Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
قوله تعالى ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله )) سورة يونس
سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ لم قال في سورة البقرة (من مثله) وقال ههنا ( فأتوا بسورة مثله)
والجواب : أن محمدا عليه السلام كان رجلا أميا ، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع كتابا فقال
في سورة البقرة ( فأتوا بسورة من مثله ) يعني فليأت إنسان يساوي محمدا عليه السلام في عدم
التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم ، بسورة تساوي هذه السورة ، وحيث ظهر
العجز ظهر المعجز. فهذا لا يدل على أن السورة نفسها معجزة ،ولکنه یدل على أن ظهور مثل
هذه السورة من إنسان مثل محمد عليه السلام في عدم التلمذ والتعلم معجز، ثم إنه تعالى بين في
هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجز، فان الخلق وإن تلمذوا وتعلموا وطالعوا
وتفكروا، فانه لا يمكنهم الاتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال تعالى في
هذه الآية (فأتوا بسورة مثله) ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدى وإظهار المعجز .
﴿ السؤال الثاني) قوله ( فأتوا بسورة مثله) هل يتناول جميع السور الصغار والكبار ،
أو يختص بالسور الكبار .
الجواب : هذه الآية في سورة يونس وهي مكية ، فالمراد مثل هذه السورة ، لأنها أقرب
ما يمكن أن يشار إليه .
﴿ السؤال الثالث﴾ أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق ، قالوا : إنه
عليه السلام تحدى العرب بالقرآن ، والمراد من التحدي : أنه طلب منهم الاتيان بمثله ، فاذا
عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه ، وهذا إنما يمكن لو كان الاتيان بمثله صحيح
الوجود في الجملة ولو كان قديما لكان الاتيان بمثل القديم محالا في نفس الأمر ، فوجب أن لا
يصح التحدي .
والجواب : أن القرآن اسم يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله تعالى ،
وعلى هذه الحروف والأصوات ، ولا نزاع في أن الكلمات المركبة من هذه الحروف والأصوات
محدثة مخلوقة ، والتحدي إنما وقع بها لا بالصفة القديمة .
أما قوله ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ﴾ فالمراد منه : تعليم أنه
كيف يمكن الاتيان بهذه المعارضة لو كانوا قادرين عليها ، وتقريره أن الجماعة اذا تعاونت
وتعاضدت صارت تلك العقول الكثيرة كالعقل الواحد ، فاذا توجهوا نحو شيء واحد ، قدر

١٠٢
قوله تعالى ( وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين )) سورة يونس
مجموعهم على ما يعجز كل واحد منهم ، فكأنه تعالى يقول : هب أن عقل الواحد والأثنين
منكم لا يفي باستخراج معارضة القرآن فاجتمعوا وليعن بعضكم بعضا في هذه المعارضة ، فاذا
عرفتم عجزكم حالة الاجتماع وحالة الانفراد عن هذه المعارضة ، فحينئذ يظهر أن تعذر هذه
المعارضة انما كان لأن قدرة البشرغير وافية بها ، فحينئذ يظهر أن ذلك فعل الله لا فعل البشر.
واعلم أنه قد ظهر بهذا الذي قررناه أن مراتب تحدي رسول الله وهيهر بالقرآن ستة،
فأولها : أنه تحداهم بكل القرآن كما قال ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا
القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) وثانيها : أنه عليه السلام تحداهم بعشر
سور قال تعالى ( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) وثالثها : أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال
( فأتوا بسورة من مثله ) ورابعها : أنه تحداهم بحديث مثله فقال ( فليأتوا بحديث مثله )
وخامسها : أن في تلك المراتب الأربعة ، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي
رسول الله له في عدم التلمذ والتعلم ، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من
أي انسان سواء تعلم العلوم أو لم يتعلمها . وسادسها : أن في المراتب المتقدمة تحدى كل
واحد من الخلق ، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم ، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الاتيان
بهذه المعارضة ، كما قال (وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) وههنا آخر
المراتب ، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز ، ثم إنه تعالى
ذكر السبب الذي لأجله كذبوا القرآن فقال ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله )
واعلم أن هذا الكلام يحتمل وجوها :
الوجه الأول ﴾ أنهم كلما سمعوا شيئاً من القصص ، قالوا : ليس في هذا الكتاب
إلا أساطير الأولين . ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة
لها : فأولها : بيان قدرة الله تعالى على التصرف في هذا العالم ، ونقل أهله من العز إلى الذل
ومن الذل إلى العز وذلك يدل على قدرة كاملة . وثانيها : أنه تدل على العبرة من حيث أن
الإنسان يعرف بها أن الدنيا لا تبقى ، فنهاية كل متحرك سكون ، وغاية كل متكون أن لا
يكون ، فيرفع قلبه عن حب الدنيا وتقوى رغبته في طلب الآخرة ، كما قال ( لقد كان في
قصصهم عبرة لأولى الألباب ) وثالثها: أنه يَ لّ لما ذكر قصص الأولين من غير تحريف ولا تغيير
مع أنه لم يتعلم ولم يتلمذ ، دل ذلك على أنه بوحي من الله تعالى ، كما قال في سورة الشعراء
بعد أن ذكر القصص ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من
المنذرين )
والوجه الثاني ﴾ أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها

١٠٣
قوله تعالى (( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين )) سورة يونس
شيئاً ساء ظنهم بالقرآن . وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه
آيات محكمات )
والوجه الثالث﴾ أنهم رأوا أن القرآن يظهر شيئاً فشيئاً ، فصار ذلك سبباً للطعن
الردىء فقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( كذلك لنثبت به
فؤادك ) وقد شرحنا هذا الجواب فى سورة الفرقان .
﴿ والوجه الرابع ﴾ أن القرآن مملوء من اثبات الحشر والنشر. والقوم كانوا قد ألفوا
المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت ، ولم يتقرر ذلك في قلوبهم ، فظنوا أن محمدا
عليه السلام إنما يذكر ذلك على سبيل الكذب ، والله تعالى بين صحة القول بالمعاد بالدلائل
القاهرة الكثيرة .
الوجه الخامس ﴾ أن القرآن مملوء من الأمر بالصلاة والزكاة وسائر العبادات ، والقوم
كانوا يقولون إله العالمين غنيّ عنا وعن طاعتنا ، وأنه تعالى أجلّ من أن يأمر بشيء لا فائدة
فيه ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) وبقوله ( إن أحسنتم أحسنتم
لأنفسكم وإن أسأتم فلها) وبالجملة فشبهات الكفار كثيرة ، فهم لما رأوا القرآن مشتملا على
أمور ما عرفوا حقيقتها ولم يطلعوا على وجه الحكمة فيها لا جرم كذبوا بالقرآن ، والحاصل أن
القوم ما كانوا يعرفون أسرار الالهيات ، وكانوا يجرون الأمور على الأحوال المألوفة في عالم
المحسوسات . وما كانوا يطلبون حكمها ولا وجوه تأويلاتها ، فلا جرم وقعوا في التكذيب
والجهل ، فقوله ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) إشارة الى عدم علمهم بهذه الأشياء ، وقوله
( ولما يأتهم تأويله ) إشارة الى عدم جهدهم واجتهادهم في طلب تلك الأسرار .
ثم قال ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وتركوا الآخرة ،
فلما ماتوا فاتتهم الدنيا والآخرة، فبقوا في الخسار العظيم ، ومن الناس من قال المراد منه
عذاب الاستئصال وهو الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الرسل من ضروب العذاب في الدنيا ،
قال أهل التحقيق قوله ( ولما يأتهم تأويله) يدل على أن من كان غير عارف بالتأويلات وقع في
الكفر والبدعة ، لأن ظواهر النصور قد يوجد فيها ما تكون متعارضة ، فاذا لم يعرف الانسان
وجه التأويل فيها وقع في قلبه أن هذا الكتاب ليس بحق ، أما إذا عرف وجه التأويل طبق
التنزيل على التأويل .. فيصير ذلك نوراً على نور يهدي الله لنوره من يشاء .

١٠٤
قوله تعالى « ومنهم من يؤمن به » سورة یونس
وَمِنْهُم مَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن لَّايُؤْمِنُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
٤٠
وَإِن كَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلٍ وَكُمْ عَمُكُمْ أَنْتُ بَ يِّعُونَ مَِّ أَعْمَلُ وَأَنَاْبَرِىُّ فِمَّا
تَعْمَلُونَ
٤١
قوله تعالى ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين وإن
كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) وكان المراد
منه تسليط العذاب عليهم في الدينا ، أتبعه بقوله ( ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به )
منبهاً على أن الصلاح عنده تعالى كان في هذه الطائفة التبقية دون الاستئصال ، من حیث کان
المعلوم أن منهم من يؤمن به ، والأقرب أن يكون الضمير في قوله ( به) رجعاً إلى القرآن ، لأنه
هو المذكور من قبل ، ثم يعلم أنه متى حصل الايمان بالقرآن ، فقد حصل معه الإيمان بالرسول
عليه الصلاة والسلام أيضاً . واختلفوا في قوله ( ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ) لأن
كلمة يؤمن فعل مستقبل وهو يصلح للحال والاستقبال ، فمنهم من حمله على الحال ، وقال :
المراد إن منهم من يؤمن بالقرآن باطناً ، لكنه يتعمد الجحد وإظهار التكذيب ، ومنهم من باطنه
كظاهره في التكذيب، ويدخل فيه أصحاب الشبهات، وأصحاب التقليد، ومنهم من قال:
المراد هو المستقبل، يعني أن منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الفكر ويبدله بالايمان
ومنهم من بصر ويستمر على الكفر .
ثم قال ﴿ وان كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم ﴾ قيل فقل لي عملي الطاعة
والايمان ، ولكم عملكم الشرك ، وقيل : لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم .
ثم قال ﴿أنتم بريئون مما أعمل وأنا برىء مما تعملون﴾ قيل معنى الآية الزجر والردع ،
وقيل بل معناه استمالة قلوبهم . قال مقاتل والكلى : هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد ،
لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد
بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب ، وذلك لا يقتضي حرمة القتال ، فآية القتال ما
رفعت شيئا من مدلولات هذه الآية فكان القول بالنسخ باطلا .

١٠٥
قوله تعالى ( ومنهم من يستمعون إلیك )) سورة يونس
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكٌ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ العُمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ
وَمِنْهُمْ مَّنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوْ لَأَ يُبْصِرُونَ (#) إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ
شَبْعًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلُونَ
٤٤
قوله تعالى ﴿ومنهم من يستمعون اليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم
من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون، إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن
الناس أنفسهم يظلمون ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى في الآية الأولى، قسم الكفار إلى قسمين . منهم من
يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ، وفي هذه الآية . قسم من لا يؤمن به قسمين : منهم من يكون
في غاية البغض له والعداوة له ونهاية النفرة عن قبول دينه ، ومنهم من لا يكون كذلك ،
فوصف القسم الأول في هذه الآية فقال : ومنهم من يستمع كلامك مع أنه يكون كالأصم من
حيث أنه لا ينتفع البتة بذلك الكلام فان الانسان إذا قوى بغضه لانسان آخر ، وعظمت نفرته
عنه ، صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن جميع جهات محاسن كلامه ،
فالصمم في الأذن ، معنى ينافي حصول ادراك الصوت فكذلك حصول هذا البغض الشديد
كالمنافي للوقوف على محاسن ذلك الكلام. والعمى في العين معنى ينافي حصول إدراك
الصورة ، فكذلك البغض ينافي وقوف الانسان على محاسن من يعاديه والوقوف على ما آتاه الله
تعالى من الفضائل ، فبين تعالى أن في أولئك الكفار من بلغت حالته في البغض والعداوة إلى
هذا الحد ، ثم كما أنه لا يمكن جعل الأصم سميعا ولا جعل الأعمى بصيراً ، فكذلك لا يمكن
جعل العدو البالغ في العدوة إلى هذه الحد صديقاً تابعاً للرسول وم اله والمقصود من هذا الكلام
تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام بأن هذه الطائفة ، قد بلغوا في مرض العقل إلى حيث لا
يقبلون العلاج . والطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج أعرض عنه ، ولم يتوحش من عدم
قبوله لعلاج ، فكذلك وجب عليك أن لا تستوحش من حال هؤلاء الكفار
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج ابن قتيبة بهذه الآية، على أن السمع أفضل من البصر.

١٠٦
قوله تعالى «ومنهم من يستمعون إلیك» سورة يونس
فقال : إن الله تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل ، ولم يقرن بذهاب النظر الا ذهاب
البصر، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. وزيف ابن الانباري هذا الدليل . فقال :
إن الذي نفاه الله مع السمع بمنزلة الذي نفاه الله مع البصر لأنه تعالى أراد إبصار القلوب ، ولم
يرد إبصار العيون . والذي يبصره القلب هو الذي يعقله . واحتج ابن قتيبة على هذا المطلوب
بحجة أخرى من القرآن ، فقال: كلما ذكر الله السمع والبصر، فانه في الأغلب يقدم السمع
على البصر، وذلك يدل على أن السمع أفضل من البصر ومن الناس من ذكر في هذا الباب
دلائل أخرى : فأحدها : أن العمى قد وقع في حق الأنبياء عليهم السلام . أما الصمم فغير
جائز عليهم لأنه يخلّ بأداء الرسالة ، من حيث أنه إذا لم يسمع كلام السائلين تعذر عليه
الجواب . فيعجز عن تبليغ شرائع الله تعالى .
الحجة الثانية ) أن القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجوانب ، والقوة الباصرة
لا تدرك المرئي إلا من جهة واحدة وهي المقابل ..
﴿ الحجة الثالثة) أن الانسان إنما يستفيد العلم بالتعليم من الأستاذ، وذلك لا يمكن
إلا بقوة السمع ، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا بقوة السمع ، ولا يتوقف
على قوة البصر، فكان السمع أفضل من البصر.
الحجة الرابعة ) انه تعالى قال ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع
وهو شهيد ) والمراد من القلب ههنا العقل ، فجعل السمع قرينا للعقل . ويتأكد هذا بقوله
تعالى (وقالوا لوكنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) فجعلوا السمع سبباً للخلاص
من عذاب السعير .
﴿ الحجة الخامسة ) أن المعنى الذي يمتاز به الانسان من سائر الحيوانات هو النطق
والكلام . وانما ينتفع بذلك بالقوة السامعة ، فمتعلق السمع النطق الذي به حصل شرف
الانسان ، ومتعلق البصر ادراك الألوان والاشكال ، وذلك أمر مشترك فيه بين الناس وبين
سائر الحيوانات ، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر.
﴿ الحجة السادسة) أن الأنبياء عليهم السلام يراهم الناس ويسمعون كلامهم ،
فنبوتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية ، وإنما حصلت بسبب ما معهم من
الأصوات المسموعة . وهو الكلام وتبليغ الشرائع وبيان الأحكام ، فوجب أن يكون المسموع

١٠٧
قوله تعالى ( ومنهم من يستمعون إليك )) سورة يونس
أفضل من المرئى ، فلزم أن يكون السمع أفضل من البصر، فهذا جملة ما تمسك به القائلون
بأن السمع أفضل من البصر، ومن الناس من قال : البصر أفضل من السمع ، ويدل عليه
وجوه .
﴿ الحجة الأولى ﴾ أنهم قالوا في المثل المشهور ليس وراء العيان بيان، وذلك يدل على
أن أكمل وجوه الادراكات هو الأبصار .
﴿ الحجة الثانية) ان آلة القوة الباصرة هو النور وآلة القوة السامعة هي الهواء والنور
أشرف من الهواء . فالقوة الباصرة أشرف من القوة السامعة .
الحجة الثالثة ) ان عجائب حكمة الله تعالى في تخليق العين التي هي محل الإبصار
أكثر من عجائب خلقته في الأذن التي هي محل السماع ، فانه تعالى جعل تمام روح واحد من
الأرواح السبعة الدماغية من العصب آلة للابصار ، وركب العين من سبع طبقات وثلاث
رطوبات . وخلق لتحريكات العين عضلات كثيرة على صور مختلفة ، والأذن ليس كذلك .
وكثرة العناية في تخليق الشيء تدل على كونه أفضل من غيره .
الحجة الرابعة ) أن البصريرى ما حصل فوق سبع سموات . والسمع لا يدرك ما
بعد منه على فرسخ ، فكان البصر أقوى وأفضل . وبهذا البيان يدفع قولهم إن السمع يدرك من
كل الجوانب والبصر لا يدرك إلا من الجانب الواحد .
و الحجة الخامسة) أن كثيراً من الأنبياء سمع كلام الله في الدنيا، واختلفوا في أنه هل
رآه أحد في الدنيا أم لا ؟ وأيضاً فان موسى عليه السلام سمع كلامه من غير سابق سؤال
والتماس ولما سأل الرؤية قال (لن تراني ) وذلك يدل على أن حال الرؤية أعلى من حال
السماع .
﴿ الحجة السادسة) قال ابن الانباري: كيف يكون السمع أفضل من البصر وبالبصر
يحصل جمال الوجه ، وبذهابه عيبه ، وذهاب السمع لا يورث الانسان عيباً ، والعرب تسمى
العينين الكريمتين ولا تصف السمع بمثل هذا؟ ومنه الحديث القدسي عن الله تعالى (من أذهبت
كريمته فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنّة )
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية، على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى،
قالوا : الآية دالة على أن قلوب أولئك الكفار بالنسبة إلى الايمان كالاصم بالنسبة إلى استماع

