعراء ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) ﴿ والشبهة الثالثة) قوله تعالى (وما نرى لكم علينا من فضل) والمعنى ، لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل فاذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال الظاهرة فكيف نعترف بفضلك علينا في أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، فهذا خلاصة الكلام في تقرير هذه الشبهات . واعلم أن الشبهة الأولى لا تليق إلا بالبراهمة الذين ينكرون نبوة البشر على الاطلاق ، أما الشبهتان الباقيتان فيمكن أن يتمسك بهما من أقر بنبوة سائر الأنبياء ، وفي لفظ الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الملأ الاشراف وفي اشتقاقه وجوه: الأول : أنه مأخوذ من قولهم ملىء بكذا إذا كان مطبقا له وقد ملؤا بالأمر ، والسبب في إطلاق هذا اللفظ عليهم أنهم ملؤا بترتيب المهمات وأحسنوا في تدبيرها . الثاني : أنهم وصفوا بذلك لأنهم يتمالؤون أي يتظاهرون عليه . الثالث : وصفوا بذلك لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة . الرابع : وصفوا به لأنهم ملؤا العقول الراجحة والآراء الصائبة . ثم حكى الله تعالى عنهم الشبهة الأولى ، وهي قولهم ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا﴾ وهو مثل ما حكى الله تعالى عن بعض العرب أنهم قالوا ( لولا أنزل عليه ملك ) وهذا جهل ، لأن من حق الرسول أن يباشر الأمة بالدليل والبرهان والتثبت والحجة ، لا بالصورة والخلقة ، بل نقول : إن الله تعالى لو بعث إلى البشرملكا لكانت الشبهة أقوى في الطعن عليه في رسالته لأنه يخطر بالبال أن هذه المعجزات التي ظهرت لعل هذا الملك هو الذي أتى بها من عند نفسه بسبب أن قوته أكمل وقدرته أقوى ، فلهذه الحكمة ما بعث الله إلى البشر رسولا إلا من البشر . ثم حكى الشبهة الثانية وهي قوله ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأي ﴾ والمراد منه قلة ما لهم وقلة جاههم ودناءة حرفهم وصناعتهم وهذا أيضًا جهل، لأن الرفعة في الدين لا تكون بالحسب والمال والمناصب العالية ، بل الفقر أهون على الدين من الغنى ، بل نقول : الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والاقبال على الآخرة . فكيف تجعل قلة المال في الدنيا طعنا في النبوة والرسالة . ثم حكى الله تعالى الشبهة الثالثة وهي قوله ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ وهذا ء