Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
قوله تعالى (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم)) سورة التوبة
عظيم الندامة عليه ، وحال كونه راغباً فيه لا يمكنه دفع تلك الرغبة عن القلب ، وحال
صيرورته نادماً عليه لا يمكنه دفع تلك الندامة عن القلب ، فدل هذا على أنه لا قدرة للعبد على
تحصيل الندامة ، وعلى تحصيل الرغبة . قالت المعتزلة : المراد من قوله : يتوب الله أنه يقبل
توبته .
والجواب : أن الصرف عن الظاهر إنما يحسن ، إذا ثبت بالدليل أنه لا يمكن إجراء اللفظ
على ظاهره ، أما ههنا ، فالدليل العقلي أنه لا يمكن إجراء اللفظ إلا على ظاهره ، فكيف يحسن
التأويل .
﴿البحث الثالث) قوله (عسى الله أن يتوب عليهم) يقتضي ان هذه التوبة إنما تحصل في
المستقبل. وقوله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) دل على أن ذلك الاعتراف حصل في الماضي،
وذلك يدل على أن ذلك الاعتراف ما كان نفس التوبة، بل كان مقدمة للتوبة، وأن التوبة إنما
تحصل بعدها .
/ ثم قال تعالى ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اختلف الناس في المراد. فقال بعضهم هذا راجع إلى هؤلاء الذين
تابوا ، وذلك لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة ، فأوجب الله تعالى أخذها ، وصار ذلك معتبراً في
كمال توبتهم لتكون جارية في حقهم مجرى الكفارة ، وهذا قول الحسن ، وكان يقول ليس
المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة ، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم .
﴿ والقول الثاني ﴾ أن الزكوات كانت واجبة عليهم ، فلما تابوا من تخلفهم عن الغزو
وحسن إسلامهم ، وبذلوا الزكاة أمر الله رسوله أن يأخذها منهم .
﴿ والقول الثالث ) أن هذه الآية كلام مبتدأ ، والمقصود منها إيجاب أخذ الزكاة من
الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكوات . وقالوا في الزكاة إنها
طهرة ، أما القائلون بالقول الأول : فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لا بد وأن تكون
منتظمة متناسقة ، أما لو حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء ، لم يبق لهذه الآية تعلق بما
قبلها ، ولا بما بعدها ، وصارت كلمة أجنبية ، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى ، وأما القائلون
بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة ، قالوا : المناسبة حاصلة أيضا على هذا التقدير ، وذلك
لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة ، عن تخلفهم عن غزوة تبوك ، وهم أقروا بأن السبب
الموجب لذلك التخلف حبهم بالأموال وشدة حرصهم على صونها عن الانفاق ، فكأنه قيل لهم
.

١٨٢
قوله تعالى (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم)) سورة التوبة
إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة ، ولم تضايقوا
فيها ، لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى ، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان ، فان أدّوا تلك
الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة ، والا فهم كاذبون
مزوّرون بهذا الطريق . لكن حمل هذه الآية على التكليف باخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبقى
نظم هذه الآيات سليما أولى ، ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة قوله (تطهرهم وتزكيهم
بها ) والمعنى تطهيرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات ، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم
يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب ، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة . وأما
القائلون بالقول الأول : فقالوا : إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر أولئك التائبين وأطلقهم ،
قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا ،
فقال عليه الصلاة والسلام ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات
فأخذ رسول اللّه ◌َ ﴿ ثلث أموالهم، وترك الثلثين، لأنه تعالى قال (خذ من أموالهم صدقة)
ولم يقل خذ أموالهم ، وكلمة ( من ) تفيد التبعيض . واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول
الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة ، فلأن تصيروا
راضين باخراج الواجبات أولى .
المسألة الثانية ﴾ هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة .
الحكم الأول
أن قوله ( خذ من أموالهم ) يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ
مقدار ذلك البعض غير مذكورههنا بصريح اللفظ ، بل المذكور ههنا قوله ( صدقة ) ومعلوم أنه
ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخذ أي جزء كان ، وإن كان في غاية القلة ، مثل الحبة
الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب . فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة
الصفة والكيفية والكمية عندهم ، حتى يكون قوله ( خذ من أموالهم صدقة ) أمراً بأخذ تلك
الصدقة المعلومة ، فحينئذ يزول الاجمال . ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي
وصفها رسول الله وَ ل وبين كيفيتها، والصدقة التي بين رسول الله وَّل صفتها هي أنه أمر بأن
يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض ، وفي ستة وثلاثين بنت لبون ، إلى غير ذلك من المراتب ،
فكان قوله ( خذ من أموالهم صدقة ) أمرا بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان
المخصوصة، وظاهر الآية للوجوب، فدل هذا النص على أن أخذها واجب، وذلك يدل على
أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه الله .

١٨٣
قوله تعالى (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم)) سورة التوبة
الحكم الثاني
أن قوله ( من أموالهم صدقة ) يقتضي أن يكون المال مالاً لهم ، ومتى كان الأمر كذلك
لم يكن الفقير شريكا للمالك في النصاب ، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة . وأن
لا يكون لها تعلق البتّة بالنصاب .
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب ، فالذي هلك ما كان
محلا للحق ، بل محل الحق باق كما كان ، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما
كان ، وهذا قول الشافعي رحمه الله .
الحكم الثالث
ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون ، وفي مال الضمان ، وهو ظاهر .
الحكم الرابع
ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام ، فلا تجب إلا حيث تصير
طهرة عن الآثام ، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام ، وذلك لا
يعقل إلا في حق البالغ ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي
حنيفة رحمه الله، إلا أن الشافعي رحمه الله يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من
أموالهم ، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة ، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال
الصبي ، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ؟
المسألة الثالثة ) في قوله ( تطهرهم ) أقوال :
القول الأول﴾ أن يكون التقدير: خذيا محمد من أموالهم صدقة فانك تطهرهم.
القول الثاني ﴾ أن يكون تطهرهم معلقا بالصدقة، والتقدير : خذ من أموالهم
صدقة مطهرة ، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس ، فاذا
أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ . فكان اندفاعها جاريا مجرى التطهير ، والله
أعلم .
إن على هذا القول وجب أن نقول : إن قوله ( وتزكيهم ) يكون منقطعا عن الأول ،
ويكون التقدير ( خذ) يا محمد ( من أموالهم صدقة تطهرهم ) تلك الصدقة ، وتزكيهم أنت
بها .