....
١٠٨
قوله تعالى (( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة )) سورة يونس
وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ كَأَن ◌َّْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ
كَذَّبُواْبِلِقَاءِ الهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (®) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَ الَهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ
٤٦
الكلام ، وكالأعمى بالنسبة الى إبصار الاشياء ، وكما أن هذا ممتنع فكذلك ما نحن فيه .
قالوا : والذي يقوى ذلك أن حصول العداوة القوية الشديدة ، وكذلك حصول المحبة
الشديدة في القلب ليس باختيار الانسان، لأن عند حصول هذه العداوة الشديدة يجد وجدانا
ضروريا أن القلب يصير كالأصم والأعمى في استماع كلام العدو وفي مطالعة أفعاله الحسنة ،
وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل المطلوب ، وأيضاً لما حكم الله تعالى عليها حكما جازما بعدم
الايمان ، فحينئذ يلزم من حصول الايمان انقلاب عمله جهلا ، وخبره الصدق كذبا . وذلك
محال . واما المعتزلة : فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى ( إن الله لا يظلم الناس شيئاً
ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) وجه الاستدلال به ، أنه يدل على أنه تعالى ما ألجأ أحداً الى
هذه القبائح والمنكرات ، ولكنهم باختيار أنفسهم يقدمون عليها ويباشرونها .
أجاب الواحدي عنه فقال : إنه تعالى إنما نفى الظلم عن نفسه ، لأنه يتصرف في ملك
نفسه ، ومن كان كذلك لم يكن ظالما ، وإنما قال ( ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) لأن الفعل
منسوب إليهم بسبب الكسب .
قوله تعالى ﴿ ویوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر
الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا
مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾
اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الكفار بقلة الاصغاء وترك التدبر أتبعه بالوعيد فقال
( ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ حفص عن عاصم (يحشرهم ) بالياء والباقون بالنون .
﴿ المسألة الثانية ) قوله (كأن لم يلبثوا) في موضع الحال ، أي مشابهين من لم يلبث إلا
ساعة من النهار . وقوله ( يتعارفون ) يجوز أن يكون متعلقا بيوم نحشرهم ، ويجوز أن يكون
حالا بعد حال .

١٠٩
قوله تعالى ((ویوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة)) سورة يونس
﴿ المسألة الثالثة﴾ (كأن ) هذه هي المخففة من الثقيلة. التقدير: كأنهم لم يلبثوا،
فخففت كقوله : وكان قد .
المسألة الرابعة) قيل: كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار وقيل في قبورهم، والقرآن
وارد بهذين الوجهين . قال تعالى ( كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم )
قال القاضي : والوجه الأول أولى لوجهين : أحدهما : أن حال المؤمنين كحال الكافرين في
أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقت الحشر، فيجب أن يحمل ذلك على أمر يختص
بالكفار، وهو أنهم لما لم ينتفعوا بعمرهم استقلوه، والمؤمن لما انتفع بعمره فانه لا يستقله.
الثاني: أنه قال (يتعارفون بينهم) لأن التعارف إنما يضاف الى حال الحياة لا إلى حال الممات .
﴿ المسألة الخامسة) ذكروا في سبب هذا الاستقلال وجوها: الأول : قال أبو
مسلم : لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا بعمرهم البتة ،
فكان وجود ذلك العمر كالعدم، فلهذا السبب استقلوه ونظيره قوله تعالى (وما هو بمزحزحه من
العذاب أن يعمّر ) الثاني: قال الأصم: قلّ ذلك عندهم لما شاهدوا من أهوال الآخرة ،
والانسان اذا عظم خوفه نسى الأمور الظاهرة. الثالث: أنّه قل عندهم مقامهم في الدنيا في
جنب مقامهم في الآخرة وفي العذاب المؤبد. الرابع: أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا لطول
وقوفهم في الحشر. الخامس: المراد أنهم عند خروجهم من القبور يتعارفون كما كانوا يتعارفون
في الدنيا، وكأنهم لم يتعارفوا بسبب الموت إلا مدة قليلة لا تؤثر في ذلك التعارف. وأقول:
تحقيق الكلام في هذا الباب، أن عذاب الكافر مضرّة خالصة دائمة مقرونة بالاهانة والاذلال ،
والاحسان بالمضرة أقوى من الاحساس باللذة بدليل أن أقوى اللذات، هي لذات الوقاع
والشعور بألم القولنج وغيره، والعياذ بالله تعالى أقوى من الشعور بلذة الوقاع. وأيضاً لذات
الدنيا مع حساستها ما كانت خالصة بل كانت مخلوطة بالهمومات الكثيرة ، وكانت تلك اللذات
مغلوبة بالمؤلمات والآفات، وأيضاً إن لذات ما حصلت إلا بعض أوقات الحياة الدنيوية، وآلام
الآخرة أبدية سرمدية لا تنقطع البتة. ونسبة عمر جميع الدنيا إلى الآخرة الأبدية أقل من الجزء
الذي لا يتجزأ بالنسبة إلى ألف ألف عالم، مثل العالم الموجود .
إذا عرفت هذا فنقول : أنه متى قوبلت الخيرات الحاصلة بسبب الحياة العاجلة بالآفات
الحاصلة للكافر . وجدت أقل من اللذة بالنسبة إلى جميع العالم ، فقوله ( كأن لم يلبثوا إلا
ساعة من النهار ) إشارة إلى ما ذكرناه من قلتها وحقارتها في جنب ما حصل من العذاب
الشديد .
أما قوله ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ ففيه وجوه: الأول: يعرف بعضهم بعضاً كما كانوا
يعرفون في الدنيا . الثاني : يعرف بعضهم بعضاً بما كانوا عليه من الخطأ والكفر ، ثم تنقطع

١١٠
قوله تعالى (( يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله )) سورة يونس
المعرفة إذا عاينوا العذاب وتبرأ بعضهم من بعض .
فان قيل : كيف توافق هذه الآية قوله ( ولا يسئل حميم حميما ) والجواب عنه من وجهين :
﴿الوجه الأول ﴾ أن المراد من هذه الآية أنهم يتعارفون بينهم يوبخ بعضهم بعضاً،
فيقول : كل فريق للآخر أنت أضللتني يوم كذا وزينت لي الفعل الفلاني من القبائح ، فهذا
تعارف تقبيح وتعنيف وتباعد وتقاطع ، لا تعارف عطف وشفقة . وأما قوله تعالى ( ولا يسأل
حميم حميا) فالمراد سؤال الرحمة والعطف .
والوجه الثاني ﴾ في الجواب حمل هاتين الآيتين على حالتين، وهو أنهم يتعارفون إذا
بعثوا ثم تنقطع المعرفة ، فلذلك لا يسأل حميم حميما .
أما قوله تعالى ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ ففيه وجهان : الأول : أن يكون
التقدير : ويوم يحشرهم حال كونهم متعارفين ، وحال كونهم قائلين . (قد خسر الذين كذبوا
بلقاء الله .) الثاني : أن يكون ( قد خسر الذين كذبوا ) كلام الله ، فيكون هذا شهادة من الله
عليهم بالخسران ، والمعنى : أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر، لأنه أعطى الكثير الشريف
الباقي ، وأخذ القليل الخسيس الفاني .
وأما قوله ﴿وما كانوا مهتدين﴾ فالمراد أنهم ما اهتدوا إلى رعاية مصالح هذه التجارة،
وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة ، فصاروا كمن رأى زجاجة حسنة فظنها
جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه ، فاذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع
في حرقة الروع ، وعذاب القلب . وأما قوله ( وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفيك
فالينا مرجعهم ) فاعلم أن قوله ( فالينا مرجعهم ) جواب ( نتوفينك ) وجواب ( نرينك )
محذوف ، والتقدير : وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك أو نتوفینك قبل أن نرينك
ذلك الموعد ، فانك ستراه في الآخرة .
واعلم أن هذا يدل على أنه تعالى يري رسوله أنواعاً من ذل الكافرين وخزيهم في
الدنيا ، وسيزيد عليه بعد وفاته، ولا شك أنه حصل الكثير منه في زمان حياة رسول الله صلاته ،
وحصل الكثير أيضاً بعد وفاته ، والذي سيحصل يوم القيامة أكثر ، وهو تنبيه على أن عاقبة
المحقين محمودة ، وعاقبة المذنبين مذمومة .

١١١
قوله تعالى (( ولكل آمة رسول فاذا جاء رسولهم )) سورة يونس
(وَلَكُلِّ أَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلُونَ
٤٧
قوله تعالى ﴿ولكل أمة رسول فاذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون﴾
اعلم انه تعالى لما بين حال محمد ◌ّ مع قومه، بين ان حال كل الأنبياء مع أقوامهم
كذلك. وفي الآية مسائل:
.----
﴿المسألة الأولى﴾ هذه الآية تدل على ان كل جماعة ممن تقدم قد بعث الله اليهم
رسولا. والله تعالى ما أهمل أمة من الأمم قط. ويتأكد هذا بقوله تعالى (وإن من أمة إلا خلا
فيها نذير )
فان قيل : كيف يصح هذا مع ما يعلمه من أحوال الفترة ومع قوله سبحانه ( لتنذر قوما
ما أنذر آباؤهم )
قلنا : الدليل الذي ذكرناه لا يوجب أن يكون الرسول حاضراً مع القوم ، لأن تقدُّم
الرسول لا يمنع من كونه رسولا إليهم ، كما لا يمنع تقدم رسولنا من كونه مبعوثا الينا إلى آخر
الأبد. وتحمل الفترة على ضعف دعوة الأنبياء ووقوع موجبات التخليط فيها .
﴿المسألة الثانية﴾ في الكلام اضمار، والتقدير: فاذا جاء رسولهم وبلّغ فكذبه قوم وصدقه
آخرون قضى بينهم، أي حكم وفصل .
﴿ المسألة الثالثة﴾ المراد من الآية أحد أمرين: إما بيان أن الرسول إذا بعث إلى كل
أمة فانه بالتبليغ وإقامة الحجة يزيح كل علة فلا يبقى لهم عذر في مخالفته أو تكذيبه ، فيدل
ذلك على أن ما يجري عليهم من العذاب في الآخرة يكون عدلا ولا يكون ظلما ، لأنهم من قِبَل
أنفسهم وقعوا في ذلك العقاب ، أو يكون المراد أن القوم إذا اجتمعوا في الآخرة جمع الله بينهم
وبين رسولهم في وقت المحاسبة ، وبان الفصل بين المطيع والعاصي ليشهد عليهم بما
شاهد منهم ، وليقع منهم الاعتراف بأنه بلغ رسالات ربه فيكون ذلك من جملة ما يؤكد الله به
الزجر في الدنيا كالمساءلة ، وانطاق الجوارح ، والشهادة عليهم بأعمالهم والموازين وغيرها،
وتمام التقرير على هذا الوجه الثاني أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الله شهيد عليهم ، فكأنه
تعالى يقول: أنا شهيد عليهم وعلى أعمالهم يوم القيامة، ومع ذلك فإني أحُضر في موقف القيامة
مع كل قوم رسولهم ، حتى يشهد عليهم بتلك الأعمال . والمراد منه المبالغة في إظهار العدل.
١

١١٢
قوله تعالى (( ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين )) سورة يونس
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَّا وَلَا
تَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ لِكُلِ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَفْخُرُونَ سَاءَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ
٤٩
1
1
واعلم أن دليل القول الأول هو قوله تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وقوله
( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) وقوله ( ولو أنا
أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ) ودليل القول الثاني قوله تعالى
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) إلى قوله ( ويكون الرسول عليكم شهيدا) وقوله (وقال
الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) وقوله تعالى ( قضى بينهم بالقسط وهم لا
يظلمون ) بالتكرير لأجل التأكيد والمبالغة في نفي الظلم .
قوله تعالى ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا املك لنفسي ضرا ولا
نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخر ون ساعة ولا يستقدمون ﴾
اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة من شبهات منكرى النبوة فانه عليه السلام كلما هددهم
بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب ، قالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ،
واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نبوته عليه السلام ، وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أن قوله تعالى (ويقولون متى هذا الوعد) كالدليل على أن المراد مما
تقدم من قوله ( قضى بينهم بالقسط ) القضاء بذلك في الدنيا ، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا
الوعد عند حضورهم في الدار الآخرة ، لأن الحال في الآخرة حال يقين ومعرفة لحصول كل
وعد ووعيد وإلا ظهر أنهم انما قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسول عليه السلام فيما أخبرهم
من نزول العذاب للأعداء والنصرة للأولياء . أو على وجه الاستبعاد لكونه محقا في ذلك
الاخبار ، ويدل هذا القول على أن كل أمة قالت لرسولها مثل ذلك القول بدليل قوله ( ان كنتم
صادقين ) وذلك لفظ جمع وهو موافق لقوله ( ولكل أمة رسول ) ثم أنه تعالى أمره بأن يجب عن
هذه الشبهة بجواب يحسم المادة وهو قوله ( قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعا إلا ما شاء الله )
والمراد أن إنزال العذاب على الاعداء وإظهار النصرة للأولياء لا يقدر عليه أحد إلا الله
سبحانه ، وأنه تعالى ما عين لذلك الوعد والوعيد وقتا معينا حتى يقال : لما لم يحصل ذلك

١١٣
قوله تعالى «ویقولون متی هذا الوعد ان كنتم صادقين» سورة يونس
الموعود في ذلك الوقت ، دل على حصول الخلف فكان تعيين الوقت مفوضا إلى الله سبحانه ،
إما بحسب مشيئته والهيته عند من لا يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، وإما بحسب
المصلحة المقدرة عند من يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته
الله تعالى لحدوث ذلك الحادث ، فانه لابد وأن يحدث فيه ، ويمتنع عليه التقدم والتأخر .
﴿ المسألة الثانية ) المعتزلة احتجوا بقوله ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء
الله ) فقالوا : هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا الطاعة
والمعصية ، فهذا الاستثناء يدل على كون العبد مستقلا بهما .
والجواب : قال أصحابنا : هذا الاستثناء منقطع ، والتقدير : ولكن ما شاء الله من
ذلك كائن .
المسألة الثالثة ﴾ قرأ ابن سيرين ( فاذا جاء أجلهم )
المسألة الرابعة ) قوله (إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) يدل
على أن أحدالا يموت إلا بانقضاء أجله ، وكذلك المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه ، وهذه
مسألة طويلة وقد ذكرناها في هذا الكتاب في مواضع كثيرة .
﴿المسألة الخامسة﴾ أنه تعالى قال ههنا ( اذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا
يستقدمون ) فقوله ( اذا جاء أجلهم ) شرط وقوله ( فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) جزاء
والفاء حرف الجزاء ، فوجب إدخاله على الجزاء كما في هذه الآية ، وهذه الآية تدل على أن
الجزاء يحصل مع حصول الشرط لا متأخرا عنه وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي وإنما يدل
على كونه جزاء .
إذ ثبت هذا فنقول : إذا قال الرجل لامرأة أجنبية إن نكحتك فانت طالق . قال
الشافعي رضى الله عنه : لا يصح هذا التعليق ، وقال أبو حنيفة رضى الله عنه: يصح ،
والدليل على أنه لا يصح أن هذه الآية دلت على أن الجزاء إنما يحصل حال حصول الشرط ، فلو
صح هذا التعليق لوجب أن يحصل الطلاق مقارنا للنكاح ، لما ثبت أن الجزاء يجب حصوله مع
حصول الشرط ، وذلك يوجب الجمع بين الضدين ، ولما كان هذا اللازم باطلا وجب أن لا
يصح هذا التعليق .
الفخر الرازي ج١٧ م٨

١١٤
قوله تعالى (( قل أرأيتم ان أتاكم عذابه بياتا أو نهاراً)) سورة يونس
قُلْ أَرَيْتُمْ إِنْ أَتَتُكُمْ عَذَابُ بَيًَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعِْلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (
٥٠
أَثُمَ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُمْ بِهِةٍ ◌َ الْعَلْنَ وَقَدْ كُنتُمْ بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ (٨) ثُمَّقِلَ لِلَّذِينَ
ظَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسُونَ
٥٢
قوله تعالى ﴿ قل أرأيتم ان أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا
ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل
تجزون الا بما كنتم تکسبون﴾
اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول
العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه ؟ فان قلتم نؤمن
عنده ، فذلك باطل ، لأن الايمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الالجاء والقسر، وذلك
لا يفيد نفعاً االبتة، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا ،
ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه ، وهو أنه يقال : للذين ظلموا ذوقوا عذاب
الخلد ، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الاهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول ( هل
تجزون إلا بما كنتم تكسبون ) فحاصل هذا الجواب : أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر
العاري عن جهات النفع . والعاقل لا يفعل ذلك .
المسألة الثانية ) قوله ( بياتا) أي ليلا يقال بت ليلتي أفعل كذا ، والسبب فيه أن
الانسان في الليل يكون ظاهراً في البيت ، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل
التبييت كالوداع والسراح ، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا ، لأن الانسان في النهار يكون
ظاهر في الظل ، وانتصب بياتا على الظرف أي وقت بيات وكلمة ( ماذا ) فيها وجهان :
أحدهما : أن يكون ماذا اسما واحداً ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله ، ويجوز
أن يكون ذا بمعنى الذي ، فيكون ماذا كلمتين ومحل ما الرفع على الابتداء وخبره ذا وهو بمعنى

.
١١٥
قوله تعالى ( ثم قیل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد )) سورة يونس
الذي ، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه ، أي شيء الذي يستعجل من
العذاب المجرمون .
واعلم ان قوله ( إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ) شرط .
وجوابه : قوله ماذا يستعجل منه المجرمون ، وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني ،
يعني : إن حصل هذا المطلوب ، فأي مقصود تستعجلونه منه .
وأما قوله ﴿ أثم إذا ما وقع آمنتم به ﴾ فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله
على الواو والفاء في قوله ( أو أمن أهل القرى - أفأمن) وهو يفيد التقريع والتوبيخ ، ثم أخبر
تعالى أن ذلك الايمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون، يقال: آلآن تؤمنون وترجون
الانتفاع بالايمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء،
وقرىء (آلان) بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام .
وأما قوله ﴿ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد﴾ فهو عطف على الفعل المضمر
قبل (الآن) والتقدير: قيل: الآن وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب
الخلد
وأما قوله تعالى ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ ففيه ثلاث مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه تعالى أينما ذكر العقاب والعذاب ذكر هذه العلة. كأن سائلا
يسأل ويقول : يا رب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا التشديد والوعيد ،
فكأنه تعالى يقول ((أنا ما عاملته بهذه المعاملة ابتداء بل هذا وصل اليه جزاء على عمله الباطل))
وذلك يدل على أن جانب الرحمة راجح غالب، وجانب العذاب مرجوح مغلوب .
﴿ المسألة الثانية) ظاهر الآية يدل على أن الجزاء يوجب العمل، أما عند الفلاسفة فهو
أثر العمل ، لأن العمل الصالح يوجب تنوير القلب ، وإشراقه إيجاب العلة معلولها وأما عند
المعتزلة فلأن العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب على الله تعالى . وأما عند السنة ، فلأن
ذلك الجزاء واجب بحكم الوعد المحض .
المسألة الثالثة ) الآية تدل على كون العبد مكتسبا خلافا للجبرية ، وعندنا أن كونه
مكتسبا معناه أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة يوجب الفعل والمسألة الطويلة معروفة
بدلائلها .

١١٦
قوله تعالى ( و یستنبئونك أحق هو)) سورة يونس
وَيَسْتَنْعُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَقُّ وَمَ أَنتُمْ يُعْجِينَ
٤٠٠٠=
ولوان
٥٣
لِكُلِّ نَفْس ◌َلَتْ مَافِ الْأَرْضِ لَآَ فْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُّ وا ◌ْلَنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأَ
الْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
قوله تعالى ﴿ويستبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين ولو أن لكل
نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط
وهم لا يظلمون
اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين )
وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة
وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا : أحق هو واعلم أن هذا السؤال جهل محض من
وجوه ؛ أولها : انه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الاعادة فائدة . وثانيها : أنه
تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولا من عند الله ، وهو بيان كون القرآن معجزا ،
وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه ، فهذه المعاني توجب الإعراض
عنهم ، وترك الالتفات إلى سؤالهم ، واختلفوا في الضمير في قوله ( أحق هو ) قيل : أحق ما
جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع . وقيل : ما تعدنا من البعث والقيامة . وقيل : ما تعدنا من
نزول العذاب علينا فى الدنيا .
ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله ﴿ قل إى وربي إنه لحق ﴾ والفائدة فيه أمور:
أحدها : أن يستميلهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء ؛
وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد . وثانيها : أن الناس طبقات فمنهم
من لا يقر بالشيء الا بالبرهان الحقيقي ، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي ، بل ينتفع
بالأشياء الاقناعية ، نحو القسم فان الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام ، وسأل عن نبوته
اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم ، فكذا ههنا .
ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ ولا بد فيه من تقدير محذوف،
فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على

١١٧
قوله تعالى (( قل إى وربي انه لحق وما أنتم بمعجزين ))سورة يونس
أن أحداً لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من
الكلمات ، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله
تعالى ، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى ، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة
أشياء : أولها : قوله ( ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ) إلا أن ذلك متعذّر
لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئاً كما قال تعالى (وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ) وبتقدير : أن
يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى ( ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) وقال
في صفة هذا اليوم ( لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) وثانيها : قوله ( وأسروا الندامة لما رأوا
العذاب )
واعلم أن قوله ( وأسروا الندامة ) جاء على لفظ الماضي ، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا
أنها لما كانت واجبة الوقوع، جعل الله مستقبلها كالماضي، واعلم أن الاسرار هو الاخفاء والاظهار
وهو من الأضداد، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الاخفاء فظاهر. وأما ورودها بمعنى
الاظهار فهو من قولهم: سر الشيء وأسره إذا أظهره .
إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد منه إخفاء تلك الندامة ، والسبب في
هذا الاخفاء وجوه : الأول : أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين ، فلم
يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فانه يبقى مبهوتا
متحيراً لا ينطق بكلمة . الثاني : أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم ،
وخوفاً من توبيخهم .
فان قيل : إن مهابة ذلك الموقف تمنع الانسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه .
قلنا : إن هذا الكتمان انما يحصل قبل الاحتراق بالنار ، فاذا احترقوا تركوا هذا الاخفاء
واظهروه بدليل قوله تعالى ( قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ) الثالث : أنهم أسروا تلك الندامة
لأنهم اخلصوا لله في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسره ، وفيه تهكم بهم وباخلاصهم
يعني أنهم لما أتوا بهذا الاخلاص في غير وقته لم ينفعهم ، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا
به في دار الدنيا وقت التكليف ، وأما من فسرّ الإسرار بالاظهار فقوله : ظاهر ، لأنهم إنما أخفوا
الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة ، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب
الاظهار . وثالثها : قوله تعالى ( وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) فقيل بين المؤمنين
والكافرين ، وقيل بين الرؤساء والاتباع ، وقيل بين الكفار بانزال العقوبة عليهم .

١١٨
قوله تعالى (( ألا إن لله ما في السموات والأرض )) سورة يونس
أَ إِنَّ ◌ِلَّهِ مَا فِ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ أَلَّ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِحَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
هُوَيُحِيِء وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٥٥
واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فانه لا بد وأن يقضي الله تعالى بينهم لأنه لا
يمتنع أن يكون قد ظلم بعضُهم بعضا في الدنيا وخانه ، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من
عذاب بعضهم، وتثقيل لعذاب الباقين ، لأن العدل يقتضي ان ينتصف للمظلومين من
الظالمين ، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين .
قوله تعالى ﴿ ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا
یعلمون هو يحي ويميت وإليه ترجعون
اعلم أن من الناس من قال : إن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى قال قبل هذه الآية
( ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ) فلا جرم قال في هذه الآية ليس للظالم
شيء يفتدي به، فان كل الأشياء ملك الله تعالى وملكه، واعلم أن هذا التوجيه حسن، أما
الأحسن أن يقال إنا قد ذكرنا أن الناس على طبقات ، فمنهم من يكون انتفاعه بالاقناعيات
أكثر من انتفاعه بالبرهانيات، أما المحققون فانهم لا يلتفتون إلى الاقناعيات، وإنما تعويلهم
على الدلائل البينة والبراهين القاطعة، فلما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: أحق هو؟
أمر الرسول عليه السلام بأن يقول ( إى وربي ) وهذا جار مجرى الاقناعيات ، فلما ذكر ذلك
أتبعه بما هو البرهان القاطع على صحته وتقريره أن القول بالنبوة والقول بصحة المعاد يتفرعان
على إثبات الاله القادر الحكيم وأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه ، فعبر عن هذا المعنى بقوله
( ألا إن لله ما في السموات والأرض ) ولم يذكر الدليل على صحة هذه القضية ، لأنه تعالى قد
استقصى في تقرير هذه الدلائل فيما سبق من هذه السورة ، وهو قوله ( إن في اختلاف الليل
والنهار وما خلق الله في السموات والأرض ) وقوله ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا
وقدره منازل ) فلما تقدم ذكر هذه الدلائل القاهرة اكتفى بذكرها ، وذكر أن كل ما في العالمٍ من
نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور ملكه وملكه ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان قادراً على
كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات غنياً عن جميع الحاجات، منزهاً عن النقائص والآفات ، فهو
تعالى لكونه قادراً على جميع الممكنات يكون قادراً على إنزال العذاب على الأعداء في الدنيا وفي
الآخرة ويكون قادراً على إيصال الرحمة إلى الأولياء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادراً على تأييد
:

١١٩
قوله تعالى (( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم)) سورة يونس
يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ تْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِ الصُّدُورِ وَهُدِى
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنَ
رسوله عليه السلام بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة ويكون قادراً على إعلاء شأن رسوله
وإظهار دينه وتقوية شرعه ، ولما كان قادراً على كل ذلك فقد بطل الاستهزاء والتعجب . ولما
كان منزها عن النقائص والآفات ، كان منزها عن الخلف والكذب وكل ما وعد به فلا بد وأن
يقع ، هذا إذا قلنا : إنه تعالى لا يراعي مصالح العباد ، أما إذا قلنا : إنه تعالى يراعيها ،
فنقول : الكذب إنما يصدر عن العاقل ، إما للعجز أو للجهل أو للحاجة ، ولما كان الحق
سبحانه منزهاً عن الكل كان الكذب عليه محالا ، فلما أخبر عن نزول العذاب بهؤلاء الكفار ،
وبحصول الحشر والنشر وجب القطع بوقوعه ، فثبت بهذا البيان أن قوله تعالى ( ألا إن لله ما في
السموات والأرض ) مقدمة توجب الجزم بصحة قوله ( ألا إن وعد الله حق ) ثم قال ( ولكن
أكثرهم لا يعلمون ) والمراد أنهم غافلون عن هذه الدلائل ، مغرورون بظواهر الأمور ، فلا
جرم بقوا محرومين عن هذه المعارف، ثم إنه أكد هذه الدلائل فقال ( وهو يحي ويميت وإليه
ترجعون ) والمراد أنه لما قدر على الاحياء في المرة الأولى فاذا أماته وجب أن يبقى على إحيائه في
المرة الثانية ، فظهر بما ذكرنا أنه تعالى أمر رسوله بأن يقول ( إى وربي ) ثم إنه تعالى أتبع ذلك
الكلام بذكر هذه الدلائل القاهرة .
واعلم أن في قوله ( ألا إن لله ما في السموات والأرض ) دقيقة أخرى وهي كلمة ( ألا )
وذلك لأن هذه الكلمة إنما تذكر عند تنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وأهل هذا العالم مشغولون
بالنظر إلى الأسباب الظاهرة . فيقولون البستان للأمير والدار للوزير والغلام لزيد والجارية
لعمرو فيضيفون كل شيء إلى مالك آخر والخلق لكونهم مستغرقين في نوم الجهل ورقدة الغفلة
يظنون صحة تلك الاضافات فالحق نادى هؤلاء النائمين الغافلين بقوله ( ألا إن لله ما في
السموات والأرض ) وذلك لأنه لما ثبت بالعقل أن ما سوى الواحد الأحد لحق ممكن لذاته ،
وثبت أن الممكن مستند الى الواجب لذاته إما ابتداء أو بواسطة ، فثبت أن ما سواه ملكه
وملكه ، وإذا كان كذلك ، فليس لغيره في الحقيقة ملك ، فلما كان أكثر الخلق غافلين عن
معرفة هذا المعنى غير عالمين به ، لا جرم أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يذكر هذا
النداء ، لعل واحداً منهم يستيقظ من نوم الجهالة ورقدة الضلالة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى
ورحمة للمؤمنين

١٢٠
قوله تعالى (( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم )) سورة يونس
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ فِمَا يَجْمَعُونَ
٥٨٠
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفر حوا هو خير مما يجمعون
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن الطريق إلى اثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام أمران:
الأول : أن نقول إن هذا الشخص قد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده . وكل من كان
كذلك ، فهو رسول من عند الله حقاً وصدقاً ، وهذا الطريق مما قد ذكره الله تعالى في هذه
السورة وقرره على أحسن الوجوه في قوله ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن
تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا
بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية ما
يقوي الدين ويورث اليقين ويزيل الشكوك والشبهات ويبطل الجهالات والضلالات .
وأما الطريق الثاني فهو أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو؟ فكل
من جاء ودعا الخلق اليه وحملهم عليه وكانت لنفسه قوة قوية في نقل الناس من الكفر إلى
الايمان ، ومن الاعتقاد الباطل إلى الاعتقاد الحق ، ومن الأعمال الداعية إلى الدنيا إلى الأعمال
الداعية إلى الآخرة فهو النبي الحق الصادق المصدوق وتقريره : أن نفوس الخلق قد استولى
عليها أنواع النقص والجهل وحب الدنيا ، ونحن نعلم بعقولنا أن سعادة الانسان لا تحصل إلا
بالاعتقاد الحق والعمل الصالح ، وحاصله يرجع إلى واحد وهو أن كل ما قوى نفرتك عن
الدنيا ورغبتك في اخرة فهو العمل الصالح . وكل ما كان بالضد من ذلك فهو العمل الباطل
والمعصية ، وإذا كان الأمر كذلك كانوا محتاجين الى انسان كامل ، قوي النفس ، مشرق
الروح ، علوي الطبيعة ، ويكون بحيث يقوى على نقل هؤلاء الناقصين من مقام النقصان إلى
مقام الكمال ، وذلك هو النبي . فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة : الناقصون والكاملون
الذين لا يقدرون على تكميل الناقصين ، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل
الناقصين ، فالقسم الأول هو عامة الخلق ، والقسم الثاني هم الأولياء ، والقسم الثالث هم
الأنبياء ، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة النقصان الى درجة الكمال مرات بها مختلفة
ودرجاتها متفاوتة، لا جرم كانت درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة. ولهذا السر؛ قال النبي وَل
(( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل))