Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
قوله تعالى ((لكن الرسول والذين آمنوا معه)) سورة التوبة
لَلْكِنِ اَلَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْبِأَمْوَاِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتَّ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (َهِ أَعَّ اللهُلَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهُرُ خَلِنَ فِيهَاَ
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (3﴾ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
اللّهَ وَرَسُولَهُ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
قوله تعالى ﴿ لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم
الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك
الفوز العظيم ﴾
واعلم أنه تعالى لما شرح حال المنافقين في الفرار عن الجهاد بين أن حال الرسول والذين
آمنوا معه بالضد منه ، حيث بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله والتقرب إليه . وقوله
﴿ لكن﴾ فيه فائدة، وهي: أن التقدير أنه إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو، فقد توجه
اليه من هو خير منهم، وأخلص نية واعتقادا، كقوله ﴿فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلّنا بها قوما﴾
وقوله ﴿ فان استكبروا فالذين عند ربك ) ولما وصفهم بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم
من الفوائد والمنافع وهو أنواع : أولها: قوله ﴿وأولئك لهم الخيرات﴾ واعلم أن لفظ
الخيرات ، يتناول منافع الدارين ، لأجل أن اللفظ مطلق . وقيل ﴿ الخيرات ﴾ الحور ، لقوله
تعالى ﴿فيهن خيرات حسان﴾ وثانيها: قوله ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ فقوله ﴿لهم
الخيرات ﴾ المراد منه الثواب. وقوله ﴿ هم المفلحون﴾ المراد منه التخلص من العقاب
والعذاب . وثالثها : قوله ﴿ أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ يحتمل
أن تكون هذه الجنات كالتفسير للخيرات وللفلاح ، ويحتمل أن تحمل تلك الخيرات والفلاح
على منافع الدنيا ، مثل الغزو ، والكرامة ، والثروة ، والقدرة ، والغلبة ، وتحمل الجنات على
ثواب الآخرة و﴿ الفوز العظيم ) عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ، ودرجة عالية .
قوله تعالى ﴿ وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله
سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ﴾
الفخر الرازي ج١٦ م١١

١٦٢
قوله تعالى ((وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم)) سورة التوبة
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين الذين كانوا في المدينة ابتدا في هذه الآية بشرح
أحوال المنافقين من الاعراب في قوله ﴿وجاء المعذرون﴾ وقال: لعن الله المعذرين ، وذهب
إلى أن المعذر هو المجتهد الذي له عذر ، والمعذر بالتشديد الذي يعتذر بلا عذر . والحاصل :
أن المعذّر هو المجتهد البالغ في العذر ، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر ، وعلى هذه القراءة
فمعنى الآية : أن الله تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين ، فالمعذرون هم الذين
أتوا بالعذر. قيل: هم أسد . قالوا : إن لنا عيالا وإن بنا جهدا فائذن لنا في
التخلف. وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل ، قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيء
علينا ، فأذن رسول الله لهم . وعن مجاهد : نفر من غطفان اعتذروا . والذين قرؤا
المعذرون ﴾ بالتشديد وهي قراءة العامة فله وجهان من العربية .
الوجه الأول ﴾ ما ذكره الفراء والزجاج وأبن الأنباري: وهو أن الأصل في هذا
اللفظ المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين، وابدلت الذال من التاء، وأدغمت في الذال
التي بعدها فصارت التاء ذالا مشددة. والاعتذار قد يكون بالكذب، كما في قوله تعالى
(يعتذرون اليكم اذا رجعتم اليهم﴾ فبين كون هذا الاعتذار فاسدا بقوله ﴿قل لا تعتذروا﴾
وقد یکون بالصدق کما في قول لبید:
الوجه الثاني) أن يكون (المعذرون) على وزن قولنا : مفعلون من التعذير
الذي هو التقصير . يقال : عذرا تعذير اذا قصر ولم يبالغ . يقال : قام فلان قيام تعذير ، اذا
استكفيته في أمر فقصرفيه ، فان أخذنا بقراءة الخفيف ، كان ( المعذرون ) كاذبين . وأما إن
أخذنا بقراءة التشديد ، وفسرناها بالمعتذرين ، فعلى هذا التقدير : يحتمل أنهم كانوا صادقين
وأنهم كانوا كاذبين، ومن المفسرين من قال: المعذرون كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكرهم
قال بعدهم (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) فلما ميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا
بكاذبين. وروى الواحدي باسناده عن ابي عمرو: أنه لما قيل له هذا الكلام قال: إن أقواما
تكلفوا عذرا بباطل، فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله (وجاء المعذرون) وتخلف الآخرون لا
لعذر ولا لشبهة عذر جراءة على الله تعالى فهم المرادون بقوله (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله)
والذي قاله ابو عمر ومحتمل، إلا أن الأول اظهر. وقوله (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) وهم
منافقو الأعراب الذين ما جاءوا وما اعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم

١٦٣
قوله تعالى ((ليس على الضعفاء ولا على المرضى)) سورة التوبة
◌َّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَايُنِقُونَ خَرَجُ إِذَا
ج
نَصَحُوْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وَلَا عَلَى
الَّذِينَ إِذَا مَا أَقَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَ أَجِدُ مَا أَهْلُ كُمْ عَلَيْهِ قَوَلَّواْ وَأَعْيُهُمْ تَغِضُ
مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ
٩٢
الايمان. وقرأ أبي (كذبوا) بالتشديد (سيصيب الذين كفروا منهم عذاب اليم) في الدنيا بالقتل
وفي الآخرة بالنار، وإنما قال (منهم) لأنه تعالى كان عالما بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص عن هذا
العقاب، فذكر لفظة من الدالة على التبعيض .
قوله تعالى ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون
حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما
أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما
ينفقون ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين الوعيد في حق من يوهم العذر ، مع أنه لا عذر له ، ذكر أصحاب
الأعذار الحقيقية ، وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط ، وهم أقسام :
القسم الأول الصحيح في بدنه ، الضعيف مثل الشيوخ . ومن خَلق في أصل الفطرة
ضعيفا نحيفا ، وهؤلاء هم المرادون بالضعفاء . والدليل عليه : أنه عطف عليهم المرضى ،
والمعطوف مباين للمعطوف عليه ، فما لم يحمل الضعفاء على الذين ذكرناهم ، لم يتميزوا عن
المرضى .
وأما المرضى : فيدخل فيهم أصحاب العمى ، والعرج ، والزمانة ، وكل من كان
موصوفا بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة .
﴿ والقسم الثالث ﴾ الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة، وهم الذين لا يجدون ما
ينفقون ، لأن حضوره في الغزو إنما ينفع إذا قدر على الانفاق على نفسه ، إما من مال نفسه ،
أو من مال انسان آخر يعينه عليه ، فان لم تحصل هذه القدرة ، صار كَلاَّ ووبالا على
المجاهدين ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الاقسام الثلاثة قال : لا