١٨٤
قوله تعالى (( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)) سورة التوبة
﴿ القول الثالث) أن يجعل التاء في ( تطهرهم وتزكيهم) ضمير المخاطب . ويكون
المعنى : تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء (تطهرهم ) من أطهره بمعنى طهره
( وتطهرهم ) بالجزم جوابا للأمر ، ولم يقرأ ( وتزكيهم ) إلا باثبات الياء .
ثم قال تعالى ﴿ وتزكيهم﴾ واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب
حصول المغايرة ، فقيل : التزكية مبالغة في التطهير ، وقيل : التزكية بمعنى الانماء ، والمعنى :
أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة للانماء ، وقيل : الصدقة تطهرهم
عن نجاسة الذنب والمعصية ، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثنى عليهم عند
إخراجها إلى الفقراء .
ثم قال تعالى ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( إن صلاتك ) بغير واو
وفتح التاء على التوحيد ، والمراد منه الجنس ، وكذلك في سورة هود ( أصلاتك تأمرك ) بغير
واو وعلى التوحيد ، والباقون ( صلواتك ) وكذلك في هود على الجمع ، قال أبو عبيدة :
والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر. ألا ترى أنه قال ( أقيموا الصلاة ) والصلوات جمع
قلة ، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات ، قال أبوحاتم : هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس
للقلة لأنه تعالى قال ( ما نفدت كلمات الله) ولم يرد القليل وقال ( وهم في الغرفات آمنون )
وقال ( إن المسلمين والمسلمات )
﴿ المسألة الثانية) احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية ، وقالوا إنه تعالى أمر
رسوله بأخذ الصدقات ، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم ، فكان وجوب
الزكاة مشروطا بحصول ذلك السكن ، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك
السكن . فوجب أنه لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام ، واعلم
أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقیر کنا في قوله ( إنما
الصدقات للفقراء ) وكما في قوله ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم )
﴿ المسألة الثالثة﴾ لا شك أن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ، فاذا قلنا صلى
فلان على فلان ، أفاد الدعاء بحسب اللغة الأصلية . إلا أنه صار بحسب العرف يفيد أنه قال
له اللهم صل عليه ، فلهذا السبب اختلف المفسرون ، فنقل عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه

١٨٥
قوله تعالى (( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم )) سورة التوبة
قال : معناه ادع لهم ، قال الشافعي رحمه الله : والسنة للامام إذا أخذ الصدقة أن يدعو
للمتصدق ويقول آخرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت ، وقال آخرون : معناه أن يقول
اللهم صل على فلان ، ونقلوا عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أن آل أبي أو فى لما أتوه
بالصدقة قال (( اللهم صل على آل أبي أوفى)) ونقل القاضي في تفسيره عن الكعبي في تفسيره
أنه قال علي لعمر وهو مسجى: عليك الصلاة والسلام ، ومن الناس من أنكر ذلك ، ونقل عن
ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا في حق النبي عليه
الصلاة والسلام .
﴿المسألة الرابعة﴾ أن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات الله عليه وعليه الصلاة والسلام
إلا في حق الرسول ، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده ، واحتجوا عليه بأن نص القرآن دل على
أن هذا الذكر جائز في حق من يؤدي الزكاة ، فكيف يمتع ذكره في حق علي والحسن والحسين
رضى الله عنهم ؟ ورأيت بعضهم قال أليس أن الرجل إذا قال سلام عليكم يقال له وعليكم
السلام ؟ فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين ، فكيف يمتنع ذكره في
حق آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ قال القاضي : إنه جائز في حق الرسول عليه
الصلاة والسلام ، والدليل عليه أنهم قالوا : يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك ، فكيف
الصلاة عليك؟ فقال: على وجه التعليم قولوا ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما
صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم )) ومعلوم أنه ليس في آل محمد نبي ، فيتناول عليا ذلك كما
يجوز مثله في آل إبراهيم . والله أعلم .
المسألة الخامسة ﴾ كنت قد ذكرت لطائف في قول بعضهم لبعض سلام عليكم وهي
غير لائقة بهذا الموضع إلا أني رأيت أن أكتبها ههنا لئلا تضيع ، فقلت إذا قال الرجل لغيره
سلام عليكم . فقوله سلام عليكم مبتدأ وهو نكرة ، وزعموا أن جعل النكرة مبتدأ لا يجوز ،
قالوا لأن الاخبار إنما يفيد إذا أخبر على المعلوم بأمر غير معلوم ، إلا أنهم قالوا : النكرة إذا
كانت موصوفة حسن جعلها مبتدأ كما في قوله تعالى ( ولعبد مؤمن خير من مشرك )
إذا عرفت هذا فههنا وجهان : الأول : أن التنكير يدل على الكمال ، ألا ترى إلى قوله
تعالى (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) والمعنى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة
دائمة كاملة غير منقطعة .
إذا ثبت هذا فقوله ((سلام)) لفظة منكرة ، فكان المراد منه سلام كامل تام ، وعلى هذا
التقدير : فقد صارت هذه النكرة موصوفة ، فصح جعلها مبتدأ ، وإذا كان كذلك فحينئذ

١٨٦
قوله تعالى (( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)) سورة التوبة
يحصل الخبر وهو قوله ((عليكم)) والتقدير: سلام كامل تام عليكم . والثاني : أن يجعل قوله
((عليكم )) صفة لقوله ((سلام)) فيكون مجموع قوله ((سلام عليكم )) مبتدأ ويضمر له خبر ،
والتقدير : سلام عليكم واقع كائن حاصل ، وربما كان حذف الخبر أدل على التهويل
والتفخيم .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه عند الجواب يقلب هذا الترتيب فيقال وعليكم السلام ،
والسبب فيه ما قاله سيبويه أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى ، فلما قال وعليكم
السلام دل على أن اهتمام هذا المجيب بشأن ذلك القائل شديد كامل، وأيضا فقوله ((وعليكم
السلام)) يفيد الحصر، فكأنه يقول إن كنت قد أوصلت السلام إلى فأنا أزيد عليه وأجعل
السلام مختصا بك ومحصورا فيك امتثالا لقوله تعالى ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو
ردوها) ومن لطائف قوله ((سلام عليكم)) أنها أكمل من قوله ((السلام عليك)) وذلك لأن قوله
(( سلام عليك)) معناه : سلام كامل تام شريف رفيع عليك . وأما قوله : السلام عليك،
فالسلام لفظ مفرد محلى بالألف واللام ، وأنه لا يفيد إلا أصل الماهية ، واللفظ الدال على أصل
الماهية لا إشعار فيه بالأحوال العارضة للماهية وبكمالات الماهية، فكان قوله ((سلام عليك))
أكمل من قوله ((السلام عليك)) وما يؤكد هذا المعنى أنه أينما جاء لفظ ((السلام)) من الله تعالى
ورد على سبيل التنكير ، كقوله ( واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) وقوله ( قل
الله وسلام على عباده الذين اصطفى) وفي القرآن من هذا الجنس كثير. أما لفظ ((السلام))
بالألف واللام، فانما جاء من الأنبياء عليهم السلام، كقول موسى عليه السلام قال (قد جئناك
بأية من ربك والسلام على من اتبع الهدى)، وأما في سورة مريم فلما ذكر الله يحيى عليه
السلام، قال:) (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ) وهذا السلام من الله تعالى، وفي قصة عيسى
عليه السلام قال (والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت) وهذا كلام عيسى عليه السلام. فثبت
بهذه الوجوه أن قوله ((سلام عليك)) أكمل من قوله ((السلام عليك)) فلهذا السبب اختار
الشافعي رحمه الله في قراءة التشهد قوله: سلام عليك أيها النبي على سبيل التنكير ، ومن لطائف
السلام أنه لا شك أن هذا العالم معدن الشرور والأفات والمحن والمخالفات، واختلف العلماء
الباحثون عن أسرار الأخلاق، أن الأصل في جبلة الحيوان الخير أو الشر؟ فمنهم من قال:
الأصل فيها الشر، وهذا كالاجماع المنعقد بين جميع أفراد الانسان ، بل نزيد ونقول: إنه
كالاجماع المنعقد بين جميع الحيوان، والدليل عليه أن كل إنسان يرى إنسانا يعدو اليه مع أنه لا
يعرفه، فان طبعه يحمله على الاحتراز عنه والتأهب لدفعه، ولولا أن طبعه يشهد بأن الأصل في
- الانسان الشر. وإلا لما أوجبت فطرة العقل التأهب لدفع شرذلك الساعي اليه، بل قالوا: هذا
٢

١٨٧
قوله تعالى (( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)) سورة التوبة
المعنى حاصل في كل الحيوانات، فان كل حيوان عدا اليه حيوان آخر فرّ ذلك الحيوان الأول
واحترز منه، فلو تقرر في طبعه أن الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب أن يقف، لأن أصل
الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير ، ولو كان الأصل في طبع الحيوان أن يكون خيره وشره
على التعادل والتساوي، وجب أن يكون الفرار والوقوف متعادلين، فلما لم يكن الأمر كذلك
بل كل حيوان توجه اليه حيوان مجهول الصفة عند الأول، فان ذلك الأول يحترز عنه بمجرد
فطرته الأصلية، غمنا أن الأصل في الحيوان هو الشر.
إذا ثبت هذا فنقول : دفع الشرأهم من جلب الخير ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن
دفع الشر يقتضي إبقاء الأصل أهم من تحصيل الزائد . والثاني : أن إيصال الخير إلى أحد
ليس في الوسع ، أما كف الشرعن كل أحد داخل في الوسع ، لأن للأول فعل والثاني ترك ،
وفعل ما لا نهاية له غير ممكن ، أما ترك ما لا نهاية له ممكن والثالث : أنه إذا لم يحصل دفع الشر
فقد حصل الشر، وذلك يوجب حصول الألم والحزن ، وهو في غاية المشقة ، وأما إذا لم
يحصل أيضا إيصال الخير بقي الانسان لا في الخير ولا في الشر، بل على السلامة الأصلية ،
وتحمل هذه الحالة سهل . فثبت أن دفع الشرأهم من إيصال الخير ، وثبت أن الدنيا دار
الشرور ولآفات والمحن والبليات ، وثبت أن الحيوان في أصل الخلقة وموجب الفطرة منشأ
للشرور ، وإذا وصل إنسان إلى إنسان كان أهم المهمات أن يعرفه أنه منه في السلامة والأمن
والأمان ، فلهذا السبب وقع الاصطلاح على أن يقع ابتداء الكلام بذكر السلام ، وهو أن
يقول ((سلام عليكم)) ومن لطائف قولنا ((سلام عليكم)) أن ظاهره يقتضي إيقاع السلام على
جماعة ، والأمر كذلك بحسب العقل ، وبحسب الشرع . أما بحسب الشرع فلأن القرآن دل
على أن الانسان لا يخلو عن جمع من الملائكة يحفظونه ويراقبون أمره ، كما قال تعالى ( وإذ
عليكم لحافظين كراماً كاتبين ) والعقل أيضا يدل عليه ، وذلك لأن الأرواح البشرية أنواع
مختلفة ، فبعضها أرواح خيرة عاقلة ، وبعضها كدرة خبيثة ، وبعضها شهوانية ، وبعضها
غضبية ، ولكل طائفة من طوائف الأرواح البشرية السفلية روح علوي قوي يكون كالأب لتلك
الأرواح البشرية ، وتكون هذه الأرواح بالنسبة إلى ذلك الروح العلوي كالأبناء بالنسبة إلى
الأب ، وذلك الروح العلوى هو الذي يخصها بالالهامات ، تارة في اليقظة ، وتارة في النوم .
وأيضاً الأرواح المفارقة عن أبدانها المشاكلة لهذه الأرواح في الصفات والطبيعة والخاصية ،
يحصل لها نوع تعلق بهذا البدن بسبب المشاكلة والمجانسة ، وتصير كالمعاونة لهذه الروح على
أعمالها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وإذا عرفت هذا السرفالانسان لا بد وأن يكون مصحوبا
بتلك الأرواح المجانسة له ، فقوله ( سلام عليكم ) إشارة إلى تسليم هذا الشخص المخصوص

١٨٨
قوله تعالى ((ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده )) سورة التوبة
أَلَمْ يَعْلَهُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ
التَّوَّابُ الَّحِيمُ
١٠٤
+
على جميع الأرواح الملازمة المصاحبة إياه بسبب المصاحبة الروحانية . ومن لطائف هذا الباب أن
الأرواح الانسانية اذا اتصفت بالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة ، وقويت وتجردت ، ثم
قوى تعلق بعضها ببعض انعكس أنوارها بعضها على بعض على مثال المرآة المشرقة المتقابلة .
فلهذا السبب فان من اراد أن يقرأ وظيفة على أستاذه فالأدب أن يبدأ بحمد الله والثناء على
الملائكة والأنبياء ، ثم يدعو لأستاذه ثم يشرع في القراءة ، والمقصود منها أن يقوى التعلق بين
روحه وبين هذه الأرواح المقدسة الطاهرة ، حتى أن بسبب قوة ذلك التعلق ربما ظهر شيء من
أنوارها وآثارها في روح هذا الطالب ، فيستقر في عقله من الأنوار الفائضة منها ، ويقوي
روحه بمدد ذلك الفيض على إدراك المعارف والعلوم. إذا عرفت هذا فإذا قال لغيره ((سلام
عليكم )) حدث بينها تعلق شديد ، وحصل بسبب ذلك التعلق تطابق الأرواح وتعاكس
الأنوار ، ولنكتف بهذا القدر في هذا الباب ، فانا قد ذكرنا أن هذا الفصل أجنبي عن هذا
الكلام . والله أعلم .
﴿ المسألة السادسة) قوله (إن صلاتك سكن لهم) قال الواحدي : السكن في اللغة ما
سكنت اليه ، والمعنى : أن صلاتك عليهم توجب سكون نفوسهم اليك ، وللمفسرين
عبارات : قال ابن عباس رضى الله عنهما : دعاؤك رحمة لهم . وقال قتادة : وقار لهم . وقال
الكلبي : طمأنينة لهم ، وقال الفراء : إذا استغفرت لهم سكنت نفوسهم إلى أن الله تعالى قبل
توبتهم . وأقول : إن روح محمد عليه السلام كانت روحا قوية مشرقة صافية باهرة ، فاذا دعا
محمد لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم ، فأشرقت بهذا السبب
أرواحهم وصفت أسرارهم ، وانتقلوا من الظلمة إلى النور ، ومن الجسمانية إلى الروحانية،
وتقريره ما تقدم في المسألة الخامسة .
ثم قال ﴿والله سميع﴾ لقولهم ﴿عليم) بنيّاتهم.
/ قوله تعالى ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو
التواب الرحيم ﴾
واعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم

١٨٩
قوله تعالى ((ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده)) سورة التوبة
تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله ( عسى الله أن يتوب عليهم ) وما كان ذلك صريحاً في قبول
التوبة ذكر في هذه الآية أنه يقبل التوبة وأنه يأخذ الصدقات ، والمقصود ترغيب من لم يتب في
التوبة ، وترغيب كل العصاة في الطاعة . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال أبو مسلم قوله (ألم يعلموا) وإن كان بصيغة الاستفهام، إلا
أن المقصود منه التقرير في النفس ، ومن عادة العرب في إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن
يقولوا : أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته ؟ أما علمت أن من أحسن اليك يجب
عليك شكره ؟ فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم .
ثم زاده تأکیدا بقوله ﴿ وهو التواب الرحيم ﴾
﴿ المسألة الثانية) قال صاحب الكشاف: قرىء ( ألم يعلموا ) بالياء والتاء ، وفيه
وجهان : الأول : أن يكون المراد من هذه الآية هؤلاء الذين تابوا، يعني (ألم يعملوا ) قبل أن
يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ، أن الله يقبل التوبة الصحيحة ، ويقبل الصدقات الصادرة عن
خلوص النية ، والثاني : أن يكون المراد من هذه الآية غير التائبين ترغيبا لهم في التوبة . روى
أن رسول الله ير لما حكم بصحة توبتهم قال ((الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا بالأمس معنا لا
يكلمون ولا يجالسون فما لهم)» فنزلت هذه الآية .
﴿ المسألة الثالثة ) قوله ( هو يقبل التوبة ) فيه فوائد :
الفائدة الأولى ﴾ أنه تعالى سمى نفسه ههنا باسم الله . ثم قال عقيبة (هو يقبل
التوبة ) وفيه تنبيه على أن كونه إلها يوجب قبول التوبة ، وذلك لأن الاله هو الذي يمتنع تطرق
الزيادة والنقصان اليه ، ويمتنع أن يزداد حاله بطاعة المطيعين وأن ينتقص حاله بمعصية
المذنبين ، ويمتنع أيضاً أن يكون له شهوة إلى الطاعة ، ونفرة عن المعصية ، حتى يقال : إن
نفرته وغضبه يحمله على الانتقام، بل المقصود من النهي عن المعصية والترغيب في الطاعة ، هو
أن كل ما دعا القلب إلى عالم الآخرة ومنازل السعداء ، ونهاه عن الاشتغال بالجسمانيات
الباطلة ، فهو العبادة والعمل الحق والطريق الصالح ، وكل ما كان بالضد منه فهو المعصية
والعمل الباطل ، فالمذنب لا يضر إلا نفسه ، والمطيع لا ينفع إلا نفسه . كما قال تعالى ( إن
أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) فان كان الاله رحيما حكيما كريما ولم يكن غضبه
على المذنب لأجل أنه تضرر بمعصيته ، فاذا انتقل العبد من المعصية إلى الطاعة كان كرمه
كالموجب عليه قبول توبته . فثبت أن الالهية لما كانت عبارة عن الاستغناء المطلق ، وكان

١٩٠
قوله تعالى ((ألم يعملوا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده)) سورة التوبة
الاستغناء المطلق ممتنع الحصول لغيره ، كان قبول التوبة من الغير كالممتنع إلا لسبب آخر
منفصل ، أو لمعارض أو لمباين
الفائدة الثانية) في هذا التخصيص هو أن قبول التوبة ليس إلى رسول الله صلو إنما إلى
الله الذي هو يقبل التوبة تارة ويردها أخرى . فاقصدوا الله بها ووجهوها اليه ، وقيل لهؤلاء
التائبين اعملوا فان عملكم لا يخفي على الله خيرا كان أو شراً .
﴿المسألة الرابعة﴾ قالت المعتزلة: قبول التوبة واجب عقلا على الله تعالى. وقال
أصحابنا: قبول التوبة واجب بحكم الوعد والتفضل والاحسان، اما عقلا فلا. وحجة
أصحابنا على عدم وجوب قبول التوبة وجوه: الأول: ان الوجوب لا يتقرر معناه إلا إذا كان
بحيث لو لم يفعله الفاعل لاستحق الذم، فلو وجب قبول التوبة على الله تعالى لكان بحيث لو
لم يقبلها لصار مستحقا للذم، وهذا محال، لأن من كان كذلك فانه يكون مستكملا بفعل
القبول، والمستكمل بالغير ناقص لذاته وذلك في حق الله تعالى محال. الثاني: أن الذم إنما يمنع
من الفعل إذا كان بحيث يتأذى عن سماع ذلك الذم وينفر عنه طبعه، ويظهر له بسببه نقصان
حال، اما من كان متعاليا عن الشهوة والنفرة والزيادة والنقصان. لا يُعقل تحقق الوجوب في
حقه بهذا المعنى، الثالث: انه تعالى تمدح بقبول التوبة في هذه الآية، ولو كان ذلك واجبا لما
مدح به، لأن أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم .
﴿ المسألة الخامسة﴾ (عن) في قوله تعالى (عن عباده) فيه وجهان: الأول: أنه لا
فرق بين قوله ( عن عباده ) وبين قوله من عباده يقال : أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك .
والثاني قال القاضي : لعل (عن ) أبلغ لأنه ينبىء عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي
قبلت ، واقول : إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة ( عن ) على هذا المعنى ، والذي أقوله إن كلمة
(عن) وكلمة ((من)) متقاربتين، إلا أن كلمة (عن ) تفيد البعد ، فاذا قيل : جلس فلان عن
يمين الأمير ، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ضرب من البعد فقوله ( عن عباده ) يفيد
أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه صار مبعدا عن قبول الله تعالى له بسبب ذلك الذنب .
ويحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه ، وبعده عن حضرة نفسه ، فلفظة ( عن ) كالتنبيه
على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب
﴿ المسألة السادسة ﴾ قوله (ويأخذ الصدقات ) فيه سؤال : وهو أن ظاهر هذه الاية
يدل على أن الآخذ هو الله وقوله ( خذ من أموالهم صدقة ) يدل على أن الاخذ هو الرسول عليه
الصلاة والسلام وقوله عليه السلام لمعاذ ((خذها من أغنيائهم)) يدل أن آخذ تلك الصدقات هو

