Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
قوله تعالى ((ان الله بكل شيء عليم)) الآية سورة الأنفال
الميراث قالوا هذه الآية ناسخة له ، فانه تعالى بين أن الأرث كان بسبب النصرة والهجرة ، والآن
قد صار ذلك منسوخا فلا يحصل الارث إلا بسبب القرابة وقوله ( في كتاب الله ) المراد منه
السهام المذكورة في سورة النساء . وأما الذين فسروا تلك الآية بالنصرة والمحبة والتعظيم
قالوا : إن تلك الولاية لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أن
ولاية الارث انما تحصل بسبب القرابة ، إلا ما خصه الدليل ، فيكون المقصود من هذا الكلام
إزالة هذا الوهم ، وهذا أولى ، لأن تكثير النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز .
المسألة الثانية ﴾ تمسك محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب
رضى الله عنهم في كتابه الى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أن الامام بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم هو علي بن أبي طالب فقال قوله تعالى (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) يدل
على ثبوت الولاية وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية ، فوجب حمله على الكل. إلا
ما خصه الدليل ، وحينئذ يندرج فيه الامامة ، ولا يجوز أن يقال : أن أبا بكر كان من أولى
الأرحام لما نقل أنه عليه السلام أعطاه سورة براءة ليبلغها الى القوم ، ثم بعث عليا خلفه وأمر
بأن يكون المبلغ هو علي، وقال (( لا يؤديها إلا رجل مني)) وذلك يدل على أن أبا بكر ما كان
منه ، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية .
والجواب : إن صحت هذه الدلالة كان العباس أولى بالامامة ، لأنه كان أقرب الى
رسول الله من علي . وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ تمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، في توريث ذوى
الأرحام ، وأجاب أصحابنا عنه بأن قوله ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) مجمل في
الشيء الذى حصلت فيه هذه الأولوية ، فلما قال ( في كتاب الله ) كان معناه في الحكم الذى
بينه الله في كتابه ، فصارت هذه الأولوية مقيدة بالأحكام التي بينها الله في كتابة ، وتلك
الأحكام ليست إلا ميراث العصبات . فوجب أن يكون المراد من هذا المجمل هو ذلك فقط فلا
يتعدى الى توريث ذوى الأرحام .
ثم قال في ختم السورة ( إن الله بكل شيء عليم ) والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها
وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح ، وليس فيها شيء من العبث والباطل ، لأن العالم
بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب . ونظيره أن الملائكة لما قالوا ( أتجعل فيها من يفسد
فيها ويسفك الدماء ) قال مجيبا لهم ( إني أعلم ما لا تعلمون ) يعني لما علمتم كوني عالما بكل
المعلومات ، فاعلموا أن حكمي يكون منزها عن الغلط. كذا ههنا . والله أعلم .
٠

٢٢٢
قوله تعالى ((إن الله بكل شيء عليم)) الآية سورة الأنفال
تم تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر ، كما هو أهله ومستحقه ، يوم الأحد في
رمضان سنة إحدى وستمائة في قرية يقال لها بغدان . ونسأل الله الخلاص من الأهوال وشدة
الزمان ، وكيد أهل البغى والخذلان ، إنه الملك الديان . وصلاته وسلامه على حبيب
الرحمن ، محمد المصطفى صاحب المعجزات والبرهان .

٢٢٣
قوله تعالى ((براءة من الله ورسوله)) الآية سورة الثَّوبة
(٩) سُورَة التَّوَ مَدَنِيَّةْ
وأَيَّانها تشع وَعَشرُونَ وَكَانَة
مدنية إلا الآیتین الأخیرتین فمکیتان نزلت بعد المدثر
بَرَآءَةٌ مِّنَ اَللهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَذِينَ عَنَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَسِيحُواْ فِ
الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعِْى اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْرِى الْكِفِرِ ينَ (٣)
سورة التوبة
مائة وثلاثة وثلاثون وقیل عشرون وتسع آیات مدنية
قال صاحب الكشاف: لها عدة أسماء : براءة ، والتوبة ، والمقشقشة ، والمبعثرة ،
والمشردة ، والمخزية ، والفاضحة ، والمثيرة ، والحافرة ، والمنكلة ، والمدمدمة ، وسورة
العذاب ، قال لأن فيها التوبة على المؤمنين ، وهي تقشقش من النفاق أى تبرىء منه ، وتبعثر
عن أسرار المنافقين ، وتبحث عنها ، وتثيرها . وتحفر عنها ، وتفضحهم ، وتنكل بهم ،
وتشردهم وتخزيهم ، وتدمدم عليهم . وعن حذيفة : أنكم تسمونها سورة التوبة ، والله ما
تركت أحدا إلا نالت منه . وعن ابن عباس في هذه السورة قال : إنها الفاضحة ما زالت تنزل
فيهم وتنال منهم حتى خشينا ان لا تدع أحدا ، وسورة الأنفال نزلت في بدر ، وسورة الحشر
نزلت في بني النضير .
فان قيل : ما السبب في إسقاط التسمية من أولها ؟
قلنا : ذكروا فيه وجوها :
الوجه الأول﴾ روى عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان، ما حملكم على أن
عمدتم الى سورة براءة وهي من المئين ، والى سورة الأنفال وهي من المثاني ، فقرنتم بينهما وما

٢٢٤ قوله تعالى ((براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين)) الآية سورة النَّوبة
فصلتم ببسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما نزلت عليه سورة
!
يقول ((ضعوها في موضع كذا)) وكانت براءة من آخر القرآن نزولا . فتوفي صلى الله عليه وسلم
ولم يبين موضعها ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقرن بينهما . قال القاضي يبعد أن يقال :
إنه عليه السلام لم يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال ، لأن القرآن مرتب من قبل الله
تعالى ومن قبل رسوله على الوجه الذى نقل ، ولو جوزنا في بعض السور ان لا يكون ترتيبها من
الله على سبيل الوحي ، لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السور الواحدة ، وتجويزه يطرف
ما يقوله الامامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن . وذلك يخرجه من كونه حجة ، بل
الصحيح أنه عليه السلام أمر بوضع هذه السورة ، بعد سورة الأنفال وحيا ، وأنه عليه السلام
حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحيا .
﴿ الوجه الثاني﴾ في هذا الباب ما يروى عن أبي بن كعب أنه قال: إنما توهموا
ذلك ، لأن في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود . فوضعت إحداهما بجنب الأخرى
والسؤال المذكور عائد ههنا ، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد
الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة .
والوجه الثالث ﴾ أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة التوبة سورة
واحدة أم سورتان ؟ فقال بعضهم : هما سورة واحدة لأن كلتيهما نزلت في القتال ومجموعهما
هذه السورة السابعة من الطوال وهي سبع ، وما بعدها المئون . وهذا قول ظاهر لأنهما معا
مائتان وست آيات ، فهما بمنزلة سورة واحدة . ومنهم من قال هما سورتان ، فلما ظهر
الاختلاف بين الصحابة في هذا الباب تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان ،
وما كتبوا بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة ، وعلى هذا
القول لا يلزمنا تجويز مذهب الامامية ، وذلك لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة
لم يقطعوا بأحد القولين ، وعملوا عملا يدل على ان هذا الاشتباه كان حاصلا ، فلما لم
يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف
والتغيير ، وذلك يبطل قول الامامية .
{ الوجه الرابع ﴾ في هذا الباب : أنه تعالى ختم سورة الأنفال بايجاب ان يوالي
المؤمنون بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية ، ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى
في قوله ( براءة من الله ورسوله) فلما كان هذا عين ذلك الكلام وتأکیدا له وتقریرا له ، لزم
وقوع الفاصل بينهما ، فكان ايقاع الفصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين ، وترك
كتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى .

٢٢٥
قوله تعالى ((براءة من الله ورسوله)) الآية سورة الَّوبة
الوجه الخامس ﴾ قال ابن عباس: سألت عليا رضى الله عنه: لم لم يكتب بسم الله
الرحمن الرحيم بينهما ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، وهذه السورة نزلت بالسيف
ونبذ العهود وليس فيها أمان ، ويروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى ، وأكده بقوله تعالى
( ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا) فقيل له : أليس ان النبي صلى الله عليه وسلم
كتب الى أهل الحرب بسم الله الرحمن الرحيم . فأجاب عنه : بأن ذلك ابتداء منه بدعوتهم الى
الله ، ولم ينبذ اليهم عهدهم . ألا تراه قال في آخر الكتاب ( والسلام على من اتبع الهدى )
وأما في هذه السورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهود فظهر الفرق .
﴿ والوجه السادس﴾ قال أصحابنا: لعل الله تعالى لما علم من بعض الناس أنهم
يتنازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن ، أمر بأن لا تكتب ههنا . تنبيها على
كونها آية من أول كل سورة ، وأنها لما لم تكن آية من هذه السورة لا جرم لم تكتب ، وذلك
يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور وجب كونها آية من كل سورة .
قوله تعالى ﴿ براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض
أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزى الكافرين ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ معنى البراءة انقطاع العصمة. يقال: برئت من فلان أبرأ براءة.
أى انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة ، ومن هنا يقال برئت من الدين ، وفي رفع قوله
( براءة) قولان : الأول : أنه خبر مبتدأ محذوف أى هذه براءة . قال الفراء : ونظيره قولك إذا
نظرت الى رجل جميل ، جميل والله ، أى هذا جميل والله ، وقوله ( من ) لابتداء الغاية ،
والمعنى : هذه براءة واصلة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم ، كما تقول كتاب من فلان الى
فلان ، الثاني : أن يكون قوله ( براءة ) مبتدأ وقوله ( من الله ورسوله ) صفتها وقوله ( الى
الذين عاهدتم ) هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم في الدار .
فان قالوا : ما السبب في أن نسب البراءة الى الله ورسوله ، ونسب المعاهدة الى
المشركين ؟
قلنا : قد أذن الله في معاهدة المشركين ، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم . وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ اليهم ، فخوطب المسلمون
بما يحذرهم من ذلك ، وقيل اعلموا ان الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين .
الفخر الرازي ج١٥ م١٥

٢٢٦
قوله تعالى ((براءة من الله ورسوله)) الآية سورة النَّوبة
﴿ المسألة الثالثة ) روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج الى غزوة تبوك وتخلف
المنافقون وأرجفوا بالأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله صلى الله عليه
وسلم العهد اليهم .
فان قيل : كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد ؟
قلنا : لا يجوز ان ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يظهر له منهم خيانة
مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد اليهم ، حتى يستووا في معرفة نقض العهد لقوله ( وإما
تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء ) وقال أيضا ( الذين ينقضون عهدهم في كل مرة)
والثاني : أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد ان يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة الى
أن يأمر الله تعالى بقطعه . فلما أمره الله تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط .
والثالث : ان يكون مؤجلا فتنقضي المدة وينقضي العهد ويكون الغرض من إظهار هذه البراءة
أن يظهر لهم أنه لا يعود الى العهد ، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة ، فأما فيما وراء هذه
الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد البتة ، لأنه يجرى مجرى الغدر وخلف القول ، والله
ورسوله منه بريئان ، ولهذا المعنى قال الله تعالى ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم
ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا اليهم عهدهم الى مدتهم ) وقيل : إن أكثر
المشركين نقضوا العهد إلا أناسا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة .
المسألة الثالثة ) روى أن فتح مكة كان سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد ،
ونزول هذه السورة سنة تسع ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضى الله عنه سنة
تسع أن يكون على الموسم ، فلما نزلت هذه السورة أمر عليا ان يذهب الى أهل الموسم ليقرأها
عليهم . فقيل له لو بعثت بها الى أبي بكر ، فقال : لا يؤدى عني إلا رجل مني ، فلما دنا على
سمع أبو بكر الرغاء ، فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما بحقه
قال : أميرا أو مأمورا؟ قال : مأمور، ثم ساروا ، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر
وحدثهم عن مناسكهم ، وقام على يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : يا أيها الناس إني رسول
رسول الله اليكم ، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ، وعن مجاهد ثلاث عشرة
آية ، ثم قال أمرت بأربع أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت
عريان ، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة ، وأن يتم الى كل ذى عهد عهده . فقالوا عند
ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن
بالرماح وضرب بالسيوف، واختلفوا في السبب الذى لأجله أمر عليا بقراءة هذه السورة عليهم

٢٢٧
قوله تعالى ((فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)) الآية سورة النَّوبة
وتبليغ هذه الرسالة إليهم ، فقالوا السبب فيه أن عادة العرب ان لا يتولى تقرير العهد ونقضه
إلا رجل من الأقارب فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما نعرف فينا من نقض العهود
فربما لم يقبلوا ، فأزيحت علتهم بتولية ذلك عليا رضي الله عنه ، وقيل لما خص أبا بكر رضي
الله عنه بتوليته أمير الموسم خص عليا بهذا التبليغ تطبيبا للقلوب ، ورعاية للجوانب ، وقيل
قرر أبا بكر على الموسم وبعث عليا خلفه لتبليغ هذه الرسالة ، حتى يصلي على خلف أبي
بكر ، ويكون ذلك جاريا مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر ، والله أعلم .
وقرر الجاحظ هذا المعنى فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميرا على
الحاج وولاه الموسم وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الامام وعلي
المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر الرافع بالموسم والسابق لهم والآمر
لهم ، ولم يكن ذلك لعلي رضي الله عنه. وأما قوله عليه الصلاة والسلام (( لا يبلغ عني إلا
رجل مني )) فهذا لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر ، ولكنه عامل العرب بما يتعارفونه فيما
بينهم ، وكان السيد الكبير منهم إذا عقد لقوم حلفا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العهد والعقد
إلا هو أو رجل من أقاربه القريبين منه كأخ أو عم ، فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه
وسلم ذلك القول .
وأما قوله ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ففيه أبحاث : الأول : أصل السياحة
الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة . مع الاقلال من الطعام
والشراب . يقال للصائم سائح لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب . قال المفسرون
( فسيحوا في الأرض ) يعني اذهبوا فيها كيف شئتم وليس ذلك من باب الأمر ، بل المقصود
الاباحة والاطلاق والاعلام بحصول الامان وإزالة الخوف ، يعني أنتم آمنون من القتل والقتال
في هذه المدة .
﴿ البحث الثاني﴾ قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن
كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه الى الأربعة ، ومن كانت مدته أقل من أربعة أشهر
رفعه الى الأربعة والمقصود من هذا الاعلام أمور : الأول : أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في
هذا الأمر ، ويعلموا أنه ليس له بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة : إما الاسلام أو قبول
الجزية أو السيف، فيصير ذلك حاملا لهم على قبول الاسلام ظاهرا . والثاني : لئلا ينسب
المسلمون الى نكث العهد . والثالث : أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد . فعم الكل
بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر ، وذلك لقوة الاسلام وتخويف الكفار ، ولا يصح ذلك إلا بنقض
العهود . والرابع : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج في السنة الآتية ، فأمر باظهار هذه
البراءة لئلا يشاهد العراة

٢٢٨
قوله تعالى ((وآذان من الله ورسوله إلى الناس)) الآية سورة التوبة
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجَ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
وَرَسُولُهُ، فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمَّ وَإِن تَوَّيْتُمْ فَعْلَمُواْ أَنَّكُرْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللّهِوَبَشْرِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيم
البحث الثالث ﴾ قال ابن الأنبارى : قوله ( فسيحوا ) القول فيه مضمر والتقدير :
فقل لهم سيحوا أو يكون هذا رجوعا من الغيبة الى الحضور كقوله ( وسقاهم ربهم شرابا
طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا )
البحث الرابع ﴾ اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة، وعن الزهرى أن براءة نزلت في
شوال وهي أربعة أشهر : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وقيل هي عشرون من
ذى الحجة ، والمحرم وصفر ، وربيع الأول ، وعشر من ربيع الآخر ، وإنما سميت حرما لأنه
كان يحرم فيها القتل والقتال ، فهذه الأشهر الحرام لما حرم القتل والقتال فيها كانت حرما ، وقيل
إنما سميت حرما لأن أحد أقسام هذه المدة من الأشهر الحرم لأن عشرين من ذى الحجة مع
المحرم من الأشهر الحرم . وقيل ابتداء تلك المدة كان من عشرذى القعدة الى عشر من ربيع
الأول ، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذى كان فيهم ، ثم صار
في السنة الثانية في ذى الحجة وهي حجة الوداع ، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام ((ألا
إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)»
وأما قوله ﴿ واعلموا انكم غير معجزى الله ﴾ فقيل: اعلموا ان هذا الامهال ليس
لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب . وقيل تقديره : فسيحوا عالمين أنكم لا تعجزون
الله في حال . والمقصود أني أمهلتكم أطلقت لكم فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد
الآلات والأدوات ، فانكم لا تعجزون الله بل الله يعجزكم ويقهركم . وقيل : اعلموا ان هذا
الامهال لأجل أنه لا يخاف الفوت ، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملك الله وسلطانه ، وقوله
( وأن الله مخزى الكافرين) قال ابن عباس : بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة . وقال
الزجاج : هذا ضمان من الله عز وجل لنصرة المؤمنين على الكافرين والاخزاء والاذلال مع إظهار
الفضيحة والعار ، والخزى النكال الفاضح
قوله تعالى ﴿ وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر ان الله برىء من المشركين
ورسوله فان تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا
بعذاب أليم ﴾

٢٢٩
قوله تعالى ((واذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر)) الآية سورة النَّوبة
اعلم ان قوله ( براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين ) جملة تامة ،
مخصوصة بالمشركين وقوله ( وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر ) جملة أخرى تامة
معطوفة على الجملة الأولى وهي عامة في حق جميع الناس ، لأن ذلك مما يجب ان يعرفه المؤمن
والمشرك من حيث كان الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعا . فيجب على المؤمنين ان يعرفوا
الوقت الذى يكون فيه القتال من الوقت الذى يحرم فيه ، فأمر الله تعالى بهذا الاعلام يوم الحج
الأكبر ، وهو الجمع الأعظم ليصل ذلك الخبر الى الكل ويشتهر . وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الأذان الاعلام. قال الأزهرى : يقال آذنته أوذنه إيذانا ، فالاذان
اسم يقوم مقام الايذان ، وهو المصدر الحقيقي ، ومنه أذان الصلاة . وقوله ( من الله ورسوله
الى الناس ) أى أذان صادر من الله ورسوله ، واصل الى الناس ، كقولك : اعلام صادر من
فلان الى فلان .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في يوم الحج الأكبر، فقال ابن عباس في رواية عكرمة إنه يوم
عرفة ، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد واحدى الروايتين
عن علي : ورواية عن المسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أنه قال :
خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة . فقال : أما بعد فان هذا يوم الحج الأكبر .
وقال ابن عباس : في رواية عطاء : يوم الحج الأكبر يوم النحر ، وهو قول الشعبي والنخعي
والسدى واحد الروايتين عن علي ، وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير . والقول الثالث ما
رواه ابن جريج عن مجاهد أنه قال : يوم الحج الأكبر أيام منى كلها ، وهو مذهب سفيان
الثورى ، وكان يقول يوم الحج الأكبر أيامه كلها ، ويقول يوم صفين ، ويوم الجمل يراد به
الحين والزمان ، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياما كثيرة ، حجة من قال يوم عرفة
قوله عليه الصلاة والسلام ((الحج عرفة)) ولأن أعظم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة ، لأن من
أدركه ، فقد أدرك الحج ، ومن فاته . فقد فاته الحج وذلك إنما يحصل في هذا اليوم . وحجة
من قال إنه يوم النحر ، هي أن أعمال الحج إنما تتم في هذا اليوم ، وهي الطواف والنحر
والرمي ، وعن علي رضى الله عنه أن رجلا أخذ بلجام دابته . فقال : ما الحج الأكبر . قال
يومك هذا . خل عن دابتي ، وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر
عند الجمرات في حجة الوداع . فقال هذا يوم الحج الأكبر ، وأما قول من قال المراد مجموع
تلك الأيام ، فبعيد لأنه يقتضي تفسير اليوم بالأيام الكثيرة ، وهو خلاف الظاهر .

٢٣٠
قوله تعالى ((وآذان من الله.)) الآية سورة التَّوبة
فان قيل : لم سمي ذلك بالحج الأكبر ؟
قلنا فيه وجوه : الأول : أن هذا هو الحج الأكبر ، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر .
الثاني : أنه جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته ، لأنه إذا فات الحج ،
وكذلك إن أريد به النحر ، لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج الأكبر . الثالث : قال
الحسن : سمي ذلك اليوم بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ، وموافقته
لاعياد أهل الكتاب ، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده ، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن
وكافر . طعن الأصم في هذا الوجه وقال : عيد الكفار فيه سخط ، وهذا الطعن ضعيف ، لأن
المراد ان ذلك اليوم يوم استعظمه جميع الطوائف، وكان من وصفه بالأكبر أولئك . والرابع :
سمي بذلك لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة . والخامس : الأكبر الوقوف بعرفة ،
والأصغر النحر ، وهو قول عطاء ومجاهد . السادس : الحج الأكبر القرآن . والأصغر
الافراد . وهو منقول عن مجاهد . ثم إنه تعالى بين أن ذلك الأذان بأى شيء كان ؟ فقال ( ان
الله برىء من المشركين ورسوله ) وفيه مباحث :
البحث الأول ﴾ لقائل أن يقول : لا فرق بين قوله ( براءة من الله ورسوله الی الذین
عاهدتم من المشركين ) وبين قوله أن الله برىء من المشركين ورسوله فما الفائدة في هذا
التكرير ؟
والجواب عنه من وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ أن المقصود من الكلام الأول الاخبار بثبوت البراءة ، والمقصود من
هذا الكلام اعلام جميع الناس بما حصل وثبت .
والوجه الثاني ﴾ أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد ، ومن الكلام الثاني
البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد ، والذى يدل على حصول هذا
الفرق ان في البراءة الأولى برىء اليهم ، وفي الثانية . برىء منهم ، والمقصود أنه تعالى أمر في
آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضا ، ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا
الكفار وأن يتبرأوا منهم ، فههنا بين أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين
ويذمهم ويلعنهم ، وكذلك الرسول ، ولذلك أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة .

٢٣١
قوله تعالى ((إلا الذين عاهدتم.)) الآية سورة الَّوبة
إِلَّا الَّذِينَ عَنْهَدُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ
أَحَدًا فَأْتِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
والوجه الثالث ﴾ في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول ، أظهر البراءة عن المشركين
الذين عاهدوا ونقضوا العهد . وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن يوصفهم
بوصف معين ، تنبيها على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم .
﴿ البحث الثاني) قوله (إن الله برىء من المشركين) فيه حذف. والتقدير (وأذان من
الله ورسوله) بأن الله برىء من المشركين إلا أنه حذف الباء لدلالة الكلام عليه .
واعلم أن في رفع قوله ( ورسوله ) وجوها : الأول : أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر ،
والتقدير ورسوله أيضا برىء والخبر عن الله دل على الخبر عن الرسول. الثاني: أنه عطف على
المنوى في برىء فان التقدير برىء هو ورسوله من المشركين. الثالث: أن قوله (ان الله) رفع
بالابتداء وقوله (برىء) خبره وقوله (ورسوله ) عطف على المبتدأ الأول . قال صاحب
الكشاف: وقد قرىء بالنصب عطفا على اسم أن لأن الواو بمعنى مع ، أى برىء مع رسوله
منهم ، وقرىء بالجر على الجوار وقيل على القسم والتقدير ان الله برىء من المشركين وحق
رسوله .
ثم قال تعالى ﴿ فان تبتم﴾ أى عن الشرك ﴿فهو خير لكم﴾ وذلك ترغيب من الله في
التوبة والاقلاع عن الشرك الموجب لكون الله ورسوله موصوفين بالبراءة منه ( وإن توليتم ) أى
اعرضتم عن التوبة عن الشرك (فاعلموا انكم غير معجزى الله) وذلك وعيد عظيم ، لأن هذا
الكلام يدل على كونه تعالى قادرا على إنزال أشد العذاب بهم .
ثم قال ﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ في الآخرة لكي لا يظن ان عذاب الدنيا لما
فات وزال ، فقد تخلص عن العذاب ، بل العذاب الشديد معد له يوم القيامة ولفظ البشارة
ورد ههنا على سبيل استهزاء كما يقال : تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم .
قوله تعالى ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم
أحدا فأتموا اليهم عهدهم الى مدتهم إن الله يحب المتقين ﴾
هذا الاستثناء الى أى شيء عاد ؟ فيه وجهان : الأول : قال الزجاج : إنه عائد الى قوله

٢٣٢
قوله تعالى ((فاذا انسلخ الأشهر.)) الآية سورة التوبة
فَإِذَا انْسَلَغَ آلْأَنْهُرُ الْحُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ حِكُلَّ مَرْ صَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الَّكَوَةَ
فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ
( براءة ) والتقدير ( براءة من الله ورسوله) الى المشركين المعاهدين إلا من الذين لم ينقضوا
العهد . والثاني : قال صاحب الكشاف، وجهه ان يكون مستثنى من قوله ( فسيحوا في
الأرض ) لأن الكلام خطاب للمسلمين ، والتقدير : براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم
منهم ثم لم ينقضوكم فأتموا اليهم عهدهم .
واعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين : أحدهما : قوله ( ثم لم ينقصوكم ) الثاني : قوله
( ولم يظاهروا عليكم أحدا) والأقرب ان يكون المراد من الأول ان يقدموا على المحاربة
بانفسهم ، ومن الثاني: أن يهيجوا أقواما آخرين وينصروهم ويرغبوهم في الحرب . ثم قال
( فأتموا اليهم عهدهم ) والمعنى أن الذين ما غادروا من هذين الوجهين ، فأتموا اليهم
عهدهم ، ولا تجعلوا الوافين كالغادرين . وقوله ( فأتموا اليهم عهدهم ) أى أدوه اليهم تاما
كاملا . قال ابن عباس : بقى لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم اليهم عهدهم ( إن
الله يحب المتقين ) يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلتين . أو يكون المراد أن هذه
الطائفة لما أنفوا النكث ونقض العهد ، استحقوا من الله ان يصان عهدهم أيضا عن النقض
والنكث . روى أنه عدت بنو بكر على بني خزاعة في حال غيبة رسول الله . وظاهرتهم قريش
بالسلاح ، حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله فأنشده :
حلف أبينا وأبيك ألا تلدا
لا هم إني ناشد محمدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ذمامك المؤكدا
هم بيتونا بالخطیم هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا
فقال عليه الصلاة والسلام ((لا نصرت إن لم أنصركم)) وقرىء ( لم ينقضوكم ) بالضاد
المعجمة أى لم ينقضوا عهدكم .
قوله تعالى ﴿ فاذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم
واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله
غفور رحيم ﴾
،

٢٣٣
قوله تعالى ((فاذا انسلخ الأشهر )) سورة النَّوبة
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الليث: يقال سلخت الشهر إذا خرجت منه ، وكشف أبو
الهيثم عن هذا المعنى فقال : يقال أهللنا هلال شهر كذا ، أی دخلنا فيه ولبسناه ، فنحن نزداد
كل ليلة الى مضى نصفه لباسا منه ، ثم نسلخه عن أنفسنا بعد تكامل النصف منه جزءا فجزءا .
حتى نسلخه عن أنفسنا وأنشد :
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله
كفى قائلا سلخى الشهور وإهلالى
وأقول تمام البيان فيه أن الزمان محيط بالشيء وظرف له ، كما أن المكان محيط به وظرف له
ومكان الشيء عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوى المماس للسطح الظاهر ومن الجسم
المحوى فاذا انسلخ الشيء من جلده فقد انفصل من السطح الباطن من ذلك الجلد وذلك
السطح ، وهو مكانه في الحقيقة فكذلك إذا تم الشهر فقد انفصل عن إحاطة ذلك الشهر به ،
ودخل في شهر آخر ، والسلخ اسم لانفصال الشيء عن مكانه المعين ، فجعل أيضا اسما
لانفصاله عن زمانه المعين ، لما بين المكان والزمان من المناسبة التامة الشديدة . وأما الأشهر
الحرم فقد فسرناها في قوله ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) وهي يوم النحر الى العاشر من
ربيع الآخر . والمراد من كونها حرما ، أن الله حرم القتل والقتال فيها .. ثم إنه تعالى عند
انقضاء هذه الأشهر الحرم أذن في أربعة أشياء : أولها : قوله ( فاقتلوهم أينما وجدتموهم )
وذلك أمر بقتلهم على الاطلاق ، في أى وقت ، وأى مكان . وثانيها : قوله ( وخذوهم ) أى
بالأسر، والأخيذ الأسير. وثالثها: قوله (واحصروهم) معنى الحصر المنع من الخروج من
محيط . قال ابن عباس : يريد إن تحصنوا فاحصروهم . وقال الفراء : حصرهم ان يمنعوا من
البيت الحرام . ورابعها : قوله تعالى ( واقعدوا لهم كل مرصد ) والمرصد الموضع الذى يرقب
فيه العدو . من قولهم رصدت فلانا أرصده إذا ترقبته ، قال المفسرون : المعنى اقعدوا لهم على
كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو الى الصحراء أو الى التجارة ، قال الأخفش في الكلام
محذوف والتقدير : اقعدوا لهم على كل مرصد .
ثم قال تعالى ﴿ فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على أن تارك الصلاة يقتل، قال

٢٣٤
قوله تعالى ((فإن تابوا وأقاموا الصلاة.)) الآية سورة النَّوبة
لأنه تعالى أباح دماء الكفار مطلقا بجميع الطرق ، ثم حرمها عند مجموع هذه الثلاثة ، وهي
التوبة عن الكفر ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، فعند ما لم يوجد هذا المجموع ، وجب أن
يبقى إباحة الدم على الأصل .
فان قالوا لم لا يجوز أن يكون المراد الاقرار بهما واعتقاد وجوبهما ؟ والدليل عليه أن تارك
الزكاة لا يقتل .
أجابوا عنه : بأن ما ذكرتم عدول عن الظاهر ، وأما في تارك الزكاة فقد دخله
التخصيص .
فان قالوا : لم كان حمل التخصيص أولى من حمل الكلام على اعتقاد وجوب للصلاة
والزكاة ؟
قلنا : لأنه ثبت في أصول الفقه أنه مهما وقع التعارض بين المجاز وبين التخصيص ،
فالتخصيص أولى بالحمل .
﴿ المسألة الثانية ﴾ نقل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان. يقول: في ما نعى
الزكاة لا أفرق بين ما جمع الله ، ولعل مراده كان هذه الآية ، لأنه تعالى لم يأمر بتخلية سبيلهم
إلا لمن تاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، فأوجب مقاتلة أهل الردة لما امتنعوا من الزكاة وهذا بين
ان جحدوا وجوبها أما إن أقروا بوجوبها وامتنعوا من الدفع اليه خاصة ، فمن الجائز انه كان
يذهب الى وجوب مقاتلتهم من حيث امتنعوا من دفع الزكاة الى الامام . وقد كان مذهبه ان
ذلك معلوم من دين الرسول عليه الصلاة والسلام كما يعلم سائر الشرائع الظاهرة .
﴿ المسألة الثالثة) قد تكلمنا في حقيقة التوبة في سورة البقرة في قوله ( فتلقى آدم من ربه
كلمات فتاب عليه ) روى الحسن ان أسيرا نادى بحيث يسمع الرسول أتوب الى الله . ولا
أتوب الى محمد ثلاثا ، فقال عليه السلام . عرف الحق لأهله فأرسلوه .
﴿ المسألة الرابعة) قوله ( فخلوا سبيله) قيل الى البيت الحرام ، وقيل الى التصرف في
مهماتهم إن الله غفور رحيم لمن تاب وآمن . وفيه لطيفة وهو أنه تعالى ضيق عليهم جميع
الخيرات وألقاهم في جميع الآفات ، ثم بين أنهم لو تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة
فقد تخلصوا عن كل تلك الآفات في الدنيا ، فنرجو من فضل الله أن يكون الأمر كذلك يوم
القيامة أيضا فالتوبة عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل ، والصلاة والزكاة عبارة عن
تطهير القوة العملية عما لا ينبغي وذلك يدل على أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى .

٢٣٥
قوله تعالى ((وان أحد من المشركين.) الآية سورة النَّوبة
وَ إِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَبِرْهُ خَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ, ذَلِكَ
٤×٠
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (
قوله تعالى ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه
ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في تقرير وجه النظم نقل عن ابن عباس أنه قال : إن رجلا من
المشركين قال لعلي بن أبي طالب إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام
الله أو لحاجة أخرى فهل نقتل، فقال علي ((لا )) إن الله تعالى قال ( وإن أحد من المشركين
استجارك فأجره ) اى فأمنه حتى يسمع كلام الله ، وتقرير هذا الكلام ان نقول : إنه تعالى لما
أوجب بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله تعالى قد قامت
عليهم . وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفى في إزاحة عذرهم
وعلتهم ، وذلك يقتضي ان أحدا من المشركين لو طلب الدليل والحجة لا يلتفت اليه ، بل
يطالب إما بالاسلام وإما بالقتل ، فلما كان هذا الكلام واقعا في القلب لا جرم ذكر الله هذه الآية
إزالة لهذه الشبهة ، والمقصود منه بيان ان الكافر إذا جاء طالبا للحجة والدليل أو جاء طالبا
لاستماع القرآن ، فإنه يجب إمهاله ويحرم قتله ويجب إيصاله الى مأمنه ، وهذا يدل على أن
المقصود من شرع القتل قبول الدين والاقرار بالتوحيد ، ويدل أيضا على أن النظر في دين الله
أعلى المقامات وأعلى الدرجات ، فان الكافر الذی صار دمه مهدرا لما أظهر من نفسه كونه طالبا
للنظر والاستدلال زال ذلك الاهدار ، ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه .
المسألة الثانية ﴾ أحد مرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر ، وتقديره : وإن استجارك
أحد ، ولا يجوز ان يرتفع بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل لا يدخل على غيره .
فان قيل : لما كان التقدير ما ذكرتم فما الحكمة في ترك هذا الترتيب الحقيقي ؟
قلنا : الحكمة فيه ما ذكره سيبويه ، وهو أنهم يقدمون الأهم والذى هم بشأنه ،
أعنى . وقد بينا ههنا ان ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشركين ، فقدم ذكره ليدل ذلك على
مزيد العناية بصون دمه عن الاهدار قال الزجاج : المعنى إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من
القتل الى أن يسمع كلام الله فأجره .

٢٣٦
قوله تعالى ((وان احد من المشركين.)) الآية سورة التَّوبة
﴿ المسألة الثالثة وقالت المعتزلة : هذه الآية تدل على ان كلام الله يسمعه الكافر والمؤمن
والزنديق والصديق . والذى يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، فدل
ذلك على أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، ثم من المعلوم بالضرورة أن الحروف
والأصوات لا تكون قديمة ، لأن تكلم الله بهذه الحروف إما أن يكون معا أو على الترتيب ، فان
تكلم بها معا لم يحصل منه هذا الكلام المنتظم ، لأن الكلام لا يحصل منتظما إلا عند دخول
هذه الحروف في الوجود على التعاقب ، فلو حصلت معا لا متعاقبة لما حصل الانتظام ، فلم
يحصل الكلام . وأما إن حصلت متعاقبة ، لزم ان ينقضي المتقدم ويحدث المتأخر ، وذلك
يوجب الحدوث ، فدل هذا عن ان كلام الله محدث ، قالوا فان قلتم إن كلام الله شيء مغاير
لهذه الحروف والاصوات ، فهذا باطل لأن الرسول ما كان يشير بقوله كلام الله إلا لهذه الحروف
والأصوات ، وأما الحشوية والحمقى من الناس ، فقالوا ثبت بهذه الآية ان كلام الله ليس إلا
هذه الحروف والأصوات ، وثبت ان كلام الله قديم ، فوجب القول بقدم الحروف والأصوات .
واعلم أن الاستاذ أبا بكر بن فورك ، زعم أنا إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات فقد
سمعنا مع ذلك كلام الله تعالى وأما سائر الاصحاب فقد أنكروا عليه هذا القول ، وذلك
لأن ذلك الكلام القديم إما أن يكون نفس هذه الحروف والأصوات ، وإما ان يكون شيئا آخر
مغايرا لها . والأول : هو قول الرعاع والحشوية وذلك لا يليق بالعقلاء .
وأما الثاني ﴾ فباطل لأنا على هذا التقدير لما سمعنا هذه الحروف والاصوات ، فقد
سمعنا شيئا آخر يخالف ماهية هذه الحروف والاصوات ، لكنا نعلم بالضرورة ان عند سماع هذه
الحروف والأصوات لم نسمع شيئا آخر سواها ولم ندرك بحاسة السمع أمرا آخر مغايرا لها .
فسقط هذا الكلام .
والجواب : الصحيح عن كلام المعتزلة ان نقول : هذا الذى نسمعه ليس عين كلام الله
على مذهبكم . لأن كلام الله ليس الا الحروف والاصوات التي خلقها أولا ؛ بل تلك الحروف
والاصوات انقضت وهذه التي نسمعها حروف وأصوات فعلها الانسان ، فما ألزمتموه علينا
فهو لازم عليكم .
واعلم أن أبا علي الجبائي لقوة هذا الالزام ارتكب مذهبا عجيبا فقال : كلام الله شيء
مغاير للحروف والاصوات وهو باق مع قراءة كل قارىء ، وقد أطبق المعتزلة على سقوط هذا
المذهب والله أعلم .
المسألة الرابعة ) اعلم ان هذه الآية تدل على ان التقلید غیر کاف في الدین وأنه لا بد
من النظر والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد ، كافياً لوجب ان لا يمهل هذا الكافر، بل يقال

٢٣٧
قوله تعالى ((كيف يكون للمشركين )) سورة الثّوبة
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِ إلَّا الَّذِينَ عَهَدَّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ
٧
اَلْحَرَمِ نَّا أَسْتَقَدِّمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّاللّهَيُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
له إما ان تؤمن ، وإما ان نقتلك فلما لم يقل له ذلك ، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ووجب
علينا ان نبلغه مأمنه ، علمنا ان ذلك إنما كان لأجل ان التقليد في الدين غير كاف. بل لا بد من
الحجة والدليل فأمهلناه وأخرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال .
إذا ثبت هذا فنقول : ليس في الآية ما يدل على ان مقدار هذه المهلة كم يكون ولعله لا
يعرف مقداره إلا بالعرف، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه
الاستدلال أمهل وترك . ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالاكاذيب لم
يلتفت اليه والله أعلم .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ المذكور في هذه الآية كونه طالبا لسماع القرآن فنقول : ويلتحق به
كونه طالبا لسماع الدلائل ، وكونه طالبا للجواب عن الشبهات ، والدليل عليه أنه تعالى علل
وجوب تلك الاجارة بكونه غير عالم لأنه قال ذلك بأنه قوم لا يعلمون وكان المعنى فأجره .
لكونه طالبا للعلم مسترشدا للحق وكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت اجارته .
المسألة السادسة ) في قوله ( حتى يسمع كلام الله) وجوه : قيل : أراد سماع جميع
القرآن، لأن تمام الدليل والبينات فيه، وقيل: أراد سماع سورة براءة، لأنها مشتملة على كيفية
المعاملة مع المشركين ، وقيل : أراد سماع كل الدلائل ، وانما خص القرآن بالذكر ، لأنه
الكتاب الجارى لمعظم الدلائل وقوله ( ثم أبلغه مأمنه ) معناه أوصله الى ديار قومه التي يأمنون
فيها على أنفسهم وأموالهم ثم بعد ذلك يجوز قتالهم وقتلهم .
﴿ المسألة السابعة ﴾ قال الفقهاء: والكافر الحربي إذا دخل دار الاسلام كان مغنوما مع
ماله ، إلا ان يدخل مستجيرا لغرض شرعي كاستماع كلام الله رجا الاسلام ، أو دخل لتجارة ،
فان دخل بأمان صبى أو مجنون فأمانهما شبهة أمان ، فيجب تبليغه مأمنه . وهو أن يبلغ محروسا
في نفسه وماله الى مكانه الذى هو مأمن له ، ومن دخل منهم دار الاسلام رسولا . فالرسالة
أمان ، ومن دخل ليأخذ مالا في دار الاسلام ولماله أمان فأمان له والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ کیف یکون للمشرکین عهد عند الله وعند رسوله إلا الذین عاهدتم عند
المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين )

٢٣٨
قوله تعالى ((كيف وان يظهروا)) سورة النَّوبة
كَيْفَ. وَ إِن يَظْهُرُ واْ عَلَيْكُمْ لَا يَقُواْ فِكُمْ إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ يُرْضُونَكُم بِأَقْوَّهِهِمْ
وَتَأَ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثُهُمْ فَسِقُونَ (٨) أَشْتَرَوْ ◌ِعَايَاتِ الَّهِ ثَنَّا قَلِلًا فَصَدُواْ عَن
سَبِهِ، لَهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (﴾ لَا يَرْقُبُنَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَائِمَّةُ وَأُوْلَئِكَ لُ
الْمُعْتَدُونَ
١٠
قوله تعالى ﴿ كيف﴾ استفهام بمعنى الانكار كما تقول: كيف يسبقني مثلك ، أى لا
ينبغي ان يسبقني وفي الآية محذوف وتقديره : كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما
وقع من العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ، لأجل انهم ما نكثوا أو ما نقضوا قيل :
إنهم كنانة وبنو ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقتلوهم فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم
على مثله ( إن الله يحب المتقين ) يعني من اتقى الله يوفى بعهده لمن عاهد والله اعلم .
قوله تعالى ﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم
وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا
يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئكهم المعتدون ﴾
اعلم ان قوله ( كيف) تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، وحذف الفعل لكونه
معلوما أى كيف يكون عهدهم وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم بعد ما سبق لهم من تأكيد
الايمان والمواثيق لم ينظروا إلى حلف ولا عهد (ولم يبقوا عليكم ) هذا هو المعنى ، ولا بد من
تفسير الالفاظ المذكورة في الآية . يقال : ظهرت على فلان إذا علوته ، وظهرت على السطح إذا
صرت فوقه . قال الليث : الظهور الظفر بالشيء . وأظهر الله المسلمين على المشركين أى
أعلاهم عليهم ومنه قوله تعالى ( فأصبحوا ظاهرين ) وقوله ( ليظهره على الدين كله ) أى
ليعليه ، وتحقيق القول فيه ان من غلب غيره حصلت له صفة كمال ، ومن كان كذلك أظهر
نفسه ومن ضار مغلوباصار كالناقص ، والناقص لا يظهر نفسه ويخفي نقصانه فصار الظهور
كناية للغلبة لكونه من لوازمها فقوله ( إن يظهروا عليكم ) يريد أن يقدروا عليكم وقوله ( لا
يرقبوا فيكم ) قال الليث : رقب الانسان يرقبه رقبة ورقوبا وهو أن ينتظره ورقيب القوم
حارسهم وقوله (ولم ترقب قولي ) أى لم تحفظه . أما الأول ففيه أقوال : الأول : أنه العهد

٢٣٩
قوله تعالى ((كيف وان يظهروا)) سورة الّوبة
قال الشاعر :
وذو الال والعهد لا يكذب
وأدناهم كاذبا الهم
يعني العهد الثاني . قال الفراء : الال القرابة . قال حسان :
كال السقب من رأل النعام
لعمرك أن الك من قريش
يعني القرابة والثالث الال الحلف. قال أوس بن حجر :
لولا بنو مالك والال مرقبه ومالك فيهم الآلاء والشرف
يعني الحلف . والرابع : الال هو الله عز وجل . وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه
أنه لما سمع هذيان مسيلمة قال : إن هذا الكلام لم يخرج من ال . وطعن الزجاج في هذا
القول وقال : أسماء الله معلومة من الاخبار والقرآن ولم يسمع أحد يقول : يا ال .
الخامس : قال الزجاج : حقيقة الال عندى على ما توجبه اللغة تحديد الشيء ، فمن ذلك الالة
الحربة ، وأذن مؤللة ، فالال يخرج في جميع ما فسر من العهد والقرابة السادس : قال
الأزهرى : ايل من أسماء الله عز وجل بالعبرانية ، فجائز ان يكون عرب . فقيل ال .
السابع : قال بعضهم : الال مأخوذ من قولهم أل يؤل الا . إذا صفا ولمع ومنه الآل للمعانة ،
وأذن مؤللة شبيهة بالحربة في تحديدها وله أليل أى أنين يرفع به صوته ، ورفعت المرأة اليلها
· إذا ولولت ، فالعهد سمى إلا ، لظهوره وصفائه من شوائب الغدر . أو لأن القوم إذا تحالفوا
رفعوا به أصواتهم وشهروه .
أما قوله ﴿ولا ذمة ﴾ فالذمة العهد، وجمعها ذمم وذمام، كل أمر لزمك، وكان بحيث
لو ضيعته لزمتك مذمة ، وقال أبو عبد الله الذمة ما يتذمم منه ، يعني ما يجتنب فيه الذم يقال :
تذمم فلان ، أى القى على نفسه الذم ، ونظيره تحوب ، وتأثم وتحرج .
أما قوله ﴿ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ﴾ أى يقولون بألسنتهم كلاما حلوا طيبا ،
والذى في قلوبهم بخلاف ذلك ، فانهم لا يضمرون إلا الشر والايذاء إن قدروا عليه ( وأكثرهم
فاسقون ) وفيه سؤالان :
السؤال الأول﴾ الموصوفين بهذه الصفة كفار. والكفر أقبح وأخبث من الفسق ،
فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم .
السؤال الثاني ﴾ أن الكفار كلهم فاسقون ، فلا يبقى لقوله ( وأكثرهم فاسقون )
فائدة .

٢٤٠
قوله تعالى ((اشتروا بآيات الله .)) الآية سورة الّوبة
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِ الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَتِ
لِقَوْمٍ يَعْلَمُنَ (٨) وَإِن نَّكَثُواْ أَيَنْهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِ دِيِكُمْ
فَقَدِلُواْ أَمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَهُونَ (3)
﴿ والجواب عن الأول ﴾ ان الكافر قد يكون عدلا في دينه ، وقد يكون فاسقا خبيث
النفس في دينه ، فالمراد ههنا أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود ( أكثرهم
فاسقون ) في دينهم وعند أقوامهم، وذلك يوجب المبالغة في الذم .
والجواب عن الثاني ﴾ عين ما تقدم ، لأن الكافر قد يكون محترزا عن الكذب ،
ونقض العهد والمكر والخديعة ، وقد يكون موصوفا بذلك ، ومثل هذا الشخص يكون مذموما
عند جميع الناس وفي جميع الأديان ، فالمراد بقوله (وأكثرهم فاسقون ) أن أكثرهم موصوفون
بهذه الصفات المذمومة ، وأيضا قال ابن عباس : لا يبعد ان يكون بعض أولئك الكفار قد
اسلم وتاب ، فلهذا السبب : قال ( وأكثرهم فاسقون ) حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك
الذين دخلوا في الاسلام .
أما قوله ﴿اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله﴾ ففيه قولان: الأول: المراد
منه المشركون . قال مجاهد : أطعم أبو سفيان بن حرب حلفاءه ، وترك حلفاء النبي صلى الله
عليه وسلم فنقضوا العهد الذى كان بينهم بسبب تلك الاكلة . الثاني : لا يبعد ان تكون
طائفة من اليهود أعانوا المشركين على نقض تلك العهود ، فكان المراد من هذه الآية ذم أولئك
اليهود ، وهذا اللفظ في القرآن كالامر المختص باليهود ويقوى هذا الوجه بما أن الله تعالى أعاد
قوله ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) ولو كان المراد منه المشركين لكان هذا تكرارا محضا ، ولو
كان المراد منه اليهود لم يكن هذا تكرارا ، فكان ذلك أولى .
ثم قال ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ يعني يعتدون ما حده الله في دينه وما يوجبه العقد
والعهد ، وفي ذلك نهاية الذم . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم
يعلمون. وإن نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ايمان لهم
لعلهم ینتھون