١٦٤
قوله تعالى (( ما على المحسنين من سبيل )) سورة التوبة
حرج على هؤلاء ، والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو ، وليس في الآية بيان أنه يحرم
عليهم الخروج ، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة ، إما بحفظ
متاعهم أو بتکثیر سوادهم ، بشرط أن لا يجعل نفسه کلا ووبالا علیھم ، کان ذلك طاعة
مقبولة . ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا التأخير شرطا معينا وهو قوله ( إذا نصحوا لله ورسوله )
ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف ، وعن إثارة الفتن ، وسعوا في
إيصال الخير الى المجاهدين الذين سافروا ، إما بأن يقوموا باصلاح مهمات بيوتهم ، وإمابأن
يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم اليهم ، فان جملة هذه الأمور جارية مجرى الاعانة
على الجهاد .
ثم قال تعالى ﴿ ما على المحسنين من سبيل﴾ وقد اتفقوا على أنه دخل تحت قوله تعالى
( ما على المحسنين من سبيل ) هو أنه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد ، واختلفوا في أنه
هل يفيد العموم في كل الوجوه ؟ فمنهم من زعم أن اللفظ مقصور على هذا المعنى ، لأن هذه
الآية نزلت فيهم ، ومنهم من زعم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والمحسن هو
الآتي بالاحسان ، ورأس أبواب الاحسان ورئيسها ، هو قول: لا إله إلا الله ، وكل من قال
هذه الكلمة واعتقدها ، كان من المسلمين . وقوله تعالى ( ما على المحسنين من سبيل ) يقتضي
نفي جميع المسلمين ، فهذا بعمومه يقتضي أن الأصل في حال كل مسلم براءة الذمة ، وعدم
توجه مطالبة الغير عليه في نفسه وماله ، فيدل على أن الأصل في نفسه حرمة القتل ، إلا لدليل
منفصل ، والأصل في ماله حرمة الأخذ ، إلا لدليل منفصل ، وأن لا يتوجه عليه شيء من
التكاليف ، إلا لدليل منفصل ، فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلا معتبرا في الشريعة ، في
تقرير أن الأصل براءة الذمة ، فان ورد نص خاص يدل على وجوب حكم خاص ، في واقعة
خاصة ، قضينا بذلك النص الخاص تقديما للخاص على العام ، وإلا فهذا النص كاف في تقرير
البراءة الأصلية ، ومن الناس من يحتج بهذا على نفي القياس . قال : لأن هذا النص دل على
أن الأصل هو براءة الذمة ، وعدم الالزام والتكليف ، فالقياس إما أن يدل على براءة الذمة أو
على شغل الذمة ، والأول باطل لأن براءة الذمة لما ثبتت بمقتضى هذا النص ، كان إثباتها
بالقياس عبثا . والثاني أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير يصير ذلك القياس مخصصا لعموم
هذا النص وأنه لا يجوز ، لما ثبت أن النص أقوى من القياس . قالوا : وبهذا الطريق تصير
الشريعة مضبوطة ، معلومة ، ملخصة ، بعيدة عن الاضطراب والاختلافات التي لا نهاية لها ،
وذلك لأن السلطان إذا بعث واحدا من عماله الى سياسة بلدة ، فقال له : أيها الرجل تكليفي
عليك ، وعلى أهل تلك المملكة ، كذا وكذا ، وعد عليهم مائة نوع من التكاليف مثلا ، ثم
%,

٠١٥
١٦٥
قوله تعالى ((ما على المحسنين من سبيل)) سورة التوبة
قال : وبعد هذه التكاليف ليس لأحد عليهم سبيل ، كان هذا تنصيصا منه على أنه لا تكليف
عليهم فيما وراء تلك الاقسام المائة المذكورة ، ولو أنه كلف ذلك السلطان بأن ينص على ما
سوى تلك المائة بالنفي على سبيل التفصيل كان ذلك محالا ، لأن باب النفي لا نهاية له ، بل
كفاه في النفي أن يقول : ليس لأحد على أحد سبيل إلا فيما ذكرت وفصلت ، فكذا ههنا أنه
تعالى لما قال ( ما على المحسنين من سبيل ) وهذا يقتضي أن لا يتوجه على أحد سبيل ، ثم إنه
تعالى ذكر في القرآن ألف تكليف ، أو أقل أو أكثر ، كان ذلك تنصيصا على أن التكاليف.
محصورة في ذلك الألف المذكور ، وأما فيما وراءه فليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي ،
وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة سهلة المؤنة كثيرة المعونة ، ويكون القرآن وافيا ببيان
التكاليف والاحكام ، ويكون قوله ( اليوم أكملت لكم دينكم ) حقا ، ويصير قوله ( لتبين
للناس ما نزل اليهم ) حقا ، ولا حاجة البتة الى التمسك بالقياس في حكم من الأحكام
أصلا ، فهذا ما يقرره أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني وأصحابه في تقرير هذا الباب .
واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء ، بين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد
بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله ، وبين كونهم محسنين ، وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ،
ذكر قسما رابعا من المعذورين ، فقال ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما
أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون )
فان قيل : أليس أن هؤلاء داخلون تحت قوله ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون )
فما الفائدة في إعادته ؟
قلنا : الذين لا يجدون ما ينفقون ، هم الفقراء الذين ليس معهم دون النفقة ، وهؤلاء
المذكورون في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة ، إلا أنهم لم يجدوا المركوب ،
والمفسرون ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها : الأول : قال مجاهد : هم ثلاثة إخوة :
معقل ، وسويد، والنعمان بن مقرن، سألوا النبي ◌َّلأن يحملهم على الخفاف المدبوغة ،
والنعال المخصوفة، فقال عليه السلام (( لا أجد ما أحملكم عليه)) فتولوا وهم يبكون ،
الثاني: قال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه، أتوا رسول الله وله
يستحملونه، ووافق ذلك منه غضبا، فقال عليه السلام ((ووالله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم
عليه)) فتولوا وهم يبكون فدعاهم رسول اللّه وَيرٍ، فأعطاهم ذودا خير الذود، فقال أبو موسى:
ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال ((أما أني شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا
أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني)»

١٦٦
قوله تعالى ((إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء)) سورة التوبة
إِنَّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِ
وَطَعَ اللهُ عَ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا
تَعْتَذِرُ وْلَنَ تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِ كُمْ وَسَ اللهُ عَكُمْ وَرَسُولُ، ثُمَّ ◌ُدُّونَ
إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُقَبِئُكُم ◌ِمَا كُنتُمٌ تَعْمَلُونَ
٩٤
والرواية الثالثة ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : سألوه أن يحملهم على الدواب
فقال عليه السلام ((لا أجد ما أحملكم عليه)) لأن الشقة بعيدة ، والرجل يحتاج الى بعيرين ،
بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده . قال صاحب الكشاف : قوله ( تفيض من الدمع
حزنا) كقولك : تفيض دمعا ، وهو أبلغ من يفيض دمعها ، لأن العين جعلت كأن كلها دمع
فائض .
قوله تعالى ﴿ انما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف
وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون. يعتذرون اليكم إذا رجعتم اليهم قل لا تعتذروا لن
نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون الى عالم الغيب
والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما قال في الآية الأولى ( ما على المحسنين من سبيل) قال في
هذه الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا ، ثم الذين قالوا في الآية الأولى المراد ( ما على
المحسنين من سبيل ) في أمر الغزو والجهاد ، وأن نفى السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا
الحكم . قالوا : السبيل الذي نفاه عن المحسنين ، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين ، وهو
الذي يختص بالجهاد ، والمعنى : أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنوك في التخلف سبيل الله
عليهم لازم ، وتكليفه عليهم بالذهاب الى الغزومتوجه ، ولا عذر لهم البتة في التخلف .
فان قيل : قوله ( رضوا ) ما موقعه ؟
قلنا : كأنه استئناف ، كأنه قيل : ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء . فقيل : رضوا بالدناءة
والضّعة والانتظام في جملة الخوالف ( وطبع الله على قلوبهم ) يعني أن السبب في نفرتهم عن
الجهاد ، هو أن الله طبع على قلوبهم ، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع
الدين والدنيا .

١٦٧
قوله تعالى (( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم اليهم )) سورة التوبة
سَيَحْلِفُونَ بِلَِّ لَكُمْ إِذَا انْقَبُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْعَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ
وَمَأْوَهُمْ جَهَنَّمُ ◌َزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ يَلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمْ فَإِن
تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللََّ لَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
ثم قال ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم اليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم﴾ علة للمنع
من الاعتذار لأن غرض المعتذر ان يصير عذره مقبولا . فاذا علم بأن القوم يكذبونه فيه، وجب
عليه تركه. وقوله (قد نبأنا الله من أخباركم) علة لانتفاء التصديق، لأنه تعالى لما أطلع رسوله
على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق، امتنع ان يصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام
في تلك الأعذار .
ثم قال ﴿ وسيرى الله عملكم ورسوله ) والمعنى أنهم كانوا يظهرون من أنفسهم عند
تقرير تلك المعاذير حبا للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين وشفقة عليهم ورغبة في
نصرتهم ، فقال تعالى ( وسيرى الله عملكم ) أنكم هل تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي
تظهر ونها من الصدق والصفاء ، أو لا تبقون عليها ؟
ثم قال ﴿ ثم تردون إلى عام الغيب والشهادة ﴾
فان قيل : لما قال ( وسيرى الله عملكم ) فلم لم يقل ، ثم تردون اليه ، وما الفائدة في
قوله ( ثم ) قلنا : في وصفه تعالى بكونه ( عالم الغيب والشهادة ) ما يدل على كونه مطلعا على
بواطنهم الخبيثة وضمائرهم المملوأة من الكذب والكيد ، وفيه تخويف شديد ، وزجر عظيم
لهم .
قوله تعالى ﴿ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم اليهم لتعرضوا عنهم إنهم رجس مأواهم
جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فان ترضوا عنهم فان الله لا يرضى
عن القوم الفاسقين
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى أنهم يعتذرون ، ذكر في هذه الآية أنهم
كانوا يؤكدون تلك الأعذار بالإيمان الكاذبة .
أما قوله ﴿ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ﴾ فاعلم أن هذا

١٦٨
قوله تعالى ((الأعراب أشد كفرا ونفاقا)) سورة التوبة
اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ،
وَاللهُ عَلِيمٌ حَِكِيمٌ ﴾ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن ◌َِّدُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَ يَتَرَبِّصُ بِكُ
اَلَّوَآِرَ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٩٨
الكلام يدل على أنهم حلفوا بالله ، ولم يدل على أنهم على أي شيء حلفوا ؟ فقيل : إنهم
حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ، وإنما حلفوا على ذلك لتعرضوا عنهم أي لتصفحوا
عنهم ، ولتعرضوا عن ذمهم .
ثم قال تعالى ﴿ فأعرضوا عنهم﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما: يريد ترك الكلام
والسلام. قال مقاتل: قال النبي ◌َّ حين قدم المدينة ((لا تجالسوهم ولا تكلموهم)) قال أهل
المعاني : هؤلاء طلبوا إعراض الصفح ، فأعطوا إعراض المقت ، ثم ذكر العلة في وجوب
الاعراض عنهم فقال ( إنهم رجس ) والمعنى : أن خبث باطنهم رجس روحاني ، فكما يجب
الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية ، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى ، خوفا من
سريانها الى الانسان ، وحذرا من أن يميل طبع الانسان الى تلك الأعمال .
ثم قال تعالى ﴿ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ ومعناه ظاهر ، ولما بين في
الآية انهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إيذائهم، بين أيضاً انهم يحلفون ليرضى المسلمون
عنهم، ثم إنه تعالى نهى المسلمين عن أن يرضوا عنهم، فقال (فان ترضوا عنهم فان الله لا
يرضى عن القوم الفاسقين) والمعنى: انكم ان رضيتم عنهم مع ان الله لا يرضى عنهم، كانت
إرادتكم مخالفة لارادة الله، وأن ذلك لا يجوز. وأقول: إن هذه المعاني مذكورة في الآيات
السالفة، وقد أعادها الله ههنا مرة اخرى، وأظن ان الأول خطاب مع المنافقين الذين كانوا في
المدينة، وهذا خطاب مع المنافقين من الأعراب وأصحاب البوادي، ولما كانت طرق المنافقين
متقاربة سواء كانوا من أهل الحضر أو من اهل البادية، لا جرم كان الكلام معهم على مناهج
متقاربة .
قوله تعالى ﴿ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على
رسوله والله عليم حكيم ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم
دائرة السوء والله سميع عليم ﴾

١٦٩
قوله تعالى: الأعراب أشد كفراً ونفاقاً )) سورة التوبة
اعلم أن هذه الآية تدل على صحة ما ذكرنا من أنه تعالى إنما أعاد هذه الأحكام ، لأن
المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب ، ولهذا السبب بين أن كفرهم ونفاقهم أشد . وجهلهم
بحدود ما أنزل الله أكمل ، وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال العلماء من أهل اللغة، يقال: رجل عربي إذا كان نسبه في
العرب وجمعه العرب ، كما تقول مجوسي ويهودي ، ثم يحذف ياء النسبة في الجمع ، فيقال :
المجوس واليهود ، ورجل أعرابي ، بالألف إذا كان بدويا ، يطلب مساقط الغيث والكلأ ،
سواء كان من العرب أو من مواليهم ، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب ، فالأعرابي
إذا قيل له يا عربي : فرح ، والعربي إذا قيل له : يا أعرابي ، غضب له ، فمن استوطن
القرى العربية فهم عرب ، ومن نزل البادية فهم أعراب ، والذي يدل على الفرق وجوه :
الأول: أنه عليه السلام قال ((حب العرب من الايمان)) وأما الأعراب فقد ذمهم الله في هذه
الآية . والثاني : أنه لا يجوز أن يقال : للمهاجرين والأنصار أعراب ، إنما هم عرب ، وهم
متقدمون في مراتب الدين على الأعراب. قال عليه السلام ((لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاسق مؤمنا
ولا أعرابي مهاجرا)) الثالث: قيل إنما سمى العرب عربا لأن اولاد اسمعيل نشأوا بعربة، وهي
من تهامة، فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم،
لأنهم انما تولدوا من أولاد اسمعيل وقيل : سموا بالعرب ، لأن ألسنتهم معربة عما في
ضمائرهم ، ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر
الألسنة ، ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال : حكمة الروم في أدمغتهم وذلك
لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة ، وحكمة الهند في أوهامهم ، وحكمة اليونان في
أفئدتهم . وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية ، وحكمة العرب في ألسنتهم ، وذلك
لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم .
المسألة الثانية ) من الناس من قال: الجمع المحلى بالألف واللام الأصل فيه أن
ينصرف الى المعهود السابق ، فان لم يوجد المعهود السابق ، حمل على الاستغراق للضرورة .
قالوا : لأن صيغة الجمع يكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها ، والألف والام للتعريف ،
فان حصل جمع هو معهود سابق . وجب الانصراف اليه ، وان لم يوجد فحينئذ يحمل على
الاستغراق دفعا للاجمال
قالوا إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( الاعراب ) المراد منه جمع معينون من منافقي
الأعراب ، كانوا يوالون منافقي المدينة فانصرف هذا اللفظ اليهم .

١٧٠
قوله تعالى ((ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما )) سورة التوبة
﴿ المسألة الثالثة ) أنه تعالى حكم على الأعراب بحكمين :
الحكم الاول
: الأول : أن أهل البدو يشبهون الوحوش . والثاني : استيلاء الهواء الحار اليابس
عليهم ، وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم ، والثالث : أنهم
ما كانوا تحت سياسة سائس ، ولا تأديب مؤدب ، ولا ضبط ضابط فنشاؤا كما شاؤًا ، ومن كان
كذلك خرج على أشد الجهات فسادا . والرابع : أن من أصبح وأمسى مشاهدا لوعظ رسول
اللّه ◌َله، وبياناته الشافية، وتأديباته الكاملة، كيف يكون مساويا لمن لم يؤاثر هذا الخير، ولم
يسمع خبره . والخامس : قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لتعرف الفرق بين أهل الحضر
والبادية .
الحكم الثاني
قوله ( وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) وقوله ( أجدر ) أي أولى
وأحق ، وفي الآية حذف ، والتقدير : وأجدر بأن لا يعلموا . وقيل في تفسير حدود ما أنزل
الله مقادير التكاليف والأحكام . وقيل : مراتب أدلة العدل والتوحيد والنبوة والمعاد ( والله
عليم ) بما في قلوب خلقه ( حكيم ) فيما فرض من فرائضه .
ثم قال ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما﴾ والمغرم مصدر كالغرامة، والمعنى ان
من الأعراب من يعتقد ان الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران، وإنما يعتقد ذلك لأنه لا
ينفق إلا تُقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله وابتغاء ثوابه (ويتربص بكم الدوائر) يعني الموت
،والقتل، أي ينتظر أن تنقلب الأمور عليكم بموت الرسول، ويظهر عليكم المشركون. ثم إنه
أعاده اليهم فقال (عليهم دائرة السوء) والدائرة يجوز ان تكون واحدة، ويجوز ان تكون صفة
غالبة، وهي إنما تستعمل في آفة تحيط بالانسان كالدائرة، بحيث لا يكون له منها مخلص، وقوله
(السوء) قرىء بفتح السين وضمه. قال الفراء: فتح السين هو الوجه، لأنه مصدر قولك: ساء
يسوء سوأ أو مساءة ومن ضم السين جعله اسما، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، ولا
يجوز ضم السين في قوله (ما كان ابوك امرأ سوء) ولا في قوله (وظننتم ظن السوء) وإلا صار
التقدير: ما كان أبوك امرا عذاب، وظننتم ظن العذاب، ومعلوم انه لا يجوز، وقال الأخفش
وأبو عبيد: من فتح السين، فهو كقولك: رجل سوء، وامرأة سوء، ثم يدخل الألف واللام،

١٧١
قوله تعالى (( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر))سورة التوبة
وَمِنَ الْأُعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِلّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَّخِذُ مَايُفِقُ قُرُبَيْتٍ عِندَ اللهِ
وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ أَلَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ ◌َهُمْ سَيُدْ خِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فيقول: رجل السوء وأنشد الأخفش :
جمـ
وکنت کذئب السوء لما رأی دما
بصاحبه یوما أحال علی الدم
ومن ضم السين أراد بالسوء المضرة والشر والبلاء والمكروه ، كأنه قيل : عليهم دائرة
الهزيمة والمكروه ، وبهم يحيق ذلك . قال أبو علي الفارسي : لو لم تضف الدائرة الى السوء أو
السوء عرف منها معنى السوء ، لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه .
إذا عرفت هذا فنقول : المعنى يدور عليهم البلاء والحزن ، فلا يرون في محمد عليه
الصلاة والسلام ودينه إلا ما يسوءهم .
ثم قال ﴿ والله سميع ﴾ لقولهم (عليم) بنّياتهم.
قوله تعالى ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله
وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ﴾
٠
اعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الاعراب من يتخذ انفاقه في سبيل الله مغرما ، بين
أيضا أن فيهم قوما مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنما .
واعلم أنه تعالى وصف هذا الفريق بوصفين: فالأول: كونه مؤمنا بالله واليوم الآخر،
والمقصود التنبيه على أنه لا بد في جميع الطاعات من تقدم الايمان، وفي الجهاد أيضا كذلك.
والثاني: كونه بحيث يتخذ ما ينفقه قربات عند الله وصلوات الرسول، وفيه بحثان: الأول:
قال الزجاج: يجوز في القربات ثلاثة أوجه، ضم الراء، واسكانها وفتحها. الثاني: قال
صاحب الكشاف: قربات مفعول ثاني ليتخذ، والمعنى: ان ما ينفقه لسبب حصول القربات
عند الله تعالى وصلوات الرسول، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر
لهم. كقوله ((اللهم صل على آل أبي أو فى)) وقال تعالى (وصل عليهم) فلما كان ما ينفق سببا
لحصول القربات والصلوات، قيل: إنه يتخذ ما ينفق قربات وصلوات. وقال تعالى (الا إنها

١٧٢
قوله تعالى ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)) سورة التوبة
وَالسَِّقُونَ آلْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَتِجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ آَتََّعُوهُم بِإِحْسٍَ رَضِىَ الله
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّدٍ تَجْرِى نَحْنَهَا الْأَنْهَرُ نَخْلِدِينَ فِيَهَا أَبَدًا ذَلِكَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ
قربة لهم ) وهذا شهادة من الله تعالى للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات
وصلوات، وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه ، وهو قوله ( ألا ) وبحرف التحقيق،
وهو قوله (إنها) ثم زاد في التأكيد، فقال (سيدخلهم الله في رحمته) وقد ذكرنا أن إدخال هذه
السين يوجب مزيد التأكيد. ثم قال ( إن الله غفور ) لسياتهم (رحيم) بهم حيث وفقهم لهذه
الطاعات. وقرأ نافع (ألا إنها قربة) بضم الراء وهو الأصل، ثم خففت نحو: كتب، ورسل،
وطنب، والأصل هو الضم، والاسكان تخفيف .
قوله تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان
رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز
العظيم ﴾
وإعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله
وصلوات الرسول ، وما أعد لهم من الثواب ، بين أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم
منها ، وهي منازل السابقين الأولين . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اختلفوا في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار من هم؟
وذكروا وجوها : الأول : قال ابن عباس رضى الله عنهما : هم الذين صلوا الى القبلتين
وشهدوا بدرا وعن الشعبي هم الذين بايعوا بيعة الرضوان . والصحيح عندي أنهم السابقوّن
في الهجرة ، وفي النصرة ، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيماذا
فبقي اللفظ مجملا إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا ، فوجب صرف ذلك اللفظ الى ما
به صاروا مهاجرين وأنصارا وهو الهجرة والنصرة ، فوجب أن يكون المراد منه السابقون
الأولون في الهجرة والنصرة إزالة للاجمال عن اللفظ ، وأيضا فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من
حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس ، ومخالف للطبع ، فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره

١٧٣
قوله تعالى ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)) سورة التوبة
في هذه الطاعة ، وكان ذلك مقويا لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، وسببا لزوال
الوحشة عن خاطره ، وكذلك السبق في النصرة ، فان الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم
المدينة ، فلا شك أن الذين سبقوا اإلى النصرة والخدمة ، فازوا بمنصب عظيم ، فلهذه الوجوه
يجب أن يكون المراد والسابقون الأولون في الهجرة .
إذا ثبت هذا فنقول : إن أسبق الناس الى الهجرة هو أبو بكر ، لأنه كان في خدمة
الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان مصاحبا له في كل مسكن وموضع ، فكان نصيبه من
هذا المنصب أعلى من نصيب غيره ، وعليَّ بن أبي طالب ، وإن كان من المهاجرين الأولين إلا
أنه إنما هاجر بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا شك أنه إنما بقي بمكة لمهمات
الرسول إلا أن السبق إلى الهجرة إنما حصل لأبي بكر ، فكان نصيب أبي بكر من هذه الفضيلة
أوفر ، فاذا ثبت هذا صار أبو بكر محكوما عليه بأنه رضى الله عنه ، ورضى هو عن الله ، وذلك
في أعلى الدرجات من الفضل .
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماما حقا بعد رسول الله ، إذ لو كانت إمامته باطلة
لاستحق اللعن والمقت ، وذلك ينافي حصول مثل هذا التعظيم ، فصارت هذه الآية من أدل
الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضى الله عنهما ، وعلى صحة إمامتهما .
فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من سبق إلى الاسلام من المهاجرين والأنصار ،
لأن هؤلاء آمنوا ، وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف. فقوى الاسلام بسببهم ،
وكثر عدد المسلمين بسبب إسلامهم ، وقوى قلب الرسول بسبب دخولهم في الاسلام واقتدى
بهم غيرهم ، فكان حالهم فيه كحال من سن سنة حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل لها الى
يوم القيامة ؟ ثم تقول : هب أن أبا بكر دخل هذه الآية بحكم كونه أول المهاجرين ، لكن
لم قلتم أنه بقي على تلك الحالة ؟ ولم لا يجوز أن يقال : إنه تغير عن تلك الحالة ، وزالت عنه
تلك الفضيلة بسبب إقدامه على تلك الامامة ؟
والجواب عن الأول : أن حمل السابقين على السابقين في المدة تحكّم لا دلالة عليه ، لأن
لفظ السابق مطلق ، فلم يكن حمله على السبق في المدة أولى من حمله على السبق في سائر
الأمور ، ونحن بينا أن حمله على السبق في الهجرة أولى . قوله : المراد منه السبق في الاسلام .
قلنا : السبق في الهجرة يتضمن السبق في الاسلام ، والسبق في الاسلام لا يتضمن
السبق في الهجرة ، فكان حمل اللفظ على السبق في الهجرة أولى . وأيضا فهب أنا نحمل اللفظ

١٧٤
قوله تعالى ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)) سورة التوبة
على السبق في الايمان ، إلا أنا نقول : قوله ( والسابقون الأولون ) صيغة فلا بد من حمله على
جماعة ، فوجب أن يدخل فيه على رضى الله عنه وغيره ، وهب أن الناس اختلفوا في أن إيمان
أبي بكر أسبق أم إيمان علي ؟ لكنهم اتفقوا على أن أبا بكر من السابقين الأولين ، واتفق أهل
الحديث على أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن الصبيان
علي ، ومن الموالي زيد ، فعلى هذا التقدير : يكون أبو بكر ، من السابقين الأولين ، وأيضا قد
بينا أن السبق في الايمان إنما أوجب الفضل العظيم من حيث أنه يتقوى به قلب الرسول عليه
السلام ، ويصير هو قدوة لغيره ، وهذا المعنى في حق أبي بكر أكمل ، وذلك لأنه حین أسلم
كان رجلا كبير السن مشهورا فيما بين الناس ، واقتدى به جماعة من أكابر الصحابة رضى الله
عنهم ، فانه نقل أنه لما أسلم ذهب الى طلحة والزبير وعثمان بن عفان ، وعرض الاسلام
عليهم ، ثم جاء بهم بعد أيام الى الرسول عليه السلام ، وأسلموا على يد الرسول عليه
السلام ، فظهر أنه دخل بسبب دخوله في الاسلام قوة في الاسلام ، وصار هذا قدوة لغيره ،
وهذه المعاني ما حصلت في علي رضى الله عنه ، لأنه في ذلك الوقت كان صغير السن ، وكان
جاريا مجرى صبي في داخل البيت ، فما كان يحصل باسلامه في ذلك الوقت مزيد قوة
للاسلام ، وما صار قدوة في ذلك الوقت لغيره ، فثبت أن الرأس والرئيس في قوله (والسابقون
الأولون من المهاجرين ) ليس إلا أبا بكر ، أما قوله لم قلتم إنه بقي موصوفا بهذه الصفة بعد
إقدامه على طلب الامامة ؟
قلنا : قوله تعالى ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) يتناول الأحوال والأوقات بدليل أنه لا
وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه . فيقال رضى الله عنهم إلا في وقت طلب الامامة ،
ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ ، أو نقول : إنا بينا أنه تعالى وصفهم
بكونهم سابقين مهاجرين ، وذلك يقتضي أن المراد كونهم سابقين في الهجرة ، ثم لما وصفهم
بهذا الوصف أتيت لهم ما يوجب التعظيم، وهو قوله (رضى الله عنهم ورضوا عنه) والسبق في
الهجرة وصف مناسب للتعظيم، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب، يدل على كون ذلك
الحكم معللا بذلك الوصف، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله (رضي الله عنهم
ورضوا عنه) معلل بكونهم سابقين في الهجرة، والعلة ما دامت موجودة، وجب ترتب المعلول
عليها، وكونهم سابقين الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم، فوجب أن يكون ذلك
الرضوان حاصلا في جميع مدة وجودهم، أو نقول: إنه تعالى قال (وأعد لهم جنات تجري تحتها
الأنهار) وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم، وذلك يقتضي بقاءهم على
تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه

١٧٥
قوله تعالى (( والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم)) سورة التوبة
تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الايمان ، لأنا نقول : هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر
وأيضا فعلى هذا التقدير : لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح ، وبين سائر الفرق
فرق، لأنه تعالى (أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار) ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب،
لو صاروا مؤمنين، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء
الكامل، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء، فسقط هذا السؤال. فظهر أن
هذه الآية دالة على فضل أبي بكر، وعلى صحة القول بامامته قطعا .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أن المدح في هذه الآية هل يتناول جميع الصحابة أم يتناول
بعضهم ؟ فقال قوم : إنه يتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة ، وعلى هذا فهو لا يتناول إلا
قدماء الصحابة ، لأن كلمة ( من ) تفيد التبعيض ، ومنهم من قال : بل يتناول جميع
الصحابة ، لأن جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين ،
وكلمة (من ) في قوله ( من المهاجرين والأنصار ) ليست للتبعيض ، بل للتبيين ؛ أي
والسابقون الأولون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصار كما في قوله تعالى ( فاجتنبوا
الرجس من الأوثان) وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول ، روى عن حميد بن زياد أنه قال :
قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب الرسول عليه السلام فيما كان
بينهم ، وأردت الفتن ، فقالي : إن الله تعالى قد غفر لجميعهم ، وأوجب لهم الجنة في كتابه ،
محسنهم ومسيئهم ، قلت له : وفي أي موضع أوجب لهم الجنة ؟ قال : سبحان الله! ألا تقرأ
قوله تعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) إلى آخر الاية ؟ فأوجب الله لجميع
أصحاب النبي عليه السلام الجنة والرضوان ، وشرط على التابعين شرط عليهم . قلت : وما
ذاك الشرط؟ قال : اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل ، وهو أن يقتدوا بهم في
أعمالهم الحسنة ، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك ، أو يقال : المراد أن يتبعوهم بإحسان في
القول ، وهو أن لا يقولوا فيهم سوء ، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه . قال حميد بن
زياد : فكأني ما قرأت هذه الآية فقط !
المسألة الثالثة﴾ روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يقرأ (والسابقون
الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان ) فكان يعطف قوله ( الأنصار ) على
قوله ( والسابقون ) وكان يحذف الواو من قوله ( والذين اتبعوهم باحسان ) ويجعله وصفا
للانصار ، وروى أن عمر رضى الله عنه كان يقرأ هذه الآية على هذا الوجه . قال أبي : والله
لقد أقرأنيها رسول الله وي قر على هذا الوجه، وإنك لتبيع القرظ يومئذ ببقيع المدينة ، فقال عمر
رضى الله عنه : صدقت ، شهدتم وغبنا ، وفرغتم وشغلنا ، ولئن شئت لتقولن نحن أوینا

١٧٦
قوله تعالى (( وممن حولكم من الأعراب منافقون)) سورة التوبة
وَمِّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَاَعْلَهُمْ
نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مََّّتَيْنِ أُمَّيُدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ.
١٠١
ونصرنا . وروى أنه جرت هذه المناظرة بين عمر وبين زيد بن ثابت واستشهد زيد بأبي بن
كعب ، والتفاوت أن على قراءة عمر ، يكون التعظيم الحاصل من قوله ( والسابقون الأولون )
مختصا بالمهاجرين ولا يشاركهم الأنصار فيها فوجب مزيد التعظيم للمهاجرين . والله أعلم .
وروى أن أبيا احتج على صحة القراءة المشهورة بآخر الأنفال وهو قوله ( والذين آمنوا من بعد
وهاجروا ) بعد تقدم ذكر المهاجرين والأنصار في الآية الأولى ، وبأواسط سورة الحشر وهو قوله
( والذين جاؤا من بعدهم ) وبأول سورة الجمعة وهو قوله ( وآخرون منهم لما يلحقوا بهم )
﴿ المسألة الرابعة ) قوله (والسابقون) مرتفع بالابتداء وخبره قوله ( رضى الله عنهم )
ومعناه : رضى الله عنهم لأعمالهم وكثرة طاعاتهم ، ورضوا عنه لما أفاض عليهم من نعمه
الجليلة في الدين والدنيا ، وفي مصاحف أهل مكة ( تجرى من تحتها الأنهار ) وهي قراءة ابن
كثير ، وفي سائر المصاحف ( تحتها ) من غير كلمة ( من )
﴿ المسألة الخامسة) قوله (والذين اتبعوهم بإحسان ) قال عطاء عن ابن عباس رضى
الله عنهم : يريد ، يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاءُ لهم ، ويذكرون
محاسنهم ، وقال في رواية أخرى والذين اتبعوهم باحسان على دينهم إلى يوم القيامة ، واعلم
أن الآية دلت على أن من اتبعهم إنما يستحقون الرضوان والثواب ، بشرط كونهم متبعين لهم
باحسان ، وفسرنا هذا الاحسان باحسان القول فيهم ، والحكم المشروط بشرط ، ينتفي عند
انتقاء ذلك الشرط ، فوجب أن من لم يحسن القول في المهاجرين والأنصار لا يكون مستحقا
للرضوان من الله تعالى ، وأن لا يكون من أهل الثواب لهذا السبب ، فان أهل الدين يبالغون
في تعظيم أصحاب رسول الله يص لي ولا يطلقون ألسنتهم في اغتيابهم وذكرهم بما لا ينبغي.
قوله تعالى ﴿ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا
تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾
اعلم أنه تعالى شرح أحوال منافقي المدينة ، ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب ، ثم
...

١٧٧
قوله تعالى (( لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين)) سورة التوبة
بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص ، ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم ، وهم
السابقون المهاجرون والأنصار . فذكر في هذه الآية أن جماعة من حول المدينة موصوفون
بالنفاق ، وإن كنتم لا تعلمون كونهم كذلك فقال ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ) وهم
جهينة وأسلم وأشجع وغفار ، وكانوا نازلين حولها .
وأما قوله ﴿ ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ﴾ ففيه بحثان ؛
البحث الأول ﴾ قال الزجاج : أنه حصل فيه تقديم وتأخير ، والتقدير :
وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق . الثاني : قال ابن
الانباري : يجوز أن يكون التقدير : ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق فأضمر ((من))
لدلالة ( من ) عليها كما في قوله تعالى (وما منا إلا له مقام معلوم) يريد إلا من له مقام معلوم .
﴿ البحث الثاني﴾ يقال: مرد يمرد مردوا فهو مارد ومريد إذا عتا ، والمزيد من شياطين
الانس والجن ، وقد تمرد علينا أي عتا ، وقال ابن الأعرابي : المراد التطاول بالكبر والمعاصي ،
ومنه : ( مردوا على النفاق ) وأصل المرود الملاسة ، ومنه صرح ممرد ، وغلام أمرد ، والمرداء
الرملة التي لا تنبت شيئاً ، كأن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت اليه ، بقي كما كان على صفته
الأصلية من غير حدوث تغير فيه البتة ، وذلك هو الملاسة .
إذا عرفت أصل اللفظ فنقول : قوله ( مرودا على النفاق ) أي تثبتوا واستمروا فيه ولم
يتوبوا عنه ثم قال تعالى ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ وهو كقوله ( لا تعلمونهم الله يعلمهم)
والمعنى أنهم تمردوا في حرفة النفاق فصاروا فيها أساتذة ، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت
نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك .
ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ وذكر وا في تفسير المرتين وجوها كثيرة :
﴿ الوجه الأول) قال ابن عباس رضى الله عنهما : يريد الامراض في الدنيا ، وعذاب
الآخرة ، وذلك أن مرض المؤمن يفيده تكفير السيئات ، ومرض الكافر يفيده زيادة الكفر
وكفران النعم .
الوجه الثاني ﴾ روى السدى عن أنس بن مالك أن النبي عليه السلام قام خطيبا يوم
الجمعة فقال ((اخرج يا فلان فانك منافق اخرج يا فلان فانك منافق)) فأخرج من المسجد ناسا
وفضحهم فهذا هو العذاب الأول ، والثاني عذاب القبر .
والوجه الثالث ﴾ قال مجاهد : في الدنيا بالقتل والسبى وبعد ذلك بعذاب القبر.
الفخر الرازي ج١٦ م١٢

١٧٨
قوله تعالى ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم)) سورة التوبة
وَءَ انَخُرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَانَرَ سَبِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ
◌َلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (يَ خُذْمِنْ أَمْوَِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمٍبِهَا
وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُسَمِيعٌ عَلِيمٌ
( والوجه الرابع ﴾ قال قتادة بالدبيلة وعذاب القبر، وذلك أن النبي عليه السلام أسرٌ
إلى حذيفة اثنى عشر رجلا من المنافقين ، وقال : ستة یبتلهم الله بالدبیلة سراج من نار یأخذ
أحدهم حتى يخرج من صدره ، وستة يموتون موتا.
والوجه الخامس ﴾ قال الحسن : بأخذ الزكاة من أموالهم ، وعذاب القبر
والوجه السادس ﴾ قال محمد بن إسحق. هو ما يدخل عليهم من غيظ الاسلام
ودخولهم فيه من غير حسنة ، ثم عذابهم في القبور .
﴿ والوجه السابع﴾ أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار. والآخر عند
البعث ، يوكل بهم عنق النار . والأولى أن يقال مراتب الحياة ثلاثة : حياة الدنيا ، وحياة
القبر ، وحياة القيامة ، فقوله ( سنعذبهم مرتين ) المراد منه عذاب الدنيا بجميع أقسامه ،
وعذاب القبر . وقوله ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) المراد منه العذاب في الحياة الثالثة - وهي
الحياة في القيامة .
ثم قال تعالى في آخر الآية ﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ يعني النار المخلدة المؤبدة .
قوله تعالى ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن
يتوب عليهم إن الله غفور رحيم خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن
صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) فيه قولان: الأول : أنهم قوم
من المنافقين . تابوا عن النفاق . والثاني : أنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك ، لا
"للكفر والنفاق، لكن للكسل ، ثم ندموا على ما فعلوا ثم تابوا ، واحتج القائلون بالقول
الأول بأن قوله (وآخرون ) عطف على قوله ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ) والعطف

١٧٩
قوله تعالى ((خلطوا عملا صالحا وآخر سيئاً)) سورة التوبة
يوهم التشريك إلا أنه تعالى وفقهم حتى تابوا ، فلما ذكر الفريق الأول بالمرود على النفاق
والمبالغة فيه . وصف هذه الفرقة بالتوبة والاقلاع عن النفاق .
المسألة الثانية ) روى أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، وأوس بن
ثعلبة ، ووديعة بن حزام ، وقيل : كانوا عشرة ، فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لما بلغهم ما نزل
في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك ، وأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله پ# فدخل
المسجد فصلی رکعتین وکانت هذه عادته ، فلما قدم من سفره ورآهم موثقين ، سأل عنهم فذكر
له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يحلهم ، فقال : وأنا
أقسم أني لا أحلهم حتى أومر فيهم ، فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم ، فقالوا يا رسول
الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها ، فتصدق بها وطهرنا ، فقال ما أمرت أن آخذ
من أموالكم شيئاً فنزل قوله (خذ من أموالهم صدقة) الآية.
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( اعترفوا بذنوبهم ) قال أهل اللغة : الاعتراف عبارة عن
الاقرار بالشيء عن معرفة ، ومعناه أنهم أقروا بذنبهم ، وفيه دقيقة ، كأنه قيل لم يعتذروا عن
تخلفهم بالأعذار الباطلة كغيرهم ، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئسما فعلوا وأظهروا
الندامة وذموا أنفسهم على ذلك التخلف .
فان قيل : الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا ؟
قلنا : مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة ، فأما إذا اقترن به الندم على الماضي ،
والعزم على تركه في المستقبل ، وكان هذا الندم والتوبة لأجل كونه منيهاً عنه من قبل الله تعالى ،
كان هذا المجموع توبة ، إلا أنه دل الدليل على أن هؤلاء قد تابوا بدليل قوله تعالى ( عسى الله
أن يتوب عليهم) والمفسرون قالوا : إن عسى من الله يدل على الوجوب .
ثم قال تعالى ﴿ خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً ﴾ وفيه بحثان :
البحث الأول ﴾ في هذا العمل الصالح وجوه: الأول : العمل الصالح هو
الاعتراف بالذنب والندامة عليه والتوبة منه ، والسيء هو التخلف عن الغزو . والثاني :
العمل الصالح خروجهم مع الرسول إلى سائر الغزوات والسيء هو تخلفهم عن غزوة تبوك .
والثالث : إنْ هذه الآية نزلت في حق المسلمين، كان العمل الصالح إقدامهم على أعمال البر
التي صدرت عنهم .

١٨٠
قوله تعالى (( عسى الله أن يتوب عليهم)) سورة التوبة
﴿ البحث الثاني ﴾ لقائل أن يقول: قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيء
مخلوطاً . فما المخلوط به ؟ وجوابه أن الخلط عبارة عن الجمع المطلق ، وأما قولك خلطته ، فانما
يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد منهما بالآخر ، ويتغير كل واحد منهما بسبب تلك
المخالطة عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن . واللائق بهذا الموضع هو الجمع
المطلق ، لأن العمل الصالح والعمل السيء إذا حصلا بقى كل واحد منهما كما كان على
مذهبنا ، فان عندنا القول بالاحباط باطل ، والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب ، والمعصية
تبقى موجبة للذم والعقاب ، فقوله تعالى ( خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً) فيه تنبيه على نفي
القول بالمحابطة ، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر ، ومما
يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيء
بالمخالطة . والمختلطان لا بد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما ، لأن الاختلاط صفة
للمختلطين ، وحصول الصفة حال عدم المصوف محال ، فدل على بقاء العملين حال
الاختلاط .
ثم قال تعالى ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ) وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ ههنا سؤال، وهو أن كلمة (عسى) شك وهو في حق الله تعالى
محال ، وجوابه من وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ قال المفسرون: كلمة عسى من الله واجب، والدليل عليه قوله تعالى
( فعسى الله أن يأتي بالفتح ) وفعل ذلك ، وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس
في الكلام ، والسلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئاً فانه لا يجيب اليه إلا على سبيل
الترجي مع كلمة عسى ، أو لعل ، تنبيهاً على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئاً وأن يكلفني بشيء
بل كل ما أفعله فانما افعله على سبيل التفضل والتطول، فذكر كلمة (عسى) الفائدة فيه هذا
المعنى، مع أنه يفيد القطع بالاجابة .
﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب ، المقصود منه بيان أنه يجب أن يكون المكلف على الطمع
والاشفاق لأنه أبعد من الانكار والاهمال ،
البحث الثاني﴾ قال أصحابنا قوله ( عسى الله أن يتوب عليهم ) صريح في أن
التوبة لا تحصل إلا من خلق الله تعالى ، والعقل أيضاً دليل عليه ، لأن الأصل في التوبة
الندم ، والندم لا يحصل باختيار العبد لأن إرادة الفعل والترك إن كانت فعلاً للعبد افتقر في
فعلها إلى إرادة اخرى ، وأيضاً فان الانسان قد يكون عظيم الرغبة في فعل معين ، ثم يصير