١٩١
قوله تعالى (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله )) سورة التوبة
وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيْرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتْرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
١٠٠
معاذ وإذا دفعت الصدقة إلى الفقير فالحس يشهد أن آخذها هو الفقير . فكيف الجمع بين هذه
الألفاظ ؟
والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لما بين في قوله ( خذ من أموالهم صدقة ) أن
الآخذ هو الرسول ، ثم ذكر في هذه الآية أن الآخذ هو الله تعالى ، كان المقصود منه أن أخذ
الرسول قائم مقام أخذ الله تعالى ، والمقصود منه التنبيه على تعظيم شأن الرسول من حيث أن
أخذه للصدقة جار مجرى أن يأخذها الله ، ونظيره قوله تعالى ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون
الله) وقوله ( إن الذين يؤذون الله) والمراد منه إيذاء النبي عليه السلام.
﴿ والجواب الثاني ) أنه أضيف إلى الرسول عليه السلام بمعنى أنه يأمر بأخذها ويبلغ
حكم الله في هذه الواقعة إلى الناس ، وأضيف إلى الفقير بمعنى أنه هو الذي يباشر الأخذ ،
ونظيره أنه تعالى أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى ( وهو الذي يتوفاكم ) وأضافه إلى ملك
الموت ، وهو قوله تعالى ( قل يتوفاكم ملك الموت ) وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك
الموت ، وهو قوله ( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) فأضيف إلى الله بالخلق وإلى ملك
الموت للرياسة في ذلك النوع من العمل ، وإلى أتباع ملك الموت ، يعني أنهم هم الذين
يباشرون الأعمال التي عندها يخلق الله الموت ، فكذا ههنا .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( ويأخذ الصدقات ) تشريف عظيم لهذه الطاعة ، والأخبار
فيه كثيرة عن النبي عليه السلام أنه قال ((إن الله يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا طيباً وأنه يقبلها
بيمينه ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تكون عند الله أعظم
من أحد)) وقال عليه السلام (( والذي نفس محمد بيده ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة إلى
الذي يتصدق بها عليه حتى تقع في كف الله )) ولما روى الحسن هذين الخبرين قال : ويمين الله
وكفه وقبضته لا توصف ( ليس كمثله شيء ) واعلم أن لفظ اليمين والكف من التقديس .
قوله تعالى ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم
الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾
وفيه مسائل :

١٩٢
قوله تعالى ((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله)) سورة التوبة
﴿المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا الكلام جامع للترغيب والترهيب، وذلك لأن المعبود إذا
كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله ، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام لأبيه ( يتم تعبد
ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً) وقلت في بعض المجالس ليس المقصود من هذه الحجة
التي ذكرها إبراهيم عليه السلام القدح في إلهية الصنم ، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه حجر
وخشب وأنه معرض لتصرف المتصرفين ، فمن شاء أحرقه ، ومن شاء كسره ، ومن كان كذلك
كيف يتوهم العاقل كونه إلها ؟ بل المقصود أن أكثر عبدة الأصنام كانوا في زمان إبراهيم عليه
السلام أتباع الفلاسفة القائلين بأن إله العالم موجب بالذات ، وليس بموجد بالمشيئة
والاختيار ، فقال : الموجب بالذات إذا لم يكن عالما بالخيرات ولم يكن قادراً على الانفاع
والاضرار ، ولا يسمع دعاء المحتاجين ولا يرى تضرع المساكين ، فأي فائدة في عبادته ؟ فكان
المقصود من دليل إبراهيم عليه السلام الطعن في قول من يقول : إله العالم موجب بالذات .
أما إذا كان فاعلا مختارا وكان عالما بالجزئيات فحينذ يحصل للعباد الفوائد العظيمة ، وذلك لأن
العبد إذا أطاع علم المعبود طاعته وقدر على إيصال الثواب اليه في الدنيا والآخرة ، وإن عصاه
علم المعبود ذلك ، وقدر على إيصال العقاب اليه في الدنيا والآخرة ، فقوله ( وقل اعملوا
فسيرى الله عملكم ) ترغيب عظيم للمطيعين ، وترهيب عظيم للمذنبين ، فكأنه تعالى قال :
اجتهدوا في المستقبل ، فان لعملکم في الدنیا حکما وفي الآخرة حكما . أما حکمه في الدنيا فهو
أنه يراه الله ويراه الرسول ويراه المسلمون ، فان كان طاعة حصل منه الثناء العظيم والثواب
العظيم في الدنيا والآخرة ، وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد
في الآخرة . فثبت أن هذه اللفظة الواحدة جامعة ما يحتاج المرء اليه في دينه ودنياه ومعاشه
ومعاده .
المسألة الثانية ﴾ دلت الآية على مسائل أصولية .
الحكم الأول
إنها تدل على كونه تعالى رائياً للمرئيات ، لأن الرؤية المعداة إلى مفعول واحد ، هي
الابصار ، والمعداة إلى مفعولين هي العلم ، كما تقول رأيت زيداً فقيها ، وههنا الرؤية معداة
إلى مفعول واحد فتكون بمعنى الابصار ، وذلك يدل على كونه مبصراً للأشياء كما أن قول
إبراهيم عليه السلام (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر) يدل على كونه تعالى مبصراً ورائياً
ومما يقوى أن الرؤية لا يمكن حملها ههنا على العلم أنه تعالى وصف نفسه بالعلم بعد هذه

١٩٣
قوله تعالى ((وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله)) سورة التوبة
الآية فقال ( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ) ولو كانت هذه الرؤية هي العلم لزم حصول
التكرير الخالي عن الفائدة وهو باطل .
الحكم الثاني
مذهب أصحابنا أن كل موجود فانه يصح رؤيته ، واحتجوا عليه بهذه الآية وقالوا : قد
دللنا على أن الرؤية المذكورة في هذه الآية معداة إلى مفعول واحد ، والقوانين اللغوية شاهدة
بأن الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها الابصار ، فكانت هذه الرؤية معناها الابصار .
ثم إنه تعالى عدى هذه الرؤية إلى عملهم والعمل ينقسم إلى أعمال القلوب ، كالارادات
والكراهات والأنظار ، وإلى أعمال الجوارح ، كالحركات والسكنات ، فوجب كونه تعالى رائياً
للكل وذلك يدل على أن هذه الأشياء كلها مرئية لله تعالى ، وأما الجبائي فانه كان يحتج بهذه
الآية على كونه تعالى رائياً للحركات والسكنات والاجتماعات والافتراقات ، فلما قيل له : إن
صح هذا الاستدلال ، فليزمك كونه تعالى رائيا لأعمال القلوب ، فأجاب عنه تعالى عطف عليه
قوله ( ورسوله والمؤمنون ) وهم إنما يرون أفعال الجوارح ، فلما تقيدت هذه الرؤية بأعمال
الجوارح في حق المعطوف وجب تقييدها بهذا القيد في حق المعطوف عليه ، وهذا بعيد لأن
العطف لا يفيد إلا أصل التشريك ، فأما التسوية في كل الأمور فغير واجب ، فدخول
التخصيص في المعطوف، لا يوجب دخول التخصيص في المعطوف عليه ، ويمكن الجواب عن
أصل الاستدلال فيقال : رؤية الله تعالى حاصلة في الحال . والمعنى الذي يدل عليه لفظ
الآية وهو قوله ( فسيرى الله عملكم ) أمر غير حاصل في الحال ، لأن السين تختص
بالاستقبال . فثبت أن يجيب عنه ، بأن إيصال الجزاء اليهم مذكور بقوله ( فينبئكم بما كنتم
تعملون ) فلو حملنا هذه الرؤية على إيصال الجزاء لزم التكرار ، وأنه غير جائز .
﴿ المسألة الثالثة) في قوله (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) سؤال: وهو أن
عملهم لا يراه كل أحد ، فما معنى هذا الكلام ؟
والجواب: معناه وصول خبر ذلك العمل إلى الكل. قال عليه السلام ((لو أن رجلا عمل
عملا في صخرة لا باب لها ولا كوة خرج عمله إلى الناس كائنا ما كان ))
فان قيل : فما الفائدة في ذكر الرسول والمؤمنين بعد ذكر الله في أنهم يرون أعمال هؤلاء
التائبين ؟
قلنا : فيه وجهان :
الفخر الرازي ج١٦ م١٣
1

١٩٤
قوله تعالى ((وستردون إلى عالم الغيب والشهادة )) سورة التوبة
الوجه الأول ﴾ أن أجدر ما يدعو المرء إلى العمل الصالح ما يحصل له من المدح
والتعظيم والعز الذي يلحقه عند ذلك ، فاذا علم أنه إذا فعل ذلك الفعل عظمه الرسول
والمؤمنون ، عظم فرحه بذلك وقويت رغبته فيه ، ومما ينبه على هذه الدقيقة أنه ذكر رؤية الله
تعالى أولا ، ثم ذكر عقيبها رؤية الرسول عليه السلام والمؤمنين ، فكأنه قيل : إن كنت من
المحقين المحققين في عبودية الحق ، فاعمل الأعمال الصالحة للّه تعالى ، وإن كنت من الضعفاء
المشغولين بثناء الخلق فاعمل الأعمال الصالحة لتفوز بثناء الخلق ، وهو الرسول والمؤمنون .
﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب ما ذكره أبو مسلم : أن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة كما
قال ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الآية ، والرسول شهيد الأمة ، كما قال ( فكيف إذا جئنا من
كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) فثبت أن الرسول والمؤمنين شهداء الله يوم
القيامة ، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية ، فذكر الله أن الرسول عليه السلام والمؤمنين يرون
أعمالهم ، والمقصود التنبيه على أنهم يشهدون يوم القيامة عند حضور الأولين والآخرين ،
بأنهم أهل الصدق والسداد والعفاف والرشاد .
ثم قال تعالى ﴿ وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : الغيب ما يسرونه ، والشهادة ما
يظهر ونه . وأقول لا يبعد أن يكون الغيب ما حصل في قلوبهم من الدواعي والصوارف ،
والشهادة الأعمال التي تظهر على جوارحهم، وأقول أيضا مذهب حكماء الاسلام أن الموجودات
الغائبة عن الحواس علل أو كالعلل للموجودات المحسوسات ، وعندهم أن العلم بالعلة علة
للعلم بالمعلول. فوجب كون العلم بالغيب سابقا على العلم بالشهادة ، فلهذا السبب أينما جاء
هذا الكلام في القرآن كان الغيب مقدما على الشهادة .
﴿ المسألة الثانية) إن حملنا قوله تعالى (فسيرى الله عملكم ) على الرؤية ، فحينئذ
يظهر أن معناه مغاير لمعنى قوله ( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ) وإن حملنا تلك الرؤية
على العلم أو على إيصال الثواب جعلنا قوله ( وستردون الى عالم الغيب والشهادة ) جاريا
مجرى التفسير لقوله ( فسيرى الله عملكم ) معناه : باظهار المدح والثناء والاعزاز في الدنيا ، أو
باظهار أضدادها. وقوله ( وستردون الى عالم الغيب والشهادة ) معناه : ما يظهر في القيامة من
حال الثواب والعقاب .
ثم قال ﴿ فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ والمعنى يعرفكم أحوال أعمالكم ثم يجازيكم

١٩٥
قوله تعالى ((وآخرون مرجون لأمر الله )) سورة التوبة
وَاَخُرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْنِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٠٩
عليها ، لأن المجازاة من الله تعالى لا تحصل في الآخرة إلا بعد التعريف . ليعرف كل أحد أن
الذي وصل اليه عدل لا ظلم ، فان كان من أهل الثواب كان فرحه وسعادته أكثر ، وإن كان
من أهل العقاب كان غمه وخسرانه أكثر . وقال حكماء الاسلام ، المراد من قوله تعالى
( فسيرى الله عملكم) الاشارة إلى الثواب الروحاني ، وذلك لأن العبد إذا تحمل أنواعا من
المشاق في الأمور التي أمره بها مولاه ، فاذا علم العبد أن مولاه يرى كونه متحملا لتلك
المشاق ، عظم فرحه وقوى ابتهاجه بها ، وكان ذلك عنده ألذّ من الخلع النفيسة والأموال
العظيمة .
وأما قوله تعالى ﴿وستُردون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ فالمراد منه تعريف عقاب الخزى
والفضيحة . ومثاله أن العبد الذي خصه السلطان بالوجوه الكثيرة من الاحسان إذا أتى بأنواع
كثيرة من المعاصي ، فاذا حضر ذلك العبد عند ذلك السلطان وعدد عليه أنواع قبائحه
وفضائحه ، قوي حزنه وعظم غمه وكملت فضيحته ، وهذا نوع من العذاب الروحاني ،
وربما رضي العاقل بأشد أنواع العذاب الجسماني حذرا منه . والمقصود من هذه الآية تعريف
هذا النوع من العقاب الروحاني نسأل الله العصمة منه ومن سائر العذاب .
/ قوله تعالى ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم)
وفي الاية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة ونافع والكسائي وحفص عن عاصم مرحون بغير همز
والباقون بالهمز وهما لغتان. أرجأت الأمر وأرجيته بالهمز وتركه . إذا أخرته ، وسميت المرجئة
بهذا الاسم لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة التائب ولكن يؤخرونها الى مشيئة الله تعالى . وقال
الأوزاعي : لأنهم يؤخرون العمل عن الايمان.
و المسألة الثانية ) اعلم أنه تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أكسيام :
القسم الأول ﴾ المنافقون الذين مردوا على النفاق .

١٩٦
"قوله تعالى ((وآخرون مرجون لامر الله)) سورة التوبة
القسم الثاني ﴾ التائبون وهم المرادون بقوله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) وبين تعالى
أنه قبل توبتهم .
والقسم الثالث﴾ الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في هذه الاية ، والفرق بين
القسم الثاني وبين هذا الثالث ، أن أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم يسارعوا اليها . قال
ابن عباس رضى الله عنهما : نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع ، وهلال بن
أمية ، فقال كعب : أنا أفره أهل المدينة جملا ، فمتى شئت لحقت الرسول ، فتأخر أياما
وأيس بعدها من اللحوق به فندم على صنيعه وكذلك صاحباه ، فلما قدم رسول الله قيل لكعب
اعتذر اليه من صنيعك . فقال لا والله حتى تنزل توبتي ، وأما صاحباه فاعتذرا إليه عليه السلام
فقال ((ما خلفكما عني؟) فقالا لا عذر لنا إلا الخطيئة فنزل قوله تعالى ( وآخرون مرجون لأمر
الله) فوقفهم الرسول بعد نزول هذه الاية ونهى الناس عن مجالستهم ، وأمرهم باعتزال
نسائهم وإرسالهن إلى أهاليهن. فجاءت امرأة هلال تسأل أن تأتيه بطعام فانه شيخ كبير . فأذن
- لها في ذلك خاصة ، وجاء رسول من الشأم إلى كعب يرغبه في اللحاق بهم ، فقال كعب : بلغ
من خطيئتي أن طمع فيّ المشركون . قال فضاقت عليّ الأرص بما رحبت . وبكى هلال بن أمية
حتى خيف على بصره ، فلما مضى خمسون يوماً نزلت توبتهم بقوله ( لقد تاب الله على النبي )
وبقوله تعالى ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا صاقت عليهم الأرض ) الاية . وقال
الحسن : يعني بقوله ( وآخرون مرجون لأمر الله) قوماً من المنافقين أرجأهم رسول الله عن
حضرته . وقال الأصم : يعني المنافقين وهو مثل قوله ( وممن حولكم من الاعراب منافقون )
أرجأهم الله فلم يخبر عنهم وحذرهم بهذه الآية إن لم يتوبوا أن ينزل فيهم قرآناً. فقال الله تعالى
( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) وفيه مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ لقائل أن يقول: إن كلمة ((إما)) و((أما)) للشك. والله تعالى منزه
عنه . وجوابه المراد منه ليكن أمرهم على الخوف والرجاء . فجعل أناس يقولون هلكوا إذا لم
ينزل الله تعالى لهم عذرا ، وآخرون يقولون عسى الله أن يغفر لهم .
المسألة الثانية ﴾ لا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو وتخلفهم عن
الرسول عليه السلام ، ثم إنه تعالى لم يحكم بكونهم تائبين بل قال ( إما يعذبهم وإما يتوب
عليهم ) وذلك يدل على أن الندم وحده لا يكون كافياً في صحة التوبة .

١٩٧٠
قوله تعالى ((والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفرا)) سورة التوبة
وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ
اللَّ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ الْحُسْنَ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَئِذِبُونَ
١٠٧
فان قيل : فما تلك الشرائط؟
٠٫٠
قلنا : لعلهم خافوا من أمر الرسول بإيذائهم او خافوا من الخجلة والفضيحة ، وعلى
هذا التقدير فتوبتهم غير صحيحة ولا مقبولة ، فاستمر عدم قبول التوبة إلى أن سهل أحوال
الخلق في قدحهم ومدحهم عندهم ، فعند ذلك ندموا على المعصية لنفس كونها معصية ، وعند
ذلك صحت توبتهم .
﴿ المسألة الثالثة) احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يعفو عن غير التائب،
وذلك لأنه قال في حق هؤلاء المذنبين ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) وذلك يدل على أنه لا
حكم إلا أحد هذين الأمرين ، وهو إما التعذيب وإما التوبة ، وأما العفو عن الذنب من غير
التوبة ، فهو قسم ثالث . فلما أهمل الله تعالى ذكره دل على أنه باطل وغير معتبر .
والجواب : أنا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين ، بل نقطع بحصول العفو في
الجملة ، وأما في حق كل واحد بعينه ، فذلك مشكوك فيه . ألا ترى أنه تعالى قال ( ويغفر ما
دون ذلك لمن يشاء ) فقطع بغفران ما سوى الشرك ، لكن لا في حق كل أحد ، بل في حق من
يشاء . فلم يلزم من عدم العفو في حق هؤلاء ، عدم العفو على الاطلاق . وأيضا فعدم الذكر
لا يدل على العدم، ألا ترى أنه تعالى قال (وجوه يومئذ مُسفرة ضاحكة مستبشرة) وهم المؤمنون
(ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها فترة أولئك هم الكفرة الفجرة) فههنا المذكرون، إما
· المؤمنون، وإما الكافرون، ثم إن عدم ذكر القسم الثالث، لم يدل عند الجبائي على نفيه،
فکذا ههنا.
وأما قوله تعالى ﴿ والله عليم حكيم﴾ أي (عليم ) بما في قلوب هؤلاء المؤمنين ( حكيم )
فيما يحكم فيهم ويقضي عليهم .
قوله تعالى ﴿ والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن
حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾

١٩٨
قوله تعالى ((وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله)) سورة التوبة
اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال ( والذين اتخذوا مسجدا
ضراراً وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر (الذين اتخذوا) بغير واو، وكذلك هو في
مصاحف أهل المدينة ، والباقون بالواو ، وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق . فالاول :
على أنه بدل من قوله ( وآخرون مرجون ) والثاني : أن يكون التقدير : ومنهم الذين اتخذوا
مسجدا ضرارا .
المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي : قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير
رضى الله عنهم : الذين اتخذوا مسجدا ضرارا كانوا اثنى عشر رجلا من المنافقين بنوا مسجدا
يضارون به مسجد قباء ، وأقول إنه تعالى وصفه بصفات أربعة :
﴿الصفة الأولى﴾ ضرارا، والضرار محاولة الضر، كما أن الشقاق محاولة ما يشق. قال
الزجاج : وانتصب قوله ( ضراراً ) لأنه مفعول له ، والمعنى : اتخذوه للضرار ولسائر الأمور
المذكورة بعده ، فلما حذفت اللام اقتضاه الفعل فنصب . قال وجائز أن يكون مصدرا
محمولا على المعنى ، والتقدير : اتخذوا مسجدا ضروا به ضراراً .
﴿ والصفة الثانية) قوله (وكفرا) قال ابن عباس رضى الله عنهما : يريد به صرارا
للمؤمنين وكفرا بالنبي عليه السلام ، وبما جاء به . وقال غيره اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على
النبي عليه السلام والاسلام .
﴿ الصفة الثالثة) قوله (وتفريقا بين المؤمنين) أي يفرقون بواسطته جماعة المؤمنين،
وذلك لأن المنافقين قالوا نبني مسجدا فنصلي فيه ، ولا نصلي خلفمحمد ، فان أتانا فيه صلينا
معه . وفرقنا بينه وبين الذين يصلون في مسجده ، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة ، وبطلان
الألفة .
والصفة الرابعة ) قوله تعالى ( وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ) قالوا : المراد أبو
عامر الراهب ، والد حنظلة الذي غسلته الملائكة ، وسماه رسول الله صل الفاسق ، وكان قد
تنصر في الجاهلية ، وترهب وطلب العلم، فلما خرج رسول الله وم لر عاداه ، لأنه زالت رياسته
وقال : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فلما انهزمت
هوازن خرج إلى الشأم ، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا

١٩٩
قوله تعالى (( لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى)) سورة التوبة
٠٠٤٩٠/٠٤/٤
لَا تَقُمْ فِهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِهِ فِهِ
رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطِّرِينَ ﴿ أَنْ أَسَّسَ بُنْيَتَهُ, عَلَى
تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرٍّأَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَلْنَهُ، عَ شَفَا ◌ُفٍ هَاٍ فَانْهَارَ بِهِ،
مِ لَيَزَالُ بُنْيَتُهُمُ الَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً
فِي نَارِ جَهَنَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِينَ
فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )
لي مسجداً فاني ذاهب إلى قيصر، وآت من عنده بجند ، فأخرج محمداً وأصحابه . فبنوا هذا
المسجد ، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد : قال الزجاج : الارصاد
الانتظار . وقال ابن قتيبة الارصاد الانتظار مع العداوة . وقال الأكثرون : الارصاد ،
الإعداد . قال تعالى ( إن ربك لبالمرصاد ) وقوله ( من قبل ) يعني من قبل بناء مسجد
الضرار ، ثم انه تعالى لما وصف هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال ( وليحلفن إن أردنا إلا
الحسنى ) أي ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين في التوسعة على
أهل الضعف والعلة والعجز عن المسير إلى مسجد رسول اللّه عليه . وذلك أنهم قالوا لرسول
اللّه ◌َّ إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية.
ثم قال تعالى ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون) والمعنى: أن الله تعالى أطلع الرسول على
أنهم حلفوا كاذبين .
واعلم أن قوله ( والذين ) محله الرفع على الابتداء وخبره محذوف، أي وممن ذكرنا
الذين .
قوله تعالى ﴿ لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه
رجال يحبون أن يتطهر وإ والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان
خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا
يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم ﴾
قال المفسرون : إن المنافقين لما بنوا ذلك المسجد لتلك الاغراض الفاسدة عند ذهاب
رسول الله وصل إلى غزوة تبوك، قالوا : يا رسول الله بنينا مسجدا لذى العلة والليلة الممطرة

٢٠٠
قوله تعالى (( لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى)) سورة التوبة
والشاتية ، ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة . فقال عليه السلام إني على جناح
سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه ، فلما رجع من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت
هذه الآية ، فدعا بعض القوم وقال : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدموه
وخربوه ، ففعلوا ذلك وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقي فيها الجيف والقمامة . وقال الحسن :
هم رسول اللّه وَّل أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل عليه السلام لا تقم فيد أبداً.
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( لا تقم فيه ) نهي له عليه السلام عن أن يقوم فيه . قال
ابن جريج : فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة ، فصلوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت
والأحد ، وانهار في يوم الاثنين . ثم إنه تعالى بين العلة في هذا النهي ، وهي أن أحد
المسجدين لما كان مبنياً على التقوى من أول يوم ، وكانت الصلاة في مسجد آخر تمنع من الصلاة
في مسجد التقوى ، كان من المعلوم بالضرورة أن يمنع من الصلاة في المسجد الثاني .
فان قيل : كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد
الثاني .
قلنا : التعليل وقع بمجموع الأمرين ، أعني كون مسجد الضرار سبباً للمفاسد الأربعة
المذكورة ، ومسجد التقوى مشتملا على الخيرات الكثيرة . ومن الروافض من يقول : بين الله
تعالى أن المسجد الذي بنى من أول الأمر على التقوى ، أحق بالقيام فيه من المسجد الذي لا
يكون كذلك . وثبت أن علياً ما كفر الله طرفة عين ، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالامامة ممن
كفر بالله في أول أمره . وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة ، فزال هذا
السؤال . واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو ؟ قيل إنه مسجد قباء ، وكان عليه السلام يأتيه
في كل سنة فيصلي فيه، والأكثرون أنه مسجد رسول الله اص ليه ، وقال سعيد بن المسيب:
المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول عليه السلام ، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه ،
فقال أحدهما : مسجد الرسول ، وقال آخر قباء . فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدّي
هذا . وقال القاضي ؛ لا يمنع دخولهما جميعاً تحت هذا الذكر لأن قوله ( لمسجد أسس على
التقوى ) هو كقول القائل ، لرجل صالح أحق أن تجالسه . فلا يكون ذلك مقصوراً على
واحد .
فان قيل : لم قال أحق أن تقوم فيه ، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر ؟
قلنا : المعنى أنه لو كان ذلك جائزاً لكان هذا أولى للأسباب المذكورة .
: