Indexed OCR Text
Pages 201-220
أ ٢٠١ قوله تعالى ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا)) سورة التوبة ثم قال تعالى ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهر وا والله يحب المطهرين ) وفيه مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين: أحدهما : أنه بني على التقوى ، وهو الذي تقدم تفسيره . والثاني : إن فيه رجالا يحبون أن يتطهروا ، وفي تفسير هذه الطهارة قولان : الأول : المراد منه التطهير عن الذنوب والمعاصي ، وهذا القول متعين لوجوه : أولها : أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه . والثاني : أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين المسلمين ، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم . وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي . والثالث : أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي ، أما لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي ، ولم تحصل نظافة الظاهر ، كأن طهارة الباطن لها أثر ، فكان طهارة الباطن أولى . الرابع : روى صاحب الكشاف: أنه لما نزلت هذه الآية مشى رسول الله ( ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء ، فاذا الأنصار جلوس، فقال ((أمؤمنون أنتم)) فسكت القوم ثم أعادها . فقال عمر: يا رسول الله إنهم المؤمنون وأنا معهم؛ فقال عليه السلام ((أترضون بالقضاء)) قالوا نعم. قال ((أتصبرون على البلاء)) قالوا نعم، قال ((أتشكرون في الرخاء)) قالوا نعم. قال عليه السلام ((مؤمنون ورب الكعبة)) ثم قال ((يا معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء)) قالوا: نتبع الماء الحجر. فقرأ النبي عليه السلام ((فيه رجال يحبون أن يتطهر وا) الآية . والقول الثاني ﴾ أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر. وهو قول أكثر المفسرين من أهل الأخبار . ﴿ والقول الثالث﴾ أنه محمول على كلا الأمرين، وفيه سؤال: وهو أن لفظ الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينينة ، ومجاز في البراءة عن المعاصي والذنوب ، واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً لا يجوز . والجواب : أن لفظ النجس اسم للمستقذر ، وهذا القدر مفهوم مشترك فيه بين القسمين وعلى هذا التقدير ، فانه يزول السؤال ك ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول ، وهو كون المسجد مبنياً على التقوى ، فقال ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير ) وفيه مباحث . ٢٠٢ قوله تعالى (( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)) سورة التوبة · البحث الأول ﴾ البنيان مصدر كالغفران، والمراد ههنا المبني ، وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور ، يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد ، والمراد مضروبة ومنسوجه ، وقال الواحدي : يجوز أن يكون البيان جمع بنيانة إذا جعلته اسما ، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد . ﴿ البحث الثاني﴾ قرأ نافع وابن عامر ( أفمن أسس بنيانه) على فعل ما لم يسم فاعله ، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس ، أما قوله ( على تقوى من الله ورضوان ) أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه ، وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة ، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه ، والرغبة في ثوابه ، كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والاضرار بعباد الله ، أما قوله (أم من أسس بنيانة على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ) ففيه مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم (جرف) ساكنة الرا والباقون بضم الراء وهما لغتان ، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق . ﴿ البحث الثاني ﴾ قال أبو عبيدة : الشفا الشفير، وشفا الشيء حرفه، ومنه يقال أشفي على كذا إذا دنا منه ، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة . فذلك الشيء هو الجرف ، وقوله ( هار ) قال الليث : الهور مصدر هار الجرف يهور ، إذا انصدع من خلفه ، وهو ثابت بعد في مكانه ، وهو جرف هار هائر ، فاذا سقط فقد انهار وتهور. إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول: المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير ، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء ، وهو الباطل ؟ والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فلكونه ( شفا جرف هار) كان مشرفاً على السقوط ، ولكونه على طرف جهنم ، كان إذا انهار فانما ينهار في قعر جهنم ، ولا نرى في العالم مثالا آخر أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال! وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر، فكان البناء الأول شريفا واجب الابقاء، وكان الثاني خسيسا واجب الهدم . / ثم قال تعالى ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم﴾ والمعنى: أن بناء ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سببا للريبة. وفي كونه سببا للريبة وجوه: الأول: ان المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار، فلما امر الرسول وَ ليه بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته. الثاني: أن الرسول ٢٠٣ قوله تعالى ((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم)) سورة التوبة إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم ◌ِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَدِلُونَ فِى سَبِيلٍ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًّا عَلَيْهِ حَقّا فِى الْتَّوْرَيِةِ وَآلْإِنِلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْثَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللّهِ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبْعِكُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اُلْعَظِيمَ عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما امر بتخريبه لأجل الحسد فارتفع امانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه او يأمر بقتلهم ونهب أموالهم؟ الثالث: أنهم اعتقدوا انهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب امر بتخريبه؟ الرابع: بقوا شاكين مرتابين في أن الله تعالى هل يغفر تلك المعصية؟ أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد، والصحيح هو الوجه الأول . ثم قال ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ وفيه مباحث : البحث الأول) قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة ( أن تقطع ) بفتح التاء والطاء مشددة بمعنى تتقطع ، فحذفت إحدى التاءين ، والباقون بضم التاء وتشديد الطاء على ما لم يسم فاعله ، وعن ابن كثير ( تقطع ) بفتح الطاء وتسكين القاف ( قلوبهم ) بالنصب أي تفعل أنت بقلوبهم هذا القطع ، وقوله ( تقطع قلوبهم ) أي تجعل قلوبهم قطعا ، وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالحزن والبكاء ، فحينئذ تزول تلك الريبة . والمقصود أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبدا ويموتون على هذا النفاق . وقيل : معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها ندما وأسفا على تفريطهم . وقيل حتى تنشق قلوبهم غما وحسرة ، وقرأ الحسن ( إلى أن ) وفي قراءة عبد الله ( ولو قطعت قلوبهم) وعن طلحة ( ولو قطعت قلوبهم) على خطاب الرسول ◌َليل أو كل مخاطب . ثم قال ﴿ والله عليم حكيم ﴾ والمعنى: عليم بأحوالهم ، حكيم في الأحكام التي يحكم بها عليهم . / قوله تعالى ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) ٢٠٤ قوله تعالى ((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم )) سورة التوبة اعلم أنه تعالى لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم ، وفرع على كل قسم ما كان لائقا به ، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته فقال ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال القرطبي: لما بايعت الأنصار رسول الله و ليه ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسا ، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال ((اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون أنفسكم وأموالكم » قالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال ((الجنة)) قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل . فنزلت هذه الآية . قال مجاهد والحسن ومقاتل : ثامنهم فأغلى ثمنهم . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال أهل المعاني: لا يجوز أن يشتري الله شيئا في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك ، ولهذا قال الحسن : اشترى أنفسا هو خلقها ، وأموالا هو رزقها ، لكن هذا ذكره تعالى لحسن التلطف في الدعاء إلى الطاعة ، وحقيقة هذا أن المؤمن متى قاتل في سبيل الله حتى يقتل ، فتذهب روحه ، وينفق ماله في سبيل الله ، أخذ من اللّه في الآخرة الجنة جزاء لما فعل، فجعل هذا استبدالا وشراء ، هذا معنى قوله ( اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) أي بالجنة ، وكذا قراءة عمر بن الخطاب والأعمش . قال الحسن : اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة ، بايع الله بها كل مؤمن ، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة . وقال الصادق عليه الصلاة والسلام (( ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها )) وقوله (وأموالهم ) يريد التي ينفقونها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم ، وفي الآية لطائف : اللطيفة الأولى﴾ المشتري لا بد له من بائع، وههنا البائع هو الله والمشتري هو الله، وهذا إنما يصح في حق القيم بأمر الطفل الذي لا يمكنه رعاية المصالح في البيع والشراء ، وصحة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة العظيمة، فهذا المثل جار مجرى التنبيه على كون العبد شبيها بالطفل الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه، وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه بشرط الغبطة التامة ، والمقصود منه التنبيه على السهولة والمسامحة ، والعفو عن الذنوب، والايصال إلى درجات الخيرات ومراتب السعادات . ٢٠٥ قوله تعالى (( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)) سورة التوبة واللطيفة الثانية ﴾ أنه تعالى أضاف الأنفس والأموال اليهم ، فوجب أن كون الأنفس والأموال مضافة اليهم يوجب أمرين مغايرين لهم ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن الانسان عبارة عن الجوهر الأصلي الباقي ، وهذا البدن يجري مجرى الآلة والأدوات والمركب ، وكذلك المال خلق وسيلة إلى رعاية مصالح هذا المركب ، فالحق سبحانه اشترى من الانسان هذا المركب وهذا المال بالجنة ، وهو التحقيق . لأن الانسان ما دام يبقى متعلق القلب بمصالح عالم الجسم المتغير المتبدل ، وهو البدن والمال ، امتنع وصوله إلى السعادات العالية والدرجات الشريفة ، فاذا انقطع التفاته اليها وبلغ ذلك الانقطاع إلى أن عرض البدن للقتل ، والمال للانفاق في طلب رضوان الله ، فقد بلغ إلى حيث رجح الهدى على الهوى ، والمولى على الدنيا ، والآخرة على الأولى ، فعند هذا يكون من السعداء الأبرار والأفاضل الأخيار ، فالبائع هو جوهر الروح القديسة والمشتري هو الله ، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني ، والعوض الثاني الجنة الباقية والسعادات الدائمة ، فالربح حاصل والهم والغم زائل ، ولهذا قال ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) . ثم قال ﴿ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ﴾ قال صاحب الكشاف : قوله ( يقاتلون) فيه معنى الأمر كقوله ( تجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) وقيل جعل ( يقاتلون ) كالتفسير لتلك المبايعة ، وكالأمر اللازم لها. قرأ حمزة والكساني بتقديم المفعول على الفاعل وهو كونهم مقتولين على كونهم قاتلين ، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول . أما تقديم الفاعل على المفعول فظاهر ، لأن المعنى أنهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم الى أن يصيروا مقتولين . وأما تقديم المفعول على الفاعل ، فالمعنى : أن طائفة كبيرة من المسلمين ، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعا للباقين عن المقاتلة ، بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء . قاتلين لهم بقدر الامكان ، وهو كقوله ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ) أي ما وهن من بقي منهم . واختلفوا في أنه هل دخل تحت هذه الآية مجاهدة الأعداء بالحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا؟ فمنهم من قال : هو مختص بالجهاد بالمقاتلة ، لأنه تعالى فسر تلك المبايعة بالمقاتلة بقوله ( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) ومنهم من قال : كل أنواع الجهاد داخل فيه ، بدليل الخبر الذي رويناه عن عبد الله بن رواحة . وأيضا فالجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل آثارا من القتال، ولذلك قال ◌َ له العلي رضى الله عنه ((لأن يهدي الله على يدك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس)) ولأن الجهاد بالمقاتلة لا يحسن أثرها إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة . وأما الجهاد بالحجة فانه غني عن الجهاد بالمقاتلة . والأنفس جوهرها جوهر شريف خصه الله تعالى بمزيد الاكرام في هذا العالم ، ولا فساد في ٢٠٦ قوله تعالى (( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به)) سورة التوبة ذاته ، إنما الفساد في الصفة القائمة به ، وهي الكفر والجهل . ومتى أمكن إزالة الصفة الفاسدة ، مع إبقاء الذات والجوهر كان أولى . ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعا به من بعض الوجوه ، لاجرم حث الشرع على إبقائه، فقال ((هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به )) فالجهاد بالحجة يجري مجرى الدباغة ، وهو إبقاء الذات مع إزالة الصفة الفاسدة.، والجهاد بالمقاتلة يجري مجرى إفناء الذات ، فكان المقام الأول أولى وأفضل . ثم قال تعالى ﴿وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن﴾ قال الزجاج : نصب (وعدا) على المعنى ، لأن معنى قوله ( بأن لهم الجنة ) أنه وعدهم الجنة ، فكان وعدا مصدرا مؤكدا . واختلفوا في أن هذا الذي حصل في الكتب ما هو ؟ فالقول الأول ﴾ أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت ، فقد أثبته الله في التوراة والانجيل كما أثبته في القرآن . ﴿ والقول الثاني ﴾ المراد أن الله تعالى بين في التوراة والانجيل أنه اشترى من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، كما بين في القرآن . ﴿ والقول الثالث ) أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع . ثم قال تعالى ﴿ومن أوفى بعهده من الله ﴾ والمعنى: أن نقض العهد كذب ، وأيضا أنه مكر وخديعة ، وكل ذلك من القبائح ، وهي قبيحة من الانسان مع احتياجه اليها ، فالغنيّ عن كل الحاجات أولى أن يكون منزها عنها . وقوله (ومن أوفى بعهده) استفهام بمعنى الانكار ، أي لا أحد أوفى بما وعد من الله . ثم قال ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات : فأولها : قوله ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة ، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد . والثاني : أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء ، وذلك حق مؤكد . وثالثها: قوله (وعدا) ووعد الله حق. ورابعها: قوله (عليه) وكلمة ((على)) للوجوب . وخامسها : قوله ( حقا) وهو التأكيد للتحقيق . وسادسها : قولها ( في التوراة والانجيل والقرآن ) وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الالهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة . وسابعها : قوله ( ومن أوفى بعهده من الله ) وهو غاية في التأكيد . وثامنها : قوله ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) وهو أيضا مبالغة في التأكيد . وتاسعها : قوله ( وذلك هو ٢٠٧ قوله تعالى (( التائبون العابدون الحامدون السائحون )) سورة التوبة الََّهُونَ الْعَبِدُونَ الْخَمِدُونَ السََّبِحُونَ الَّكِعُونَ السَِّدُونَ الْلَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْخَفِطُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنَ (٥) الفوز ) وعاشرها : قوله ( العظيم ) فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق . ونختم الآية بخاتمة وهي أن أبا القاسم البلخي استدل بهذه الآية على أنه لا بد من حصول الأعواض عن آلام الأطفال والبهائم ، قال لأن الآية دلت على أنه لا يجوز إيصال ألم القتل ، وأخذ الأموال إلى البالغين إلا بثمن هو الجنة ، فلا جرم قال ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) فوجب أن يكون الحال كذلك في الأطفال والبهائم ، ولو جاز عليهم التمني، لتمنوا أن آلامهم تتضاعف حتى تحصل لهم تلك الأعواض الرفيعة الشريفة ، ونحن نقول : لا ننكر حصول الخيرات للأطفال والحيوانات في مقابلة هذه الآلام ، وإنما الخلاف وقع في أن ذلك العوض عندنا غير واجب ، وعندكم واجب ، والآية ساكتة عن بيان الوجوب . قوله تعالى ﴿ التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه ( اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) بين في هذه الآية أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة . وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى ﴾ في رفع قوله ( التائبون العابدون الحامدون السائحون) وجوه : الأول : أنه رفع على المدح ، والتقدير : هم التائبون ، يعني المؤمنين المذكورين في قوله ( اشترى من المؤمنين أنفسهم ) هم التائبون . الثاني : قال الزجاج : لا يبعد أن يكون مُوله ( التائبون ) مبتدأ ، وخبره محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضا ، وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى ( وكلا وعد الله الحسنى ) وهذا وجه حسن ، لأن على هذا التقدير يكون الوعد بالجنة حاصلا لجميع المؤمنين ، واذا جعلنا قوله ( التائبون ) تابعا لأول الكلام كان الوعد بالجنة حاصلاً للمجاهدين . الثالث ( التائبون ) مبتدأ أو رفع على البدل من الضمير في قوله ( يقاتلون ) الرابع : قوله ( التائبون ) مبتدأ ، وقوله ( العابدون ) إلى آخر الآية خبر بعد خبر ، أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال . وقرأ أبي وعبد الله ٢٠٨ قوله تعالى ((التائبون العابدون الحامدون السائحون)) سورة التوبة ( التائبين ) بالياء إلى قوله ( والحافظين ) وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك نصبا على المدح . الثاني : أن يكون جرا ، صفة للمؤمنين . المسألة الثانية ﴾ في تفسير هذه الصفات التسعة . فالصفة الأولى ﴾ قوله ( التائبون ) قال ابن عباس رضى الله عنه: التائبون من الشرك . وقال الحسن : التائبون من الشرك والنفاق . وقال الأصوليون : التائبون من كل معصية ، وهذا أولى ، لأن التوبة قد تكون توبة من الكفر ، وقد تكون من المعصية . وقوله ( التائبون ) صيغة عموم محلاة بالألف واللام ، فتتناول الكل فالتخصيص بالتوبة عن الكفر محض التحكم . واعلم أنا بالغنا في شرح حقيقة التوبة في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) واعلم أن التوبة إنما تحصل عند حصول أمور أربعة : أولها : احتراق القلب في الحال على صدور تلك المعصية عنه ، وثانيها : ندمه على ما مضى ، وثالثها : عزمه على الترك في المستقبل ، ورابعها أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته ، فان كان غرضه منها دفع مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو سائر الأغراض ، فهو ليس من التائبين . والصفة الثانية ) قوله تعالى (العابدون) قال ابن عباس رضى الله عنهما : الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم . وقال المتكلمون هم الذين أتوا بالعبادة ، وهي عبارة عن الاتيان بفعل مشعر بتعظيم الله تعالى على أقصى الوجوه في التعظيم ، ولابن عباس رضى الله عنهما أن يقول: إن معرفة الله والاقرار بوجوب طاعته عمل من أعمال القلب ، وحصول الاسم في جانب الثبوت يكفي فيه حصول فرد من أفراد تلك الماهية . قال الحسن ( العابدون ) هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء . وقال قتادة : قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم . الصفة الثالثة) قوله ( الحامدون) وهم الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه دينا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وقد ذكرنا أن التسبيح والتهليل والتحميد صفة الذين كانوا يعبدون الله قبل خلق الدنيا، وهم الملائكة، لأنه تعالى أخبر أنهم قالوا قبل خلق آدم (ونحن نسبح بحمدك)، وهو صفة الذين يعبدون الله بعد خراب الدنيا . لأنه تعالى أخبر عن ٢٠٩ قوله تعالى ((السائحون الراكعون الساجدون)) سورة التوبة أهل الجنة بأنهم يحمدون الله تعالى ، وهو (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) وهم المرادون بقوله ( والحامدون ) الصفة الرابعة) قوله (السائحون) وفيه أقوال: ﴿القول الأول﴾ قال عامة المفسرين هم الصائمون. وقال ابن عباس: كل ما ذكر في القرآن من السياحة، فهو الصيام. وقال النبي عليه الصلا والسلام ((سياحة امتي الصيام)) وعن الحسن: ان هذا صوم الفرض. وقيل هم الذين يديمون الصيام، وفي المعنى الذي لأجله حسن تفسير السائح بالصائم، وجهان: الأول : قال الأزهري : قيل للصائم سائح، لأن الذي - يسيح في الأرض متعبدا لازاد معه، كان ممسكا عن الأكل، والصائم يمسك عن الأكل، فلهذه المشابهة سمى الصائم سائحا. الثاني: ان اصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح والصائم يستمر على فعل الطاعة، وترك المشتهى، وهو الأكل والشرب والوقاع، وعندي فيه وجه آخر، وهو ان الانسان إذا امتنع من الأكل والشرب والوقاع وسد على نفسه ابواب الشهوات، انفتحت عليه ابواب الحكمة، وتجلت له انوار عالم الجلال، ولذلك، قال عليه الصلاة والسلام ((من أخلص لله اربعين صباحا ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)) فيصير من السائحين في عالم جلال الله المنتقلين من مقام الى مقام، ومن درجة الى درجة، فيحصل له سياحة في عالم الروحانيات . والقول الثاني ﴾ أن المراد من السائحين طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم ، وهو قول عكرمة ، وعن وهب بن منبه : كانت السياحة في بني اسرائيل ، وكان الرجل إذا ساح أربعين سنة رأى ما كان يرى السائحون قبله . فساح ولد بغي منهم أربعين سنة فلم ير شيئا ، فقال يا رب ما ذنبي بأن أساءت أمي ، فعند ذلك أراه الله ما أرى السائحين. وأقول للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس ، فلا بد من الصبر عليها ، وقد ينقطع زاده ، فيحتاج إلى التوكل على الله ، وقد يلقى أفاضل مختلفين ، فيستفيد من كل أحد فائدة مخصوصة ، وقد يلقى الأكابر من الناس ، فيستحقر نفسه في مقابلتهم ، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة ، فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته ، وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين . والقول الثالث ﴾ قال أبو مسلم ( السائحون ) السائرون في الأرض ، وهو مأخوذ من السيح ، سيح الماء الجاري ، والمراد به من خرج مجاهدا مهاجرا ، وتقريره أنه تعالى حث الفخر الرازي ج١٦ م١٤ ٢١٠ قوله تعالى ((والحافظون لحدود الله)) سورة التوبة المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد ، ثم ذكر هذه الآية في بيان صفات المجاهدين ، فينبغي أن يكونوا موصوفين بمجموع هذه الصفات . الصفة الخامسة والسادسة ﴾ قوله ( الراكعون الساجدون ) والمراد منه إقامة الصلوات . قال القاضي : وإنما جعل ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة ، وهو قيامه وقعوده . والذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود ، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره ويمكن أن يقال : القيام أول مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها . فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيها على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم . الصفة السابعة والثامنة ﴾ قوله ( الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ) واعلم أن كتاب أحكام الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ؛ كتاب كبير مذكور في علم الأصول . فلا يمكن إيراده ههنا . وفيه إشارة إلى إيجاب الجهاد ، لأن رأس المعروف الايمان بالله ، ورأس المنكر الكفر بالله . والجهاد يوجب الترغيب في الايمان ، والزجر عن الكفر. والجهاد داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وأما دخول الواو في قوله ( والناهون عن المنكر ) ففيه وجوه . الوجه الأول ﴾ أن التسوية قد تجيء بالواوتارة وبغير الواو أخرى. قال تعالى (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ) فجاء بعض الواو ، وبعض بغير الواو . الوجه الثاني ﴾ أن المقصود من هذه الآيات الترغيب في الجهاد فالله سبحانه ذكر الصفات الستة، ثم قال (الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ) والتقدير : أن الموصوفين بالصفات الستة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقد ذكرنا أن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورئيسه؛ هو الجهاد، فالمقصود من إدخال الواو عليه التنبيه على ما ذكرنا . ﴿ الوجه الثالث ) في إدخال الواو على هؤلاء ، وذلك لأن كل ما سبق من الصفات عبادات يأتي بها الانسان لنفسه ، ولا تعلق لشيء منها بالغير ، أما النهي عن المنكر فعبادة متعلقة بالغير ، وهذا النهي يوجب ثوران الغضب وظهور الخصومة ، وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي وربما حاول قتله ، فكان النهي عن المنكر أصعب أقسام العبادات والطاعات ، فأدخل عليها الواو تنبيها على ما يحصل فيها من زيادة المشقة والمحنة . الصفة التاسعة ) قوله (والحافظون لحدود الله ) والمقصود أن تكاليف الله كثيرة وهي ٢١١ قوله تعالى ((والحافظون لحدود الله )) سورة التوبة محصورة في نوعين : أحدهما : ما يتعلق بالعبادات . والثاني : ما يتعلق بالمعاملات . أما العبادات فهي التي أمر الله بها لا لمصلحة مرعية في الدنيا ، بل لمصالح مرعية في الدين ؛ وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والاعتاق والنذوز وسائر أعمال البر . وأما المعاملات فهي : إما لجلب المنافع وإما لدفع المضار . ﴿ والقسم الأول ﴾ وهو ما يتعلق بجلب المنافع : فتلك المنافع إما أن تكون مقصودة بالاصالة أو بالتبعية ؛ أما المنافع المقصودة بالاصالة ، فهي المنافع الحاصلة من طرف الحواس الخمسة : فأولها : المذوقات : ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة من الفقه . ولما كان الطعام قد يكون نباتا ، وقد يكون حيوانا ، والحيوان لا يمكن أكله إلا بعد الذبح ، والله تعالى شرط في الذبح شرائط مخصوصة ، فلأجل هذا دخل في الفقه كتاب الصيد والذبائح ، وكتاب الضحايا . وثانيها : الملموسات : ويدخل فيها باب أحكام الوقاع من جملتها ما يفيد حله ، وهو باب النكاح ، ومنه أيضا باب الرضاع ، ومنها ما هو بحث عن لوازم النكاح مثل المهر والنفقة والمسكن ويتصل به أحوال القسم والنشوز ، ومنها ما هو بحث عن الأسباب المزيلة للنكاح ، ويدخل فيه كتاب الطلاق والخلع والايلاء والظهار واللعان . ومن الأحكام المتعلقة بالملموسات : البحث عما يحل لبسه وعما لا يحل ، وعما يحل استعماله وعما لا يحل استعماله ؛ ومما لا يحل . استعماله الأواني الذهبية والفضية ؛ وقد طال كلام الفقهاء في هذا الباب. وثالثها : المبصرات وهي باب ما يحل النظر اليه وما لا يحل . ورابعها : المسموعات : وهو باب هل يحل سماعه أم لا؟ وخامسها : المشمومات ، وليس للفقهاء فيها مجال . وأما المنافع المقصودة بالتبع فهي الأموال ، والبحث عنها من ثلاثة أوجه : الأول : الأسباب المفيدة للملك وهي إما البيع أو غيره . أما البيع فهو إما بيع الاعيان ، أو بيع المنافع وبيع الأعيان . فاما أن يكون بيع العين بالعين ، أو بيع الدين بالعين وهو السلم ، أو بيع العين بالدين كما إذا اشترى شيئا في الذمة ، أو بيع الدين بالدين . وقيل : إنه لا يجوز . لما روى أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الكالىء بالكالىء ، ولكن حصل له مثال في الشرع وهو تقاضي الدينين . وأما بيع المنفعة فيدخل فيه كتاب الأجارة ، وكتاب الجعالة ، وكتاب عقد المضاربة . وأما سائر الأسباب الموجبة للملك فهي الارث ، والهبة ، والوصية ، وإحياء الموات ، والالتقاط ، وأخذ الفىء والغنائم ، وأخذ الزكوات وغيرها . ولا طريق إلى ضبط أسباب الملك إلا بالاستقراء وفيه نوعان . النوع الأول ﴾ من مباحث الفقهاء الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف في الشيء ، وهو باب الوكالة ، والوديعة وغيرهما . ٢١٢ قوله تعالى ((والحافظون لحدود الله)) سورة التوبة ﴿ والنوع الثاني﴾ الأسباب التي تمنع المالك من التصرف في ملك نفسه، وهو الرهن والتفليس والاجارة وغيرها ، فهذا ضبط أقسام تكاليف الله في باب جلب المنافع . ﴿ القسم الثاني﴾: وأما تكاليف الله تعالى في باب المضار فنقول: أقسام المضار خمسة لأن المضرة إما تحصل في النفوس او في الأموال أو في الأديان أو في الأنساب أو في العقول، أما المضمار الحاصلة في النفوس فهي إما أن تحصل في كل النفس ، والحكم فيه إما القصاص أو الدية أو الكفارة ، وأما في بعض من أبعاض البدن كقطع اليد وغيرها، والواجب فيه إما القصاص أو الدية أو الارش، وأما المضار الحاصلة في الأموال، فذلك الضرر إما أن يحصل على سبيل الاعلان والاظهار ، وهو كتاب الغصب او على سبيل الخفية وهو كتاب السرقة ، وأما المضار الحاصلة في الأديان ، فهي إما الكفر وإما البدعة، أما الكفر فيدخل فيه أحكام المرتدين ، وليس للفقهاء كتاب مقرر في أحكام المبتدعين وأما المضار الحاصلة في الأنساب فيتصل به تحريم الزنا واللواط وبيان العقوبة المشروعة فيهما، ويدخل فيه أيضا باب حد القذف وباب اللعان، وههنا بحث آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه، لأنه ربما كان ضعيفا فلا يلتفت إليه خصمه، فلهذا السرنصب الله تعالى الامام لتنفيذ الأحكام، ويجب أن يكون لذلك الامام نواب وهم الأمراء والقضاة فلما لم يجز أن يكون قول الغير على الغير مقبولًا إلا بالحجة، فالشرع أثبت لاظهار الحق حجة مخصوصة وهي الشهادة، ولا بد أن يكون للدعوى ولاقامة البينة شرائط مخصوصة فلا بد من باب مشتمل عليها، فهذا ضبط معاقد تكاليف الله تعالى وأحكامه وحدوده، ولما كانت كثيرة والله تعالى إنما بينها في كل القرآن تارة على وجه التفصيل، وتارة بأن أمر الرسول عليه السلام حتى يبينها للمكلفين، لا جرم أنه تعالى أجمل ذكرها في هذه الآية، فقال (والحافظون لحدود الله) وهو يتناول جملة هذه التكاليف . واعلم أن الفقهاء ظنوا أن الذي ذكروه هو بيان التكاليف وليس الأمر كذلك ، فان أعمال المكلفين قسمان : أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، وكتب الفقه مشتملة على شرح أقسام التكاليف المتعلقة بأعمال الجوارح ، فأما التكاليف المتعلقة بأعمال القلوب فلم يبحثوا عنها البتة ولم يصنفوا لها كتباً وأبواباً وفصولاً ، ولم يبحثوا عن دقائقها ، ولا شك أن البحث عنها أهم والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى ، لأن أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب والآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى ناطقة بذلك إلا أن قوله سبحانه ( والحافظون لحدود الله ) متناول لكل هذه الأقسام على سبيل الشمول والاحاطة . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات التسعة قال ( وبشر المؤمنين ) والمقصود منه أنه قال . : قوله تعالى ((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين )) سورة التوبة ٢١٣ مَا كَانَ لِلِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَهُمْ أَعَْبُ الْجَحِيمِ(٨) وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن نَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَ إِيَّاهُ فَلَّا تَبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلِّ تَبْرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرِهِيَمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ (10) في الآية المتقدمة ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) فذكر هذه الصفات التسعة ، ثم ذكر عقبها قوله ( وبشر المؤمنين ) تنبيهاً على أن البشارة المذكورة في قوله ( فاستبشروا ) لم تتناول إلا المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات . فان قيل : ما السبب في أنه تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل ، ثم ذكر تعالى عقيبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الاجمال في هذه الصفة التاسعة ؟ قلنا : لأن التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله ، والسياحة لطلب العلم ، والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أمور لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته ، فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل ، وأما البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء ، ومثل معرفة أحكام الجنايات وأيضاً فتلك الأمور الثمانية أعمال القلوب وإن كانت أعمال الجوارح ، إلا أن المقصود منها ظهور أحوال القلوب ، وقد عرفت أن رعاية أحوال القلوب أهم من رعاية أحوال الظاهر فلهذا السبب ذكر هذا القسم على سبيل التفصيل ، وذكر هذا القسم على سبيل الاجمال . قوله تعالى ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفر وا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ﴾ . اعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم ، وإن كانوا في غاية القرب من الانسان كالأب والأم ، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم ، والمقصود منه بيان وجوه مقاطعتهم على أقصى الغايات والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب وفيه مسائل : ٢١٤ قوله تعالى ((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)) سورة التوبة ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً. الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما فتح الله تعالى مكة سأل النبي عليه الصلاة والسلام ((أي أبويه أحدث به عهداً)) قيل أمك . فذهب إلى قبرها ووقف دونه ، ثم قعد عند رأسها وبكى فسأله عمه وقال : نهيتنا عن زيارة القبور والبكاء ، ثم زرت وبكيت ، فقال: ((قد أذن لي فيه ، فلما علمت ما هي فيه من عذاب الله وإني لا أغني عنها من الله شيئاً بكيت رحمة لها)) الثاني : روى عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له الرسول عليه الصلاة والسلام (( يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله)) فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال : أنا على ملة عبد المطلب ، فقال عليه الصلاة والسلام ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)) فنزلت هذه الآية قوله ( إنك لا تهدي من أحببت ) قال الواحدي : وقد استبعده الحسين بن الفضل لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولاً ، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في أول الاسلام ، وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد ، فأي بأس أن يقال إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية ، فان التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة فلعل المؤمنين كان يجوز لهم أن يستغفروا لأبويهم من الكافرين ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً يفعل ذلك ، ثم عند نزول هذه السورة منعهم الله منه ، فهذا غير مستبعد في الجملة . الثالث : يروى عن على أنه سمع رجلاً يستغفر لأبويه المشركين قال : فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : أليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية . الرابع: يروى أن رجلاً أتى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : كان أبي في الجاهلية يصل الرحم ، ويقري الضيف ، ويمنح من ماله . واين أبي ؟ فقال أمات مشركاً ؟ قال نعم . قال في ضحضاح من النار ، فولى الرجل يبكي فدعاه عليه الصلاة والسلام، فقال ((إن أبي وأباك وأبا ابراهيم في النار ، إن أباك لم يقل يوماً أعوذ بالله من النار )) . . ﴿ المسألة الثانية) قوله ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ يحتمل أن يكون المعنى ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف، وأن يكون معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي : فالأول : معناه أن النبوة والايمان يمنع من الاستغفار للمشركين . والثاني : معناه لا تستغفروا والأموان مقاربان . وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) وأيضا قال ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار. فطلب الغفران لهم جار مجرى طلب ٢١٥ قوله تعالى ((ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين)) سورة التوبة أن يخلف الله وعده ووعيده أنه لا يجوز. وأيضا لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم . فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين ، وذلك يوجب نقصان درجة النبي عليه الصلاة والسلام وحط مرتبته ، وأيضا أنه قال ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ وقال عنهم أنهم أصحاب الجحيم فهذا الاستغفار يوجب الخلف في أحد هذين النصين ، وإنه لا يجوز وقد جوز أبو هاشم أن يسأل العبد ربه شيئا بعد ما أخبر الله عنه أنه لا يفعله ، واحتج عليه بقول أهل النار ﴿ ربنا أخرجنا منها﴾ مع علمهم بأنه تعالى لا يفعل ذلك ، وهذا في غاية البعد من وجوه : الأول : أن هذا مبني على مذهبه أن أهل الآخرة لا يجهلون ولا يكذبون ، وذلك ممنوع ، بل نص القرآن يبطله ، وهو قوله ﴿ ثم لم تكن فتنهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين . أنظر كيف كذبوا على أنفسهم ) والثاني : أن في حقهم يحسن ردهم عن ذلك السؤال وإسكاتهم ، أما في حق الرسول عليه الصلاة والسلام فغير جائز، لأنه يوجب نقصان منصبه . والثالث : أن مثل هذا السؤال الذي يعلم أنه لا فائدة فيه إما أن يكون عبثا أو معصية . وكلاهما جائزان على أهل النار . وغير جائزين على أكابر الانبياء عليهم السلام . ﴿ المسألة الثالثة) أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار ، وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأقارب أو من الأباعد ، فلهذا السبب قال تعالى ﴿ولو كانوا أولى قربى﴾ وكون سبب النزول ما حكينا ، يقوي هذا الذي قلناه . أما قوله تعالى ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمدا من بعض ما أذن لا براهيم فيه . والثاني : أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم . ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد عليه الصلاة والسلام ، بل المبالغة في تقريره وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضاً في دين ابراهيم عليه السلام، فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى. الثالث: أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليما أي قليل الغضب، وبكونه أوّاها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس، والمقصود ان من كان موصوفا بهذه الصفات كان ميل قلبه الى الاستغفار لأبيه شديدا، فكأنه قيل: إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفا بالأواهية والحليمية منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر، فلأن يكون غيره ممنوعا من هذا المعنى كان أولى . المسألة الثانية ﴾ دل القرآن على ان إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه . قال تعالى ٠ ٢١٦ قوله تعالى ((وما كان استغفار ابراهيم لأبيه)) سورة التوبة حكاية عنه ﴿واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) وأيضا قال عنه ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي "وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال ﴿ سلام عليك سأستغفر لك ربي ﴾ وقال ايضا لأستغفرن لك ﴾ وثبت أن الاستغفار للكافر لا يجوز. فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه السلام . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الاشكال بقوله ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) وفيه قولان : الأول : أن يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام ، والمعنى : أن أباه وعده أن يؤمن ، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر له لأجل أن يحصل هذا المعنى ، فلما تبين له أنه لا يؤمن وأنه عدو الله تبرأ منه ، وترك ذلك الاسغفار . الثاني : أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام ، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه ﴿ فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه﴾ والدليل على صحة هذا التأويل قراءة الحسن ﴿وعدها إياه ﴾ بالباء، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين آخرين . الوجه الأول ﴾ المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له الى الايمان والاسلام ، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران ، وكان يتضرع الى الله في أن يرزقه الايمان الذي يوجب المغفرة ، فهذا هو الاستغفار ، فلما أخبره الله تعالى بأنه يموت مصرا على الكفر ترك تلك الدعوة . والوجه الثاني ﴾ في الجواب أن من الناس من حمل قوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ على صلاة الجنازة، وبهذا الطريق فلا امتناع في الاستغفار للكافر لكون الفائدة في ذلك الاستغفار تخفيف العقاب . قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه أنه تعالى منع من الصلاة على المنافقين ، وهو قوله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ وفي هذه الآية عم هذا الحكم ومنع من الصلاة على المشركين ، سواء كان منافقا أو مظهرا لذلك الشرك . وهذا قول غريب . ﴿ المسالة الثالثة﴾ اختلفوا في السبب الذي به تبين لابراهيم أن أباه عدو الله، فقال بعضهم : بالاصرار والموت . وقال بعضهم : بالاصرار وحده . وقال آخرون : لا يبعد أن الله تعالى عرفه ذلك بالوحي ، وعند ذلك تبرأ منه . فكان تعالى يقول : لما تبين لا براهيم أن أباه عدو الله تبرأ منه ، فكونوا كذلك ، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله ﴿ واتبع ملة أبراهيم ﴾ واعلم أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة . قال ﴿ إن إبراهيم لأواه حليم ﴾ واعلم أن اشتقاق الأواه من قول الرجل عند شدة حزنه أوه ، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق : ٢١٧ قوله تعالى ((وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم)) سورة التوبة وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَثُهُمْ خَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَّايَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ (٨) إِنَّ اللّه لَهُ مُلْكُ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِءَ وَيُِتُ وَمَ لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِن وَلٍِ وَلا نَصِيرٍ الروح القلبي في داخل القلب ويشتد حرقة ، فالانسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف بعض ما به، هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ . وللمفسرين فيه عبارات ، روى عن النبي ◌َر أنه قال ((الأواه: الخاشع المتضرع)) وعن عمر أنه سأل رسول الله له عن الأواه، فقال: ((الدعاء)). ويروى أن زينب تكلمت عند الرسول عليه الصلاة والسلام بما يغير لونه ، فأنكر عمر، فقال عليه الصلاة والسلام ((دعها فانها أواهة)) قيل يا رسول الله وما الأواهة ؟ قال ((الداعية الخاشعة المتضرعة)) وقيل: معنى كون إبراهيم عليه السلام أواها ، كلما ذكر لنفسه تقصيرا أو ذكر له شيء من شدائد الأخرة كان يتأوه إشفاقا من ذلك واستعظاما له . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الأواه ، المؤمن بالخشية ، وأما وصفه بأنه حليم فهو معلوم . واعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام ، لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل ، ومن كان كذلك فانه تعظم رقته على أبيه وأولاده، فبين تعالى أنه مع هذه العادة أمن أبيه وغلظ قلبه عليه، لما ظهر له إصراره على الكفر، فأنتم بهذا المعنى أولى، وكذلك وصفه أيضا بأنه حليم، لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب، وشدة العطف ، لأن المرء إذا كان حاله هكذا اشتد حلمه عند الغضب . قوله تعالى ﴿ وما كان الله ليضل قوما بعد إذا هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يستغفروا للمشركين، والمسلمون كانوا قد استغفروا للمشركين قبل نزول هذه الآية ، فانهم قبل نزول هذه الآية كانوا يستغفرون لآبائهم وأمهاتهم وسائر أقربائهم ممن مات على الكفر ، فلما نزلت هذه الآية خافوا بسبب ما صدر عنهم قبل ذلك من الاستغفار للمشركين . وأيضا فان أقواما من المسلمين الذين ٢١٨ قوله تعالى (وما كان الله ليضل قوماً بعد اذ هداهم)) سورة التوبة استغفروا للمشركين ، كانوا قد ماتوا قبل نزول هذه الآية ، فوقع الخوف عليهم في قلوب المسلمين أنه كيف يكون حالهم ، فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية ، وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه . فهذا وجه حسن في النظم . وقيل : المراد إن من أول السورة الى هذا الموضع في بيان المنع من مخالطة الكفار والمنافقين ، ووجوب مباينتهم ، والاحتراز عن موالاتهم ، فكأنه قيل : إن الاله الرحيم الكريم كيف يليق به هذا التشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين ؟ فأجيب عنه بأنه تعالى لا يؤاخذ أقواما بالعقوبة بعد إذدعاهم إلى الرشد حتى يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه ، فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة . وفي قوله تعالى ﴿ ليضل﴾ وجوه: الأول: أن المراد أنه أضله عن طريق الجنة ، أي صرف عنه ومنعه من التوجه اليه . والثاني : قالت المعتزلة : المراد من هذا الاضلال الحكم عليهم بالضلال . واحتجوا بقول الكميت : وطائفة قد أكفروني بحبكم وقال ابو بكر الأنباري : هذا التأويل فاسد ، لأن العرب أذا إرادوا ذلك المعنى قالوا : ضلل يضلل ، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل ، لأنه لا يلزم من قولنا أكفر في الحكم صحة قولنا أضل . وليس كل موضع صح فيه فعل صح أفعل . ألا ترى أنه يجوز أن يقال كسره ، ولا يجوز أن يقال أكسره ، بل يجب فيه الرجوع إلى السماع . والوجه الثالث ﴾ في تفسير الآية ، وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى ، حتى يكون منهم الأمر الذي به يستحق العقاب . ﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة: حاصل الآية أنه تعالى لا يؤاخذ أحدا إلا بعد أن يبين له كون ذلك الفعل قبيحا ، ومنهيا عنه . وقرر ذلك بأنه عالم بكل المعلومات ، وهو قوله :إن الله بكل شيء عليم ﴾ وبأنه قادر على كل الممكنات ، وهو قوله ﴿ له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ﴾ فكان التقدير : أن من كان عالما قادرا هكذا ، لم يكن محتاجا ، والعالم القادر الغني لا يفعل القبيح والعقاب قبل البيان . وإزالة العذر قبيح ، فوجب أن لا يفعله الله تعالى ، فنظم الآية إنما يصح إذا فسرناها بهذا الوجه ، وهذا يقتضي أنه يقبح من الله تعالى الابتداء بالعقاب وأنتم لا تقولون به . والجواب : أن ما ذكرتموه يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين ، وإزالة العذر وإزاحة العلة ، وليس فيها دلالة على أنه تعالى ليس له ذلك ، فسقط ما ذكرتموه في هذا الباب . ٢١٩ قوله تعالى ((لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار)) سورة التوبة لَقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَِّ وَالْمُهَنِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَِّعُ قُلُوبُ فَرِ يِقٍ مِنْهُمْ ثُمَ تَابَ عَيْهِمْ إِنَّهُرِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ثم قال تعالى ﴿ له ملك السموات والارض يحيي ويميت ﴾ في ذكر هذا المعنى ههنا فوائد : إحداها : أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار بين أنه له ملك السموات والأرض . فاذا كان هو ناصراً لكم فهم لا يقدرون على إضراركم ، وثانيها : أن القوم من المسلمين قالوا : أمرتنا بالانقطاع من الكفار ، فحينئذ لا يمكننا أن نختلط بآبائنا وأولادنا وإخواننا لأنه ربما كان الكثير منهم كافرين ، والمراد أنكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم ومناصرتهم . فالاله الذي هو المالك السموات والارض والمحيي والمميت ناصركم ، فلا يضركم أن ينقطعوا عنكم . وثالثها : أنه تعالى لما أمر بهذه التكاليف الشاقة كأنه قال وجب عليكم أن تنقادوا لحكمي وتكليفي لكوني إلهكم ولكونكم عبيدا لي . / قوله تعالى ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه رؤف رحيم ﴾ اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك ، وبين أحوال المتخلفين عنها . وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه في هذا التفسير ، عاد في هذه الاية الى شرح ما بقي من أحكامه . ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله له نوع زلة جارية مجرى ترك الأولى ، وصدر أيضا عن المؤمنين نوع زلة ، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات . فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي﴾ وفي الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ دلت الاخبار على أن هذا السفر كان شاقاً شديدا على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين ، على ما سيجيء شرحها ، وهذا يوجب الثناء ، فكيف يليق بها قوله ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ﴾ والجواب من وجوه : الأول : أنه صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من باب ترك الأفضل ، وهو المشار اليه بقوله تعالى ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ وأيضا لما اشتد ٢٢٠ قوله تعالى ((لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار)) سورة التوبة الزمان في هذه الغزوة على المؤمنين على ما سيجيء شرحها ، فربما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السفرة ، وربما وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار . ولست أقول عزموا عليه ، بل أقول وساوس كانت تقع في قلوبهم ، فالله تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله عفا عنها . فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ﴾ والوجه الثاني ﴾ في الجواب أن الانسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات ، إما من باب الصغائر ، وإما من باب ترك الأفضل . ثم إن النبي عليه السلام وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه ، وصبروا على تلك الشدائد والمحن ، أخبر الله تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرا لجميع الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر ، وصار قائما مقام التوبة المقرونة بالاخلاص عن كلها . فلهذا السبب قال تعالى ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الاية . والوجه الثالث ﴾ في الجواب : أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم ، فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى الله منها ، وتضرع الى الله في إزالتها عن قلبه ، فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم ، قال تعالى ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الاية . الوجه الرابع﴾ لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي ، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر ، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذكرهم تنبيها على عظم مراتبهم في الدين ، وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي لأجلها ، ضم الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول التوبة . المسألة الثانية ﴾ في المراد بساعة العسرة قولان : ﴿ القول الأول ) أنها مختصة بغزوة تبوك، والمراد منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم جدا في ذلك السفر والعسرة تعذر الأمر وصعوبته . قال جابر : حصلت عسرة الظهر وعسرة الماء وعسرة الزاد . أما عسرة الظهر : فقال الحسن : كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم ، وأما عسرة الزاد ، فربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونهما حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة ، وكان معهم شيء من شعير مسوس ، فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة . وأما عسرة الماء : فقال عمر : خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد ، حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه .