Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ قوله تعالى ((واذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا)) الآية سورة الأنفال وَ إِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَدِذَاً إِنْ هَدِذَا إِلَّ أَسَطِيرُ اْأَوَّلِينَ ﴾ وَ إِذْ قَالُواْالَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنِدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا جَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوٍ أَقْنَا بِعَذَابٍ أَلٍِ ﴾ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذَِّهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (﴾ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُوَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُهُ، إِنْ أَوْ لِبَاؤُهُ، إِلَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٤ ( خير الماكرين) ليس هو التفضيل ، بل المراد انه في نفسه خير كما يقال : الثريد خير من الله تعالی قوله تعالى ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ان لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ اعلم انه تعالى لما حکی مکرهم في ذات محمد ، حکی مکرهم في دین محمد ، روی أن النضر بن الحرث خرج الى الحيرة تاجرا ، واشترى أحاديث كليلة ودمنة ، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم ، فيقرأ عليهم أساطير الأولين ، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين ، فهذا هو المراد من قوله ( قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ) وههنا موضع بحث ، وذلك لأن الاعتماد في كون القرآن معجزا على أنه صلى الله عليه وسلم تحدى العرب بالمعارضة ، فلم يأتوا بها ، وهذا إشارة الى أنهم أتوا بتلك المعارضة ، وذلك يوجب سقوط الدليل المعول عليه . والجواب : أن كلمة ( لو ) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله ( لو نشاء لقلنا مثل الفخر الرازي ج١٥ م١١ ١٦٢ قوله تعالى ((ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)) الآية سورة الأنفال هذا) يدل على انه ما شاء ذلك القول ، وما قال . فثبت ان النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة ، وإنما أخبر أنه لو شاءلها لأتى بها ، وهذا ضعيف، لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة ، أما مجرد هذا القول فلا فائدة فيه . ﴿ والشبهة الثانية﴾ لهم قولهم (اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) أى بنوع آخر من العذاب اشد من ذلك وأشق منه علينا . فان قيل : هذا الكلام يوجب الاشكال من وجهين : الأول: أن قوله ( اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) حكاه الله عن الكفار ، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن فقد حصلت المعارضة في هذا القدر ، وأيضا حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) وذلك أيضا كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته ، وذلك يدل على حصول المعارضة . الثاني : أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الاله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد عليه الصلاة والسلام في نزول العذاب ، فلو كان نزول القرآن معجزا لعرفوا كونه معجزا لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، ولو عرفوا ذلك لکان أقل الأحوال ان یصیروا شاکین في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ولو کانوا كذلك لما أقدموا على قولهم ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ) لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة وحيث أتوا بهذه المبالغة، علمنا انه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة . ---- والجواب عن الأول : أن الاتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة ، لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة ، وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدى ما وقع بجميع السور ، وإنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام . والجواب عن الثاني : هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا أنه لما كان معجزا في نفسه ، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فانه لا يتفاوت الحال فيه . ﴿ المسألة الثانية) قوله (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) قال الزجاج : القراءة بنصب ( الحق) على خبر ( كان) ودخلت (هو) للفصل ولا موضع لها، وهي بمنزلة ((ما)) المؤكدة ودخلت ليعلم أن قوله ( الحق ) ليس بصفة لهذا وأنه خبر . قال : ويجوز هو الحق رفعا ولا أعلم أحدا قرأ بها ولا خلاف بين النحويين في إجازتها ، ولكن القراءة سنة ، وروى ٠٠ ١٦٣ قوله تعالى ((وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)) الآية سورة الأنفال صاحب الكشاف عن الاعمش انا قرأ بها . واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى ، وهو قوله ( لو نشاء لقلنا مثل هذا) ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة الثانية . وهو قوله ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم ان تقرير وجه الجواب ان الكفار لما بالغوا وقالوا: اللهم إن كان محمد محقا فأمطر علينا حجارة من السماء ، ذكر تعالى أن محمدا وإن كان محقا في قوله إلا انه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه ، وعلى منكرى نبوته ، لسببين : الأول : ان محمدا عليه الصلاة والسلام ما دام يكون حاضرا معهم ، فانه تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيما له ، وهذا أيضا عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين فانه يعذب اهل قربه إلا بعد ان يخرج رسولهم منها، كما كان في حق هود وصالح ولوط . فان قيل : لما كان حضوره فيهم مانعا من نزول العذاب عليهم ، فكيف قال ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) قلنا : المراد من الأول عذاب الاستئصال ومن الثاني : العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة . والسبب الثاني ﴾ قوله ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) وفي تفسيره وجوه : الأول : وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون ، فاللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد بعضهم كما يقال : قتل أهل المحلة رجلا ، وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد ، والمراد بعضهم . الثاني : وما كان الله معذب هؤلاء الكفار . وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه ، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم . الثالث : قال قتادة والسدى ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) أى لو استغفروا لم يعذبوا ، فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم . أى لو اشتغلوا بالاستغفار لما. عذبهم الله . ولهذا ذهب بعضهم الى ان الاستغفار ههنا بمعنى الاسلام والمعنى : انه كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا . منهم أبو سفيان بن حرب . وأبو سفيان ابن الحرث بن عبد المطلب . والحرث بن هشام . وحكيم بن حزام . وعدد كثير، والمعنى (وما كان الله معذبهم وأنت فيهم ) مع أن في علم الله أن فيهم من يؤل أمره الى الايمان قال أهل المعاني : دلت هذه الآية على أن الاستغفار. أمان وسلامة من العذاب . قال ابن عباس : كان فيهم أمانان نبي الله والاستغفار ، أما النبي فقد مضى ، وأما الاستغفار فهو باق الى يوم القيامة ، ثم قال ( وما لهم ألا يعذبهم الله) واعلم ٦٠٠ ١٦٤ قوله تعالى ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية)) الآية سورة الأنفال وَمَا كَانَ صَلَاُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَ وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٥ انه تعالى بين في الآية الأولى انه لا يعذبهم ما دام رسول الله فيهم ، وذكر في هذه الآية انه يعذبهم فكان المعنى انه يعذبهم اذا خرج رسول الله من بينهم ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم : لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر ، وقيل بل يوم فتح مكة ، وقال ابن عباس : هذا العذاب هو عذاب الآخرة ، والعذاب الذى نفاه عنهم هو عذاب الدنيا ، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم ، فقال ( وهم يصدون عن المسجد الحرام ) وقد ظهرت الأخبار انهم کیف صدروا عنه عام الحديبية ، ونبه علی انهم يصدون لا دعائهم انهم أولياؤه ، ثم بين بطلان هذه الدعوى بقوله ( وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ) الذين يتحرزون عن المنكرات ، کالذى كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية ، والمقصود بیان ان من کانت هذه حاله لم يكن وليا للمسجد الحرام ، فهم اذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا ، فقتلهم الله يوم بدر ، وأعز الاسلام بذلك على ما تقدم شرحه . قوله تعالى ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تکفرون اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار انهم ما كانوا أولياء البيت ، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما كان بالمكاء والتصدية ، قال صاحب الكشاف: المكاء فعال بوزن النغاء والرغاء من مكا يمكوا ذا صفر ، والمكاء الصفير . ومنه المكاء وهو طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي سمي بذلك لكثرة مكانه . وأما التصدية فهي التصفيق يقال : صدى يصدى تصدية اذا صفق بيديه ، وفي أصلها قولان : الأول : أنها من الصدى وهو الصوت الذى يرجع من جبل . الثاني : قال أبو عبيدة : أصلها تصددة ، فأبدلت الياء من الدال . ومنه قوله تعالى ( إذا قومك منه يصدون ) أى يعجزون ، وأنكر بعضهم هذا الكلام ، والأزهرى صحح قول أبي عبيدة وقال : صدى أصله صدى ، فكثرت الدالات الدالة فقلبت إحداهن ياء . إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون وقال مجاهد : كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ويستهزئون به ١٦٥ قوله تعالى ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا)) الآية سورة الأنفال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَِّ فَسَيُنِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِمِيزَاللهُالْحَبِيِثَ مِنَ الطَّيِّبٍ وَيَجْعَلَ الْخَبِيِثَ بَعْضَهُ، عَى بَعْضٍ فَيَرْ كُمَّهُ جِعًا فَيَجْعَلَهُ، فِ جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته ، وقال مقاتل : كان إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته ، فعلى قول ابن عباس : كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول مجاهد ومقاتل ، كان إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم . والأول أقرب لقوله تعالى ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) فان قيل : المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف يجوز استثناؤهما عن الصلاة ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : انهم كانوا يعتقدون ان المكاء والتصدية من جنس الصلاة ، فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم . الثاني : ان هذا كقولك وددت الأمير فجعل جفائي صلتي ، أى اقام الجفاء مقام الصلة فكذا ههنا . الثالث : الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له ، كما تقول العرب ، ما لفلان عيب إلا السخاء . يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له . ثم قال تعالى ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أى عذاب السيف يوم بدر ، وقيل : يقال لهم في الآخرة ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون اعلم انه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية ، أتبعها بشرح أحوالهم في الطاعات المالية . قال مقاتل والكلبي : نزلت في المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلا ١٦٦ قوله تعالى ((ليميز الله الخبيث من الطيب)) الآية سورة الأنفال من كبار قريش . وقال سعيد بين جبير ومجاهد : نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد ، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب ، وأنفق عليهم أربعين أوقية والأوقية اثنان وأربعون مثقالا ، هكذا . قاله صاحب الكشاف . ثم بين تعالى أنهم إنما ينفقون هذا المال ليصدوا عن سبيل الله ، أى كان غرضهم في الانفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله ، وإن لم يكن عندهم كذلك . ثم قال ﴿ فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ﴾ يعني: أنه سيقع هذا الانفاق ويكون عاقبته الحسرة ، لأنه يذهب المال ولا يحصل المقصود ، بل يصيرون مغلوبين في آخر الأمر كما قال تعالى ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) وقوله ( والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) ففيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ أنه لم يقل: والى جهنم يحشرون ، لأنه كان فيهم من أسلم ، بل ذكر ان الذين بقوا على الكفر يكونون كذلك . البحث الثاني ) ان ظاهر قوله ( الى جهنم يحشرون ) يفيد أنه لا يكون حشرهم إلا الى جهنم ، لأن تقديم الخبر يفيد الحصر. واعلم ان المقصود من هذا الكلام انهم لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في تلك الانفاقات الا الحسرة والخيبة في الدنيا ، والعذاب الشديد في الآخرة ، وذلك يوجب الزجر العظيم عن ذلك الانفاق ، ثم قال ( ليميز الله الخبيث من الطيب ) وفيه قولان : القول الأول ﴾ ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا وهو عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا كقوله تعالى ( كادوا يكونون عليه لبدا) يعنى لفرط ازدحامهم فقوله ( أولئك ) اشارة الى الفريق الخبيث . ﴿ والقول الثاني ﴾ المراد بالخبيث نفقة الكافر على عداوة محمد، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار ، كأنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها الى بعض فیلقیها في جهنم ويعذبهم بها كقوله تعالى ( فتکوی بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) واللام في قوله ( ليميز الله الخبيث ) على القول الأول متعلق بقوله ( يحشرون ) والمعنى أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب ، وعلى القول الثاني متعلق بقوله ( ثم تكون عليهم حسرة ) ثم قال ( أولئك هم الخاسرون ) وهو اشارة الى ١٦٧ قوله تعالى ((قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم)) الآية سورة الأنفال قُل ◌ِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوْ يُغْفَرْ لَهُم مَّ قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُ واْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ الذين كفروا . قوله تعالى ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين صلاتهم في عباداتهم البدنية ، وعباداتهم المالية ، أرشدهم الى طريق الصواب وقال ( قل للذين كفروا إن ينتهوا ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف ( قل للذين كفروا) أى قل لأجلهم هذا القول ، وهو ( إن ينتهوا يغفر لهم ) ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل : إن تنتهوا يغفر وقال ابن مسعود هكذا . ﴿ المسألة الثانية﴾ المعنى: أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن الكفر وعداوة الرسول، ودخلوا الاسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم وعداوتهم للرسول وإن عادوا اليه وأصروا عليه فقد مضت سنة الأولين . وفيه وجوه : الأول : المراد فقد مضت سنة الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر . الثاني : فقد مضت سنة الأولين الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الذين قد مروا فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا . الثالث : أن معناه ان الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وهي قوله ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي - ولقد سبقت كلمتنا - ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) ﴿ المسألة الثالثة ﴾ اختلف الفقهاء في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا؟ والصحيح أنها مقبولة لوجوه : الأول : هذه الآية فان قوله ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) يتناول جميع أنواع الكفر . فان قيل : الزنديق لا يعلم من حاله انه هل انتهى من زندقته أم لا ؟ قلنا: أحكام الشرع مبينة على الظواهر ، كما قال عليه السلام ((نحن نحكم بالظاهر)) فلما رجع وجب قبول قوله فيه . الثاني : لا شك أنه مكلف بالرجوع ولا طريق له اليه إلا بهذه ١٦٨ قوله تعالى ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين)) الآية سورة الأنفال وَقَدِلُهُمْ خَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الّذِينُ كُ لِلَّهِ فَإِنِ آَنْتَهُواْ فَإِنَّ الَّ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرُ ﴾ وَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَ وَنِعْمَ النَّصِيرُ التوبة فلولم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق . الثالث : قوله تعالى ( وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) ﴿ المسألة الرابعة﴾ احتج أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع ، قالوا لأنهم لو كانوا مخاطبين بها ، لكان إما ان يكونوا مخاطبين بها مع الكفر أو بعد زوال الكفر . والأول باطل بالإجماع ، والثاني باطل ، لأن هذه الآية تدل على أن الكافر بعد الاسلام لا يؤاخذ بشيء مما مر عليه في زمان الكفر . وإيجاب قضاء تلك العبادات ينافي ظاهر هذه الآية . ﴿ المسألة الخامسة﴾ احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية . على ان المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات التي تركها في حالة الردة وقبلها ، ووجه الدلالة ظاهر . المسألة السادسة﴾ قال عليه السلام ((الاسلام يجب ما قبله)) فاذا اسم الكافر لم يلزمه قضاء شيء من العبادات البدنية والمالية وما كان له من جناية على نفس أو مال فهو معفو عنه وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه . وقال يحيى بن معاذ الرازى في هذه الآية ان توحيد ساعة يهدم كفر سبعين سنة، وتوحيد سبعين سنة كيف لا يقوى على هدم ذنب ساعة ؟ قوله تعالى ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فان انتهوا فان الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير﴾ اعلم أنه تعالى لما بين أن هؤلاء الكفار ان انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران ، وإن عادوا فهم متوعدون بسنة الأولين ، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصرزا فقال ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) قال عروة بن الزبير: كان المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله ، فافتتن من المسلمين بعضهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ان يخرجوا الى الحبشة ، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة ، توامرت قريش ان يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم ، فأصاب المؤمنين جهد شديد ، فهذا هو المراد من ١٦٩ الجنازة قوله تعالى ((واعلموا انما غنمتم من شيء فان الله)) الآية سورة الأنفال وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُ مِّنِ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلِّنُسَهُ، وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْبَعْمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ ءَامَنتُم بِلَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ - يَوْمَ الْتَفَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ (چ) الفتنة ، فامر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة . وفيه وجه آخر ، توهو أن مبالغة الناس في حبهم أديانهم أشد من مبالغتهم في حبهم أرواحهم ، فالكافر أبدا يسعى بأعظم وجوه السعي في إيذاء المؤمنين وفي إلقاء الشبهات في قلوبهم وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقة ، وإذا وقعت المقاتلة زال الكفر والمشقة ، وخلص الاسلام وزالت تلك الفتن بالكلية . قال القاضي : إنه تعالى أمر بقتالهم ثم بين العلة التي بها أوجب قتالهم ، فقال ( حتى لا تكون. فتنة ) ويخلص الدّين الذى هو دين الله من سائر الأديان ، وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية . إذا عرفت هذا فنقول : إما ان يكون المراد من الآية ( وقاتلوهم ) لأجل ان يحصل هذا المعنى أو يكون المراد ( وقاتلوهم ) لغرض أن يحصل هذا المعنى فان كان المراد من الآية هو الأول وجب ان يحصل هذا المعنى من القتال فوجب ان يكون المراد ( ويكون الدين كله لله) في أرض مكة وما حواليها، لأن المقصود حصل هناك، قال عليه السلام (( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) ولا يمكن حمله على جميع البلاد ، إذ لو كان ذلك مرادا لما بقى الكفر فيها مع حصول القتال الذى أمر الله به ، وأما إذا كان المراد من الآية هو الثاني ؛ وهو قوله قاتلوهم لغرض ان يكون الدين كله لله ، فعلى هذا التقدير لم يمتنع حمله على ازالة الكفر عن جميع العالم لأنه ليس كل ما كان غرضا للانسان ، فانه يحصل فكان المراد الأمر بالقتال لحصول هذا الغرض سواء حصل في نفس الأمر أو لم يحصل . ثم قال ﴿ فان انتهوا فان الله بما يعلمون بصير﴾ والمعنى ( فان انتهوا) عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والايمان ( فان الله بما يعلمون بصير ) عالم لا يخفى عليه شيء يوصل اليهم ثوابهم ( وان تولوا) يعني عن التوبة والايمان ( فاعلموا ان الله مولاكم ) أى وليكم الذى يحفظكم ويرفع البلاء عنكم ، ثم بين أنه تعالى ( نعم المولى ونعم النصير ) وكل ما كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته ، كان آمنا من الآفات مصونا عن المخوفات . قوله تعالى ﴿ واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ﴾ الغاش .١٧ قوله تعالى ((واعلموا انما غنمتم من شيء فإن الله خمسة)) الآية سورة الأنفال اعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله ( وقاتلوهم ) وكان من المعلوم ان عند المقاتلة قد تحصل الغنيمة ، لا جرم ذكر الله تعالى حكم الغنيمة ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الغنم : الفوز بالشيء. يقال: غنم يغنم غنما فهو غانم ، والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدى المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل والركاب . ﴿ المسألة الثانية) قال صاحب الكشاف ( ما) في قوله ( ما غنمتم من شيء) موصولة وقوله ( من شيء) يعني أى شيء كان حتى الخيط والمخيط ( فان الله) خبر مبتدأ محذوف تقديره : فحق أو فواجب ان لله خمسه ، وروى النخعي عن ابن عمر ( فان لله خمسه) بالكسر، وتقديره : على قراءة النخعي فلله خمسة والمشهور آكد وأثبت للايجاب ، كأنه قيل : فلا بد من إثبات الخمس فيه ، ولا سبيل الى الاخلال به ، وذلك لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوها كثيرة من المقدرات كقولك ثابت : واجب ، حق ، لازم ، كان أقوى لا يجابه من النص على واحد ، وقرىء ( خمسه ) بالسكون . المسألة الثالثة ﴾ في كيفية قسمة الغنائم . اعلم أن هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خمسها ، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان : ﴿ القول الأول﴾ وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس، فسهم لرسول الله، وسهم لذوى قرباه من بني هاشم وبني المطلب ، دون بني عبد شمس وبني نوفل ، لما روى عن عثمان وجبير بن مطعم أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لكونك منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا ، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال عليه السلام (( إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد شبك بين أصابعه)) وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعند الشافعي رحمه الله : أنه يقسم على خمسة أسهم ، سهم لرسول الله ، يصرف الى ما كان يصرفه اليه من مصالح المسلمين ، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح ، وسهم لذوى القربى من اغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الانشين ، والباقي للفرق الثلاثة وهم : اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام سهمه ساقط بسبب موته ، وكذلك سهم ذوى القربى ، وإنما يعطون لفقرهم ، فهم أسوة سائر الفقراء ، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل . وقال مالك : الأمر في الخمس مفوض الى رأى الامام ان رأى قسمته على هؤلاء فعل ، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض ، فله ذلك . : ١٧١ قوله تعالى ((واعلموا انما غنمتم من شيء فان الله خمسة)) الآية سورة الأنفال واعلم ان ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي رحمه الله وصريح فيه ، فلا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها ، وكيف وقد قال في آخر الآية ( إن كنتم آمنتم بالله ) يعني : إن كنتتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة . وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة ، لم يحصل الايمان بالله . ﴿ والقول الثاني) وهو قول أبي العالية: إن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام ، فواحد منها لله ، وواحد لرسول الله ، والثالث لذوى القربى ، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل قالوا: والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله، ثم للطوائف الخمسة ، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال : يصرف سهم اللّه الى الرسول ، ومنهم من قال : يصرف الى عمارة الكعبة . وقال بعضهم : إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس ، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، وهو الذى سمى الله تعالى . والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه : بأن قوله ( لله ) ليس المقصود منه إثبات نصيب الله . فان الأشياء كلها ملك الله وملكه ، وإنما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم ، كما في قوله ( قل الأنفال الله والرسول ) واحتج القفال على صحة هذا القول بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لهم في غنائم خيبر ((ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم)) فقوله ما لي إلا الخمس يدل على ان سهم الله وسهم الرسول واحد ، وعلى الاضمام سهمه السدس لا الخمس ، وإن قلنا : إن السهمين يكونان للرسول . صار سهمه أزيد من الخمس ، وكلا القولين ينافي ظاهر قوله ((ما لي إلا الخمس)) هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة ، وأما الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين . لأنهم الذين حازوه واكتسبوه كما يكتسب الكلأ بالاحتشاش ، والطير بالاصطياد ، والفقهاء استنبطوا من هذه الآية مسائل كثيرة مذكورة في كتب الفقه . ﴿ المسألة الرابعة﴾ دلت الآية على انه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب، كما هو قول الشافعي رحمه الله ، والدليل عليه: أن قوله ( فان لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) يقتضي ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة، وإذا حصل الملك لهم فيه، وجب جواز القسمة لأنه لا معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك الى المالك، وذلك جائز بالاتفاق . ﴿ المسألة الخامسة﴾ اختلفوا في ذوى القربى. قيل: هم بنوهاشم . وقال الشافعي رحمه الله: هم بنوا هاشم وبنو المطلب، واحتج بالخبر الذي رويناه. وقيل: آل علي ، وجعفر، وعقيل ، وآل عباس ، وولد الحرث بن عبد المطلب، وهو قول أبي حنيفة . ١٧٣ قوله تعالى ((إن انتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى)) الايه سورة الأنفال إِذْأَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصُوَى وَالَرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدُمْ لَآَ خْتَلَفْتُمْ فِىِ الْمِبَعَِدِ وَلَلكِنِ لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْيِ مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِنَّةٍ وَإِنَّ اللَّلَسَمِيعُ عَلِيمٌ ٤٢ المسألة السادسة ﴾ حكى صاحب الكشاف عن الكلبي : أن هذه الآية نزلت ببدر . وقال الواقدى رحمه الله : كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة . ثم قال تعالى ﴿ إن كنتم آمنتم باللّه﴾ والمعنى اعلموا أن خمس الغنيمة مصروف الى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالاخماس الأربعة ( إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا) يعني : إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان . يوم بدر . والجمعان : الفريقان من المسلمين والكافرين ، والمراد منه ما تأنزل عليه من الآيات ، والملائكة ، والفتح في ذلك اليوم ( والله على كل شيء قدير ) أى يقدر على نصركم وأنتم قليلون ذليلون والله أعلم . / قوله تعالى ﴿إذا أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (إذا أنتم بالعدوة الدنيا) قولان: أحدهما : أنه متعلق بمضمر معناه واذكروا إذا أنتم كذا وكذا ، كما قال تعالى ( واذكروا إذا أنتم قليل ) والثاني : أن يكون قوله ( إذ ) بدلا عن يوم الفرقان . ﴿ المسألة الثانية) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو( بالعدوة) بكسر العين في الحرفين ، والباقون بالضم ، وهما لغتان . قال ابن السكيت : عدوة الوادى وعدوته جانبه ، والجمع عدى ، وعدى . قال الأخفش : الكسر كلام العرب لم يسمع عنهم غير ذلك . وقال أحمد بن يحيى : الضم في العدوة أكثر اللغتين . وحكى صاحب الكشاف: الضم والفتح والكسر. ١٧٣ قوله تعالى ((إن الله لسميع عليم)) الآية سورة الأنفال قال : وقرى عبهن و( بالعدية ) على قلب الواو ياء . لأن بينها وبين الكسر حاجزا غير حصين ، كما في الفتية . وأما ( الدنيا) فتأنيث الأدنى وضده ( القصوى ) وهو تأنيث الأقصى ، وكل شيء تنحى عن شيء ، فقد قصا ، والأقصى والقصوى كالأكبر والكبرى . فان قيل : كلتاهما فعلى من باب الواو ، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو؟ قلنا : القياس قلب الواو ياء ، كالعليا . وأما القصوى ، فقد جاء شاذا ، وأكثر استعماله على أصله . المراد بالعدوة الدنيا ، ما يلى جانب المدينة ، وبالقصوى ، ما يلى المسألة الثالثة جانب مكة وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون ، وكان استظهارهم من هذا الوجه أشد ( والركب ) العير التي خرجوا لها كانت في موضع ( أسفل منكم ) إلى ساحل البحر (ولو تواعدتم ) أنتم وأهل مكة على القتال ، لخالف بعضكم بعضا لقلتكم وكثرتهم ( ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا) أى انه يثبتكم الله ، وينصركم ، ليقضي أمرا كان مفعولا ، واجبا أن يخرج الى الفعل وقوله ( ليهلك من هلك ) بدل من قوله ( ليقضي ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ لا شك ان عسكر الرسول عليه السلام في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة ، ونزلوا بعيدين عن الماء ، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضا زملية تغوص فيها أرجلهم . وأما الكفار فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد ، وبسبب حصول الآلات والأدوات ، لأنهم كانوا قريبين من الماء ، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي ، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير اليهم ساعة فساعة ، ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية ، وجعل الغلبة للمسلمين ، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر. فقوله ( ليهلك من هلك عن بينة ) إشارة الى هذا المعنى ، وهو ان الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزات والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة ، والمراد من البينة هذه المعجزة . المسألة الثانية ﴾ اللام في قوله ( ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) وفي قوله ( ليهلك من هلك عن بينة) لام الغرض، وظاهره يقتضي أفعال الله وأحكامه بالأغراض والمصالح ، إلا أنا نصرف هذا الكلام عن ظاهره بالدلائل العقلية المشهورة . المسألة الثالثة ) قوله ( ليهلك من هلك عن بينة ) ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من ١٧٤ قوله تعالى ((إذ يريكهم الله في منامك قليلا)) الآية سورة الأنفال إِذْيُرِيَكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِلًا وَلَوْ أَرَنَكُهُمْ كَثِيرُالَّفَئِلْتُمْ وَلَتَزَعْتُمْ فِىِ الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٤٣ الكل العلم والمعرفة والخير والصلاح ، وذلك يقدح في قول أصحابنا : أنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، لكنا نترك هذا الظاهر بالدلائل المعلومة . ﴿ المسألة الرابعة ) قوله (ويحيى من حى عن بينة ) قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم والبزى عن ابن كثير ونصير عن الكسائي ( من حى ) باظهار اليائين وأبو عمرو ، وابن كثير برواية القواس ، وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي بياء مشددة على الادغام . فأما الأدغام فللزوم الحركة في الثاني ، فجرى مجرى رد لأنه في المصحف مكتوب بياء واحدة . وأما الاظهار فلامتناع الإدغام في مضارعه من ((يحيى)) فجرى على مشاكلته ، وأجاز بعض الكوفيين الادغام في ( يحيى ) ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله ﴿وإن الله لسميع عليم﴾ أى يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم ، فأصلح مهمكم . قوله تعالى ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور﴾ اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التي أنعم الله بها على أهل بدر ، وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ (إذ يريكهم الله) منصوب باضمار اذكر ، أو هو بدل ثان من يوم الفرقان أو متعلق بقوله ( لسميع عليم ) أى يعلم المصالح إذ يقللهم في أعينكم . المسألة الثانية ﴾ قال مجاهد : أرى الله النبي عليه السلام كفار قريش في منامه قليلا فأخبر بذلك أصحابه . فقالوا : رؤيا النبي حق ، القوم قليل ، فصار ذلك سببا لجراءتهم وقوة قلوبهم . فان قيل : رؤية الكثير قليلا غلط ، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ؟ قلنا : مذهبنا انه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضا لعله تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون . وعن الحسن : هذه الاراءة كانت في اليقظة . قال والمراد من المنام ، العين ، التي هو موضع النوم . ١٧٥ قوله تعالى ((وإذ يريكموهم اذا التقيتم)) الآية سورة الأنفال وَإِذْ يُرِيِكُمُوهُمْ إِذِالَقَيْتُمْ فِىَ أَعْمُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْنِمْ لِقْضِىَ اللهُ أَمْرًّا كَانَ مَفْعُولًا وَ إِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ٤٤ ثم قال تعالى ﴿ولو أراكهم كثيرا﴾ لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا ولتنازعوا ، ومعنى التنازع في الأمر ، الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه ، والمعنى : لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم ( ولكن الله سلم ) أى سلمكم من المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم ، وقيل سلمهم من الهزيمة يوم بدر والأظهر أن المراد ، ولكن الله سلمكم من التنازع ( إنه عليم بذات الصدور ) يعلم ما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع . قوله تعالى ﴿ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا والى الله ترجع الأمور﴾ اعلم أن هذا هو النوع الثالث من النعم التي أظهرها الله للمسلمين يوم بدر ، والمراد أن القليل الذى حصل في النوم تأكد ذلك بحصوله في اليقظة ، قال صاحب الكشاف ( وإذ يريكموهم ) الضميران مفعولان يعني إذ يبصركم إياهم ، و(قليلا) نصب على الحال . واعلم انه تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين ، وقلل أيضا عدد المؤمنين في أعين المشركين . والحكمة في التقليل الأول ، تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأيضا لتقوى قلوبهم وتزداد جراءتهم عليهم ، والحكمة في التقليل الثاني : أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر ، فصار ذلك سببا لاستيلاء المؤمنين عليهم . فان قيل : كيف يجوز أن يريهم الكثير قليلا ؟ قلنا : أما على ما قلنا فذاك جائز ، لأن الله تعالى خلق الادراك في حق البعض دون البعض . وأما المعتزلة فقالوا : لعل العين منعت من إدراك الكل ، أولعل الكثير منهم كانوا في غاية البعد فما حصلت رؤيتهم . ثم قال ﴿ ليقضي الله أمرا كان مفعولا ؟ فان قيل : ذكر هذا الكلام في الآية المتقدمة ، فكان ذكره ههنا محض التكرار . ١٧٦ قوله تعالى ((يا ايها الذين آمنوا إذا لقيتم)) الآية سورة الأنفال يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَتْبُتُواْ وَذْ كُرُواْاللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٤٥ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ، وَلاَ تَنَزَّعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ الصَّبِينَ (﴾ ، وَلَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَخَرَجُواْمِن دِيَدِهِمْ بَطَرًّا وَرِعَةَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللّهِ وَاللهُبِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( قلنا : المقصود من ذكره في الآية المتقدمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم . والمقصود من ذكره ههنا ، ليس هو ذلك المعنى ، بل المقصود أنه تعالى ذكرههنا انه قلل هدد المؤمنين في أعين المشركين ، فبين ههنا أنه إنما فعل ذلك ليصير ذلك سببا لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر ، فيصير ذلك سببا لانكسارهم . ثم قال ﴿ والى الله ترجع الأمور ﴾ والغرض منه التنبيه على ان أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها ، وإنما المراد منها ما يصلح ان يكون زادا ليوم المعاد . قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعو الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط ﴾ اعلم انه تعالى لما ذكر أنواع نعمه على الرسول وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب . الأول : الثبات وهو ان يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها بالتولي . والثاني : أن يذكروا الله كثيرا. وفي تفسير هذا الذكر قولان : ﴿ القول الأول) أن يكونوا بقلوبهم ذاكرين الله وبألسنتهم ذاكرين الله. قال ابن عباس : أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم تنبيها على أن الانسان لا يجوز ان يخلى قلبه : ١٧٧ قوله تعالى ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)) الآية سورة الأنفال ولسانه عن ذكر الله ، ولو أن رجلا أقبل من المغرب الى المشرق ينفق الأموال سخاء ، والاخر من المشرق الى المغرب يضرب بسيفه في سبيل الله ، كان الذاكر لله أعظم أجرا . والقول الثاني ﴾ أن المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر ، لأن ذلك لا يحصل إلا معونة الله تعالى . ثم قال ﴿ لعلكم تفلحون ) وذلك لأن مقاتلة الكافر ان كانت لأجل طاعة الله تعالى كان ذلك جاريا مجرى بذل الروح في طلب مرضاة الله تعالى ، وهذا هو أعظم مقامات العبودية ، فان غلب الخصم فاز بالثواب والغنيمة ، وإن صار مغلوبا فاز بالشهادة والدرجات العالية ، أما إن كانت المقاتلة لا لله بل لأجل الثناء في الدنيا وطلب المال لم يكن ذلك وسيلة الى الفلاح والنجاح . فان قيل : فهذه الآية توجب الثبات على كل حال ، وهذا يوهم انها ناسخة لآية التحرف والتحيز قلنا : هذه الآية توجب الثبات في الجملة . والمراد من الثبات الجد في المحاربة . وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول الثبات في المحاربة بل كان الثبات في هذا المقصود . لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز . ثم قال تعالى مؤكدا لذلك ﴿وأطيعوا الله ورسوله ﴾ في سائر ما يأمر به ، لأن الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات . ثم قال ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ بين تعالى ان النزاع يوجب أمرين: أحدهما : أنه يوجب حصول الفشل والضعف. والثاني : قوله ( وتذهب ريحكم ) وفيه قولان : الأول : المراد بالريح الدولة ، شبهت الدولة وقت نفاذها وتمشية أمرها بالريح وهبوبها . يقال : هبت رياح فلان . إذا دانت له الدولة ونفذ أمره . الثاني: أنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله ، وفي الحديث، ((نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور)) والقول الأول أقوى ، لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثرا في ذهاب الريح ، ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا . قال مجاهد ( وتذهب ريحكم) أى نصرتكم ، وذهبت ريح أصحاب محمد حين تنازعوا يوم أحد . الفخر الرازي ج١٥ م١٢ ١٧٨ قوله تعالى ((لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم)) الآية سورة الأنفال ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: القول بالقياس يفضي الى المنازعة ، والمنازعة محرمة ، فهذه الآية توجب ان يكون العمل بالقياس حراما ، بيان الملازمة المشاهدة ، فانا نرى ان الدنيا صارت مملوءة من الاختلافات بسبب القياسات ، وبيان أن المنازعة محرمة . قوله ( ولا تنازعوا) وأيضا القائلون بان النص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسكوا بهذه الآية وقالوا : قوله تعالى (وأطيعوا الله ورسوله) صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نص عليه ، ثم أتبعه بان قال ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) ومعلوم ان من تمسك بالقياس المخصص بالنص فقد ترك طاعة الله وطاعة رسوله . وتمسك بالقياس الذى يوجب التنازع والفشل ، وكل ذلك حرام ، ومثبتوا القياس أجابوا عن الأول ، بانه ليس كل قياس يوجب المنازعة . ثم قال تعالى ﴿ واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ والمقصود أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر ، فأمرهم بالصبر . كما قال في آية أخرى (اصبروا وصابرواورابطوا ) وبين انه تعالى مع الصابرين ، ولا شبهة ان المراد بهذه المعية النصرة والمعونة . ثم قال ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء الناس ويصدون عن سبيل الله ﴾ قال المفسرون : المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير، فلما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني كان صديقا لأبي جهل اليه بهدايا مع ابنه ، فلما اتاه قال : إن أبي ينعمك صباحا ويقول لك إن شئت ان أمدك بالرجال أمددتك ، وإن شئت أن أزحف اليك بمن معي من قرابتي فعلت ، فقال أبو جهل : قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرا ، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من طاقة ، وان كنا نقاتل الناس ، فوالله إن بنا على الناس لقوة ، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا فيها القيان . فان بدرا موسم من مواسم العرب ، وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه الواقعة ، قال المفسرون : فوردوا بدرا وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان . واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة اشياء : الأول : البطر قال الزجاج : البطر الطغيان في النعمة . والتحقيق ان النعم إذا كثرت من الله على العبد فان صرفها الى مرضاته وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر . وأما إن توسل بها الى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر . والثاني : قوله ( ورثاء الناس ) والرئاء عبارة عن القصد الى إظهار الجميل مع أن باطنه يكون قبيحا ، والفرق بينه وبين النفاق ان النفاق إظهار الايمان مع إبطان الكفر ، والرثاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية ، روى أنه صلى الله عليه وسلم لما رآهم في موقف بدر ١٧٩ قوله تعالى ((واذ زين لهم الشيطان أعمالهم)) الآية سورة الأٍّ:") أُلنَّاسِ وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَلِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ قال ((اللهم إن قريشا أقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك)) والثالث : قوله ( ويصدون عن سبيل الله ) فعل مضارع وعطف الفعل على الاسم غير حسن . وذكر الواحدى فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون قوله (ويصدون عن سبيل الله) بمنزلة صادين والثاني: أن يكون قوله (بطرأ ورئاء) بمنزلة يبطرون ويراؤن. وأقول: إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفى الغليل، لأنه تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل، ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه ان يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر. وعن الثالث بالفعل. وأقول: أن الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر ان الاسم يدل على التمكين والاستمرار. والفعل على التجدد والحدوث، قال ومثاله في الاسم قوله تعالى (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله تعالى (قل من يرزقكم من السماء والأرض) وذلك يدل على أنه تعالى يوصل الرزق اليهم ساعة فساعة، هذا ما ذكرره الشيخ عبد القاهر . إذا عرفت هذا فنقول : إن أبا جهل ورهطه وشيعته كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب ، وأما صدهم عن سبيل الله فانما حصل في الزمان الذى ادعى محمد عليه الصلاة والسلام النبوة . ولهذا السبب ذكر البطر والرثاء بصيغة الاسم ، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل والله أعلم . وحاصل الكلام : أنه تعالى أمرهم عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر الله ، ومنعهم من أن يكون الحامل لهم على ذلك الثبات ، البطر والرثاء ، بل أوجب عليهم أن يكون الحامل لهم عليه طلب عبودية الله . واعلم ان حاصل القرآن من أوله إلى آخره دعوة الخلق من الاشتغال بالخلق ، وأمّهم بالعناء في طريق عبودية الحق ، والمعصية مع الانكسار أقرب الى الاخلاص من الطاعة مع الافتخار ، ثم ختم هذه الآية بقوله ( والله بما تعملون محيط) والمقصود ان الانسان ربما أظهر من نفسه ان الحامل له والداعي الى الفعل المخصوص طلب مرضاة الله تعالى مع أنه لا يكون الأمر كذلك في الحقيقة ، فبين تعالى كونه عالما بما في دواخل القلوب ، وذلك كالتهديد والزجر عن الرثاء والتصنع . قوله تعالى ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ١٨٠ قوله تعالى ((فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه)) الآية سورة الأنفال وَإِنِىِ جَارٌ لَّكُمْ فَلَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَّصَ عَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِى بَرِىٌّ مِنْكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِّ أَخَافُ اللَّهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٤٨ وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برىء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾ اعلم أن من جملة النعم التي خص أهل بدر بها وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ العامل في (إذ) فيه وجوه : قيل: تقديره اذكر إذ زين لهم، وقيل : هو عطف على ما تقدم من تذكير النعم ، وتقديره : واذكروا إذ يريكموهم وإذ زين ، وقيل : هو عطف على قوله خرجوا بطرا ورثاء الناس . وتقديره : لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء الناس وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم . ﴿ المسألة الثانية) في كيفية هذا التزيين وجهان : الأول: ان الشيطان زين بوسوسته من غير ان يتحول في صورة الانسان ، وهو قول الحسن والأصم . والثاني : أنه ظهر في صورة الانسان . قالوا : إن المشركين حين أرادوا المسير الى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة ، لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا ، فلك يأمنوا ان يأتوهم من ورائهم ، فتصورلهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من بني بكر بن كنانة وكان من أشرافهم في جند من الشياطين ، ومعه راية ، وقال : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم مجيركم من بني كنانة ، فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقبيه . وقيل : كانت يده في يد الحرث بن هشام ، فلما نكص قال له الحرث : أتخذ لنا في هذه الحال ؟ فقال : إني أرى ما لا ترون ! ودفع في صدر الحرث وانهزموا . وفي هذه القصة سؤالات . السؤال الأول ﴾ ما الفائدة في تغيير صورة إبليس الى صورة سراقة ؟ والجواب فيه معجزة عظيمة للرسول عليه السلام وذلك لأن كفار قريش لما رجعوا الى مكة قالوا هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم . فعند ذلك تبين للقوم ان ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطانا . فان قيل : فإذا حضر إبليس لمحاربة المؤمنين . ومعلوم أنه في غاية القوة . فلم لم يهزموا جيوش المسلمين ؟