Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قوله تعالى ((فلما نسوا ما ذكروا به)) الآية سورة الأعراف فَلَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْبِهِةَ أَجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَمُواْ بِعَذَابٍ ◌َئِيسٍٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ٦٥ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ﴾ اعلم ان قوله ( وإذ قالت ) معطوف على قوله ( إذ يعدون ) وحكمه حكمه في الاعراب وقوله ( أمة منهم ) أى جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم . وقوله ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) أى مخترمهم ومطهر الأرض منهم ( أو معذبهم عذابا شديدا ) لتماديهم في الشر، وإنما قالوا ذلك لعلهم ان الوعظ لا ينفعهم وقوله ( قالوا معذرة الى ربكم ) فيه بحثان : البحث الأول ﴾ قرأ حفص عن عاصم (معذرة ) بالنصب والباقون بالرفع ، أما من نصب ( معذرة ) فقال الزجاج معناه : نعتذر معذرة ، وأما من رفع فالتقدير : هذه معذرة أو قولنا معذرة وهي خبر لهذا المحذوف . ﴿ البحث الثاني﴾ المعذرة مصدر كالعذر، وقال أبو زيد: عذرته أعذره عذرا ومعذرة ، ومعنى عذره في اللغة أى قام بعذره ، وقيل : عذره ، يقال : من يعذرني أى يقوم بعذرى ، وعذرت فلانا فيما صنع أى قمت بعذره ، فعلى هذا معنى قوله ( معذرة الى ربكم ) اى قيام منا بعذر أنفسنا الى الله تعالى ، فانا إذا طولنا باقامة النهي عن المنكر . قلنا : قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ، وقال الأزهرى : المعذرة اسم على مفعله من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار . كأنهم قالوا : موعظتنا اعتذار الى ربنا . فأقيم الاسم مقام الاعتذار ، ويقال : اعتذر فلان اعتذارا وعذرا ومعذرة من ذنبه فعذرته ، وقوله ( ولعلهم يتقون ) أى وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية قولان : القول الأول ﴾ أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك اذنب ومنهم ٤٢ قوله تعالى ((فلما نسوا ما ذكروا به)) الآية سورة الأعراف من لم يفعل ذلك ، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين : منهم من وعظ الفرقة المذنبة ، وزجرهم عن ذلك الفعل ، ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ ، وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم : لم تعظوهم ، مع العلم بأن الله مهلكهم أو معذبهم ؟ يعني : أنهم قد بلغوا في الاصرار على هذا الذنب الى حد لا يكادون يمنعون عنه ، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر ، فوجب تركه . ﴿ والقول الثاني﴾ أن أهل القرية كانوا فرقتين: فرقة أقدمت على الذنب ، وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين ، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ) بزعمكم ؟ قال الواحدى : والقول الأول أصح ، لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله ( معذرة الى ربكم ) خطابا من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا ( ولعلكم تتقون ) أما قوله ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به ﴾ يعني: أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه ، أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية . واعلم ان لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت ، والفرقة الناهية عن المنكر نجت . أما الذين قالوا ( لم تعظون ) فقد اختلف المفسرون في أنهم من أى الفريقين كانوا ؟ فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه . ونقل عنه أيضا : هلكت الفرقتان ونجت الناهية ، وكان ابن عباس اذا قرأ هذه الآية بكى وقال : إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ، ثم نسكت ولا نقول شيئا . قال الحسن : الفرقة الساكتة ناجية ، فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة . واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا ( لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم) دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الانكار ، وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون الى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به . فان قيل : إن ترك الوعظ معصية ، والنهي عنه أيضا معصية ، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله ( وأخذنا الذين ظلموا ) قلنا : هذا غير لازم ، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية . فاذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس ، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره . وقوله ( بعذاب بئيس ) أى شديد وفي هذه اللفظة قرآآت : أحدها ( بئیس ) بوزن فعيل ، قال أبو علي : وفيه وجهان : الأول : أن یکون فعیلا من بؤس یبؤس بأسا إذا اشتد . والآخر : ما قاله أبو زيد ، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل .. 1 ١ ٤٣ قوله تعالى ((فلما عتوا عن ما نهوا عنه)) الآية سورة الأعراف شه فَلَّا عَتُواْ عَن مَّ ◌ُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةٌ خَسِعِينَ يبأس بؤسا وبأسا وبئيسا إذا افتقر فهو بائس ، اى فقير . فقوله ( بعذاب بئيس ) أى ذى بؤس . والقراءة الثانية ( بئس) بوزن حذر . والثالثة : ( بيس ) على قلب الهمزة ياء ، كالذيب في ذئب ، والرابعة ( بيئس ) على فيعل . والخامسة ( بيس ) كوزن ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها . والسادسة ( بيس ) على تخفيف بيس كهين في هين ، وهذه القرآت نقلها صاحب الكشاف. ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا . فقال عز من قائل ﴿ فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ وفيه مباحث : · البحث الأول العتو عبارة عن الآباء والعصيان ، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا ، لأنهم أبوا عما نهوا عنه ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار ، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ، ثم حذف المضاف، واذا أبوا ترك المنهى كان ذلك ارتكابا للمنهي . ﴿البحث الثاني﴾ من الناس من قال: إن قوله ( قلنا لهم كونوا قردة) ليس من المقال ، بل المراد منه انه تعالى فعل ذلك . قال : وفيه دلالة على أن قوله ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) هو بمعنى الفعل لا الكلام . وقال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ . واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد ، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادرا عليه ، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقبلوا أنفسهم قردة . البحث الثالث ﴾ قال ابن عباس : أصبح القوم وهم قردة صاغرون ، فمكثوا كذلك ثلاثا فرآهم الناس ثم هلكوا ، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن شباب القوم صاروا قردة ، والشيوخ خنازير ، وهذا القول على خلاف الظاهر . واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة ؟ وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا ، وانقطع نسلهم ، ولا دلالة في الآية عليه ، والكلام في المسخ وما فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة . والله أعلم . ٤٤ قوله تعالى ((وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة)) الآية سورة الأعراف وَإِذْ تَأْذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَدَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبِّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (0) قوله تعالى ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ اعلم أنه تعالى لما شرح ههنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح افعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار الى يوم القيامة ، قال سيبويه : أذن أعلم . وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى ( فأذن مؤذن بينهم) وقوله ( تأذن ) بمعنى أذن أى أعلم . ولفظة تفعل ، ههنا ليس معناه أنه أظهر شيئا ليس فيه ، بل معناه فعل فقوله ( تأذن ) بمعنى. أذن كما في قوله ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) معناه علا وارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو، وإن لم يحصل ذلك فيه وأما قوله ( ليبعثن عليهم ) ففيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ أن اللام في قوله ( ليبعثن) جواب القسم لأن قوله ( وإذ تأذن ) جار مجرى القسم في كونه جازما بذلك الخبر . ﴿ البحث الثاني﴾ الضمير في قوله (عليهم) يقتضي أن يكون راجعا إلى قوله ( فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف. ثم اختلفوا فقال بعضهم : المراد نسلهم والذين بقوا منهم . وقال آخرون : بل المراد سائر اليهود فان أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدى وألحق الذل بالبقية ، وقال الأكثرون : هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته ، وهذا أقرب . لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية ، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم الى يوم القيامة انزجروا . ﴿ البحث الثالث ﴾ لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر واليهودية ، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فخارجون عن هذا الحكم . أما قوله ﴿ الى يوم القيامة ) فهذا تنصيص على أن ذلك العذاب ممدود الى يوم القيامة وذلك يقتضي أن ذلك العذاب إنما يحصل في الدنيا ، وعند ذلك اختلفوا فيه فقال بعضهم : ٤٥ قوله تعالى ((وقطعناهم في الأرض أمما)) الآية سورة الأعراف وَقَطَّعْنَهُمْ فِى الْأَرْضِ أُعَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَئُهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسََّاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ هو أخذ الجزية . وقيل : الاستخفاف والاهانة والاذلال لقوله تعالى (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا) وقيل؛ القتل والقتال. وقيل: الاخراج والابعاد من الوطن، وهذا القائل جعل هذه الآية في أهل خيبر وبني قريظة والنضير، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة ولا عز، وان الذل يلزمهم، والصغار لا يفارقهم، ولما اخبر الله تعالى في زمان محمد عن هذه الواقعة . ثم شاهدنا بأن الأمر كذلك كان هذا اخبارا صدقا عن الغيب، فكان معجزا، والخبر المروى في أن اتباع الرجال هم اليهود ان صح، فمعناه انهم كانوا قبل خروجه يهودا ثم دانوا بالهيته ، فذكروا بالاسم الأول ولولا ذلك لكان في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن الذلة، وذلك خلاف هذه الآية. واحتج بعض العلماء على لزوم الذل والصغار لليهود بقوله تعالى (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله) إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم في كل الأحوال. أما الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد ولا استثناء، فكانت دلالتها على هذا المعنى قوية جدا. واختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء اليهود من هم . فقال بعضهم: الرسول وامته وقيل يحتمل دخول الولاة الظلمة منهم ، وان لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم. وهذا القائل حمل قوله (ليبعثن) على نحو قوله (إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين) فإذا جاز ان يكون المراد بالارسال التخلية، وترك المنع، فكذلك البعثة. وهذا القائل: قال: المراد بختنصر وغيره الى هذا اليوم ، ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله ( إن ربك لسريع العقاب) والمراد التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا (وإنه لغفور رحيم) لمن تاب من الكفر واليهودية، ودخل في الايمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى ﴿وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ﴾ واعلم أن قوله ﴿ وقطعناهم ﴾ أحد ما يدل على أن الذى تقدم من قوله ( ليبعثن عليهم ) المراد جملة اليهود ، ومعنى ( قطعناهم ) أى فرقناهم تفريقا شديدا . فلذلك قال بعده ( في الأرض أمما) وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة ، وهذا هو الغالب من حال اليهود ، ومعنى قطعناهم ، فانه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم . ٤٦ قوله تعالى ((فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب)) الآية سورة الأعراف فَغَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِنُواْ الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَ إِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ, يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمِ مِينَقُ الْكِتَبِ أَن ◌َّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِإِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَثِرَةُ خَيْرٌلِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ، وَالَّذِينَ يُمَّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّالَأَ يُضِيعُ أَبْرَ الْمُصْلِحِينَ ( ١٧٠ ثم قال ﴿ منهم الصالحون ﴾ قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق . وقال ابن عباس ومجاهد : يريد الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وآمنوا به وقوله ( ومنهم دون ذلك ) أى ومنهم قوم دون ذلك ، والمراد من أقام على اليهودية . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله ( ومنهم دون ذلك ) من يكون صالحا إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك الى الظاهر أقرب . قلنا : أن قوله بعد ذلك ( لعلهم يرجعون ) يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح . أما قوله ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾ أى عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات ، وهي النعم والخصب والعافية ، والسيئات هي الجدب والشدائد ، قال أهل المعاني : وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو الى الطاعة ، أما النعم فلاجل الترغيب ، وأما النقم فلاجل الترهيب . وقوله ( يرجعون ) يريد كي يتوبوا . قوله تعالى ﴿ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ﴾ اعلم أن قوله ( فخلف من بعدهم خلف) ظاهرة أن الأول ممدوح . والثاني مذموم ، ٤٧ قوله تعالى ((والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة )) الآية سورة الأعراف وإذا كان كذلك ، فيجب ان يكون المراد : فخلف من بعد الصالحين منهم الذين تقدم ذكرهم خلف . قال الزجاج : الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك ، فلهذا السبب يقال للقرن الذى يجيء في إثر قرن خلف، ويقال فيه أيضا خلف، وقال أحمد بن يحيى : الناس كلهم يقولون خلف صدق وخلف سوء ، وخلف للسوء لا غير . وحاصل الكلام : أن من أهل العربية من قال الخلف والخلف قد يذكر في الصالح وفي الردىء ، ومنهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد . وبقيت في خلف کجلد الأجرب ومنهم من يقول : الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف، وهو الفساد ، يقال الردىء من القول خلف، ومنه المثل المشهور سكت ألفا ونطق خلفا ، وخلف الشيء يخلف خلوفا وخلفا إذا فسد وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته . وقوله ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) قال أبو عبيدة جميع متع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وأما الغرض بسكون الراء فما خالف العين ، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض ، فكان كل عرض عرضا وليس كل عرض عرضا ، والمراد بقوله ( عرض هذا الأدنى ) أى حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفي قوله (هذا الأدنى ) تخسيس وتحقير، و(الأدنى) إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب ، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها . والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام . ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا . ثم قال ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ والمراد الاخبار عن إصرارهم على الذنوب. وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها . ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال (الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ) أي التوراة ( أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة، وقيل: المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الاصرار، وذلك قول باطل . فان قيل : فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له . قلنا : أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة ، ونحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران ، ونقول : إن بتقدير أن يعذب الله عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم . ثم قال تعالى ﴿ ودرسوا ما فيه ﴾ أى فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرؤه ودرسوه ٤٨ قوله تعالى ((وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة)) الآية سورة الأعراف وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأنَُّ ظُلَّةٌ وَظَنُواْ أَهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَاذْ كُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ ١٧١ ثم قال ﴿ والدار الآخرة خير للذين يتقون ﴾ من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة (أفلا يعقلون ) أما قوله تعالى ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ) يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ( يمسكون ) مخففة والباقون بالتشديد . أما حجة عاصم فقوله تعالى ( فامساك بمعروف) وقوله ( أمسك عليك زوجك ) وقوله ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) قال الواحدى : والتشديد أقوى ، لأن التشديد للكثرة وههنا أريد به الكثرة ، ولأنه يقال : أمسكته ، وقلما يقال أمسكت به . إذا عرفت هذا فنقول : في قوله ( والذين يمسكون بالكتاب ) قولان : ﴿ القول الأول) أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره ( إنا نضيع أجر المصلحين ) والمعنى : إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) وهذا الوجه حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به . ﴿ والقول الثاني ﴾ أن یکون مجر ورا عطفا على قوله ( الذین یتقون ) وبکون قوله ( إنا لا نضيع ) زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله . فان قيل : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة ، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر ؟ قلنا : إظهارا لعلو مرتبة الصلاة ، وانها أعظم العبادات بعد الايمان . قوله تعالى ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ﴾ قال أبو عبيدة : أصل النتق قلع الشيء من موضعه ، والرمي به . يقال : نتق ما في ٤٩ قوله تعالى ((وإذ اخذ ربك من بني آدم)) الآية سورة الأعراف وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّءَادَمَ مِنْ نُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَنَ شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَدَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَاذَا غَيْفِلِينَ} (0) أَوْ تَقُولُواْ إِنَا أَثْرُكَ ءَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّاذُرِيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكَ بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ () وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَنْتِ وَلَعَّهُمْ يَرْجِعُونَ. ١٧٤ الجراب إذا رمى به وصبه ، وامرأة ناتق ومنتاق إذا كثر ولدها لأنها ترمي بأولادها رميا فمعنى ( نتقنا الجبل ) أى قلعناه من أصله وجعلناه فوقهم وقوله ( كأنه ظلة ) قال ابن عباس : كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط ، والجمع ظلل وظلال ، وهذه القصة مذكورة في سورة البقرة ( وظنوا انه واقع بهم ) قال المفسرون : علموا وأيقنوا . وقال أهل المعاني : قوى من نفوسهم أنه واقع بهم إن خالفوه وهذا هو الأظهر في معنى الظن، ومضى الكلام فيه عند قوله ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) روى انهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها ، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم ، وكان فرسخا في فرسخ . وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم ، فلما نظروا الى الجبل خر كل واحد منهم ساجدا على حاجبه الأيسر، وهو ينظر بعينه اليمنى خوفا من سقوطه ، فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الايسر وهو ينظر بعينه اليمنى ، ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة . ثم قال تعالى ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ أى وقلنا خذوا ما آتيناكم أو قائلين : خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة ، وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه ( واذكروا ما فيه ) من الأوامر والنواهي ، أى واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب ، ويجوز أن يراد : خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة ، إن كنتم تطيقونه كقوله ( إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا) واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة لعلكم تتقون ما أنتم عليه . قوله تعالى ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا. من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ﴾ الفخر الرازي ج١٥ م٤ ٥٠ قوله تعالى ((ألست بربكم قالوا بلى)) الآية سورة الاعراف في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ اعلم انه تعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع توابعها على أقصى الوجوه ذكر في هذه الآية ما يجرى مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين ، وفي تفسير هذه الآية قولان : الأول : وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال (( ان الله سبحانه وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء نلنار وبعمل أهل النار يعملون )) فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام ((إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال اهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار)) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته الى يوم القيامة )) وقال مقاتل : ان الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك ، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال يا آدم هؤلاء ذريتك . ثم قال لهم ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين ، وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعا في صلب آدم ، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال ، وأرحام النساء . وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) وهذا القول قد ذهب اليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وعكرمة والكلبي ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه أبصر آدم في ذريته قوما لهم نور ، فقال يا رب من هم ؟ فقال الأنبياء ، ورأى واحدا هو أشدهم نورا فقال من هو؟ قال داود ، قال فكم عمره قال سبعون سنة قال آدم : هو قليل قد وهبته من عمرى أربعين سنة ، وكان عمر آدم ألف سنة ، فلما تم عمر آدم تسعماية وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه ، فقال بقى من أجلي أربعون سنة ، فقال : ألست قد وهبته من ابنك داود ؟ فقال ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئا ، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها . أما المعتزلة : فقد أطبقوا على انه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه . واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه . ﴿ الحجة الأولى ﴾ لهم قالوا : قوله ( من بني آدم من ظهورهم ) لا شك ان قوله ( من ٥١ قوله تعالى ((ألست بربكم قالوا بلى)) الآية سورة الأعراف ظهورهم ) يدل من قوله ( بني آدم ) فيكون المعنى : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم . وعلى هذا التقدير : فلم يذكر الله تعالى انه أخذ من ظهر آدم شيئا . ﴿ الحجة الثانية﴾ أنه لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئا من الذرية لما قال ( من ظهورهم ) بل كان يجب ان يقول : من ظهره ، لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد ، وكذلك قوله ( ذريتهم ) لو كان آدم لقال ذريته . ﴿ الحجة الثالثة) أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا (إنما أشرك آباؤنا من قبل ) وهذا الكلام يليق بأولاد آدم ، لأنه عليه السلام ما كان مشركا . ﴿ الحجة الرابعة) أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل، فلو أخذ اللّه الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء ، ولو كانوا عقلاء واعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب ان يتذكروا في هذا الوقت انهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم ، لأن الانسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فانه لا يجوز مع كونه عاقلا ان ينساها نسيانا كليا لا يتذكر منها شيئا لا بالقليل ولا بالكثير ، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ . فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الاجساد في أجساد أخرى لوجب ان نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر ، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلا . فاذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة ، وجب القول بمقتضاه ، فلو جاز ان يقال إنا في وقت الميثاق أعطينا العهد والميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئا منه ، فلم لا يجوز أيضا ان يقال إنا كنا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البُدن لا نتذكر شيئا من تلك الأحوال ، وبالجملة فلا فرق بين هذا القول وبين مذهب أهل التناسخ فان لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضا التزام مذهب التناسخ . ﴿ الحجة الخامسة﴾ ان جميع الخلق الذين خلقهم الله من اولاد آدم عدد عظيم وكثرة كثيرة ، فالمجموع الحاصل من تلك الذريات يبلغ مبلغا عظيما.في الحجمية والمقدار وصلب آدم على صغره يبعد ان يتسع لذلك المجموع . ﴿ الحجة السادسة) أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء ان يكون عاقلا فاهما مصنفا للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة . وفتح هذا الباب يفضي الى التزام الجهالات . وإذا ثبت ان البنية شرط لحصول الحياة ، فكل واحد من تلك الذريات لا يمكن أن يكون عالما فاهما عاقلا ، إلا إذا حصلت له قدرة من البنية واللحمية والدمية ، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا ٥٢ قوله تعالى ((ألست بربكم قالوا بلى)) الآية سورة الأعراف الى الوجود من أول تخليق آدم الى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرضة الدنيا ، فكيف يمكن أن يقال انهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام ؟ ﴿ الحجة السابعة) قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت ، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا ، والأول باطل لانعقاد الاجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالايمان ؟ ﴿ الحجة الثامنة﴾ قال الكعبي: إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال ، ولما لم يكن توجيه التكليف على الطفل ، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذوات ؟ وأجاب الزجاج عنه فقال : لما لم يبعد أن يؤتي الله النمل العقل کما قال ( قالت نملة یأيها النمل ) وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ) وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول ، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا . ﴿ الحجة التاسعة﴾ ان أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك ، فان كان الأول كانوا مكلفين لا محالة وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا ، فلو افتقر التكليف في الدنيا الى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق الى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال ، وأما الثاني : وهو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر ، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم . ﴿ الحجة العاشرة﴾ قوله تعالى (فلينظر الانسان مم خلق خلق من ماء دافق ) ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين ، لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للانسان إلا ذلك الشيء فحينئذ لا يكون الانسان مخلوقا من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن . فان قالوا: لم لا يجوز ان يقال انه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدر عند الميثاق ثم أزال وفهمه وقدرته؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه الى هذه الحياة . ٥٣ قوله تعالى ((الست بربكم قالوا بلى)) الآية سورة الأعراف قلنا : هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقا على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقا على سبيل الاعادة . وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على ان ما ذكرتموه باطل . ﴿ الحجة الحادية عشرة﴾ هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس أو غيرهم والقول الثاني باطل بالإجماع ، بقي القول الأول . فنقول : إما ان يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك والأول باطل بيديهة العقل . والثاني : يقتضي ان يقال الانسان حصل له الحياة أربع مرات : أولها وقت الميثاق ، وثانيها في الدنيا ، وثالثها في القبر ، ورابعها في القيامة . وأنه حصل له الموت ثلاث مرات . موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول ، وموت في الدنيا ، وموت في القبر ، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) الحجة الثانية عشرة ﴾ قوله تعالى ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ) فلو كان لقول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو الانسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب ، وذلك باطل . لأن ذلك الذر غير مخلوق من النطفة والعلقة ، والمضغة ، ونص الكتاب دليل على أن الانسان مخلوق من النطفة والعلقة ، وهو قوله تعالى ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ) وقوله ( قتل الانسان ما أكفره من أى شيء خلقه من نطفة خلقه ) فهذه جملة الوجوه المذكورة فى بيان أن هذا القول ضعيف . والقول الثاني ﴾ في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات : انه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الاخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات ، وجعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشراسويا ، وخلقا كاملا ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعه . فبالاشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى ، وان لم يكن هناك قول باللسان ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) ومنها قوله تعالى ( إنما أمرنا لشيء إذا أردناه ان نقول له كن فيكون ) وقول العرب : قال سل من يدقني قال الجدار للوتد لم تشقنى ما خلافي ورایی فان الذی ورایی وقال الشاعر : ٥٤ قوله تعالى ((الست بربكم قالوا بلى)) الآية سورة الأعراف امتلأ الحوض وقال قطنى فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام فوجب حمل الكلام عليه ، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين ، وهذا القول الثاني لا طعن فيه البتة ، وبتقدير ان يصح هذا القول لم يكن ذلك منافيا لصحة القول الأول : إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا ؟ 1 فان قال قائل : فما المختار عندكم فيه ؟ قلنا : ههنا مقامان : أحدهما : أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر؟ والثاني : ان بتقدير ان يصح القول به ، فهل يمكن جعله تفسير الالفاظ هذه الآية ؟ ﴿ أما المقام الأول ﴾ فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها وقررناها ، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع . ﴿ أما الوجه الأول﴾ من الوجوه العقلية المذكورة ، وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب ان نتذكره الآن . قلنا : خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية . والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها . فان قالوا : فاذا جوزتم هذا ، فجوزوا أن يقال : إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الابدان . قلنا : الفرق بين الأمرين ظاهر وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى ، وبقينا فيها سنين ودهورا ، امتنع في مجرى العادة نسيانها ، أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان ، وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان فيه ، والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق ، لأن الانسان إذا بقى على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع ان ينساه ، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساه ، فقد ظهر الفرق . ﴿وأما الوجه الثاني﴾ وهو أن يقال: مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدم عليه السلام . قلنا : عندنا البنية ليست شرطا لحصول الحياة ، والجوهر الفرد الذى لا يتجزأ ، قابل للحياة والعقل ، فاذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهرا فردا ، فلم قلتم ٠ ٥٥ قوله تعالى ((الست بربكم قالوا بلى)) الآية سورة الاعراف 1 إن ظهر آدم عليه السلام لا يتسع لمجموعها ؟ إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا : الانسان جوهر فرد . وجزء لا يتجزأ في البدن . على ما هو مذهب بعض القدماء ، وأما إذا قلنا : الانسان هو النفس الناطقة وانه جوهر غير متحيز ، ولا حال في المتحيز فالسؤال زائل . ﴿وأما الوجه الثالث﴾ وهو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا ؟ فجوابنا ان نقول : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضا اليس ان من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال ، وإنطاق الجوارح قالوا : لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في اسماع هذه الأشياء لطف؟ فكذا ههنا لا يبعد ان يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف . وقيل أيضا إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين . ﴿وأما المقام الثاني﴾ وهو أن بتقدير ان يصح القول بأخذ الميثاق من الذر ، فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية ؟ فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة أولا دافعة لذلك لأن قوله ( أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فقد بينا ان المراد منه وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ، وأيضا لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته ولم يقل من ظهورهم ذريتهم . أجاب الناصرون لذلك القول : بأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فسرهذه الآية بهذا الوجه والطعن في تفسير رسول الله غير ممكن . فنقول : ظاهر الآية يدل على انه تعالى أخرج الذر من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على انه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان وذلك الفلان فلان آخر ، فعلى الترتيب الذى علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض ، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم ، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته وليس في الآية أيضا ما يدل على بطلانه ، إلا أن الخبر قد دل عليه ، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن ، وثبت اخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر ، وعلى هذا التقدير : فلا منافاة بين الأمرين ولا مدافعة ، فوجب المصير اليهما معا . صونا للآية . والخبر عن الطعن بقدر الامكان ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو (ذرياتهم) بالألف على الجمع والباقون (ذريتهم ) على الواحد . قال الواحدى : الذرية تقع على الواحد والجمع . فمن أفرد فانه قد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع فصار كالبشر فانه يقع على الواحد كقوله ( ما هذا بشرا) وعلى الجمع كقوله ( أبشر يهدوننا) وقوله (إن أنتم إلا بشر مثلنا ) وكما لم يجمع بشر ٥٦ قوله تعالى ((ألست بربكم قالوا بلى)) الآية سورة الأعراف بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع قال: إن الذرية وان كان واحدا فلا إشكال في جواز الجمع فيه ، وإن كان جمعا فجمعه أيضا حسن ، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت . نحو الطرقات والجدرات ، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) فنقول ؛ أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها ، وأما على قول من أنكره قال : أنها محمولة على التمثيل ، والمعنى : أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها عقولهم ، فصار ذلك جاريا مجرى ما إذا أشهدهم على انفسنا واقرارنا بوحدانيته ، أما قوله ( شهدنا ) ففيه قولان : القول الأول ﴾ انه من كلام الملائكة ، وذلك لأنهم لما قالوا (بلى) قال الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا ، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله ( قالوا بلى ) لأن كلام الذرية قد انقطع ههنا وقوله ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) تقريره : ان الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالاقرار، لئلا يقولوا ما أقررنا فاسقط كلمة ((لا)) كما قال (والقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) يريد لئلا تميد بكم ، هذا قول الكوفيين ، وعند البصريين تقريره : شهدنا كراهة أن يقولوا . ﴿ والقول الثاني﴾ ان قوله (شهدنا) من بقية كلام الذرية ، وعلى هذا التقرير ، فقوله ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) متعلق بقوله ( وأشهدهم على أنفسهم ) والتقدير: وأشهدهم على أنفسهم، بكذا وكذا، لئلا يقولوا يوم القيامة (إنا كنا عن هذاغافلين) أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير، فلا يجوز الوقف عند قوله (شهدنا) لأن قوله (أن يقولوا) متعلق بما قبله وهو قول (واشهدهم) فلم يجز قطعه منه. واختلف القراء في قوله (أن يقولوا) او تقولوا: فقرأ أبو عمرو بالياء جميع، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله (من بني آدم من ظهورهم - وأشهدهم على أنفسهم) لئلا يقولوا وقرأ الباقون بالتاء ، لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) وكلا الوجهين حسن ، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى . أما قوله ﴿ أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ﴾ قال المفسرون: المعنى ان المقصود من هذا الاشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا ، لأن آباءنا أشركوا ، فقلدناهم في ذلك الشرك ، وهو المراد من قوله ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) والحاصل : أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا القدر . وأما الذين حملوا الآية على ان المراد منه مجرد نصب الدلائل . قالوا : معنى الآية إنا نصبنا هذه الدلائل ، وأظهرناها للعقول كراهة ان يقولوا يوم القيامة ( إنا كنا عن هذا غافلين ) فما نبهنا عليه منبه أو كراهة ان يقولوا إنما أشركنا على سبيل ٠ ٥٧ قوله تعالى ((واتل عليهم نبأ الذي آتيناه)) الآية سورة الأعراف وَأَثْلُ عَيْهِمْ نَبَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَتِنَا فَسَلَغَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِْنَ كَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَ إِلَى الْأَرْضِ وَنََّعَ هَوَنُهُ فَثَلُهُ, كَثَلِ ١٧٥ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ نَتُّكُ يَلْهَتْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِالَّذِينَ كَذَّبُواْ ◌ِعَايَتِنَّا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَُّونَ ﴾ ١٧٦ التقليد لأسلافنا ، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم ، فلا عذر لهم في الاعراض عنه ، والاقبال على التقليد والاقتداء بالآباء . ثم قال ﴿ وكذلك نفصل الآيات﴾ والمعنى : أن مثل ما فصلنا وبينا في هذه الآية بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا الى الحق ويعرضوا عن الباطل وهو المراد من قوله ( ولعلهم يرجعون ) وقيل : أى ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد ، وفي الآية قول ثالث ، وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الابدان ، والاقرار بوجود الاله من لوازم ذواتها وحقائقها ، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله الى كسب وطلب ، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة ، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب . والله اعلم . قوله تعالى ﴿واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنالرفعناه بهاولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله: نزلت هذه الآية في بلعم ابن باعوراء ، وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذى هو فيه ، وغزا أهله وكانوا كفارا ، فطلبوا منه ان يدعو على موسى عليه السلام وقومه ، وكان مجاب الدعوة ، وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه ، فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه ، فقال موسى : يا رب بأى ذنب وقعنا في التيه . فقال : بدعاء بلعم . فقال : کما سمعت دعاءه على ، فاسمع دعائي عليه ، ثم دعا موسى عليه ان ينزع منه اسم الله الأعظم والايمان ، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة . فخرجت من صدره كحمامة ٥٨ قوله تعالى ((ولو شئنا لرفعناه بها .. )) الآية سورة الأعراف بيضاء فهذه قصته . ويقال أيضا : إنه كان نبيا من أنبياء الله ، فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الايمان وصار كافرا . وقال عبد الله بن عمر وسعيد ابن المسيب . وزيد بن أسلم ، وأبو روق : نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت ، وكان قد قرأ الكتب ، وعلم ان الله مرسل رسولا في ذلك الوقت ، ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله محمدا عليه الصلاة والسلام حسده ، ثم مات كافرا ، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الذى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ((آمن شعره وكفر قلبه)) يريد ان شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوجد الله في شعره ، ويذكر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض ، وأحوال الآخرة ، والجنة والنار . وقيل : نزلت في أبي عامر الراهب الذى سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق كان يترهب في الجاهلية ، فلما جاء الاسلام خرج الى الشام . وأمر المنافقين باتخاذ مسجد ضرار ، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم فمات هناك طريدا وحيدا ، وهو قول سعيد بن المسيب . وقيل : نزلت في منافقي أهل الكتاب ، كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الحسن والأصم وقيل : هو عام فيمن عرض عليه الهدى فاعرض عنه ، وهو قول قتاده ، وعكرمة ، وأبي مسلم . فان قال قائل : فهل يصح ان يقال : إن المذكور في هذه الآية كان نبيا ، ثم صار كافرا ؟ قلنا : هذا بعيد ، لأنه تعالى قال ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبدا من عبيده بالرسالة . إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف ، والدرجات العالية ، والمناقب العظيمة ، فمن كان هذا حاله ، فكيف يليق به الكفر ؟ أما قوله تعالى ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ ففيه قولان : القول الأول ﴾ (قيناه آياتنا) يعني : علمناه حجج التوحيد ، وفهمناه أدلته ، حتى صار عالما بها ( فانسلخ منها ) أى خرج من محبة الله الى معصيته ، ومن رحمة الله الى سخطه ، ومعنى انسلخ : خرج منها . يقال لكل من فارق شيئا بالكلية انسلخ منه . والقول الثاني﴾ ما ذكره أبو مسلم رحمه الله ، فقال قوله ( آتيناه آياتنا ) أى بيناها فلم يقبل وعرى منها ، وسواء قولك : انسلخ ، وعری ، وتباعد ، وهذا یقع علی کل كافر لم يؤمن بالأدلة ، وأقام على الكفر ، ونظيره قوله تعالى ( يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ) وقال في حق فرعون ( ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ) وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون ، فانه تعالى أرسل اليه موسى وهارون ، ٥٩ سورة الأعراف قوله تعالى ((ولو شئنا لرفعناه)) الآية فأعرض وأبى ، وكان عاديا ضالا متبعا للشيطان . واعلم أن حاصل الفرق بين القولين : هو أن هذا الرجل في القول الأول ، كان عالما بدين الله وتوحيده ، ثم خرج منه ، وعلى القول الثاني لما آتاه الله الدلائل والبينات امتنع من قبولها ، والقول الأول أولى ، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها ، وأيضا فقد ثبت بالأخبار ان هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالما بدين الله تعالى ، ثم خرج منه الى الكفر والضلال . أما قوله ﴿ فأتبعه الشيطان﴾ ففيه وجوه: الأول: أتبعه الشيطان كفار الانس وغواتهم ، أى الشيطان جعل كفار الانس أتباعا له . والثاني : قال عبد الله بن مسلم ( فأتبعه الشيطان) أي ادركه. يقال: أتبعت القوم. اي لحقتهم. قال أبو عبيدة: ويقال أتبعت القوم مثال: أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم. ويقال: ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم . أي حتى أدركتهم . وقوله ( فكان من الغاوين) أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين . قال أهل المعاني : المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى، فانسلخ منه الى الضلال والهوى والعمى ، ومال الى الدنيا ، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه الى البوار والردى، وخاب في الآخرة والأولى ، فذكر الله قصته ليحذر الناس عن مثل حالته. وقوله (ولو شئنا لرفعناه بها ) قال أصحابنا معناه: ولو شئنا رفعناه للعمل بها ، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته ، ولفظة (لو) تدل على انتفاء الشيء ، لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الايمان، وقد يريد الكفر . وقالت المعتزلة: لفظ الآية يحتمل وجوها اخرى سوى هذا الوجه. فالأول: قال الجبائي معناه: ولوشئنا لرفعناه بأعماله: بان نكرمه، ونزيل التكليف عنه، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة، فأبى ان يستمر على الايمان. الثاني : لو شئنا لرفعناه، بأن نحول بينه وبين الكفر، قهرا وجبرا، إلا أن ذلك ينافي التكليف. فلا جرم تركناه مع اختياره . والجواب عن الأول : أن حمل الرفعة على الاماتة بعيد ، وعن الثاني : أنه تعالى إذا منعه منه قهرا ، لم يكن موجبا للثواب والرفعة . ثم قال تعالى ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ قال أصحاب العربية ؛ أصل الاخلاد اللزوم على الدوام وكأنه قيل : لزم الميل الى الأرض ، ومنه يقال : أخلد فلان بالمكان ، إذا لزم الاقامة به . قال مالك بن سويد : بأبناء حي من قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا ٦٠ قوله تعالى ((فمثله كمثل الكلب إن تحمل )) الآية سورة الأعراف قال ابن عباس ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) يريد مال الى الدنيا ، وقال مقاتل : بالدنيا ، وقال الزجاج : سكن الى الدنيا . قال الواحدى : فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا ، وذلك لأن الدنيا هي الارض ، لأن ما فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج من الأرض ، وانما يقوى ويكمل بها ، فالدنيا كلها هي الارض ، فصح ان يعبر عن الدنيا بالارض ، ونقول : لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه ، ولكنا لم نشأ ، إلا أن قوله ( ولكنه أخلد إلى الأرض) لما دل على هذا المعنى لا جرم اقيم مقامه قوله ( واتبع هواه) معناه : أنه أعرض عن النمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى ، فلا جرم وقع في هاوية الردى ، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم ، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته ، وعلمه الاسم الأعظم ، وخصه بالدعوات المستجابة ، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب ، وذلك يدل على ان كل من كانت نعم الله في حقه أكثر ، فاذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى ، كان بعده عن الله أعظم ، واليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام (( من ازداد علما، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا)) أو لفظ هذا معناه ، ثم قال تعالى ﴿ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ قال الليث : اللهث هو أن الكلب اذا ناله الاعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر ، فانه يدلع لسانه من العطش . واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب ، وإنما وقع بالكلب اللاهث ، وأخس الحيوانات هو الكلب ، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث ، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا ، وأخلد إلى الأرض كان مشبها بأخس الحيوانات ، وهو الكلب اللاهث ، وفي تقرير هذا التمثيل وجوه : الأول : أن كل شيء يلهث فانما يلهث من إعياء أو عطش الا الكلب اللاهث فانه يلهث في حال الاعياء، وفي حال الراحة ، وفي حال العطش، وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس ، ثم إنه يميل الى طلب الدنيا، ويلقي نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث ، حيث واظب على العمل الخسيس ، والفعل القبيح ، لمجرد نفسه الخبيثة، وطبيعته الخسيسة ، لا لأجل الحاجة والضرورة . والثاني : أن الرجل العالم اذا توسل بعلمه الى طلب الدنيا ، فذاك إنما يكون لأجل انه يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك انه عند ذكر تلك الكلمات وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه، ويخرجه لأجل ما تمكن في