Indexed OCR Text
Pages 121-140
قوله تعالى ((إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم)) الآية سورة الأنفال ١٢١ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَِلَتْ قُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَيْهِمْ ءَايَدْتُهُ، زَادَتْهُمْ إَِنَا وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَُّونَ ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَبِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَتُّ عِندَ رَبِهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ ثم قال ﴿ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) والمعنى انه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله ( وأطيعوا الله ورسوله ) ثم بالغ في هذا التأكيد فقال ( إن كنتم مؤمنين ) والمراد أن الايمان الذي دعاكم الرسول اليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة ، فاحذروا الخروج عنها، واحتج من قال: ترك الطاعة يوجب زوال الايمان بهذه الآية ، وتقريره ان المعلق بكلمة ان على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وههنا الايمان معلق على الطاعة بكلمة ( إن ) فيلزم عدم الايمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذکور في قوله تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) والله أعلم . قوله تعالى ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ اعلم انه تعالى لما قال ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) واقتضى ذلك كون الايمان مستلزما للطاعة ، شرح ذلك في هذه الآية مزيد شرح وتفصيل ، وبين ان الايمان لا يحصل الا عند حصول هذه الطاعات فقال ( إنما المؤمنون ) الآية . واعلم أن هذه الآية تدل على ان الايمان لا يحصل إلا عند حصول أمور خمسة: الأول : قوله ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) قال الواحدي : يقال : وجل يوجل وجلا ، فهو وجل ، وأوجل اذا حاف، قال الشاعر : لعمرك ما أدرى وإني لاوجل على أينا تعدوا المنية أول والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمنا اذا كان خائفا من الله ، ونظيره قوله تعالى ( تقشعر منه ١٢٢ قوله تعالى ((إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم)) الآية سورة الأنفال جلود الذين يخشون ربهم ) وقوله ( والذين هم من خشية ربهم مشفقون ) وقوله ( الذين هم في صلاتهم خاشعون ) وقال أصحاب الحقائق : الخوف على قسمين : خوف العقاب ، وخوف العظمة والحلال . أما خوف العقاب فهو للعصاة . وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين ، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات وما سواه من الموجودات فمحتاجون اليه . والمحتاج اذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه ، وليست تلك الهيبة من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنيا عنه ، وكونه محتاجا اليه يوجب تلك المهابة ، وذلك الخوف . اذا عرفت هذا فنقول: ان المراد من الوجل القسم الأول، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله، وانما يحصل من ذكر عقاب الله. وهذا هو اللائق بهذا الموضع. لأن المقصود من هذه الآية الزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال، وأما إن كان المراد من الوجب القسم الثاني، فذلك لازم من مجرد ذكر الله، ولا حاجة في الآية الى الاضمار . فان قيل : إنه تعالى قال ههنا ( وجلت قلوبهم) وقال في آية أخرى ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) فكيف الجمع بينهما ؟ وأيضاً قال في آية أخرى ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله) قلنا : الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين ، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة ، ولا منافاة بين هاتين الحالتين ، بل نقول : هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة ، وهي قوله تعالى ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله ) والمعنى : تقشعر الجلود من خوف عذاب الله ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله . الصفة الثانية) قوله تعالى (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا) وهو كقوله ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايمانا ) ثم فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ زيادة الايمان الذى هو التصديق على وجهين : ﴿ الوجه الأول) وهو الذى عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدى رحمه الله: ان كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد ايمانا ، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين، واليه الاشارة بقوله عليه السلام (( لو وزن ايمان أبي بكر بايمان أهل الأرض لرجح )) يريد ان معرفته بالله أقوى . ولقائل أن يقول : المراد من هذه الزيادة : إما قوة الدليل أو كثرة الدلائل . أما قوة ١٢٣ قوله تعالى ((الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) الآية سورة الأنفال الدليل فباطل . وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من مقدمات ، وتلك المقدمات إما أن يكون مجز وما بها جزما مانعا من النقيض أو لا يكون فان كان الجزم المانع من النقيض حاصلا في كل المقدمات ، امتنع كون بعض الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير ، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل التفاوت ، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في البعض فذلك لا يكون دليلا ، بل إمارة ، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علما بل ظنا ، فثبت بما ذكرنا ان حصول التفاوت في الدلائل بسبب القوة محال ، وأما حصول التفاوت بسبب كثرة الدلائل فالأمر كذلك ، لأن الجزم الحاصل بسبب الدليل الواحد ، ان كان مانعا من النقيض فيمتنع ان يصير أقوى عند اجتماع الدلائل الكثيرة . وان كان غير مانع من النقيض لم يكن دليلا ، بل كان امارة ولم تكن النتيجة معلومة بل مظنونة ، فثبت ان هذا التأويل ضعيف . واعلم انه يمكن ان يقال : المراد من هذه الزيادة الدوام وعدم الدوام ، وذلك لأن بعض المستدلين لا يكون مستحضرا للدليل والمدلول إلا لحظة واحدة ، ومنهم من يكون مداوما لتلك الحالة وبين هذين الطرفين أوساط مختلفة ، ومراتب متفاوتة ، وهو المراد من الزيادة . والوجه الثاني ﴾ من زيادة التصديق انهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله ، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متعاقبة ، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقا وإقرارا ، ومن المعلوم ان من صدق انسانا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد . وقوله ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) معناه : أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا باقرار جديد فكان ذلك زيادة في الايمان والتصديق ، وفي الآية وجه ثالث : وهو أن كمال قدرة الله وحكمته ، إنما تعرف بواسطة آثار حكمة الله في مخلوقاته ، وهذا بحر لا ساحل له وكلما وقف عقل الانسان على آثار حكمة الله في تخليق شيء آخر ، انتقل منه الى طلب حكمة في تخليق شيء آخر ، فقد انتقل من مرتبة الى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف وأكمل ، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها ، لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي والكشف والمعرفة . ﴿ المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن الايمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا؟ أما الذين قالوا : الايمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والاقرار والعمل ، فقد احتجوا بهذه الآية من وجهين : الأول : ان قوله (زادتهم إيمانا) يدل على أن الايمان يقبل الزيادة ، ولو كان الايمان عبارة عن المعرفة والاقرار لما قبل الزيادة . والثاني : انه تعالى لما ذكر هذه الأمور الخمسة ، قال : في الموصوفين بها ( أولئك هم المؤمنون حقا) وذلك يدل على أن كل تلك الخصال داخل ١٢٤ قوله تعالى ((أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم)) الآية سورة الأنفال في مسمى الايمان. وروى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان)) واحتجوا بهذه الآية على أن الايمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة . قالوا : لأن الآية صريحة في أن الايمان يقبل الزيادة ، والمعرفة والاقرار لا يقبلان التفاوت ، فوجب ان يكون الايمان عبارة عن مجموع الاقرار والاعتقاد والعمل ، حتى ان بسبب دخول التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الايمان ، وهذا الاستدلال ضعيف، لما بينا ان التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الاعتقاد والاقرار ، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الايمان ، والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانيا) ظاهرة مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الايمان ، وليس الأمر كذلك ، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة ، بل إن كان ولا بد فالموجب هو سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق والله أعلم . الصفة الثالثة ﴾ للمؤمنين قوله تعالى (وعلى ربهم يتوكلون) واعلم ان صفة المؤمنين ان يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده ، وأن يقولوا صدق الله ورسوله ، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين ( ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) ثم نقول : هذا الكلام يفيد الحصر، ومعناه : أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم ، وهذه الحالة مرتبة عالية ودرجة شريفة . وهي : أن الانسان بحيث يصير لا يقى له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله . واعلم ان هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب ، فان المرتبة الأولى هي : الوجل من عقاب الله . والمرتبة الثانية ﴾ هي الانقياد لمقامات التكاليف لله. والمرتبة الثالثة ﴾ هي الانقطاع بالكلية عما سوى الله ،والاعتماد بالكلية على فضل الله، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى . والصفة الرابعة والخامسة ﴾ قوله ( الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) واعلم أن المراتب الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها الى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ، ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة الله ، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلات ، والانفاق في الجهاد ، ١٢٥ قوله تعالى ((أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم)) الآية سورة الأنفال والانفاق على المساجد والقناطر ، قالت المعتزلة : إنه تعالى مدح من ينفق ما رزقه الله ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الانفاق من الحرام ، وذلك يدل على ان الحرام لا يكون رزقا ، وقد سبق ذكر هذا الكلام مرارا . واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس : أثبت للموصوفين بها أمورا ثلاثة : الأول : قوله ( أولئك هم المؤمنون حقا) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (حقا) بماذا يتصل. فيه قولان: أحدهما : بقوله (هم المؤمنون) أى هم المؤمنون بالحقيقة . والثاني : أنه تم الكلام عند قوله ( أولئك هم المؤمنون ) ثم ابتدأ وقال ( حقا لهم درجات ) المسألة الثانية﴾ ذكروا في انتصاب (حقا) وجوها: الأول : قال الفراء: التقدير: أخبركم بذلك حقا ، أى أخبارا حقا ، ونظيره قوله ( أولئك هم الكافرون حقا ) والثاني : قال سيبويه : إنه مصدر مؤكد لفعل محذوف يدل عليه الكلام . والتقدير : وإن الذى فعلوه كان حقا صدقا . الثالث : قال الزجاج : التقدير : أولئك هم المؤمنون أحق ذلك حقا . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اتفقوا على أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن ، واختلفوا في أنه هل يجوز للرجل أن يقول انا مؤمن حقا أم لا ؟ فقال أصحاب الشافعي : الأولى ان يقول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله . ولا يقول أنا مؤمن حقا . وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : الأولى أن يقول أنا مؤمن حقا ، ولا يجوز أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، أما الذين قالوا إنه يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، فلهم فيه مقامان : المقام الأول ﴾ أن يكون ذلك لأجل حصول الشك في حصول الايمان . ﴿ المقام الثاني﴾ أن لا يكون الأمر كذلك، أما المقام الأول، فتقريره: أن الايمان عند الشافعي رضى الله عنه عبارة عن مجموع الاعتقاد والاقرار والعمل . ولا شك أن كون الانسان آتيا بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه ، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية . فالانسان وإن كان جازما بحصول الاعتقاد والاقرار ، إلا أنه لما كان شاكا في حصول العمل كان هذا القدر يوجب كونه شاكا في حصول الايمان . وأما عند أبي حنيفة رحمه الله ، فلما كان الايمان اسما للاعتقاد والقول ، وكان العمل خارجا عن مسمى الايمان ، لم يلزم من الشك في حصول الأعمال الشك في الايمان . فثبت أن من قال إن الايمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة يلزمه وقوع الشك في الايمان ، ومن قال العمل خارج عن ١٢٦ قوله تعالى ((أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم)) الآية سورة الأنفال مسمى الايمان يلزمه نفي الشك عن الايمان ، وعند هذا ظهر ان الخلاف ليس إلا في اللفظ فقط . وأما المقام الثاني : وهو أن نقول : إن قوله : أنا مؤمن إن شاء الله ليس لأجل الشك ، فيه وجوه : الأول : أن كون الرجل مؤمنا أشرف صفاته وأعرف نعوته وأحواله ، فاذا قال أنا مؤمن ، فكأنه مدح نفسه بأعظم المدائح . فوجب ان يقول : إن شاء الله ليصير هذا سببا لحصول الانكسار في القلب وزوال العجب . روى أن أبا حنيفة رحمه الله ، قال لقتادة : لم تستثنى في إيمانك . قال اتباعا لا براهيم عليه السلام في قوله ( والذى أطمع أن يغفر لي خطيئتى يوم الدين ) فقال أبو حنيفة رحمه الله : هلا اقتديت به في قوله ( أو لم تؤمن قال بلى ) وأقول : كان لقتادة أن يجيب ، ويقول : إنه بعد أن قال ( بلى ) قال ( ولكن ليطمئن قلبي ) فطلب مزيد الطمأنينة ، وهذا يدل على أنه لا بد من قول إن شاء الله . الثاني : أنه تعالى ذكر في هذه الآية ان الرجل لا يكون مؤمنا إلا إذا كان موصوفا بالصفات الخمسة ، وهي الخوف من الله ، والاخلاص في دين الله، والتوكل على الله ، والاتيان بالصلاة والزكاة لوجه الله تعالى . وذكر في أول الآية ما يدل على الحصر، وهو قوله ( إنما المؤمنون الذين ) هم كذا وكذا . وذكر في آخر الآية قوله ( أولئك هم المؤمنون حقا) وهذا أيضا يفيد الحصر، فلما دلت هذه الآية على هذا المعنى ، ثم إن الانسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس ، لا جرم كان الأولى ان يقول : إن شاء الله . وروى أن الحسن سأله رجل وقال : أمؤمن أنت ؟ فقال : الإيمان إيمانان ، فان كنت تسألني عن الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) فوالله لا أدرى أمنهم أنا أم لا؟ الثالث : أن القرآن العظيم دل على أن كل من كان مؤمنا ، كان من أهل الجنة فالقطع بكونه مؤمنا يوجب القطع بكونه من أهل الجنة ، وذلك لا سبيل اليه ، فكذا هذا . ونقل عن الثورى أنه قال : من زعم أنه مؤمن بالله حقا ، ثم لم يشهد بأنه من أهل الجنة ، فقد آمن بنصف الآية . والمقصود أنه كما لا سبيل الى القطع بأنه من أهل الجنة ، فكذلك لا سبيل الى القطع بأنه مؤمن . الرابع : ان الايمان عبارة عن التصديق بالقلب وعن المعرفة ، وعلى هذا فالرجل إنما يكون مؤمنا في الحقيقة عندما يكون هذا التصديق وهذه المعرفة حاصلة في القلب حاضرة في الخاطر ، فأما عند زوال هذا المعنى : فهو إنما يكون مؤمنا بحسب حكم الله . أما في نفس الأمر فلا . إذا عرفت هذا لم يبعد ان يكون المراد بقوله إن شاء الله عائدا الى استدامة مسمى الايمان واستحضار معناه أبدا دائما من غير حصول ذهول وغفلة عنه ، وهذا المعنى محتمل . الخامس : ان أصحاب الموافاة يقولون : شرط كونه مؤمنا في الحال حصول الموافاة على الايمان ، ٠ ١٢٧ قوله تعالى ((أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم)) الآية سورة الأنفال وهذا الشرط لا يحصل إلا عند الموت ، ويكون مجهولا ، والموقوف على المجهول مجهول . فلهذا السبب حسن أن يقال : أنا مؤمن إن شاء الله . السادس : أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله عند الموت ، والمراد صرف هذا الاستثناء الى الخاتمة والعاقبة فان الرجل وإن كان مؤمنا في الحال ، إلا ان بتقدير ان لا يبقى ذلك الايمان في العاقبة ، كان وجوده كعدمه ، ولم تحصل فائدة أصلا ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء هذا المعنى : السابع : أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع ، ألا ترى أنه تعالى قال ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) وهو تعالى منزه عن الشك والريب . فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليما منه لعباده ، هذا المعنى ، فكذا ههنا الأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور الى الله ، حتى يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الايمان . الثامن : ان جماعة من السلف ذكروا هذه الكلمة ، ورأينا لهم ما يقويه في كتاب الله وهو قوله تعالى ( أولئك هم المؤمنون حقا) وهم المؤمنون في علم الله وفي حكمه ، وذلك يدل على وجود جمع يكونون مؤمنين ، وعلى وجود جمع لا يكونون كذلك . فالمؤمن يقول : إن شاء الله حتى يجعله الله ببركة هذه الكلمة من القسم الأول لا من القسم الثاني . أما القائلون : أنه لا يجوز ذكر هذه الكلمة فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه : الأول ؛ ان المتحرك يجوز ان يقول : أنا متحرك ولا يجوز ان يقول أنا متحرك إن شاء الله ، وكذا القول في القائم والقاعد ، فكذا ههنا وجب ان يكون المؤمن مؤمنا ، ولا يجوز ان يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، وكما أن خروج الجسم عن كونه متحركا في المستقبل لا يمنع من الحكم عليه بكونه متحركا حال قيام الحركة به فكذلك احتمال زوال الايمان في المستقبل ، لا يقدح في كونه مؤمنا في الحال . الثاني : أنه تعالى قال ( أولئك هم المؤمنون حقا ) فقد حكم تعالى عليهم بكونهم مؤمنين حقا فكان قوله إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله عليه بالحصول وذلك لا يجوز . والجواب عن الأول: أن الفرق بين وصف الانسان بكونه مؤمنا ، وبين وصفه بكونه متحركا ، حاصل من الوجوه الكثيرة التي ذكرناها ، وعند حصول الفرق يتعذر الجمع ، وعن الثاني أنه تعالى حكم على الموصوفين بالصفات المذكورة بكونهم مؤمنين حقا ، وذلك الشرط مشكوك فيه ، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط. فهذا يقوى عين مذهبنا . والله أعلم . الحكم الثاني من الاحكام التي أثبتها الله تعالى للموصوفين بالصفات الخمسة قوله تعالى ( لهم درجات عند ربهم ) والمعنى : لهم مراتب بعضها أعلى من بعض . ٠٫ ١٢٨ قوله تعالى ((أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم)) الآية سورة الأنفال واعلم أن الصفات المذكورة قسمان : الثلاثة الأول : هي الصفات القلبية والأحوال الروحانية ، وهي الخوف والاخلاص والتوكل . والاثنتان الأخيرتان هما الأعمال الظاهرة والأخلاق . ولا شك أن لهذه الأعمال والأخلاق تأثيرات في تصفية القلب ، وفي تنويره بالمعارف الالهية . ولا شك أن المؤثر كلما كان أقوى كانت الآثار أقوى وبالضد ، فلما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ومراتب ، كانت المعارف أيضا لها درجات ومراتب ، وذلك هو المراد من قوله ( لهم درجات عند ربهم ) والثواب الحاصل في الجنة أيضا مقدر بمقدار هذه الأحوال . فثبت أن مراتب السعادات الروحانية قبل الموت وبعد الموت ، ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة ، فلهذا المعنى قال ( لهم درجات عند ربهم ) فان قيل : أليس أن المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل وحرمانه عنها ، فانه يتألم قلبه ، ويتنغص عيشه . وذلك مخل بكون الثواب رزقا كريما ؟ والجواب : أن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به تمنعه من حصول الحقد والحسد ، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم . الحكم الثالث والرابع إن قوله ( ومغفرة ورزق كريم ) المراد من المغفرة ان يتجاوز الله عن سيئاتهم ومن الرزق الكريم نعيم الجنة . قال المتكلمون : أما كونه رزقا كريما فهو إشارة الى كون تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالاكرام والتعظيم ، ومجموع ذلك هو حد الثواب . وقال العارفون : المراد من المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله ، ومن الرزق الكريم الانوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفة الله ومحبته . قال الواحدى : قال أهل اللغة : الكريم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن ، والكريم المحمود فيما يحتاج اليه ، والله تعالى موصوف بأنه کریم والقرآن موصوفبأنه کریم . قال تعالى ( إني ألقی الی کتاب کریم ) وقال ( من كل زوج کریم) وقال ( ويدخلكم مدخلا كريما) وقال ( وقل لهما قولا كريما) فالرزق الكريم هو الشريف الفاضل الحسن . وقال هشام ابن عروة : يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش ، وأقول يجب ههنا أن نبين أن اللذات الروحانية أكمل من اللذات الجسمانية ، وقد ذكرنا هذا المعنى في هذا الكتاب في مواضع كثيرة وعند هذا يظهر ان الرزق الكريم هو اللذات الروحانية وهي معرفة الله ومحبته والاستغراق في عبوديته . فان قال قائل : ظاهر الآية يدل على أن الموصوف بالأمور الخمسة محكوم عليه بالنجاة من العقاب وبالفوز بالثواب ، وذلك يقتضي ان لا تكليف على العبد فيما سوى هذه الخمسة وذلك ١٢٩ قوله تعالى ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)) الآية سورة الأنفال كَمَا أَنْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكِهُونَ ( يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيِّنَ كَأَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوَّتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ + باطل باجماع المسلمين ، لأنه لا بد من الصوم والحج وأداء سائر الواجبات . قلنا : إنه تعالى بدأ بقوله ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ) وجميع التكاليف داخل تحت هذين الكلامين ، إلا أنه تعالى خص من الصفات الباطنة التوكل بالذكر على التعيين ، ومن الأعمال الظاهرة والصلاة والزكاة على التعيين ، تنبيها على أن أشرف الأحوال الباطنة ، التوكل وأشرف الأعمال الظاهرة ، الصلاة والزكاة . قوله تعالى ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين الكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ﴾ في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ اعلم ان قوله ( كما أخرجك ربك) يقتضي تشبيه شيء بهذا الاخراج وذكروا فيه وجوها : الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال (( من قتل قتيلا فله سلبه ومن أسرأ سيرا فله كذا وكذا)» ليرغبهم في القتال ، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة : يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم ، ولم يتأخروا عن القتال جبنا ولا بخلا ببذل مهجهم ولكنهم أشفقوا عليك من أن تغتال فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقى خلق من المسلمين بغير شيء فأنزل الله تعالى ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال الله والرسول ) يصنع فيها ما يشاء ، فامسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهية وأيضا حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم الى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك المقاتلة على ما سنشرح حالة تلك الكراهية ، فلما قال تعالى ( قل الأنفال الله والرسول ) كان التقدير انهم رضوا بهذا الحكم في الأنفال وإن كانوا كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الى القتال وإن كانوا كارهين له وهذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة هنا . الثاني : أن يكون التقدير ثبت الحكم بأن الأنفال الله، وإن كرهوه كما الفخر الرازي ج ١٥ م٩ ١٣٠ قوله تعالى ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)) الآية سورة الأنفال ثبت حكم الله باخراجك الى القتال وإن كرهوه . الثالث : لما قال ( أولئك هم المؤمنون حقاً) كان التقدير : أن الحكم بكونهم مؤمنين حق ، كما أن حكم الله باخراجك من بيتك للقتال حق. الرابع: قال الكسائي ((الكاف)) متعلق بما بعده ، وهو قوله ( يجادلونك في الحق ) والتقدير ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه . والله أعلم . المسألة الثانية ) قوله ( من بيتك ) يريد بيته بالمدينة أو المدينة نفسها ، لأنها موضع هجرته وسكناه بالحق ، أى إخراجا متلبسا بالحكمة والصواب ( وإن فريقا من المؤمنين الكارهون) في محل الحال ، أى أخرجك في حال كراهيتهم . روى أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها أموال كثيرة ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان ، وعمرو بن العاص ، وأقوام آخرون ، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقى العير لكثرة الخير ، وقلة القوم ، فلما أزمعوا وخرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم ، فنادى أبو جهل فوق الكعبة : يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول ! إن أخذ محمد عيركم لن تفلحوا أبدا ، وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا ، فقالت لأخيها : إني رأيت عجبا رأيت كأن ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ، ثم حلق بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة . فحدث بها العباس . فقال أبو جهل : ما ترضى رجالهم بالنبوة حتى ادعى نساؤهم النبوة ، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير ، وفي المثل السائر - لا في العير ولا في النفير - فقيل له : العير أخذت طريق الساحل ونجت ، فارجع الى مكة بالناس . فقال : لا والله لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ، وتغنى القينات والمعازف ببدر فتتسامع جميع العرب بخروجنا ، وإن محمدا لم يصب ، العير فمضى الى بدر بالقوم . وبدر كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة ، فنزل جبريل وقال : يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين ، إما العير وإما النفير من قريش .. ، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال ((ما تقولان إن القوم خرجوا من مكة على كل صعب وذلول . فالعير أحب اليكم أم النفير؟ قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدو. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال امض الى ما أمرك الله به فانا معك حيثما أردت. فوالله لوسرت الى عدن لما تخلف عنك رجل من الأنصار. ثم قال المقداد ابن عمرو. يا رسول الله امض الی ما أمرك الله به، فانا معك حیثما أردت، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ١٣١ قوله تعالى ((واذ يعدكم الله احد الطائفتين)) الآية سورة الأنفال وَإِذْ بَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ (٣) لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) ولكن نقول؛ اذهب انت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت منا عين تطرف، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال سيروا على بركة الله والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، ولما فرغ رسول الله من بدر، قال بعضهم: عليك بالعير. فناداه العباس وهو في وثاقه، لا يصلح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم؟ قال لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك . إذا عرفت هذه القصة فنقول : كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لا لكلهم ، بدليل قوله تعالى ( وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) والحق الذى جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى النفير لا يثارهم العير . وقوله ( بعد ما تبين ) المراد منه : إعلام رسول الله بأنهم ينصرون . وجدالهم قولهم : ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا؟ لنستعد ونتأهب للقتال ، وذلك لأنهم كانوا يكرهون القتال ، ثم إنه تعالى شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم بحال من يجر الى القتل ويساق الى الموت ، وهو شاهد لأسبابه ناظر الى موجباته ، وبالجملة فقوله ( وهم ينظرون) كناية عن الجزم والقطع. ومنه قوله عليه السلام (( من نفى ابنه وهو ينظر اليه)) أى يعلم انه ابنه . وقوله تعالى ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) أى يعلم. واعلم أنه كان خوفهم لأمور: أحدها : قلة العدد ، وثانيها : أنهم كانوا رجالة . روى أنه ما كان فيهم إلا فارسان . وثالثها : قلة السلاح. المسألة الثالثة ) روى أنه صلى الله عليه وسلم إنما خرج من بيته باختيار نفسه ، ثم إنه تعالى أضاف ذلك الخروج الى نفسه فقال ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) وهذا يدل على أن فعل العبد بخلق الله تعالى إما ابتداء أو بواسطة القدرة والداعية اللذين مجموعهما يوجب الفعل كما هو قولنا . قال القاضي : معناه أنه حصل ذلك الخروج بأمر الله تعالى وإلزامه ، فأضيف اليه . قلنا : لا شك أن ما ذكرتموه مجاز ، والأصل حمل الكلام على حقيقته . قوله تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنه لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ١٣٢ قوله تعالى ((واذ يعدكم الله احدى الطائفتين)) الآية سورة الأنفال لُحِقّ الْحَقِّ وَيُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ٨ ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون اعلم ان قوله ( إذ ) منصوب باضمار اذكر انها لكم بدل من إحدى الطائفتين . قال الفراء والزجاج : ومثله قوله تعالى ( هل ينظرون إلا الساعة ان تأتيهم بغتة ) ( وأن ) في موضع نصب كما نصب الساعة ، وقوله أيضا ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ان تطؤهم ) ( أن ) في موضع رفع بلولا . والطائفتان : العير والنفير: وغير ذات الشوكة . العير. لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم . والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك ، ويقال شوك القنا لسنانها . ومنه قولهم شاكي السلاح . أى تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدة ، ولا تريدون الطائفة الأخرى ولكن الله أراد التوجه الى الطائفة الأخرى ليحق الحق بكلماته ، وفيه سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ أليس أن قوله ( يريد الله أن يحق الحق بكلماته) ثم قوله بعد ذلك ( ليحق الحق ) تكرير محض ؟ والجواب : ليس ههنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله ( ويبطل الباطل ) الذى هو الشرك . وذلك في مقابلة ( الحق ) الذى هو الدين والإيمان . السؤال الثاني ﴾ الحق حق لذاته ، والباطل باطل لذاته ، وما ثبت للشيء لذاته فانه يمتنع تحصيله يجعل جاعل وفعل فاعل فما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل ؟ والجواب : المراد من تحقيق الحق وابطال الباطل ، باظهار كون ذلك الحق حقا ، وإظهار كون ذلك الباطل باطلا ، وذلك تارة يكون باظهار الدلائل والبينات ، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل . واعلم ان أصحابنا تمسكوا في مسألة خلق الافعال بقوله تعالى ( ليحق الحق ) قالوا وجب حمله على انه يوجد الحق ويكونه ، والحق ليس إلا الدين والاعتقاد ، فدل هذا على ان الاعتقاد الحق لا يحصل إلا بتكوين الله تعالى . قالوا : ولا يمكن حمل تحقيق الحق على اظهار آثاره لأن ء ١٣٣ قوله تعالى ((إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم)) الآية سورة الأنفال إِذْ نَسْتَغِيئُونَ رَبِّكْ فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُم بِأَلْفٍٍ مِّنَ الْمَلَبِكَّةِ مُرْدِفِينَ ٢ وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِنَطْمَبِنَّبِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ الهِ إِنَّ الََّ عَزِيزٌحَكِيمٌ ﴾ ذلك الظهور حصل بفعل العباد ، فامتنع أيضا إضافة ذلك الاظهار الى الله تعالى ، ولا يمكن أن يقال المراد من اظهاره وضع الدلائل عليها ، لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة الى الكافر والى المسلم . وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يحصل لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى فائدة اصلا . : واعلم ان المعتزلة أيضا تمسكوا بعين هذه الآية على صحة مذهبهم . فقالوا هذه الآية تدل على أنه لا يريد تحقيق الباطل وإبطال الحق البتة ، بل إنه تعالى أبدا يريد تحقيق الحق وإبطال الباطل ، وذلك يبطل قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر الا والله تعالى مريد له . وأجاب أصحابنا بأنه ثبت في أصول الفقه أن المفرد المحلى بالألف واللام ينصرف الى المعهود السابق فهذه الآية دلت على أنه تعالى أراد تحقيق الحق وإبطال الباطل في هذه الصورة ، فلم قلتم إن الأمر كذلك في جميع الصور؟ بل قد بينا بالدليل ان هذه الآية تدل على صحة قولنا . أما قوله ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ فالدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر ، ومنه دابرة الطائر وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال ، والمراد أنكم تريدون العير للفوز بالمال ، والله تعالى يريد أن تتوجهوا الى النفير ، لما فيه من إعلاء الدين الحق واستئصال الكافرين . قوله تعالى ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبهم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى انه يحق الحق ويبطل الباطل ، بين أنه تعالى نصرهم عند الاستغاثة، وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ يجوز أن يكون العامل في (إذ) هو قوله (ويبطل الباطل ) فتكون الآية متصلة بما قبلها ، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير واذكروا إذ تستغيثون . المسألة الثانية ﴾ في قوله (إذ تستغيثون ) قولان : ١٣٤ قوله تعالى ((اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم)) الآية سورة الأنفال القول الأول ﴾ أن هذه الإستغاثة كانت من الرسول عليه السلام. قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المشركين وهم الف والى أصحابه وهم ثلثماية ونيف، استقبل القبلة ومديده وهو يقول ((اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)) ولم يزل كذلك حتى سقطرداؤه وروده أبو بكر ثم التزمه ثم قال: كفاك يا بني الله مناشدتك ربك فانه سينجز لك ما وعدك، فنزلت هذه الآية ولما اصطفت القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصرو ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور . القول الثاني ) ان هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين لأن الوجه الذى لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلا فيهم ، بل خوفهم كان أشد من خوف الرسول ، فالأقرب انه دعا علیه السلام وتضرع على ما روی ، والقوم كانوا يؤمنون على دعائه تابعین له في الدعاء في أنفسهم فنقل دعاء رسول الله لأنه رفع بذلك الدعاء صوته ، ولم ينقل دعاء القوم ، فهذا هو طريق الجمع بين الروايات المختلفة في هذا الباب . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (إذ تستغيثون ) أى تطلبون الاغاثة يقول الواقع في بلية أغثني أى فرج عني . واعلم انه تعالى لما حكى عنهم الاستغاثة بين أنه تعالى أجابهم . وقال ( إني ممدكم بألف من الملائكة مردفین ) وفيه مسائل : المسألة الأولى) قوله ( إني ممدكم ) أصله بأني ممدكم ، فحذف الجار وسلط عليه استجاب ، فنصب محله ، وعن أبي عمرو: أنه قرأ ( إني ممدكم ) بالكسر على ارادة القول أو على اجراء استجاب مجرى . قال لأن الاستجابة من القول . ﴿ المسألة الثانية) قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم (مردفين ) بفتح الدال والباقون بكسرها . قال الفراء : ( مردفين) أى متتابعين يأتي بعضهم في أثر بعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب و(مردفين) أى فعل بهم ذلك ، ومعناه انه تعالى أردف المسلمين وأيديه بهم . المسألة الثالثة ) اختلفوا في ان الملائكة هل قاتلوا يوم بدر ؟ فقال قوم نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر ، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة ، وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرجال عليهم ثيابهم بيض وقاتلوا . وقيل قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين ، وعن أبي جهل" أنه قال لابن مسعود : من أين كان الصوت الذى كنا نسمع ولا نرى شخصا قال هو من الملائكة فقال أبو جهل : هم غلبونا لا أنتم ، ١٣٥ قوله تعالى ((اذ يغشيكم النعاس أمنة منه)) الآية سورة الأنفال إِذْ يُغَشِيُ النَّعَاسَ أَنَةُ مِنْهُ وَيُقَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَّهِرَ كُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِبَْ الشَّبْطَنِ وَلِبَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَنِتَ بِهِ اَلْأَقْدَامَ (٣) إِذْ يُوحِ رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِىِ مَعَكُرْ فَبِتُواْ الْذِينَ ءَامَنُواْ سَأَلْقٍ فِىِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الْأُعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ وروى أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالصوت فوقه فنظر الى المشرك وقد خر مستلقيا وقد شق وجهه فحدث الأنصارى رسول الله فقال صدقت . ذاك من مدد السماء ، وقال آخرون : لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين ، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك الدنيا كلها فان جبريل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط وأهلك بلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة ، والكلام في كيفية هذا الامدادا مذكور في سورة آل عمران بالاستقصاء والذى يدل على صحة ان الملائكة ما نزلوا للقتال قوله تعالى (وما جعله الله إلا بشرى) قال الفراء: الضمير عائد إلى الأرداف والتقدير: ما جعل الله الارداف إلا بشرى. وقال الزجاج: ما جعل الله المردفين إلا بشرى، وهذا أولى لأن الامداد بالملائکة حصل بالبشری. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في العریش قاعدا يدعو، وكان أبو بكر قاعدا عن يمينه ليس معه غيره، فخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه نعسا، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر وقال ((أبشر بنصر الله ولقد رأيت في منامي جبريل يقدم الخيل)) وهذا يدل على أنه لا غرض من إنزالهم إلا حصول هذه البشرى، وذلك ينفي إقدامهم على القتال . ١ ثم قال تعالى ﴿وما النصر إلا من عند الله ﴾ والمقصود التنبيه على ان الملائكة وإن كانوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين ، إلا أن الواجب على المؤمن ان لا يعتمد على ذلك بل يجب ان يكون اعتماده على إغاثة الله ونصره وهدايته وكفايته لأجل ان الله هو العزيز الغالب الذى لا يغلب ، والقاهر الذى لا يقهر ، والحكيم فيما ينزل من النصرة فيضعها في موضعها . وقوله تعالى ﴿ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك الى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا كل بنان ١٣٦ قوله تعالى ((إذ يغشيكم النعاس أمنة منه)) الآية سورة الأنفال ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ الَّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ١٣ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب ؛ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج: (اذ) موضعها نصب على معنى (وما جعله الله إلا بشرى) في ذلك الوقت . ويجوز أيضا ان يكون التقدير : اذكروا إذ يغشيكم النعاس أمنة . ﴿ المسألة الثانية) في ( يغشاكم) ثلاث قراءات: الأولى: قرأ نافع بضم الياء. وسكون الغين ، وتخفيف الشين ( النعاس ) بالنصب . الثانية ( يغشاكم ) بالالف وفتح الياء وسكون الغين ( النعاس ) بالرفع وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير. الثالثة : قرأ الباقون ( يغشيكم ) بتشديد الشين وضم الياء من التغشية ( النعاس ) بالنصب ، أى يلبسكم النوم . قال الواحدى : القراءة الأولى من أغشى ، والثانية من غشى ، والثالثة من غشى ، فمن قرأ ( يغشاكم ) فحجته قوله ( أمنة نعاسا ) يعنى : فكما اسند الفعل هناك الى النعاس والامنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ ( يغشيكم ) أو ( يغشيكم ) فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) وقال ( فغشاها ما غشى ) وقال ( كأنما أغشيت وجوههم ) وعلى هذا فالفعل مسند الى الله . ﴿ المسألة الثالثة ) أنه تعالى لما ذكر انه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال ( وما النصر إلا من عند الله) ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع : الأول : قوله ( إذ يغشاكم النعاس أمنة منه) أى من قبل الله ، واعلم ان كل نوم ونعاس فانه لا يحصل إلا من قبل الله إتعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فانه لا يؤخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا ، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن . وثانيها : أنهم خافوا من جهات كثيرة . أحدها: قلة المسلمين وكثرة الكفار . وثانيها : الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين . وثالثها : العطش الشديد ١٣٧ قوله تعالى ((ويذهب عنكم رجز الشيطان)) الآية سورة الأنفال فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر . والوجه الثالث ﴾ في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم ، أنهم ما ناموانوماغرقا يتمكن العدو من معافصتهم بل كان ذلك نعاسا يحصل لهم زوال الاعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه . والوجه الرابع ﴾ أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز . فان قيل : فان كان الأمر كما ذكرتم فلم خافوا بعد ذلك النعاس ؟ قلنا : لأن المعلوم ان الله تعالى يجعل جند الاسلام مظفرا منصورا وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين . فان قيل : إذا قرىء ( يغشيكم ) بالتخفيف والتشديد ونصب ( النعاس ) فالضمير لله عز وجل ( وأمنة ) مفعول له . أما اذا قرىء ( يغشاكم النعاس ) فكيف يمكن جعل قوله ( أمنة ) مفعولا له ، مع ان المفعول له يجب ان يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل ؟ قلنا : قوله ( يغشاكم ) وإن كان في الظاهر مسندا الى النعاس ، إلا أنه في الحقيقة مسند الى الله تعالى ، فصح هذا التعليل نظرا الى المعنى . قال صاحب الكشاف: وقرىء ( أمنة ) بسكون الميم، ونظير أمن أمنة، حي حياة، ونظير أمن أمنة، رحم رحمة. قال ابن عباس: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان . النوع الثاني ﴾ من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) ولا شبهة ان المراد منه المطر ، وفي الخبر أن القوم سبقوا الى موضع الماء ، واستولوا عليه ، وطمعوا لهذا السبب ان تكون لهم الغلبة ، وعطش المؤمنون وخافوا ، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة ، وأكثرهم احتملوا وأجنبوا ، وانضاف الى ذلك ان ذلك الموضع كان رملا تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير ، وكان الخوف حاصلا في قلوبهم ، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم ، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلا على حصول النصرة والظفر ، وعظمت النعمة به من جهات : أحدها : زوال العطش ، فقد روى أنهم حفروا موضعا في الرمل ، فصار ١٣٨ قوله تعالى ((ويذهب عنكم رجز الشيطان)) الآية سورة الأنفال كالحوض الكبير ، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا ، وثانيها : أنهم اغتسلوا من ذلك الماء ، وزالت الجنابة عنهم ، وقد علم بالعادة ان المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه . وثالثها : أنهم لما عطشوا لم يجدوا الماء ثم ناموا واحتملوا تضاعفت حاجتهم الى الماء ثم إن المطر نزا، فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود . وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة . أما قوله ﴿ ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ ففيه وجوه: الأول: أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان . الثاني : ان الكفار لما نزلوا على الماء وسوس الشيطان اليهم وخوفهم من الهلاك ، فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة ، روى انهم لما ناموا واحتلم أكثرهم ، تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون انكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة ، وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادى واتخذ المسلمون حياضا واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام . الثالث : ان المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان اليه من معصية وفساد . فان قيل : فأى هذه الوجوه الثلاثة أولى ؟ قلنا : قوله ( لیطهرکم ) معناه لیزیل الجنابة عنکم ، فلو حملنا قوله ( ویذهب عنكم رجز الشيطان ) على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل ، ويمكن ان يجاب عنه فيقال المراد من قوه ( ليطهركم ) حصول الطهارة الشرعية ، والمراد من قوله ( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) إزالة جوهر المنى عن أعضائهم فانه شيء مستخبث ، ثم تقول : حمله على ازالة أثر الاحتلام أولى من حمله على ازالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في ازالة العين عن العضو تأثير حقيقي أما تأثيره في ازالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازى وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز ، واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه لزم القطع بأن المنى رجز الشيطان ، وذلك يوجب الحكم بكونه نجساً مطلقا لقوله تعالى ( والرجز فاهجر ) النوع الثالث ﴾ من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى ( وليربط على قلوبهم) والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف والفزع عنهم ، ومعنى الربط في اللغة الشد ، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى ( ورابطوا) ويقال لكل من صبر على أمر ، ربط قلبه عليه كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال : رجل رابط أى حابس . قال الواحدى : ويشبه أن يكون ( على) ههنا صلة والمعنى - وليربط قلوبكم بالنصر - وما وقع من تفسيره ١٣٩ قوله تعالى ((فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان)) الآية سورة الأنفال يشبه أن لا يكون صيلة لأن كلمة ( على ) تفيد الاستعلاء . فالمعنى ان القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها . والنوع الرابع ﴾ من النعم المذكورة ههنا. قوله تعالى ( ويثبت به الأقدام ) وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه ، فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا ، ولولا هذا المطر لما دقدروا عليه ، وعلى هذا التقدير: فالضمير في قوله ( به ) عائد الى المطر . وثانيها : أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم ، لأن من كان قلبه ضعيفا فر ولم يقف ، فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم ، وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله ( به) عائد الى الربط. وثالثها ؛ روى أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين ، وذلك لأن الموضع الذى نزل فيه كان موضع التراب والوحل ، فلما نزل المطر عظم الوحل ، فصار ذلك مانعا لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله ( ويثبت به الأقدام ) يدل دلالة المفهوم على ان حال الأعداء كانت بخلاف ذلك . النوع الخامس ﴾ من النعم المذكورة ههنا قوله (إذ يوحي ربك الى الملائكة أني معكم ، وفيه بحثان : الأول : قال الزجاج : ( إذ) في موضع نصب ، والتقدير : وليربط على قلوبهم ويثبت به الأقدام حال ما يوحي الى الملائكة بكذا وكذا ، ويجوز أيضا أن يكون على تقدير اذكروا . الثاني : قوله ( أني معكم ) فيه وجهان : الأول : أن يكون المراد أنه تعالى أوحى الى الملائكة بأنه تعالى معهم أى مع الملائكة حال ما أرسلهم ردأ للمسلمين . والثاني : أن يكون المراد أنه تعالى أوحى الى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم ، وهذا الثاني أولى لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار ، وإنما الخائف هم المسلمون . ثم قال ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ) واختلفوا في كيفية هذا التثبيت على وجوه : الأول : أنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم ان الله ناصر المؤمنين والرسول عرف المؤمنين ذلك ، فهذا هو التثبيت والثاني : أن الشيطان كما يمكنه القاء الوسوسة الى الانسان ، فكذلك الملك يمكنه القاء الالهام اليه فهذا هو التثبيت في هذا الباب . والثالث : أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر . ﴿ والنوع السادس ﴾ من النعم المذكورة في هذه الآية قوله ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) وهذا من النعم الجليلة ، وذلك لأن أمير النفس هو القلب فلما بين الله تعالى أنه ربط قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في ١٤٠ قوله تعالى ((ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار)) الآية سورة الأنفال ذَا لُكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ النّارِ ١٤ قلوب الكافرين فكان ذلك من أعظم نعم الله تعالى على المؤمنين . أما قوله تعالى ﴿ فاضربوا فوق الاعناق ﴾ ففيه وجهان: الأول : أنه أمر الملائكة متصل بقوله تعالى ( فثبتوا) وقيل : بل أمر للمؤمنين وهذا هو الأصح لما بينا أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة ، واعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر ، فعند هذا أمرهم بمحاربتهم ، وفي قوله ( فاضربوا فوق الأعناق ) قولان : الأول : أن ما فوق العنق هو الرأس ، فكان هذا أمرا بازالة الرأس عن الجسد . والثاني : أن قوله ( فاضربوا فوق الأعناق ) أى فاضربوا الأعناق . . ثم قال ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾ يعني الاطراف من اليدين والرجلين ، ثم اختلفوا فمنهم من قال المراد أن يضربوهم كما شاؤًا ، لأن ما فوق العنق هو الرأس ، وهو أشرف الأعضاء ، والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء ، فذكر الأشرف والأخس تنبيها على كل الأعضاء ، ومنهم من قال : بل المراد إما القتل ، وهو ضرب ما فوق الأعناق أو قطع البنان ، لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة ، فاذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه الكثيرة من النعم على المسلمین . قال ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) والمعنى : انه تعالى ألقاهم في الخزى والنكال من هذه الوجوه الكثيرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله . قال الزجاج ( شاقوا) جانبوا . وصاروا في شق غير شق المؤمنين ، والشق الجانب (وشاقوا الله ) مجاز ، والمعنى : شاقوا أولياء الله ، ودين الله . ثم قال ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب ﴾ يعني أن هذا الذی نزل بهم في ذلك اليوم شيء قليل مما أعده الله لهم من العقاب في القيامة ، والمقصود منه الزجر عن الكفر والتهديد عليه : قوله تعالى ﴿ ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج (ذلكم ) رفع لكونه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير :