Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا)) الآية سورة الأنفال
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ إِذَا لَفِيُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُوهُمُ الْأَدْبَرَ (﴾ وَمَنْ يُوَلِمْ
يَوْمَبِذِ دُبُرَهٍُ إِلَّا مُتَحَِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَّا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ
وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ اْلْمَصِيرُ ﴾
الأمر ذلكم فذو قوه ، ولا يجوز ان يكون ( ذلكم ) ابتداء ، وقوله ( فذو قوه ) خبر ، لأن ما بعد
الفاء لا يكون خبرا للمبتدأ ، إلا أن يكون المبتدأ اسما موصولا أو نكرة موصوفة ، نحو :
الذى يأتيني فله درهم ، وكل رجل في الدار فمكرم ، أما أن يقال : زيد فمنطلق ، فلا يجوز
إلا أن نجعل زيدا خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا زيد فمنطلق ، أى فهو منطلق.
﴿ المسألة الثانية ) أنه تعالى لما بین ان من يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب ، بین
من بعد ذلك صفة عقابه ، وأنه قد يكون معجلا في الدنيا ، وقد يكون مؤجلا في الآخرة ، ونبه
بقوله ( ذلكم فذو قوه ) وهو المعجل من القتل والأسر على أن ذلك يسير بالاضافة الى المؤجل
هم في الآخرة ، فلذلك سماه ذوقا ، لأن الذوق لا يكون إلا تعرف طعم الیسیر لیعرف به حال
الكثير، فعاجل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا كالذوق القليل بالنسبة الى الأمر العظيم المعد
لهم في الآخرة . وقوله ( فذوقوه ) يدل على أن الذوق يحصل بطريق آخر سوى إدراك الطعوم
المخصوصة ، وهي كقوله تعالى ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) وكان عليه السلام يقول
(( أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)) فهذا يدل على إثبات الذوق والأكل والشرب بطريق
روحاني مغاير للطريق الجسماني .
قوله تعالى ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ومن
یولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس
المصير﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الأزهرى: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على أسته
قبل ان يقوم ، وشبه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما الى صاحبتها
للقتال ، فيمشي كل فئة مشيا رويدا الى الفئة الأخرى قبل التداني للضرب . قال ثعلب :

١٤٢
قوله تعالى ((ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفالقتال)) الآية سورة الأنفال
الزحف المشي قليلا قليلا الى الشيء ، ومنه الزحاف في الشعر يسقط مما بين حرفين . حرف
فيزحف أحدهما الى الآخر .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( اذا لقيتم الذين كفروا زحفا ) أى متزاحفين نصب على
الحال ، ويجوزان يكون حالا للكفار ، ويجوز أن يكون حالا للمخاطبين وهم المؤمنون ،
والزحف مصدر موصوف به كالعدل والرضا ، ولذلك لم يجمع ، والمعنى : إذا ذهبتم اليهم
للقتال ، فلا تنهزموا ، ومعنى ( فلا تولوهم الأدبار ) أى لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم . ثم إنه
تعالى لما نهى عن هذا الانهزام بين ان هذا الانهزام محرم . إلا في حالتين: احدهما: أن يكون
متحرفا للقتال ، والمراد منه أن يخيل الى عدوه انه منهزم . ثم ينعطف عليه ، وهو أحد أبواب
خدع الحرب ومكايدها ، يقال : تحرف وانحرف إذا زال عن جهة الاستواء . والثانية : قوله
( أو متحيزا الى فئة ) قال أبو عبيدة : التحيز التنحي وفيه لغتان : التحيز والتحوز. قال
الواحدى : وأصل هذا الحوز ، وهو الجمع : يقال : حزته فَانحاز وتحوز وتحيز اذا انضم
واجتمع ، ثم سمى التنحي تحيزا ، لأن المتنحي عن جانب ينفصل عنه ويميل إلى غيره .
إذا عرفت هذا فنقول : الفئة الجماعة ، فاذا كان هذا المتحيز كالمنفرد ، وفي الكفار
كثرة ، وغلب على ظن ذلك المنفرد انه إن ثبت قتل من غير فائدة ، وان تحيز الجمع كان راجيا
للخلاص ، وطامعا في العدو بالكثرة ، فربما وجب عليه التحيز الى هذه الفئة فضلا عن أن
يكون ذلك جائزا واصل ان الانهزام من العدو حرام . الا في هاتين الحالتين .
ثم انه تعالى قال ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ الا في هاتين الحالتين . فقد باء بغضب من
الله ومأواه جهنم وبئس المصير .
المسألة الثانية) احتج القاضي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق من أهل
الصلاة ، وذلك لأن الآية دلت على أن من انهزم إلا في هاتين الحالتين استوجب غضب الله ونار
جهنم . قال وليس للمرجئة ان يحملوا هذه الآية على الكفاردون أهل الصلاة ، كصنعهم في
سائر آيات الوعيد ، لأن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة .
واعلم أن هذه المسألة قد ذكرناها على الاستقصاء في سورة البقرة ، وذكرنا ان الاستدلال
بهذه الظواهر لا يفيد إلا الظن ، وقد ذكرنا أيضا أنها معارضة بعمومات الوعد ، وذكرنا ان
الترجيح بجانب عمومات الوعد من الوجوه الكثيرة ، فلا فائدة في الاعادة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلف المفسرون في أن هذا الحكم هل هو مختص بيوم بدر أو هو

١٤٣
قوله تعالى ((فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم» الآية الانفال
فَلَمْ تَقْتُوهُمْ وَلَمْكِنَّ اللَّهَ قَلَّهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَمْكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيْلِيَ
الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءٌ حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
حاصل على الاطلاق ، فنقل عن أبي سعيد الخدرى والحسن وقتادة والضحاك : أن هذا
الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر . قالوا : والسبب في اختصاص يوم بدر بهذا الحكم
أمور . أحدها : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضرا یوم بدر ومع حضوره لا يعد
غيره فيه ، أما لأجل انه لا يساوى به سائر الفئات ، بل هو أشرف وأعلى من الكل ، وأما لأجل
ان الله تعالى وعده بالنصر والظفر فلم يكن لهم التحيز الى فئة أخرى . وثانيها : انه تعالى شدد
الأمر على أهل بدر ، لأنه كان أول الجهاد ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه ، لزم منه الخلل
العظيم ، فلهذا وجب التشدد والمبالغة ، ولهذا السبب منع الله في ذلك اليوم من أخذ الفداء من
الأسرى .
﴿والقول الثاني﴾ أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاما في جميع الحروب ، بدليل
ان قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ) عام فیتناول جمیع السور ، أقصى ما
في الباب أنه نزل في واقعة بدر ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أن جواز التحيز الى فئة هل يحظر إذا كان العسكر عظيما أو
إنما يثبت إذا كان في العسكر خفة ؟ قال بعضهم : إذا عظم العسكر فليس لهم هذا التحيز .
وقال بعضهم : بل الكل سواء . وهذا أليق بالظاهر لأنه لم يفصل .
قوله تعالى ﴿ فلم تقتلوهم ولکن الله قتلهم وما رمیت إذ رمیت ولكن الله رمی ولییلی
المؤمنین منه بلاء حسنا ان الله سميع عليم ﴾
فيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال مجاهد: اختلفوا يوم بدر. فقال: هذا أنا قتلت . وقال: الآخر أنا
قتلت فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني ان هذه الكسرة الكبيرة لم تحصل منكم ، وإنما حصلت
بمعونة الله روى أنه لما طلعت قريش ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه قريش . قد
جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك ((اللهم اني اسألك ما وعدتني)) فنزل جبريل .
وقال خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان ، قال لعلى أعطني قبضة من التراب

١٤٤
قوله تعالى ((فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم)) الآية سورة الأنفال
من حصباء الوادى ، فرمى بها في وجوههم . وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك الا شغل
بعينه فانهزموا . قال صاحب الكشاف: والفاء في قوله ( فلم تقتلوهم ) جواب شرط محذوف
تقديره ان افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم .
ثم قال ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ يعني ان القبضة من الحصباء التي
رميتها ، فأنت ما رميتها في الحقيقة ، لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر،
ولكن الله رماها حيث نفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها الى عيونهم ، فصورة الرمية صدرت
من الرسول عليه الصلاة والسلام وأثرها إنما صدر من الله ، فلهذا المعنى صح فيه النفي
والاثبات .
﴿ المسألة الثانية) احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
وجه الاستدلال انه تعالى قال ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) ومن المعلوم اهم جرحوا ، فدل
هذا على ان حدوث تلك الأفعال إنما حصل من الله . وأيضا قوله ( وما رميت إذ رميت ). أثبت
كونه عليه السلام راميا ، ونفى عنه كونه راميا ، تفوجب حمله على أنه رماه كسبا وما رماه خلقا .
فان قيل : أما قوله ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) فيه وجوه : الأول : ان قتل الكفار
إنما تيسر بمعونة الله ونصره وتأييده ، فصحت هذه الاضافة . الثاني : ان الجرح كان اليهم ،
وإخراج الروح كان الى الله تعالى ، والتقدير : فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم .
وأما قوله ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ قال القاضي فيه أشياء: منها أن
الرمية الواحدة لا توجب وصول التراب الى عيونهم ، وكان إيصال أجزاء التراب الى عيونهم
ليس إلا بايصال الله تعالى ، ومنها ان التراب الذى رماه كان قليلا ، فيمتنع وصول ذلك القدر
الى عيون الكل ، فدل هذا على أنه تعالى ضم اليها أشياء أخرى من أجزاء التراب وأوصلها
الى عيونهم ، ومنها أن عند رميته القى الله تعالى الرعب في قلوبهم ، فكان المراد من قوله
( ولكن الله رمى ) هو أنه تعالى رمى قلوبهم بذلك الرعب .
والجواب : ان كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر ، والأصل في الكلام الحقيقة .
فان قالوا : الدلائل العقلية تمنع من القول بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى . فنقول :
هيهات فان الدلائل العقلية في جانبنا والبراهين النقلية قائمة على صحة قولنا ، فلا يمكنكم أن
تعدلوا عن الظاهر الى المجاز . والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة) قرىء (ولكن الله قتلهم ولكن الله رمى) بتخفيف . ولكن ورفع ما بعده

١٤٥
قوله تعالى ((ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين)) الآية سورة الأنفال
ذَالِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُومِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ ﴾ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُرُ الْفَتْحُ
المسألة الرابعة ﴾ في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال : الأول: وهو قول أكثر
المفسرين انها نزلت في يوم بدر . والمراد أنه عليه السلام أخذ قبضة من الحضباء ، ورمى لها
وجوه القوم وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا ودخل في عينيه ومنخريه منها شيء ،
فكانت تلك الرمية سببا للهزيمة، وفيه نزلت هذه الآية: والثاني: أنها نزلت يوم خيبر روى انه
عليه الصلاة والسلام اخذ قوساً وهو على باب خيبر فرمى سهماً. فأقبل السهم حتى قتل ابن ابي
الحقيق ، وهو على فرسه، فنزلت (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) والثالث: أنها نزلت في
يوم أحد في قتل ابي بن خلف، وذلك أنه اتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم. وقال پا
محمد من يحيى هذا وهو رميم؟ فقال عليه السلام يحييه الله ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار
فأسر يوم بدر، فلما افتدى. قال لرسول الله إن عندى فرسا أعتلفها كل يوم فرقا من ذرة، کي
أقتلك عليها. فقال صلى الله عليه وسلم ((بل أنا أقتلك إن شاء الله)) فلما كان يوم أحد أقبل
أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من الرسول عليه الصلاة والسلام فاعترض له رجال
المسلمين ليقتلوه . فقال عليه السلام ((استأخروا)) ورماه بحربة فكسر ضلعا من أضلاعه،
فحمل فمات ببعض الطريق ففي ذلك نزلت الآية والأصح أن هذه الآية نزلت في يوم بدر، وإلا
لدخل في أثناء القصة كلام أجنبي عنها، وذلك لا يليق بلا لا يبعد ان يدخل تحته سائر الوقائع،
لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
أما قوله تعالى ﴿وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا ﴾ فهذا معطوف على قوله ( ولكن الله
رمى) والمراد من هذا البلاء الانعام ، أى بنعم عليهم نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر
والثواب ، قال القاضي : ولولا ان المفسرين اتفقوا على حمل الابتلاء ههنا على النعمة ، وإلا
لكان يحتمل المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد . حتى يقال : إن الذى فعله تعالى يوم بدر ،
كان السبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات .
ثم إنه تعالى ختم هذا بقوله ﴿ إن الله سميع عليم ﴾ أى سميع لكلامهم عليم بأحوال
قلوبهم ، وهذا يجرى مجرى التحذير الترهيب ، لئلا يغتر العبد بظواهر الأمور ، ويعلم ان
الخالق تعالى مطلع على كل ما في الضمائر والقلوب .
/ قوله تعالى ﴿ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن
الفخر الرازي ج١٥ م١٠

١٤٦
قوله تعالى ((وان تنتهوا فهو خير لكم)) الآية سورة الأنفال
وَإِن تَهُوْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ فِتَفُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ
وَأَنَّ الَهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (
تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع
المؤمنين ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( موهن) بتشديد الهاء من التوهين
( كيد ) بالنصب ، وقرأ حفص عن عاصم ( موهن كيد ) بالاضافة ، والباقون ( موهن )
بالتخفيف ( كيد ) بالنصب . ومثله قوله ( كاشفات ضره ) بالتنوين وبالاضافة .
المسألة الثانية ﴾ الكلام في ذلك ومحله من الاعراب كما في قوله ( ذلكم فذوقوه )
﴿ المسألة الثالثة﴾ توهين الله تعالى كيدهم ، يكون بأشياء باطلاع المؤمنين على
عوراتهم ، وإلقاء الرعب في قلوبهم ، وتفريق كلمتهم ، ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف
عزائمهم . قال ابن عباس ينىء رسول الله ويقول : إني قد أوهنت كيد عدوك حتى قتلت
خيارهم وأسرت أشرافهم
/ أما قوله تعالى ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ فيه قولان :
: القول الأول ﴾ وهو قول الحسن ومجاهد والسدى أنه خطاب للكفار ، روى أن أبا
جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر. وروى أنه قال : اللهم أينا
كان أقطع للرحم وأفجر ، فأهلكه الغداة ، وقال السدى ؛ إن المشركين لما أرادوا الخروج الى
بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين
وأفضل الدينين ، فأنزل الله هذه الآية : والمعنى : إن تستفتحوا أى تستنصروا لأهدى الفئتين
وأكرم الحزبين ، فقد جاءكم النصر. وقال آخرون : إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء .
﴿ والقول الثاني﴾ أنه خطاب للمؤمنين، روى انه عليه السلام لما رأى المشركين وكثرة
عددهم استغاث بالله ، وكذلك الصحابة وطلب ما وعده الله به من إحدى الطائفتين وتضرع
الى الله فقال ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) والمراد أنه طلب النصرة التي تقدم بها الوعد ،
فقد جاءكم الفتح ، أى حصل ما وعدتم به فاشكروا الله والزموا طاعته . قال القاضي : وهذا

++"
١٤٧
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله)) الآية سورة الأنفال
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (
القول أولى لأن قوله ( فقد جاءكم الفتح ) لا يليق إلا بالمؤمنين ، أما لو حملنا الفتح على البيان
والحكم والقضاء ، لم يمتنع أن يراد به الكفار .
أما قوله ﴿وإن تنتهوا فهو خير لكم ﴾ فتفسير هذه الآية : يتفرع على ما ذكرنا من أن
قوله ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) خطاب للكفار أو للمؤمنين .
فان قلنا : إن ذلك خطاب للكفار ، كان تأويل هذه الآية ان تنتهوا عن قتال الرسول
وعداوته وتكذيبه فهو خيرلكم ، أما في الدين فبالخلاص من العقاب والفوز بالثواب . وأما في
الدنيا فبالخلاص من القتل والأسر والنهب .
ثم قال ﴿ وإن تعودوا ﴾ أى الى القتال (نعد) أى نسلطهم عليكم ، فقد شاهدتم
ذلك يوم بدر وعرفتم تأثير نصرة الله للمؤمنين عليكم ( ولن تغنى عنك فتتكم ) أى كثرة
الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر . وأما إن قلنا إن ذلك خطاب للمؤمنين كان تأويل هذه الآية
وإن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسرى فقد كان وقع منهم
نزاع يوم بدر في هذه الأشياء حتى عاتبهم الله بقوله ( لولا كتاب من الله سبق ) فقال تعالى ( إن
تنتهوا) عن مثله ( فهو خير لكم وإن تعودوا) الى تلك المنازعات ( نعد ) الى ترك نصرتكم لأن
الوعد بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة وترك المخالفة ، ثم لا تنفعكم الفئة
والكثرة ، فإن الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب .
واعلم أن أكثر المفسرين حملوا قوله ( إن تستفتحوا ) على أنه خطاب للكفار ، واحتجوا
بقوله تعالى ( وإن تعودوا نعد ) فظنوا أن ذلك لا يليق إلا بالقتال . وقد بينا أن ذلك يحتمل
الحمل على ما ذكرناه من أحوال المؤمنين ، فسقط هذا الترجيح .
وأما قوله ﴿ وأن الله مع المؤمنين ﴾ فقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ( وأن
الله) بفتح الألف في أن والباقون بكسرها . أما الفتح فقيل : على تقدير ، ولأن الله مع
المؤمنين ، وقيل هو معطوف على قوله ( إن الله موهن كيد الكافرين ) وأما الكسر فعلى الابتداء .
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون.

١٤٨
قوله تعالى ((ولو علم الله فيهم خيراً لاسمعهم)) الآية سورة الأنفال
وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٣) إِنَّ شَرَّ الَّوَآبِ عِندَ اللَّهِ
الُّ الْبُكُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٨) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ هِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمَّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ
لَتَوَلَّا وَّهُم مُعْرِضُونَ (#)
ولا تكونوا كالذين قالواسمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا
يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ﴾
اعلم أنه تعالى لما خاطب المؤمنين بقوله ( إن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوانعد ولن تغنى
عنكم فئتكم شيئا) أتبعه بتأديبهم فقال ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه
وأنتم تسمعون ) ولم يبين أنهم ماذا يسمعون إلا أن الكلام من أول السورة الى هنا لما كان
واقعا في الجهاد على أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه الى الجهاد ، ثم إن الجهاد اشتمل على
أمرين : أحدهما : المخاطرة بالنفس . والثاني : الفوز بالأموال ، ولما كانت المخاطرة بالنفس
شاقة شديدة على كل أحد ، وكان ترك المال بعد القدرة على أخذه شاقا شديدا ، لا جرم بالغ
الله تعالى في التأديب في هذا الباب فقال ( أطيعوا الله ورسوله ) في الاجابة الى الجهاد ، وفي
الاجابة الى ترك المال إذا أمره الله بتركه والمقصود تقرير ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى ( قل
الأنفال الله والرسول )
فان قيل : فلم قال ولا تولوا عنه فجعل الكتابة واحدة مع انه تقدم ذكر الله ورسوله .
قوله تعالى ((ولو علم الله فيهم خيراً لاسمعهم)) الآية
قلنا : إنه تعالى أمر بطاعة الله وبطاعة رسوله . ثم قال ( ولا تولوا ) لأن التولي انما يصح
في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد .
ثم قال مؤكدا لذلك ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ والمعنى: ان
الانسان لا يمكنه ان يقبل التكليف وأن يلتزمه الا بعد ان يسمعه ، فجعل السماع كناية عن
القبول . ومنه قولهم سمع الله لمن حمده ، والمعنى : ولا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم انا
قبلنا تكاليف الله تعالى ، ثم إنهم بقلوبهم لا يقبلونها . وهو صفة للمنافقين كما أخبر الله عنهم
بقوله ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا الى شياطينهم قالوا إنا معكم )
ثم قال تعالى ﴿ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ﴾ واختلفوا في

١٤٩
قوله تعالى ((ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم)) الآية سورة الأنفال
الدواب . فقيل : شبههم بالدواب لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بما يقولون ويقال لهم .
ولذلك وصفهم بالصم والبكم وبأنهم لا يعقلون . وقيل : بل هم من الدواب لأنه اسم لما دب
على الأرض ولم يذكره في معرض التشبيه ، بل وصفهم بصفة تليق بهم على طريقة الذم ، كما
يقال لمن لا يفهم الكلام ، هو شبح وجسد وطلل على جهة الذم .
ثم قال ﴿ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ﴾ والمعنى
أن كل ما كان حاصلا فانه يجب ان يعلمه الله فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه ، فلا جرم
حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده . وتقرير الكلام لو حصل فيهم خير ،
لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهيم ، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم
لم ينتفعوا بها ، ولتولوا وهم معرضون . قيل : إن الكفار سألوا الرسول عليه السلام أن يحيى
لهم قصى بن كلاب وغيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوته ، فبين تعالى أنه لو علم فيهم
خيرا ، وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ، ولكنه تعالى علم
منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت ، وأنه لو أسمعهم الله كلامهم
لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه . وفي هذه الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى حكم عليهم بالتولي عن الدلائل وبالاعراض عن الحق
وأنهم لا يقبلونه البتة ، ولا ينتفعون به البتة . فنقول : وجب ان يكون صدور الايمان منهم
محالا ، لأنه لو صدر الايمان ، لكان إما أن يوجد ذلك الايمان مع بقاء هذا الخبر صدقا أو مع
انقلابه كذبا والأول محال ، لأن وجود الايمان مع الاخبار بعدم الايمان جمع بين النقيضين وهو
محال . والثاني محال ، لأن انقلاب خبر الله الصدق كذبا محال . لاسيما في الزمان الماضي
المنقضي ، وهكذا القول في انقلاب علم الله جهلا ، وتقريره سبق مرارا .
المسألة الثانية ﴾ النحويون يقولون: كلمة (لو) وضعت للدلالة على انتفاء الشيء
لأجل انتفاء غيره ، فاذا قلت : لو جئتني لأكرمتك ، أفاد أنه ما حصل المجيء ، وما حصل
الاكرام . ومن الفقهاء من قال : إنه لا يفيد إلا الاستلزام ، فأما الانتفاء لأجل انتفاء الغير ،
فلا يفيده هذا اللفظ والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية فهي هذه الآية : وتقريره : ان كلمة
( لو) لو أفادت ما ذكروه لكان قوله ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) يقتضي أنه تعالى ما
علم فيهم خيرا وما أسمعهم . ثم قال ( ولو أسمعهم لتولوا ) فيكون معناه : أنه ما أسمعهم
وأنهم ما تولوا لكن عدم التولي خير من الخيرات ، فأول الكلام يقتضي نفي الخبر ، وآخره
يقتضي حصول الخير، وذلك متناقض ، فثبت ان القول بأن كلمة ( لو ) تفيد انتفاء الشيء
لانتفاء غيره يوجب هذا التناقض ، فوجب ان لا يصار اليه . وأما الخبر فقوله عليه السلام
(( نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه)) فلو كانت لفظة ( لو) تفيد ما ذكروه لصار

١٥٠
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول)) الآية سورة الأنفال
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُوْ أَسْتَجِبُوْلِلَّهِ وَلِلَّسُولِ إِذَا دَعَ كُمْلِمَا يُحْبِكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
٤٠=١
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنّهَ، إِلَيْهِ تَحْشَرُونَ
٠
المعنى أنه خاف الله وعصاه ، وذلك متناقض . فثبت أن كلمة ( لو ) لا تفيد انتفاء الشيء
لانتفاء غيره ، وإنما تفيد مجرد الاستلزام .
واعلم أن هذا الدليل أحسن إلا أنه على خلاف قول جمهور الأدباء .
﴿المسألة الثالثة﴾ أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام: أحدها: جملة الموجودات.
والثاني: جملة المعدومات. والثالث: أن كل واحد من الموجودات لو كان معدوما فكيف يكون
حاله . الرابع : أن كل واحد من المعدومات لو كان موجودا كيف يكون حاله . والقسمان
الأولان علم بالواقع . والقسمان الثانيان علم بالمقدر الذى هو غير واقع ، فقوله ( ولو علم الله
فيهم خيرا لأسمعهم ) من القسم الثاني وهو العلم بالمقدرات ، وليس من أقسام العلم
بالواقعات ونظيره قوله تعالى حكاية عن المنافقين ( لئن أخرجتم لنخرجن معكم وان قوتلتم
لننصرنكم ) وقال تعالى ( لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم
لیولن الأدبار ) فعلم تعالى في المعدوم أنه لو كان موجودا کیفیکون حاله ، وأيضا قوله ( ولو
ردوا لعادوا لما نهوا عنه) فأخبر عن المعدوم أنه لو كان موجودا كيف يكون حاله .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن
الله يحول بين المرء وقلبه وأنه اليه تحشرون ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال أبو عبيدة والزجاج (استجيبوا) معناه أجيبوا وأنشد قول
الشاعر :
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
المسألة الثانية ﴾ أكثر الفقهاء على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وتمسكوا بهذه الآية على
صحة قولهم من وجهين :
﴿ الوجه الأول﴾ أن كل من أمره الله بفعل فقد دعاه الى ذلك الفعل وهذه الآية تدل

١٥١
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول)) الآية سورة الأنفال
على أنه لا بد من الاجابة في كل ما دعاه الله اليه .
فان قيل : قوله ( استجيبوا لله ) أمر . فلم قلتم : إنه يدل على الوجوب ؟ وهل النزاع
إلا فيه؟ فيرجع حاصل هذا الكلام الى إثبات أن الأمر للوجوب بناء على أن هذا الأمر يفيد
الوجوب ، وهو يقتضي إثبات الشيء بنفسه وهو محال .
والجواب : أن من المعلوم بالضرورة ان كل ما أمر الله به فهو مرغب فيه مندوب اليه ،
فلو حملنا قوله ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) على هذا المعنى كان هذا جاريا مجرى إيضاح
الواضحات وأنه عبث ، فوجب حمله على فائدة زائدة ، وهي الوجوب صونا لهذا النص عن
التعطيل ، ويتأكد هذا بأن قوله تعالى بعد ذلك ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه اليه
تحشرون ) جار مجرى التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق إلا بالايجاب .
﴿ الوجه الثاني ﴾ في الاستدلال بهذه الآية على ثبوت هذا المطلوب ما روى أبو هريرة
رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصلاة
فجعل في صلاته ثم جاء فقال (( ما منعك عن إجابتي)) قال كنت أصلي قال ((ألم تخبر فيما أوحى
الى استجيبوا لله وللرسول)» فقال لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك ، والاستدلال به أن النبي صلى
الله عليه وسلم لما دعاه فلم يجبه لامه على ترك الاجابة ، وتمسك في تقرير ذلك اللوم بهذه الآية
فلولا دلالة هذه الآية على الوجوب ، وإلا لما صح ذلك الاستدلال ، وقول من يقول مسألة أن
الأمر يفيد الوجوب ، مسألة قطيعة ، فلا يجوز ، التمسك فيها بخبر الواحد ضعيف، لأنا لا
نسلم أن مسألة الأمر يفيد الوجوب مسألة قطيعة ، بل هي عندنا مسألة ظنية ، لأن المقصود
منها العمل ، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية .
فان قالوا : إنه تعالى ما أمر بالاجابة على الاطلاق بل بشرط خاص وهو قوله ( إذا دعاكم
لما يحييكم ) فلم قلتم إن هذا الشرط حاصل في جميع الأوامر؟
قلنا : قصة أبي بن كعب تدل على ان هذا الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين ،
وأيضا فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال ، فوجب حمله على شيء
آخر وهو الفوز بالثواب ، وكل ما دعا الله اليه ورغب فيه فهو مشتمل على ثواب ، فكان هذا
الحكم عاما في جميع الأوامر وذلك يفيد المطلوب .
﴿ المسألة الثالثة) ذكروا في قوله (إذا دعاكم لما يحييكم) وجوها : الأول : قال
السدى : هو الايمان والاسلام وفيه الحياة لأن الايمان حياة القلب والكفر موته ، يدل عليه قوله

١٥٢
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول)» الآية سورة الأنفال
تعالى ( يخرج الحي من الميت ) قيل المؤمن من الكافر . الثاني : قال قتادة : يعني القرآن أى
أجيبوه الى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة ، وإنما سمى القرآن بالحياة لأن القرآن
سبب العلم . والعلم حياة ، فجاز ان يسمى سبب الحياة بالحياة . الثالث : قال الأكثرون ( لما
يحييكم ) هو الجهاد ، ثم في سبب تسمية الجهاد بالحياة وجوه . أحدها : هو أن وهن أحد
العدوين حياة للعدو الثاني . فأمر المسلمين إنما يقوى ويعظم بسبب الجهاد مع الكفار .
وثانيها : أن الجهاد سبب لحصول الشهادة وهي توجب الحياة الدائمة قال تعالى ( ولا تحسبن
الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) وثالثها : أن الجهاد قد يفضي الى
القتل ، والقتل يوصل إلى الدار الآخرة ، والدار الآخرة معدن الحياة ، قال تعالى ( وإن الدار
الآخرة لهي الحيوان ) أى الحياة الدائمة .
﴿ القول الرابع﴾ (لما يحييكم) أى لكل حق وصواب، وعلى هذا التقدير فيدخل فيه
القرآن والايمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة ، والمراد من قوله ( لما يحييكم ) الحياة الطيبة
الدائمة قال تعالى ( فلنحيينه حياة طيبة )
﴿ المسألة الرابعة ) قوله تعالى (واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه) يختلف تفسيره
بحسب اختلاف الناس في الجبر والقدر . أما القائلون بالجبر ، فقال الواحدی حكاية عن ابن
عباس والضحاك : يحول بين المرء الكافر وطاعته ، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته ، فالسعيد
من أسعده الله ، والشقي من أضله الله . والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ، فاذا أراد الكافر
ان يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه يحول بينه وبين قلبه . وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد
كفره حال بينه وبين قلبه . قلت : وقد دللنا بالبراهين العقلية على صحة أن الأمر كذلك وذلك
لأن الأحوال القلبية إما العقائد وإما الارادات والدواعي . أما العقائد : فهي إما العلم ، وإما
الجهل . أما العلم فيمتنع أن يقصد الفاعل الى تحصيله إلا إذا علم كونه علما ولا يعلم ذلك إلا
إذا علم كون ذلك الاعتقاد مطابقا للمعلوم ولا يعلم ذلك الا اذا سبق علمه بالمعلوم وذلك
يوجب توقف الشيء على نفسه وأما الجهل فالانسان البتة لا يختاره ولا يريده إلا إذا ظن أن ذلك
الاعتقاد علم ، ولا يحصل له هذا الظن إلا بسبق جهل آخر ، وذلك أيضا يوجب توقف الشيء
على نفسه ، وأما الدواعي والارادات فحصولها إن لم يكن بفاعل بلزم الحدوث لا عن محدث ،
وإن كان بفاعل فذلك الفاعل إما العبد وإما الله تعالى ، والأول باطل ، وإلا لزم توقف ذلك
القصد على قصد آخر وهو محال ، فتعين أن يكون فاعل الاعتقادات والارادات والدواعي هو
الله تعالى ، فنص القرآن دل على أن أحوال القلوب من الله ، والدلائل العقلية دلت على
ذلك ، فثبت ان الحق ما ذكرناه . أما القائلون بالقدر فقالوا : لا يجوز ان يكون المراد من هذه

١٥٣
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول)) الآية سورة الأنفال
الآية ما ذکرتم ، وبيانه من وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ قال الجبائي: إن من حال الله بينه وبين الايمان فهو عاجز، وأمر
العاجز سفه ، ولو جاز ذلك لجاز ان يأمرنا الله بصعود السماء ، وقد أجمعوا على ان الزمن لا يؤمر
بالصلاة قائما ، فكيف يجوز ذلك على الله تعالى؟ وقد قال تعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا
وسعها) وقال في المظاهر ( فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ) فأسقط فرض الصوم عمن لا
يستطيعه .
﴿ الوجه الثاني﴾ أن الله تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول . وذكر هذا الكلام في
معرض الذكر والتحذير عن ترك الاجابة ، ولو كان المراد ما ذكرتم لكان ذلك عذرا قويا في ترك
الاجابة ، ولا يكون زجرا عن ترك الاجابة .
الوجه الثالث ﴾ أنه تعالى أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار ، لا ليكون
حجة للكفار على الرسول ، ولو كان المعنى ما ذكرتم لصارت هذه الآية من أقوى الدلائل
للكفار على الرسول ولقالوا إنه تعالی لما منعنا من الايمان فکیفیأمرنا به ؟ فثبت بهذه الوجوه أنه
لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر ، قالوا ونحن نذكر في الآية وجوها : الأول : ان الله
تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت ، يعني بذلك أن تبادروا في الاستجابة فيما
ألزمتكم من الجهاد وغيره قبل ان يأتيكم الموت الذى لا بد منه ويحول بينكم وبين الطاعة
والتوبة . قال القاضي : ولذلك قال تعالى عقيبه ما يدل عليه وهو قوله ( وأنه اليه تحشرون )
والمقصود من هذه الآية الحث على الطاعة قبل نزول الموت الذى يمنع منها . الثاني : ان المراد
أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه ، فان الأجل يحول دون الأمل ، فكأنه قال
((بادروا الى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء ، فان
ذلك غير موثوق به ، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأماني الحاصلة في القلب لأن تسمية
الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم، سال الوادي: الثالث: أن المؤمنين كانوا خائفين من القتال
يوم بدر، فكأنه قيل لهم سارعوا الى الطاعة ولا تتمنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من
الضعف والجبن، فان الله تعالى يغير تلك الأحوال فيبدل الضعف بالقوة، والجبن بالشجاعة لأنه
تعالى مقلب القولب. الرابع: قال مجاهد: المراد من القلب ههنا العقل فكان المعنى انه يحول
بين المرء وقلبه. والمعنى فبادروا الى الأعمال وأنتم تعقلون، فانكم لا تأمنون زوال العقول التي
عند ارتفاعها يبطل التكليف. وجعل القلب كناية عن العقل جائز، كما قال تعالى (إن في ذلك
لذكرى لمن كان له قلب) أي لمن كان له عقل، الخامس: قال الحسن معناه: ان الله حائل بين
المرء وقلبه، والمعنى ان قربه تعالى من عبده أشد من قرب قلب العبد منه، والمقصود منه التنبيه

١٥٤ قوله تعالى ((واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)) الآية سورة الأنفال
وَأَتَّقُواْ فِتْنَهُ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةٌ وَأَعْلُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اُلْعِقَابِ
٢٥
على انه تعالى لا يخفي عليه شيء مما في باطن العبد ومما في ضميره . ونظيره قوله تعالى (ونحن
أقرب اليه من حبل الوريد) فهذه جملة الوجوه المذكورة في هذا الباب لأصحاب الجبر والقدر .
ثم قال تعالى ﴿وانه اليه تحشرون﴾ أى واعلموا أنكم اليه تحشرون أي إلى الله ولا تتركون
مهملين معطلين ، وفيه ترغيب شديد في العمل وتحذير عن الكسل والغفلة .
قوله تعالى ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا ان الله شديد
العقاب ﴾
اعلم انه تعالى كما حذر الانسان أن يحال بينه وبين قلبه ، فكذلك حذره من الفتن ،
والمعنى : واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالمين خاصة بل تتعدى اليكم جميعا
وتصل الى الصالح والطالح . عن الحسن : نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل
خاصة . قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زمانا وما ظننا أنا أهلها فاذا نحن المعنيون بها ، وعن
السدى : نزلت في أهل بدر اقتتلوا يوم الجمل ، وروى ان الزبير كان يسامر النبي صلى الله
عليه وسلم يوما إذ أقبل علي رضى الله عنه، فضحك اليه الزبير فقال رسول الله ((كيف حبك
لعلي ، يا رسول الله أحبه كحبي لولدى أو أشد فقال ((كيف أنت إذا سرت اليه تقاتله))
فان قيل : كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر ؟
قلنا : فيه وجهان : الأول : أن جواب الأمر جاء بلفظ النهي ، ومتى كان كذلك حسن
إدخال النون المؤكدة في ذلك النهي ، كقولك انزل عن الدابة لا تطرحك ، وکقوله تعالى ( یا
أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ) الثاني : ان التقدير : واتقوا فتنة
تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، إلا أنه جيء بصيغة النهي مبالغة في نفي اختصاص الفتنة
بالظالمين كأن الفتنة تهيّت عن ذلك الاختصاص . وقيل لها لا تصيبي الذين ظلموا خاصة ،
والمراد منه : المبالغة في عدم الاختصاص على سبيل الاستعارة .
ثم قال تعالى ﴿واعلموا ان الله شديد العقاب ﴾ والمراد منه: الحث على لزوم الاستقامة
خوفا من عقاب الله .

١٥٥
. قوله تعالى ((واذكروا إذ انتم قليل)) الآية سورة الأنفال
وَاذْكُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَخَطّفَتُ النَّاسُ فَوَلَكُمْ
وَأَيََّ كُم بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (
فان قيل : حاصل الكلام في الآية انه تعالى يخوفهم من عذاب لو نزل لعم المذنب
وغيره ، وكيف يليق برحمة الرحيم الحكيم ان يوصل الفتنة والعذاب الى من لم يذنب ؟
قلنا : إنه تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداء ، إما لأنه يحسن منه
تعالى ذلك بحكم المالكية ، أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاح على
اختلاف المذهبين ، وإذا جاز ذلك لأحد هذين الوجهين فكذا ههنا . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فيالأرض تخافون ان یتخطفكم الناس فآواكم
وأيديكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ﴾
اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول ، ثم أمرهم باتقاء المعصية ، أكد ذلك
التكليف بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أنهم كانوا قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم في
غاية القلة والذلة ، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة، وذلك يوجب عليهم الطاعة
وترك المخالفة . أما بيان الأحوال التي كانوا عليها قبل ظهور محمد فمن وجوه : أولها : أنهم
كانوا قليلين في العدد . وثانيها : انهم كانوا مستضعفين ، والمراد ان غيرهم يستضعفهم ،
والمراد من هذا الاستضعاف أنه كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس . والمعنى : أنهم كانوا إذا
خرجوا من بلدهم خافوا ان يتخطفهم العرب ، لأنهم كانوا يخافون من مشركي العرب لقربهم
منهم وشدة عداوتهم لهم ، ثم بين تعالى انهم بعد ان كانوا كذلك قلبت تلك الأحوال
بالسعادات والخيرات ، فأولها : أنه آواهم والمراد منه انه تعالى نقلهم الى المدينة ، فصاروا
آمنين من شر الكفار . وثانيها : قوله ( وأيدكم بنصره ) والمراد منه وجود النصر في يوم بدر .
وثالثها : قوله ( ورزقكم من الطيبات ) وهو أنه تعالى أحل لهم الغنائم بعد ان كانت محرمة على
من كان قبل هذه الأمة .
ثم قال ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أى نقلناكم من الشدة الى الرخاء ، ومن البلاء الى النعماء
والآلاء ، حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة ، فكيف يليق بكم ان تشتغلوا بالمنازعة والمخاصمة
بسبب الأنفال ؟

١٥٦
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول)) الآية سورة الأنفال
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَّخُونُواْ أَمَدَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٠٩٠٤
١٠٠-٤-
وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّمَا أُمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ ◌ّه
٣٧
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون
واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر انه رزقهم من الطيبات فههنا منعهم من الخيانة ، وفي الآية
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في المراد بتلك الخيانة على أقوال: الأول: قال ابن
عباس : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قريظة لما
حاصرهم ، وكان أهله وولده فيهم . فقالوا يا أبا لبابة ما ترى لنا أننزل على حكم سعد بن
معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة الى حلقه ، أى انه الذبح فلا تفعلوا فكان ذلك منه خيانة لله
ورسوله . الثاني : قال السدى : كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم ،
فيشقونه ويلقونه الى المشركين ، فنهاهم الله عن ذلك . الثالث : قال ابن زيد : نهاهم الله أن
يخونوا كما صنع المنافقون ، يظهرون الايمان ويسرون الكفر . الرابع : عن جابر بن عبد الله:
أن أبا سفيان خرج من مكه ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم خروجه وعزم على الذهاب
اليه ، فكتب إليه رجل من المنافقين ان محمدا يريدكم فخذوا حذركم ، فأنزل الله هذه الآية .
الخامس : قال الزهرى والكلبي : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب الى أهل مكة لما هم
النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج اليها ، حكاه الأصم . والسادس : قال القاضي : الأقرب
ان خيانة الله غير خيانة رسوله، وخيانة الرسول غير خيانة الأمانة، لأن العطف يقتضي المغايرة.
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم ، وجعل ذلك خيانة له ،
لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمها ، فمن خانها فقد خان الرسول ، وهذه
الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدى الغانمين والزمهم ان لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئا
فصارت وديعة ، والوديعة أمانة في يد المودع ، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس ، إذ
الخيانة ضد الأمانة ، قال : ويحتمل ان يريد بالأمانة كل ما تعبد به ، وعلى هذا التقدير :

١٥٧
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله)) الآية سورة الأنفال
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ إِن تَتَّقُواْلَه يَجْعَل لَّكُرْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِئَاتِّكُم وَ يَغْفِرْ
لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
فيدخل فيه الغنيمة وغيرها ، فكان معنى الآية : إيجاب أداء التكاليف بأسرها على سبيل التمام
والكمال من غير نقص ولا إخلال . وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية ، فهي داخلة
فيها ، لكن لا يجب قصر الآية عليها ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
﴿ المسألة الثانية) قال صاحب الكشاف: معنى الخون النقص . كما أن معنى الوفاء
التمام . ومنه تخونه إذا انتقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء . لأنك إذا خنت الرجل في
شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه .
﴿ المسألة الثالثة) في قوله ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ وجوه: الأول: التقدير (ولا تخونوا
أماناتكم ) والدليل عليه ما روى في حرف عبد الله ( ولا تخونوا أماناتكم ) الثاني : التقدير:
لا تخونوا الله والرسول . فانكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم ، والعرب قد تذکر الجواب
تارة بالفاء ، وأخرى بالواو ، ومنهم من أنكر ذلك .
وأما قوله تعالى ﴿وانتم تعلمون ﴾ فيه وجوه: الأول: وأنتم تعلمون أنكم تخونون
يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو . الثاني : وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح ،
وحسن الحسن ، ثم إنه لما كان الداعي الى الاقدام على الخيانة هو حب الأموال والاولاد . نبه
تعالى على أنه يجب على العاقل ان يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب . فقال ( إنما
أموالكم وأولادكم فتنة ) لأنها تشغل القلب بالدنيا ، وتصير حجابا عن خدمة المولى .
ثم قال ﴿وأن الله عنده أجر عظيم ﴾ تنبيها على أن سعادات الآخرة خير من سعادات
الدنيا لأنها أعظم في الشرف، وأعظم في الفوز ، وأعظم في المدة ، لأنها تبقى بقاء لا نهاية له ،
فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذى عنده بالعظم . ویکن أن يتمسك بهذه الآية في بیان ان
الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند
الله ، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد ويوجب الحاجة الى المال ، وذلك فتنة ، ومعلوم أن ما
أفضى الى الأجر العظيم عند الله ، فالاشتغال به خير مما أفضى الى الفتنة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم
ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ﴾

١٥٨
قوله تعالى ((يا أيها اللذين آمنوا ان تتقوا الله)) الآية سورة الأنفال
واعلم انه تعالى لما حذر عن الفتنة بالأموال والأولاد ، رغب في التقوى التي توجب ترك الميل
والهوى في محبة الأموال والأولاد . وفي الآية مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ لقائل أن يقول: إدخال الشرط في الحكم إنما يحسن في حق من كان
جاهلا بعواقب الأمور . وذلك لا يليق بالله تعالى .
والجواب : أن قولنا إن كان كذا كان كذا ، لا يفيد إلا كون الشرط مستلزما للجزاء ،
فأما أن وقوع الشرط مشكوك فيه او معلوم فذلك غير مستفاد من هذا اللفظ ، سلمنا أنه يفيد
هذا الشك إلا أنه تعالى يعامل العباد في الجزاء معاملة الشاك ، وعليه يخرج قوله تعالى
( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين )
﴿ المسألة الثانية ) هذه القضية الشرطية شرطها شيء واحد وهو تقوى الله تعالى، وذلك
يتناول اتقاء الله في جميع الكبائر . وإنما خصصنا هذا بالكبائر لأنه تعالى ذكر في الجزاء تكفير
السيئات ، والجزاء يجب أن يكون مغايرا للشرط ، فحملنا التقوى على تقوى الكبائر وحملنا
السيئات على الصغائر ليظهر الفرق بين الشرط والجزاء ، وأما الجزاء المرتب على هذا الشرط
فأمور ثلاثة : الأول : قوله ( يجعل لكم فرقانا ) والمعنى انه تعالى يفرق بينكم وبين الكفار .
ولما كان اللفظ مطلقا وجب حمله على جميع الفروق الحاصلة بين المؤمنين وبين الكفار فنقول :
هذا الفرقان إما ان يعتبر في أحوال الدنيا أو في أحوال الآخرة أما في أحوال الدنيا فاما أن
يعتبر في أحوال القلوب وهي الاحوال الباطنة او في الاحوال الظاهرة ، أما في أحوال القلوب
فأمور. أحدها : أنه تعالى يخص المؤمنين بالهداية والمعرفة . وثانيها : أنه يخص قلوبهم
وصدورهم بالانشراح كما قال ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) وثالثها
أنه يزيل الغل والحقد والحسد عن قلوبهم ويزيل المكر والخداع عن صدورهم ، مع ان المنافق
والكافر يكون قلبه مملوءا من هذه الأحوال الخسيسة والأخلاق الذميمة ، والسبب في حصول
هذه الأمور ان القلب إذا صار مشرقا بطاعة الله تعالى زالت عنه كل هذه الظلمات لأن معرفة الله
نور ، وهذه الأخلاق ظلمات ، وإذا ظهر النور فلا بد من زوال الظلمة ، وأما في الأحوال
الظاهرة ، فان الله تعالى يخص المسلمين بالعلو والفتح والنصر والظفر ، كما قال (ولله العزة
ولرسوله وللمؤمنين ) وكما قال ( ليظهره على الدين كله) وأمر الفاسق والكافر بالعكس من
ذلك . وأما في أحوال الآخرة ، فالثواب والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة وكل هذه
الأحوال داخلة في الفرقان .
﴿والنوع الثاني﴾ من الأجزية على التقوى قوله (ويكفر عنكم سيئاتكم) فنقول: إن

قوله تعالى ((وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك)) الآية سورة الأنفال ١٥٩
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لِيُشِْتُوكَ أَوْ يَقْتُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُ الهُ
وَاللّهُ خَيْرُ الْمَشْكِرِينَ
حملنا قوله ( إن تتقوا الله ) على الاتقاء من الكفر ، كان المراد بقوله ( ويكفر عنكم سيئاتكم )
جميع السيئات التي وجدت قبل الكفر ، وإن حملناه على الاتقاء عن الكبائر ، كان المراد من هذا
تكفير الصغائر .
﴿ والنوع الثالث ) قوله ( ويغفر لكم ) واعلم ان المراد من تكفير السيئات سترها في
الدنياومن المغفرة إزالتها في القيامة لئلا يلزم التكرار . ثم قال ( والله ذو الفضل العظيم ) ومن
كان كذلك فانه إذا وعد بشيء وفى به ، وإنما قلنا : إن أفضال الله أعظم من أفضال غيره
لوجوه : الأول : أن كل ما سوى الحق سبحانه فانه لا يتفضل ولا يحسن إلا إذا حصلت في
قلبه داعية الافضال والاحسان ، وتلك الداعية حادثة فلا تحصل إلا بتخليق الله تعالى ، وعند
هذا ينكشف أن المتفضل ليس إلا الله الذى خلق تلك الداعية الموجبة لذلك الفعل . الثاني :
أن كل من تفضل يستفيد به نوعا من أنواع الكمال إما عوضا من المال أو عوضا من المدح
والثناء ، وإما عوضا من نوع آخر وهو دفع الألم الحاصل في القلب بسبب الرقة الجنسية والله
تعالى يعطي ويتفضل ولا يطلب به شيئا من الأعواض لأنه كامل لذاته ، وما كان حاصلا للشيء
لذاته امتنع ان يستفيده من غيره . الثالث : أن كل من تفضل على الغير فان المتفضل عليه يصير
ممنونا عليه من ذلك المتفضل ، وذلك منفر ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الموجد لذات كل أحد
بجميع صفاته، فلا يحصل الاستنكاف من قبول إحسانه . الرابع : أن كل من تفضل على غيره
فانه لا ينتفع المتفضل عليه بذلك التفضيل إلا إذا حصلت له عين باصرة وأذن سامعة ومعدة
هاضمة ، حتى ينتفع بذلك الاحسان ، وعند هذا ينكشف أن المتفضل هو الله في الحقيقة فثبت
بهذه البراهين صحة قوله ( والله ذو الفضل العظيم )
قوله تعالى ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر
الله والله خير الماكرين ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر المؤمنین نعمه علیهم بقوله ( واذكروا إذ أنتم قليل ) فكذلك ذكر
رسوله نعمه عليه وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه ، وهذه السورة مدنية . قال ابن
عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين : إن مشركي قريش تآمروا في دار الندوة ودخل

١٦٠
قوله تعالى ((ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)) الآية سورة الأنفال
علیهم إبليس في صورة شیخ ، وذكر انه من أهل نجد . فقال بعضهم : قیدوہ نتربص به ریب
المنون ، فقال إبليس : لا مصلحة فيه ، لأنه يغضب له قومه فتسفك له الدماء . وقال بعضهم
أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم ، فقال إبليس : لا مصلحة فيه لأنه يجمع طائفة على
نفسه ويقاتلكم بهم . وقال أبو جهل : الرأى أن نجمع من كل قبيلة رجلا فيضربوه بأسيافهم
ضربة واحدة فاذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على محاربة قريش كلها ،
فيرضون بأخذ الدية ، فقال إبليس : هذا هو الرأى الصواب ، فأوحى الله تعالى الى نبيه بذلك
وأذن له في الخروج الى المدينة وأمره ان لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة ، وأمر عليا
أن يبيت في مضجعه ، وقال له : تسج ببردتي فانه لن يخلص اليك أمر تكرهه وباتوا
مترصدين ، فلما أصبحوا ثاروا الى مضجعه فأبصروا عليا فبهتوا وخيب الله سعيهم . وقوله
(ليثبتوك) قال ابن عباس: ليوثقوك ويشدوك وكل من شد فقد أثبت، لأنه لا يقدر على الحركة
ولهذا يقال لمن اشتدت به علة أو جراحة تمنعه من الحركة، قد أثبت فلان فهو مثبت، وقيل
ليسجنوك، وقيل ليحبسوك، وقيل ليثبتوك في بيت فحذف المحل لوضوح معناه. وقرأ بعضهم
(ليثبتوك) بالتشديد وقرأ النخعي (ليبيتوك) من البيات وقوله (أو يقتلوك) وهو الذي حكيناه عن
أبي جهل لعنه الله (أو يخرجوك) أي من مكة، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الثلاثة قال (ويمكرون
ويمكر الله والله خير الماكرين) وقد ذكرنا في سورة آل عمران في تفسير قوله (ومكروا ومكر الله
والله خير الماكرين) تفسير المكر في حق الله تعالى، والحاصل انهم احتالوا على إبطال امر محمد
والله تعالى نصره وقواه، فضاع فعلهم وظهر صنع الله تعالى. قال القاضي: القصة التي ذكرها
ابن عباس موافقة للقرآن إلا ما فيها من حديث عن إبليس، فانه زعم أنه كانت صورته موافقة
لصورة الانس وذلك باطل، لأن ذلك التصوير إما أن يكون من فعل الله أو من فعل إبليس،
والأول باطل لأنه لا يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ليفتن الكفار في المكر، والثاني أيضا
باطل، لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يقدر ابليس على تغيير صورة نفسه .
واعلم أن هذا النزاع عجيب ، فانه لما لم يبعد من الله تعالى أن يقدر إبليس على أنواع
الوساوس فكيف يبعد منه أن يقدره على تغيير صورة نفسه ؟
فان قيل : كيف قال ( والله خير الماكرين ) ولا خير في مكرهم .
قلنا : فيه وجوه : أحدها : أن يكون المراد أقوى الماكرين فوضع ( خير ) موضع أقوى
وأشد ، لينبه بذلك على ان كل مكر فهو يبطل في مقابلة فعل الله تعالى ، وثانيها : ان يكون
المراد خير الماكرين لو قدر في مكرهم ما يكون خيرا وحسنا . وثالثها : ان يكون المراد من قوله