Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ قوله تعالى ((ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس يكون كذبا ؟ سلمنا أنه لا بد وأن يفعل الله تعالى ذلك لكن لم يجوز أن يقال : إن ذلك الثواب والعقاب عبارة عما يصل الى الانسان من أنواع الراحات واللذات ومن أنواع الالام والاسقام، وأقسام الهموم والغموم ؟ والجواب عن السؤال الأول : أن العقل وإن كان يدعوه إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوانه إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية واللذات الجسدانية ، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح قوى ومعاضد كامل ، وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد والثواب والعقاب على الفعل والترك . والجواب عن السؤال الثاني : أنه إذا جوز الانسان حصول الكذب على الله تعالى فحينئذ لا يحصل من الوعد رغبة ، ولا من الوعيد رهبة ، لأن السامع يجوز كونه كذبا . والجواب عن السؤال الثالث : أن العبد ما دامت حياته في الدنيا فهو كالأجير المشتغل بالعمل . والأجير حال اشتغاله بالعمل لا يجوز دفع الأجرة بكما لها اليه ، لأنه إذا أخذها فانه لا يجتهد في العمل . وأما إذا كان محل أخذ الأجرة هو الدار الآخرة كان الاجتهاد في العمل أشد وأكمل ، وأيضا نرى في هذه الدنيا أن أزهد الناس وأعلمهم مبتلي بأنواع الغموم والهموم والأحزان ، وأجهلهم وأفقهم في اللذات والمسرات، فعلمنا أن دار الجزاء يمتنع ان تكون هذه الدار فلا بد من دار أخرى ، ومن حياة أخرى ، ليحصل فيها الجزاء . ﴿ الحجة الثانية) أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن وبين المسىء ، وأن لا يجعل من كفر به ، أو جحده بمنزلة من أطاعه ، ولما وجب إظهار هذه التفرقة فحصول هذه التفرقة إما أن يكون في دار الدنيا ، أو في دار الآخرة ، والأول باطل لأنا نرى الكفار والفساق في الدنيا في أعظم الراحات ، ونرى العلماء والزهاد بالضد منه ، ولهذا المعنى قال تعالى ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ) فثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، وهو المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) وهو المراد أيضا بقوله تعالى في سورة طه ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجز كل نفس بما تسعى ) وبقوله تعالى في سورة ص ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) فان قيل : أما أنكرتم أن يقال إنه تعالى لا يفصل بين المحسن وبين المسىء في الثواب والعقاب كما لم يفصل بينهما في حسن الصورة وفي كثرة المال ؟ - ٢٢ قوله تعالى ((ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس والجواب : أن هذا الذي ذكرته مما يقوي دليلنا ، فانه ثبت في صريح العقل وجوب التفرقة ، ودل الحس على أنه لم تحصل هذه التفرقة في الدنيا ، بل كان الأمر على الضد منه ، فانا نرى العالم والزاهد في أشد البلاء ، ونرى الكافر والفاسق في أعظم النعم . فعلمنا أنه لا بد من دار أخرى يظهر فيهاهذا التفاوت ، وأيضاً لا يبعد أن يقال إنه تعالى علم أن الزاهد العابد لو أعطاه ما دفع إلى الكافر الفاسق لطغي وبغي وآثر الحياة الدنيا ، وأن ذلك الكافر الفاسق لو زاد عليه في التضييق لزاد في الشر واليه الاشارة بقوله تعالى ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) ﴿ الحجة الثالثة ) أنه تعالى كلف عبيده بالعبودية فقال (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ) والحكيم إذا أمر عبده بشيء ، فلا بد وأن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تلك التكاليف ، والناس جبلوا على طلب اللذات وتحصيل الراحات لأنفسهم ، فلو لم يكن لهم زاجر من خوف المعاد لكثر الهرج والمرج ولعظمت الفتن ، وحينئذ لا يتفرغ المكلف للاشتغال بأداء العبادات . فوجب القطع بحصول دار الثواب والعقاب لتنظيم أحوال العالم حتى يقدر المكلف على الاشتغال بأداء العبودية . فان قيل : لم لا يجوز أن يقال إنه يكفي في بقاء نظام العالم مهابة الملوك وسياساتهم ؟ وأيضاً فالأ وباش يعلمون أنهم لو حكموا بحسن الهرج والمرج لا نقلب الأمر عليهم ولقدر غيرهم على قتلهم ، وأخذ أموالهم ، فلهذا المعنى يحترزون عن إثارة الفتن . والجواب : أن مجرد مهابة السلاطين لا تكفي في ذلك ، وذلك لأن السلطان إما أن يكون قد بلغ في القدرة والقوة إلى حيث لا يخاف من الرعية ، وإما أن يكون خائفا منهم ، فان كان لا يخاف الرعية مع أنه لا خوف له من المعاد ، فحينئذ يقدم على الظلم والايذاء على أقبح الوجوه ، لأن الداعية النفسانية قائمة ، ولا رادع له في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما إن كان يخاف الرعية فحينئذ الرعية لا يخافون منه خوفا شديدا ، فلا يصير ذلك رادعا لهم عن القبائح والظلم . فثبت أن نظام العالم لا يتم ولا يكمل إلا بالرغبة في المعاد والرهبة منه. ﴿ الحجة الرابعة ) أن السلطان القاهر إذا كان له جمع من العبيد، وكان بعضهم أقوياء وبعضهم ضعفاء ، وجب على ذلك السلطان إن كان رحيما ناظرا مشفقا عليهم أن ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القادر القوي ، فان لم يفعل ذلك كان راضيا بذلك الظلم ، والرضا بالظلم لا يليق بالرحيم الناظر المحسن . إذا ثبت هذا فنقول . إنه سبحانه سلطان قاهر قادر حكيم منزه عن الظلم والعبث . ٠ سسـ ٢٣ قوله تعالى (( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس فوجب أن ينتصف لعبيده المظلومين من عبيده الظالمين ، وهذا الانتصاف لم يحصل في هذه الدار ، لأن المظلوم قد يبقى في غاية الذلة والمهانة ، والظالم يبقى في غاية العزة والقدرة ، فلا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا العدل وهذا الانصاف ، وهذه الحجة يصلح جعلها تفسيراً لهذه الآية التي نحن في تفسيرها . فان قالوا : إنه تعالى لما أقدر الظالم على الظلم في هذه الدار ، وما أعجزه عنه ، دل على كونه راضيا بذلك الظلم . قلنا : الإِقدار على الظلم عين الاقدار على العدل والطاعة ، فلو لم يقدره تعالى على الظلم لكان قد أعجزه عن فعل الخيرات والطاعات ، وذلك لا يليق بالحكيم ، فوجب في العقل إقداره على الظلم والعدل ، ثم إنه تعالى ينتقم للمظلوم من الظالم . ﴿ الحجة الخامسة) أنه تعالى خلق هذا العالم وخلق كل من فيه من الناس فاما أن يقال : إنه تعالى خلقهم لا لمنفعة ولا لمصلحة ، أو يقال : إنه تعالى خلقهم لمصلحة ومنفعة . والأول : يليق بالرحيم الكريم . والثاني : وهو أن يقال : إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير ، فذلك الخير والمصلحة إما أن يحصل في هذه الدنيا أو في دار أخرى ، والأول باطل من وجهين : الأول: أن لذات هذا العالم جسمانية واللذات الجسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم ، وإزالة الألم أمر عدمي ، وهذا العدم كان حاصلا حال كون كل واحد من الخلائق معدوما ، وحينئذ لا يبقى للتخليق فائدة . والثاني : أن لذات هذا العالم ممزوجة بالآلام والمحن ، بل الدنيا طافحة بالشرور والآفات والمحن والبليات ، واللذة فيها كالقطرة في البحر . فعلمنا أن الدار التي يصل فيه الخلق إلى تلك الراحات المقصودة دار أخری سوی دار الدنيا . فان قالوا: أليس أنه تعالى يؤلم أهل النار بأشد العذاب لا لأجل مصلحة وحكمة؟ فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يخلق الخلق في هذا العالم لا لمصلحة ولا لحكمة ، قلنا: الفرق ان ذلك الضرر ضرر مستحق على أعمالهم الخبيثة. وأما الضرر الحاصل في الدنيا فغير مستحق، فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة ومنافع جابرة لتلك المضار السالفة، والا لزم أن يكون الفاعل شريرا مؤذيا، وذلك ينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين . والحجة السادسة ﴾ لو لم يحصل للانسان معاد لكان الانسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة والشرف. واللازم باطل ، فالملزوم مثله . بيان الملازمة أن مضار الانسان في ٢٤ قوله تعالى ((ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات . فان سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام تكون فارغة البال طيبة النفس ، لأنه ليس لها فكر وتأمل . أما الانسان فانه بسبب ما يحصل له من العقل يتفكر أبدا في الأحوال الماضية والأحوال المستقبلة ، فيحصل له بسبب أكثر الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع من الخوف ، لأنه لا يدري أنه كيف تحدث الأحوال . فثبت أن حصول العقل للانسان سبب لحصول المضار العظيمة في الدنيا والآلام النفسانية الشديدة القوية . وأما اللذات الجسمانية فهي مشتركة بين الناس وبين سائر الحيوانات ، لأن السرقين في مذاق الجعل طيب ، كما أن اللوزينج في مذاق الانسان طيب . إذا ثبت هذا فنقول : لولم يحصل للانسان معاد به تكمل حالته وتظهر سعادته ، لوجب أن يكون كمال العقل ، سببالمزيد الهموم والغموم والأحزان من غير جابر يجبر ، ومعلوم أن كل ما كان كذلك فانه يكون سببا لمزيد الخسة والدناءة والشقاء والتعب الخالية عن المنفعة . فثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية لكان الانسان أخس الحيوانات حتى الخنافس والديدان ، ولما كان ذلك باطلا قطعا ، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة ، وأن الانسان خلق للآخرة لا للدنيا ، وأنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية . فلهذا السبب كان العقل شريفا . ﴿ الحجة السابعة﴾ أنه تعالى قادر على إيصال النعم إلى عبيده على وجهين: أحدهما : أن تكون النعم مشوبة بالآفات والأحزان . والثاني : أن تكون خالصة عنها ، فلما أنعم الله تعالى في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى ، إظهاراً لكمال القدرة والرحمة والحكمة ، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ، ويزيل الغموم والهموم والشهوات والشبهات . والذي يقوي ذلك ، ويقرر هذا الكلام أن الانسان حین کان جنينا في بطن أمه ، كان في أضيق المواضع وأشدها عفونة وفسادا ، ثم إذا خرج من بطن أمه كانت الحالة الثانية أطيب وأشرف من الحالة الأولى ، ثم إنه عند ذلك يوضع في المهد ويشد شداً وثيقا ، ثم بعد حين يخرج من المهد ويعدو يمينا وشمالا ، وينتقل من تناول اللبن إلى تناول الأطعمة الطيبة ، وهذه الحالة الثالثة لا شك أنها أطيب من الحالة الثانية ، ثم إنه بعد حين يصير أميرا نافذ الحكم على الخلق ، أو عالما مشرفا على حقائق الأشياء ، ولا شك أن هذه الحالة الرابعة أطيب وأشرف من الحالة الثالثة . وإذا ثبت هذا وجب بحكم هذا الاستقراء أن يقال : الحالة الحاصلة بعد الموت تكون أشرف وأعلى وأبهج من اللذات الجسدانية والخيرات الجسمانية . ٢٥ قوله تعالى ((ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس الحجة الثامنة ) طريقة الاحتياط ، فانا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له ، فان كان هذا المذهب حقا ، فقد نجونا وهلك المنكر ، وإن كان باطلا ، لم يضرنا هذا الاعتقاد . غاية ما في الباب أن يقال إنه تفوتنا هذه اللذات الجسمانية إلا أنا نقول يجب على العاقل أن لا يبالي بفوتها الأمرين أحدهما : أنها في غاية الخساسة لأنه مشترك فيها بين الخنافس والديدان والكلاب . والثاني : أنها منقطعة سريعة الزوال . فثبت أن الاحتياط ليس إلا في الايمان بالمعاد ، ولهذا قال الشاعر : قال المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأموات قلت اليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما ﴿ الحجة التاسعة ) اعلم أن الحيوان ما دام يكون حيوانا ، فانه إن قطع منه شيء مثل ظفر أو ظلف أو شعر ، فانه يعود ذلك الشيء ، وإن جرح اندمل ، ویکون الدم جاريا في عروقه وأعضائه جريان الماء في عروق الشجر وأغصانه ، ثم إذا مات انقلبت هذه الأحوال ، فان قطع منه شيء من شعره أو ظفره لم ينبت ، وإن جرح لم يندمل ولم يلتحم ، ورأيت الدم يتجمد في عروقه ، ثم بالآخرة يؤول حاله إلى الفساد والانحلال . ثم إنا لما نظرنا إلى الأرض وجدناها شبيهة بهذه الصفة ، فانا نراها في زمان الربيع تفور عيونها وتربو تلالها وينجذب الماء إلى أغصان الأشجار وعروقها ، والماء في الأرض بمنزلة الدم الجاري في بدن الحيوان ، ثم تخرج أزهارها وأنوارها وثمارها كما قال تعالى ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) وإن جزّ من نباتها شيء أخلف ونبت مكانه آخر مثله، وإن قطع غصن من أغصان الأشجار أخلف، وإن جرح التأم، وهذه الأحوال شبيهة بالأحوال التي ذكرناها للحيوان. ثم إذا جاء الشتاء اشتد البرد غارت عيونها وجفت رطوبتها وفسدت بقولها، ولو قطعنا غصنا من شجرة ما أخلف، فكانت هذه الأحوال شبيهة بالموت بعد الحياة، ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة، فاذا عقلنا هذه المعاني في إحدى الصورتين، فلم لا نعقل مثله في الصورة الثانية، بل نقول لا شك أن الانسان أشرف من سائر الحيوانات، والحيوان أشرف من النبات، وهو أشرف من الجمادات. فاذا حصلت هذه الأحوال في الأرض، فلم لا يجوز حصولها في الانسان . فان قالوا : إن أجساد الحيوان تتفرق وتتمزق بالموت ، وأما الأرض فليست كذلك . فالجواب : أن الانسان عبارة عن النفس الناطقة ، وهو جوهر باق ، أو إن لم نقل بهذا المذهب فهو عبارة عن أجزاء أصلية باقية من أول وقت يكون الجنين إلى آخر العمر ، وهي ٢٦ قوله تعالى ((ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس جارية في البدن ، وتلك الاجزاء باقية ، فزال هذا السؤال . الحجة العاشرة) لا شك أن بدن الحيوان إنما تولد من النطفة ، وهذه النطفة إنما اجتمعت من جميع البدن. بدليل أن عند انفصال النطفة يحصل الضعف والفتور في جميع البدن ، ثم إن مادة تلك النطفة إنما تولدت من الأغذية المأكولة ، وتلك الأغذية إنما تولدت من الأجزاء العنصرية وتلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، واتفق لها أن اجتمعت ، فتولد منها حيوان أو نبات فأكله إنسان ، فتولد منه دم فتوزع ذلك الدم على أعضائه ، فتولد منها أجزاء لطيفة . ثم عند استيلاء الشهوة سال من تلك الرطوبات مقدار معين ، وهو النطفة ، فانصب إلى فم الرحم ، فتولد منه هذا الانسان ، فثبت أن الأجزاء التي منها تولد بدن الانسان كانت متفرقة في البحار والجبال وأوج الهواء ، ثم إنها اجتمعت بالطريق المذكور ، فتولد منها هذا البدن ، فاذا مات تفرقت تلك الأجزاء على مثال التفرق الأول . وإذا ثبت هذا القول : وجب القطع أيضا بأنه لا يمتنع أن يجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول ، وايضاً، فذلك المني لما وقع في رحم الأم ، فقد كان قطرة صغيرة ثم تولد منه بدن الإنسان وتعلقت الروح به حال ما كان ذلك البدن في غاية الصغر ، ثم إن ذلك البدن لا شك أنه في غاية الرطوبة ، ولا شك أنه يتحلل منه اجزاء كثيرة بسبب عمل الحرارة الغريزية فيها ، وأيضا فتلك الأجزاء البدنية الباقية أبدا في طول العمر تكون في التحلل ، ولولا ذلك لما حصل الجوع ، ولما حصلت الحاجة إلى الغذاء ، مع أنا نقطع بأن هذا الانسان الشيخ ، هو عين ذلك الانسان الذي كان في بطن أمه . ثم انفصل ، وكان طفلا ثم شابا ، فثبت أن الأجزاء البدنية دائمة التحلل ، وأن الانسان هو هو بعينه . فوجب القطع بأن الانسان ، إما أن يكون جوهراً مفارقاً مجرداً، وإما أن يكون جسما نورانياً لطيفاً باقياً مع تحلل هذا البدن ، فاذا كان الأمر كذلك فعلى التقديرين لا يمتنع عوده إلى الجثة مرة أخرى ، ويكون هذا الانسان العائد عين الانسان الأول ، فثبت أن القول بالمعاد صدق . ﴿ الحجة الحادية عشر﴾ ما ذكره الله تعالى في قوله ( أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين ) واعلم أن قوله سبحانه ( خلقناه من نطفة ) إشارة إلى ما ذكرناه في الحجة العاشرة من أن تلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، فجمعها الله تعالى وخلق من تركيبها هذا الحيوان ، والذي يقويه قوله سبحانه ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) فان تفسير هذه الآية إنما يصح بالوجه الذي ذكرناه ، وهو ان السلالة من الطين يتكون منها نبات ، ثم إن ذلك النبات يأكله الانسان فيتولد منه الدم، ثم الدم ينقلب نطفة، فبهذا الطريق ينتظم ظاهر هذه الآية. ثم إنه سبحانه بعد أن ٢٧ قوله تعالى (( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس ذكر هذا المعنى حكى كلام المنكر، وهو قوله تعالى (قال من يحي العظام وهي رميم) إنه تعالى بين إمكان هذا المذهب . واعلم أن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين : أحدهما : أن يقال : إن مثله ممكن ، فوجب أن يكون هذا أيضا ممكنا . والثاني : أن يقال : إن ما هو أعظم منه وأعلى حالا منه ، فهو أيضا ممكن . ثم إنه تعالى ذكر الطريق الأول أولا فقال ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) ثم فيه دقيقة وهي أن قوله ( قل يحييها ) إشارة الى كمال القدرة ، وقوله (وهو بكل خلق عليم ) إشارة إلى كمال العلم . ومنكروا الحشر والنشر لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين، لأنهم تارة يقولون : إنه تعالى موجب بالذات ، والموجب بالذات لا يصح منه القصد إلى التكوين ، وتارة يقولون إنه يمتنع كونه عالما بالجزئيات ، فيمتنع منه تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، ولما كانت شبه الفلاسفة مستخرجة من هذين الأصلين ، لا جرم كلما ذكر الله تعالى مسألة المعاد أردفه بتقرير هذين الأصلين ثم إنه تعالى ذكر بعده الطريق الثاني ، وهو الاستدلال بالأعلى على الأدنى ، وتقريره من وجهين : الأول : أن الحياة لا تحصل إلا بالحرارة والرطوبة ، والتراب بارد يابس ، فحصلت المضادة بينهما . إلا أنا نقول : الحرارة النارية أقوى في صفة الحرارة من الحرارة الغريزية ، فلما لم يمتنع تولد الحرارة النارية عن الشجر الأخضر مع كمال ما بينهما من المضادة ، فكيف يمتنع حدوث الحرارة الغريزية في جرم التراب ؟ الثاني : قوله تعالى ( أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) بمعنى أنه لما سلمتم أنه تعالى هو الخالق لأجرام الأفلاك والكواكب، فكيف يمكنكم الامتناع من كونه قادرا على الحشر والنشر؟ ثم إنه تعالى حسم مادة الشبهات بقوله ( إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) والمراد أن تخليقه وتكوينه لا يتوقف على حصول الآلات والأدوات ونطفة الأب ورحم الأم ، والدليل عليه أنه خلق الأب الأول، لا عن أب سابق عليه، فدل ذلك على كونه سبحانه غنيا في الخلق والايجاد والتكوين عن الوسائط والآلات. ثم قال سبحانه (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء واليه تُرجعون ) أي سبحانه من أن لا يعيدهم ويهمل أمر المظلومين، ولا ينتصف للعاجزين من الظالمين، وهو المعنى المذكور في هذه الآية التي نحن في تفسيرها، وهي قوله سبحانه (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) ﴿ الحجة الثانية عشر﴾ دلت الدلائل على أن العالم محدث ولا بد له من محدث قادر ، ويجب أن يكون عالما ، لأن الفعل المحكم المتقن لا يصدر إلا من العالم ، ويجب أن يكون غنيا عنها وإلا لكان قد خلقها في الأزل وهو محال، فثبت أن لهذا العالم إلها قادرا عالماً غنيا، ثم ٢٨ قوله تعالى ((ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس لما تأملنا فقلنا : هل يجوز في حق هذا الحكيم الغني عن الكل أن يهمل عبيده ويتركهم سدی ، ويجوز لهم أن يكذبوا عليه ويبيح لهم أن يشتموه ويجحدوا ربوبيته ، ويأكلوا نعمته، ويعبدوا الجبت والطاغوت ، ويجعلوا له أنداداً وينكروا أمره ونهيه ووعده ووعيده ؟ فههنا حكمت بديهة العقل بأن هذه المعاني لا تليق إلا بالسفيه الجاهل البعيد من الحكمة . القريب من العبث ، فحكمنا لأجل هذه المقدمة أن له أمرا ونهيا ، ثم تأملنا فقلنا : هل يجوز أن يكون له أمر ونهي مع أنه لا یکون له وعد ووعيد ؟ فحكم صريح العقل بأن ذلك غير جائز لأنه ان لم يقرن الأمر بالوعد بالثواب، ولم يقرن النهي بالوعيد بالعقاب لم يتأكد الأمر والنهي، ولم يحصل المقصود. فثبت أنه لا بد من وعد ووعيد، ثم تأملنا فقلنا: هل يجوز أن يكون له وعد ووعيد ثم إنه لا يفي بوعده لأهل الثواب، ولا بوعيده لأهل العقاب: فقلنا: إن ذلك لا يجوز، لأنه لو جاز ذلك لما حصل الوثوق بوعده ولا بوعيده، وهذا يوجب أن لا يبقى فائدة في الوعد والوعيد، فعلمنا أنه لا بد من تحقيق الثواب والعقاب، ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا والحشر والبعث، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فهذه مقدمات يتعلق بعضها بالبعض كالسلسلة متى صح بعضها صح كلها . ومتى فسد بعضها فسد كلها، فدل مشاهدة أبصارنا لهذه التغيرات على حدوث العالم، ودل حدوث العالم على وجود الصانع الحكيم الغني، ودلَّ ذلك على وجود الأمر والنهي، ودل ذلك على وجود الثواب والعقاب، ودل ذلك على وجوب الحشر. فان لم يثبت الحشر أدى ذلك إلى بطلان جميع المقدمات المذكورة ولزم إنكار العلوم البديهية وإنكار العلوم النظرية القطعية. فثبت أنه لا بد لهذه الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة المتمزقة من البعث بعد الموت، ليصل المحسن إلى ثوابه والمسىء إلى عقابه، فان لم تحصل هذه الحالة لم يحصل الوعد والوعيد، وإن لم يحصلا لم يحصل الأمر والنهي، وإن لم يحصلا لم تحصل الالهية، وإن لم تحصل الالهية لم تحصل هذه التغيرات في العالم. وهذه الحجة هي المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) هذا كله تقرير إثبات المعاد بناء على أن لهذا العالم إلهاً رحيما ناظرا محسنا إلى العباد. أما الفريق الثاني﴾ وهم الذين لا يعللون أفعال الله تعالى برعاية المصالح ، فطريقهم الى إثبات المعاد أن قالوا : المعاد أمر جائز الوجود ، والأنبياء عليهم السلام أخبروا عنه ، فوجب القطع بصحته ، أما اثبات الامكان فهو مبني على مقدمات ثلاثة . ﴿ المقدمة الأولى ) البحث عن حال القابل فنقول : الانسان إما أن يكون عبارة عن النفس أو عن البدن ، فان كان عبارة عن النفس وهو القول الحق ، فنقول : لما كان تعلق ٢٩ قوله تعالى (( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس النفس بالبدن في المرة الأولى جائزاً ، كان تعلقها بالبدن في المرة الثانية ايضاً جائزاً . وهذا الكلام لا يختلف ، سواء قلنا النفس عبارة عن جوهر مجرد ، أو قلنا : إنه جسم لطيف مشاكل لهذا البدن باق في جميع أحوال البدن مصون عن التحلل والتبدل ، وأما إن كان الانسان عبارة عن البدن ، وهذا القول أبعد الأقاويل فنقول : إن تألف تلك الأجزاء على الوجه المخصوص في المرة الأولى كان ممكنا ، فوجب أيضا أن يكون في المرة الثانية ممكنا ، فثبت أن عود الحياة إلى هذا البدن مرة أخرى أمره ممكن في نفسه . وأما المقدمة الثانية﴾ فهي في بيان أن إله العالم قادر مختار. لا علة موجبة، وأن هذا القادر قادر على كل الممكنات . وأما المقدمة الثالثة ) فهي في بيان أن إله العالم عالم بجميع الجزئيات ، فلا جرم أجزاء بدن زيد وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار، إلا أنه تعالى لما كان عالما بالجزئيات أمكنه تمييز بعضها عن بعض . ومتى تثبت هذه المقدمات الثلاثة ، لزم القطع بأن الحشر والنشر أمر ممكن في نفسه . وإذا ثبت هذا الامكان فنقول : دل الدليل على صدق الأنبياء وهم قطعوا بوقوع هذا الممكن ، فوجب القطع بوقوعه ، وإلا لزمنا تكذيبهم ، وذلك باطل بالدلائل الدالة على صدقهم ، فهذا خلاصة ما وصل اليه عقلنا في تقرير أمر المعاد . ﴿ المسألة الثالثة ) في الجواب عن شبهات المنكرين للخشر والنشر. الشبهة الأولى ﴾ قالوا : لو بدلت هذه الدار بدار أخرى لكانت تلك الدار إما أن تكون مثل هذه الدار أو شراً منها أو خيراً منها ، فان كان الأول كان التبديل عبثا ، وإن كان شراً منها كان هذا التبديل سفها ، وإن كان خيراً منها ففي أول الأمر هل كان قادراً على خلق ذلك الأجود أو ما كان قادراً عليه؟ فان قدر عليه ثم تركه وفعل الأردأ كان سفها، وإن قلنا : إنه ما كان قادراً ثم صار قادراً عليه فقد انتقل من العجز إلى القدرة ، أو من الجهل إلى الحكمة ، وأن ذلك على خالق العالم محال. والجواب : لم لا يجوز أن يقال تقديم هذه الدار على تلك الدار هو المصلحة ، لأن الكمالات النفسانية الموجبة للسعادة الأخروية لا يمكن تحصيلها إلا في هذه الدار ، ثم عند حصول هذه الكمالات كان البقاء في هذه الدار سببا للفساد والحرمان عن الخيرات . الشبهة الثانية ) قالوا : حركات الأفلاك مستديرة ، والمستدير لا ضد له ، وما لا ضد ٣٠ قوله تعالى ((ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس له لا يقبل الفساد . والجواب : أنا أبطلنا هذه الشبهة في الكتب الفلسفية ، فلا حاجة إلى الاعادة . والأصل في إبطال أمثال هذه الشبهات أن نقيم الدليل على أن أجرام الأفلاك مخلوقة ، ومتى ثبت ذلك ثبت كونها قابلة للعدم والتفرق والتمزق . ولهذا السر، فانه تعالى في هذه السورة بدأ بالدلائل الدالة على حدوث الأفلاك ، ثم أردفها بما يدل على صحة القول بالمعاد . الشبهة الثالثة ﴾ الانسان عبارة عن هذا البدن ، وهو ليس عبارة عن هذه الأجزاء كيف كانت ، لأن هذه الأجزاء كانت موجودة قبل حدوث هذا الانسان ، مع أنا نعلم بالضرورة أن هذا الانسان ما كان موجودا ، وأيضاً أنه إذا أحرق هذا الجسد ، فانه تبقى تلك الأجزاء البسيطة ، ومعلوم أن مجموع تلك الأجزاء البسيطة من الأرض والماء والهواء والنار ، ما كان عبارة عن هذا الانسان العاقل الناطق ، فثبت أن تلك الأجزاء إنما تكون هذا الانسان بشرط وقوعها على تأليف مخصوص ، ومزاج مخصوص ، وصورة مخصوصة ، فاذا مات الانسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصور والاعراض ، وعود المعدوم محال . وعلى هذا التقدير فانه يمتنع عود بعض الأجزاء المعتبرة في حصول هذا الانسان فوجب أن يمتنع عوده بعينه مرة أخرى . والجواب : لا نسلم أن هذا الانسان المعين عبارة عن هذا الجسد المشاهد ، بل هو عبارة عن النفس سواء فسرنا النفس بأنه جوهر مفارق مجرد أو قلنا إنه جسم لطيف مخصوص مشاكل لهذا الجسد مصون عن التغير ، والله أعلم به . الشبهة الرابعة﴾ إذا قتل إنسان واغتذى به إنسان آخر ، فيلزم أن يقال تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال . ٠ والجواب : هذه الشبهة أيضا مبنية على أن الانسان المعين عبارة عن مجموع هذا البدن ، وقد بينا أنه باطل . بل الحق أنه عبارة عن النفس سواء . قلنا : النفس جوهر مجرد وأجسام لطيفة باقية مشاكلة للجسد ، وهي التي سمتها المتكلمون بالأجزاء الأصلية . وهذا آخر البحث العقلي عن مسألة المعاد . المسألة الرابعة) قوله تعالى ﴿إليه مرجعكم جميعا﴾ فيه أبحاث : ﴿ البحث الاول) أن كلمة ((إلى)) لانتهاء الغاية، وظاهره يقتضي أن يكون الله سبحانه مختصا بحيّز وجهة، حتى يصح أن يقال : اليه مرجع الخلق . . ٣١ قوله تعالى (( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا النفس جوهر مجرد ، فالسؤال زائل . الثاني : أن يكون المراد منه : أن مرجعهم إلى حيث لا حاكم سواه . الثالث : أن يكون المراد : أن مرجعهم الى حيث حصل الوعد فيه بالمجازاة . ﴿ البحث الثاني ﴾ ظاهر الآيات الكثيرة يدل على أن الانسان عبارة عن النفس ، لا عن البدن، ويدل ايضا على ان النفس كانت موجودة قبل البدن. أما أن الانسان شيء غير هذا البدن فلقوله تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء﴾ فالعلم الضروري حاصل بأن بدن المقتول ميت، والنص دال على أنه حيّ فوجب أن تكون حقيقته شيئا مغايرا لهذا البدن الميت، وأيضا قال الله تعالى في صفة نزع روح الكفار ﴿أخرجوا أنفسكم) وأما إن النفس كانت موجودة قبل البدن، فلان قوله تعالى في هذه الآية ﴿إلیه مرجعکم﴾ یدل على ما قلنا، لأن الرجوع الى الموضع إنما يحصل لو كان ذلك الشيء قد كان هناك قبل ذلك، ونظيره قوله تعالى ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية﴾ وقوله ﴿ثم ردوا الى الله مولاهم الحق﴾ البحث الثالث ﴾ المرجع بمعنى الرجوع و﴿ جميعا﴾ نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع ، وهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا المرجع الموت ، وإنما المراد منه القيامة . ﴿ البحث الرابع) قوله تعالى ﴿ إليه مرجعكم﴾ يفيد الحصر، وأنه لا رجوع إلا الى الله تعالى، ولا حكم إلا حكمه ولا نافذ إلا أمره، وأما قوله ﴿وعد الله حقا﴾ ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله ﴿وعد الله﴾ منصوب على معنى: وعدكم الله وعدا، لأن قوله ﴿ إليه مرجعكم﴾ معناه : الوعد بالرجوع، فعلى هذا التقدير يكون قوله ﴿ وعد الله ﴾ مصدرا مؤكدا لقوله ﴿إليه مرجعكم﴾ وقوله ﴿حقا) مصدر مؤكدا لقوله (وعد الله) فهذه التأكيدات قد اجتمعت في هذا الحكم . المسألة الثانية) قرىء ﴿وعد الله﴾ على لفظ الفعل. واعلم أنه تعالى لما أخبر عن وقوع الحشر والنشر، ذکر بعده ما يدل على کونه في نفسه ممكن الوجود . ثم ذكر بعده ما يدل على وقوعه . أما ما يدل على إمكانه في نفسه فهو قوله سبحانه ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ تقرير هذا الدليل أنه تعالى بين بالدليل كونه خالقا للأفلاك والأرضين ، ويدخل فيه أيضا كونه خالقا لكل ما في هذا العالم من الجمادات والمعادن والنبات ٣٢ قوله تعالى ((ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس والحيوان والإنسان ، وقد ثبت في العقل أن كل من كان قادرا على شيء ، وكانت قدرته باقية ممتنعة الزوال ، وكان عالما بجميع المعلومات فانه يمكنه إعادته بعينه ، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر على إعادة الانسان بعد موته . ﴿ المسألة الثانية ) اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام العالم ، واختلفوا في أنه تعالى هل يعدمها أم لا؟ فقال قوم إنه تعالى يعدمها، واحتجوا بهذه الآية وذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات بأنه يعيدها، فوجب أن يعيد الأجسام أيضا، وإعادتها لا تمكن إلا بعد إعدامها، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال. ونظيره قوله تعالى ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا اول خلق نعيده﴾ فحكم بأن الاعادة تكون مثل الابتداء ، ثم ثبت بالديل أنه تعالى إنما يخلقها في الابتداء من العدم، فوجب أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضا من العدم . ﴿ المسألة الثالثة) في هذه الآية إضمار، كأنه قيل: إنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ، ثم یمیتهم ثم يعيدهم ، كما قال في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ إلا أنه تعالى حذف ذكر الأمر بالعبادة ههنا، لأجل أنه تعالى قال قبل هذه الآية ﴿ذلكم الله ربكم فاعبدوه﴾ وحذف ذكر الاماتة لأن ذكر الاعادة يدل عليها. ﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ بعضهم ﴿إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ بالكسر وبعضهم بالفتح. قال الزجاج : من كسر الهمزة من ((أن)) فعلى الاستئناف، وفي الفتح وجهان : الأول : أن يكون التقدير : اليه مرجعكم جميعا لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده . والثاني : أن يكون التقدير : وعد الله وعدا بدأ الخلق ثم إعادته ، وقرىء ﴿يبدىء﴾ من أبدأ وقرىء حق إنه يبدأ الخلق ) كقولك : حق إن زيدا منطلق . أما قوله تعالى ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ﴾ فاعلم أن المقصود منه إقامة الدلالة على أنه لا بد من حصول الحشر والنشر، حتى يحصل الفرق بين المحسعن والمسيء ، وحتى يصل الثواب الى المطيع والعقاب الى العاصي ، وقد سبق الاستقصاء في تقدير هذا الدليل ، وفيه مسائل ؛ ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الكعبي: اللام في قوله تعالى ﴿ليجزي الذين آمنوا ﴾ يدل على انه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة. وأيضا فانه أدخل لام التعليل على الثواب. وأما العقاب فما ادخل فيه لام التعليل، بل قال ﴿والذين كفروا لهم شراب من حميم) وذلك يدل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وذلك يدل على أنه ما أراد منهم الكفر، وما خلق فيهم الكفر ٣٣ قوله تعالى ((ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس البتة . والجواب : أن لام التعليل في أفعال الله تعالى محال ، لأنه تعالى لو فعل فعلا لعلة لكانت تلك العلة ، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة لزم التسلسل وهو محال . المسألة الثانية ﴾ قال الكعبي أيضا : هذه الآية تدل على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يبدأ خلقهم في الجنة، لأنه لو حسن إيصال تلك النعم إليهم من غير واسطة في هذا العالم ومن غير واسطة تكليفهم، لما كان خلقهم وتكليفهم معللا بايصال تلك النعم إليهم، وظاهر الآية يدل على ذلك . والجواب : هذا بناء على صحة تعليل أحكام الله تعالى وهو باطل سلمنا صحته . إلا أن كلامه إنما يصح لو عللنا بدء الخلق وإعادته بهذا المعنى وذلك ممنوع . فلم لا يجوز أن يقال : إنه يبدأ الخلق لمحض التفضل ، ثم إنه تعالى يعيدهم لغرض إيصال نعم الجنة إليهم ؟ وعلى هذا التقدير : سقط كلامه . أما قوله تعالى ﴿ بالقسط ﴾ ففيه وجهان : ﴿الوجه الأول﴾ ﴿بالقسط﴾ بالعدل، وهو يتعلق بقوله ﴿ليجزى﴾ والمعنى: ليجزيهم بقسطه ، وفيه سؤالان : السؤال الأول ) أن القسط إذا كان مفسرا بالعدل ، فالعدل هو الذي يكون لا زائدا ولا ناقصا ، وذلك يقتضي أنه لا يزيدهم على ما يستحقونه بأعمالهم ، ولا يعطيهم شيئا على سبيل التفضل ابتداء . والجواب : عندنا أن الثواب أيضا محض التفضل . وأيضا فبتقدير أن يساعد على حصول الاستحقاق ، إلا أن لفظ ﴿ القسط﴾ يدل على توفية الأجر ، فأما المنع من الزيادة فلفظ ﴿ القسط﴾ لا يدل عليه. السؤال الثاني ﴾ لم خص المؤمنين بالقسط مع أنه تعالى يجازي الكافرين أيضا بالقسط ؟ والجواب : أن تخصيص المؤمنين بذلك يدل على مزيد العناية في حقهم ، وعلى كونهم مخصوصين بمزيد هذا الاحتياط. الوجه الثاني ﴾ في تفسير الآية أن يكون المعنى : ليجزي الذين آمنوا بقسطهم ، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حيث آمنوا وعملوا الصالحات ، لأن الشرك ظلم . قال الله تعالى ﴿ إن الشرك لظلم عظيم﴾ والعصاة أيضا قد ظلموا أنفسهم. قال الله تعالى الفخر الرازي ج١٧ م٣ ٣٤ قوله تعالى (( هو الذي جعل الشمس ضياء )) سورة يونس هُوَ الَّذِىِ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ, مَنَزِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ أَلِِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ) وهذا الوجه أقوى ، لأنه في مقابلة قوله ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وأما قوله تعالى ﴿ والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدي: الحميم: الذي سخن بالنار حتى انتهى حره. يقال : حممت الماء أي سخنته ، فهو حميم . ومنه الحمام . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمنا وبين أن يكون كافرا ، لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين . وأجاب القاضي عنه : بأن ذكرهذين القسمين لا يدل على نفي القسم الثالث . والدليل عليه قوله تعالى ﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على اربع﴾ ولم يدل ذلك على نفي القسم الرابع، بل نقول: إن في مثل ذلك ربما يذكر المقصود أو الأكثر، ويترك ذكر ما عداه، إذا كان قد بين في موضع آخر. وقد بين الله تعالى القسم الثالث في سائر الآيات . والجواب أن نقول : إنما يترك القسم الثالث الذي يجري مجرى النادر ومعلوم أن الفساق أكثر من أهل الطاعات ، وكيف يجوز ترك ذكرهم في هذا الباب ؟ وأما قوله تعالى ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ فانما ترك ذكر القسم الرابع والخامس ، لأن أقسام ذوات الأرجل كثيرة ، فكان ذكرها بأسرها يوجب الاطناب بخلاف هذه المسألة ، فانه ليس ههنا الا القسم الثالث ، وهو الفاسق الذي يزعم الخصم أنه لا مؤمن ولا كافر ، فظهر الفرق . قوله تعالى ﴿ هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ في الآية مسائل : ٣٥ قوله تعالى ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا )) سورة يونس المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الالهية ، ثم فرع عليها صحة القول بالحشر والنشر، عاد مرة أخرى الى ذكر الدلائل الدالة على الالهية . واعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد والالهية في التمسك بخلق السموات والارض ، وهذا النوع إشارة إلى التمسك بأحوال الشمس والقمر ، وهذا النوع الاخير إشارة الى ما يؤكد الدليل الدال على صحة الحشر والنشر، وذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر والنشر، بناء على أنه لا بد من إيصال الثواب الى اهل الطاعة، وإيصال العقاب الى أهل الكفر، وأنه يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسيء، ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ليتوصل المكلف بذلك الى معرفة السنين والحساب، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة والحراثة، واعداد مهمات الشتاء والصيف، فكأنه تعالى يقول: تمييز المحسن عن المسيء والمطيع عن العاصي، أوجب في الحكمة من تعليم أحوال السنين والشهور. فلما اقتضت الحكمة والرحمة خلق الشمس والقمر لهذا المهم الذي لا نفع له الا في الدنيا، فبأن تقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت، مع انه يقتضي النفع الأبدي والسعادة السرمدية، كان ذلك أولى. فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه وعلى صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه، لا جرم ذكر الله هذا الدليل بعد ذكر الدليل على صحة المعاد . ﴿ المسألة الثانية ﴾ الاستدلال بأحوال الشمس والقمر على وجود الصانع المقدر هو أن يقال : الأجسام في ذواتها متماثلة ، وفي ماهياتها متساوية ، ومتى كان الأمر كذلك كان اختصاص جسم الشمس بضوئه الباهر وشعاعه القاهر ، واختصاص جسم القمر بنوره المخصوص لأجل الفاعل الحكيم المختار ، أما بيان أن الاجسام متماثلة في ذواتها وماهياتها ، فالدليل عليه أن الاجسام لا شك أنها متساوية في الحجمية والتحيز والجرمية ، فلو خالف بعضها بعضا لكانت تلك المخالفة في أمر وراء الحجمية والجرمية ضرورة أن ما به المخالفة غير ما به المشاركة ، وإذا كان كذلك فنقول ان ما به حصلت المخالفة من الأجسام إما أن يكون صفة لها او موصوفا بها أو لا صفة لها ولا موصوفا بها والكل باطل . ﴿ أما القسم الأول ﴾ فلان ما به حصلت المخالفة لو كانت صفات قائمة بتلك الذوات ، فتكون الذوات في أنفسها ، مع قطع النظر عن تلك الصفات ، متساوية في تمام الماهية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ما يصح على جسم ، وجب أن يصح على كل جسم ، وذلك هو المطلوب . ٠ ٣٦ قوله تعالى ((هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا)) سورة يونس وأما القسم الثاني ﴾ وهو أن يقال : إن الذي به خالف بعض الاجسام بعضا، أمور موصوفة بالجسمية والتحيز والمقدار. فنقول : هذا أيضا باطل . لأن ذلك الموصوف، إما أن يكون حجما ومتحيزا أو لا يكون ، والأول باطل ، وإلا لزم افتقاره الى محل آخر، ويستمر ذلك الى غير النهاية . وأيضا فعلى هذا التقدير يكون المحل مثلا للحال ، ولم يكن كون أحدهما محلا والآخر حالا ، أولى من العكس ، فيلزم كون كل واحد منهما محلا للآخر وحالا فيه ، وذلك محال ، وأما ان كان ذلك المحل غير متحيز ، وله حجم . فنقول : مثل هذا الشيء لا يكون له اختصاص بحيز ولا تعلق بجهة والجسم مختص بالحيز ، وحاصل في الجهة ، والشيء الذي يكون واجب الحصول في الحيز والجهة ، يمتنع أن يكون حالا في الشيء الذي يمتنع حصوله في الحيز والجهة . وأما القسم الثالث ﴾ وهو أن يقال : ما به خالف جسم جسما ، لا حال في الجسم ولا محل له ، فهذا أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير يكون ذلك الشيء شيئا مباينا عن الجسم لا تعلق له به ، فحينئذ تكون ذوات الاجسام من حيث ذواتها متساوية في تمام الماهية ، وذلك هو المطلوب ، فثبت أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية . وإذا ثبت هذا فنقول الاشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية ، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي ، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر ، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضا ، وبالعكس . وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر ، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد موجد . وتقدير مقدر ، وذلك هو المطلوب ، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل ، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل ، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ﴾ وهو المطلوب. ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أبو علي الفارسي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض ، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك قام قياما ، وصام صياما ، وعلى أي الوجهين حملته ، فالمضاف محذوف، والمعنى جعل الشمس ذات ضياء ، والقمر ذا نور ، ويجوز أن يكون من غير ذلك لأنه لما عظم الضوء والنور فيهما جعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم أنه كرم وجود . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الواحدي : روى عن ابن كثير من طريق قنبل ﴿ضئاء﴾ ٣٧٠ قوله تعالى (( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا )) سورة يونس بهمزتين وأكثر الناس على تغليطه فيه ، لأن ياء ضياء منقلبة من واو مثل ياء قيام وصيام ، فلا وجه للهمزة فيها . ثم قال : وعلى البعد يجوز أن يقال قدم اللام التي هي الهمزة إلى موضع العين ، وأخر العين التي هي واو ، الى موضع اللام ، فلما وقعت طرفا بعد ألف زائدة انقلبت همزة ، كما انقلبت في سقاء وبابه . والله أعلم . ﴿ المسألة الخامسة ) اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد والاضعف، فان نور الصباح أضعف من النور الحاصل في أول النهار قبل طلوع الشمس ، وهو أضعف من النور الحاصل في افنية الجدران عند طلوع الشمس ، وهو أضعف من النور الساطع من الشمس على الجدران ، وهو أضعف من الضوء القائم بجرم الشمس، فكمال هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس ، وهو في الامكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس ، فهو من مواقف العقول . واختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض ؟ والحق أنه عرض ، وهو كيفية مخصوصة ، وإذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في هذا العالم بتأثير قرص الشمس او لأجل ان الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه الكيفية في الاجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة ، فهي مباحث عميقة ، وإنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات . وإذا عرفت هذا فنقول : النور اسم لأصل هذه الكيفية ، وأما الضوء ، فهو اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية ، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكيفية القائمة بالشمس ﴿ضياء﴾ والكيفية القائمة بالقمر وقال في موضع آخر ﴿وجعل فيها سراجاً وقمرا منيرا﴾ وقال في آية أخرى ﴿وجعل الشمس سراجا﴾ وفي آية أخرى ﴿وجعلنا سراجا وهاجا﴾ ﴿ المسألة السادسة) قوله ﴿وقدره منازل﴾ نظيره. قوله تعالى في سورة يس ﴿والقمر قدرناه منازل ﴾ وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون المعنى وقدر مسيره منازل . والثاني: أن يكون المعنى وقدره ذا منازل . ﴿ المسألة السابعة ﴾ الضمير في قوله ﴿وقدره﴾ فيه وجهان: الأول : أنه لهما، وإنما وحد الضمير للايجاز ، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم ، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر ، ونظيره قوله تعالى ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ والثاني : أن يكون هذا الضمير راجعا إلى القمر وحده ، لأن بسير القمر تعرف الشهور ، وذلك لأن الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الأهلية ، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية ، كما قال تعالى ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ﴾ ٣٨ قوله تعالى (( وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب )) سورة يونس ﴿ المسألة الثامنة ) اعلم ان انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم ، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل . وبحركة الشمس تنفصل السنة الى الفصول الاربعة ، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم .. وبحركة القمر تحصل الشهور ، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم . وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل ، فالنهار يكون زمانا للتكسب والطلب ، والليل يكون زمانًا للراحة ، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فیما سلف ، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم ، فانا قد دللنا على ان الاجسام متساوية . ومتى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين ووضعه المعين، وحيزه المعين ، وصفته المعينة ، ليس الا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر . وذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ومسير الشمس والقمر والكواكب ، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم الحكيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله ﴿ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ ومعناه أنه تعالى خلقه على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة، ونظيره قوله تعالى في آل عمران ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك﴾ وقال في سورة أخرى ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بینھما باطلا ذلك ظن الذین کفر وا﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الجبر، لأنه تعالى لو كان مريدا لكل ظلم ، وخالقا لكل قبيح ، ومريدا لاضلال من ضل ، لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق . المسألة الثانية ﴾ قال حكماء الاسلام : هذا يدل على أنه سبحانه أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواص معينة وقوى مخصوصة ، باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي. إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم ، لكان خلقها عبثا وباطلا وغير مفيد ، وهذه النصوص تنافي ذلك ، والله أعلم . ثم بين تعالى أنه يفصل الآيات ، ومعنى التفصيل هو ذكر هذه الدلائل الباهرة ، واحدًا عقيب الآخر ، فصلا فصلا مع الشرح والبيان . وفي قوله ﴿نفصل﴾ قراءتان: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿ يفصل ﴾ بالياء وقرأ الباقون بالنون . ثم قال ﴿ لقوم يعلمون ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المراد منه العقل الذي يعم الكل . ٣٩ قوله تعالى (( إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله )) سورة يونس إِنَّ فِى أَخْتَفِ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِ السَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَنْتِ لِقَوْمُ يَتَّقُونَ والثاني: أن المراد منه من تفكر وعلم فوائد مخلوقاته وآثار إحسانه ، وحجة القول الأول : عموم اللفظ ، وحجة القول الثاني : أنه لا يمتنع أن يخص الله سبحانه وتعالى العلماء بهذا الذكر ، لأنهم هم الذين انتفعوا بهذه الدلائل ، فجاء كما في قوله ﴿ إنما أنت منذر من يخشاه﴾ مع أنه عليه السلام كان منذرا للكل . قوله تعالى ﴿ إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ﴾ اعلم أنه تعالى استدل على التوحيد والالهيات أولا : بتخليق السموات والأرض ، وثانيا : بأحوال الشمس والقمر ، وثالثا : في هذه الآية بالمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار ، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة في تفسير قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ورابعا : بكل ما خلق الله في السموات والأرض ، وهي أقسام الحوادث الحادثة في هذا العالم ، وهي محصورة في أربعة أقسام: أحدها : الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة ، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار والثلوج . ويدخل فيها أيضا أحوال المد والجزر ، وأحوال الصواعق والزلازل والخسف . وثانيها : أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة . وثالثها : اختلاف أحوال النبات . ورابعها : اختلاف أحوال الحيوانات ، وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ والاستقصاء في شرح هذه الأحوال مما لا يمكن في ألف مجلد ، بل كل ما ذكره العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب . ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الدلائل قال ﴿ لآيات لقوم يتقون ﴾ فخصها بالمتقين ، لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر الى التدبر والنظر . قال القفال : من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها ، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم ، بل جعلها لهم دار عمل . وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ، ثم من ثواب وعقاب ، ليتميز المحسن عن المسيء فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول باثبات المبدأ وإثبات المعاد . ٤٠ قوله تعالى (( ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا)) سورة يونس إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْخَيَزَةِ الدُّنْيَا وَطْمَأَ نُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ أُوْلَبِكَ مَأْوَنهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ءَايَتِنَا غَفُونَ ( ٧ قوله تعالى ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون. أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ﴾ اعلم أنه تعالى لما أقام الدلائل القاهرة على صحة القول باثبات الاله الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها ، وفي شرح أحوال من يؤمن بها . فأما شرح أحوال الكافرين فهو المذكور في هذه الآية . واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات أربعة : الصفة الأولى﴾ قوله ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا) وفيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ في تفسير هذا الرجاء قولان : القول الأول ﴾ وهو قول ابن عباس ومقاتل والكلبي : معناه : لا يخافون البعث ، والمعنى : أنهم لا يخافون ذلك لأنهم لا يؤمنون بها . والدليل على تفسير الرجاء ههنا بالخوف قوله تعالى ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها﴾ وقوله ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ وتفسير الرجاء بالخوف جائز كما قال تعالى ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ قال الهذلي : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ﴿ والقول الثاني) تفسير الرجاء بالطمع، فقوله ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يطمعون في ثوابنا ، فیکون هذا الرجاء هو الذي ضدہ الیاس ، کما قال ﴿ قد يئسوا من الآخرة کما یئس الكفار ﴾ واعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد ، لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ، ولا مانع ههنا من حمل الرجاء على ظاهره البتة ، والدليل عليه أن لقاء الله إما أن يكون المراد منه تجلي جلال الله تعالى للعبد وإشراق نور كبريائه في روحه ، وإما أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب الله تعالى والى رحمته . فان كان الأول فهو أعظم الدرجات وأشرف السعادات وأكمل الخيرات ، فالعاقل كيف لا يرجوه ، وكيف لا يتمناه ؟ وإن كان الثاني فكذلك ، لأن كل أحد یرجو من الله تعالی أن یوصله إلى ثوابه ومقامات رحمته ، وإذا کان کذلك فکل من آمن بالله فهو