Indexed OCR Text

Pages 241-251

٢٤١
قوله تعالى ((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)) الآية سورة الأعراف
جائز ، والمعلق على الجائز جائز . فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة . إنما قلنا : إنه تعالى علق
رؤيته على أمر جائز ، لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل ، بدليل قوله تعالى ( فان استقر
مكانه فسوف تراني ) واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه . فثبت أنه تعالى علق رؤيته على
أمر جائز الوجود في نفسه .
إذا ثبت هذا وجب ان تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها ، لأنه لما كان ذلك الشرط أمرا
جائز الوجود ، لم يلزم من فرض وقوعه محال ، فبتقدير حصول ذلك الشرط ، إما أن يترتب
عليه الجزاء الذى هو حصول الرؤية أو لا يترتب ، فان ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع
بكون الرؤية جائزة الحصول ، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله انه
متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية ، وذلك باطل .
فان قيل : إنه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته ، واستقرار
الجبل حال حركته محال . . فثبت أن حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع الحصول ، لا على
شرط جائز الحصول ، فلم يلزم صحة ما قلتموه ، والدليل على أن الشرط هو استقرار الجبل حال
حركته أن الجبل إما ان يقال : إنه حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية كان ساكنا او
متحركا ، فان كان الأول ، لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط ، وحيث لم تحصل علمنا ان
الجبل في ذلك الوقت ما كان مستقرا ، ولما لم يكن مستقرا كان متحركا . فثبت أن الجبل حال
ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية ، كان متحركا لا ساكنا . فثبت أن الشرط هو كون
الجبل مستقرا حال كونه ساكنا فثبت أن الشرط الذى علق الله تعالى على حصوله حصول
الرؤية ، هو كون الجبل مستقرا حال كونه متحركا ، وأنه شرط محال .
والجواب : هو أن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث أنه
متحرك أو ساكن ، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث أنه
متحرك أو ساكن ألا ترى ان الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودا كان واجب الوجود ، ولو
أخذته بشرط كونه معدوما كان واجب العدم ، فلو أخذته من حيث هو مع قطع النظر عن كونه
موجودا أو كونه معدوما كان ممكن الوجود . فكذا ههنا الذى جعل شرطا في اللفظ هو استقرار
الجبل ، وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذى جعل شرطا أمر ممكن الوجود جائز
الحصول ، وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه . والله أعلم .
﴿ الحجة الرابعة﴾ من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى
/ الفخر الرازي ج١٤ م١٦

٢٤٢
قوله تعالى ((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه )) الآية سورة الأعراف
( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) وهذا التجلي هو الرؤية ، ويدل عليه وجهان: الأول : ان
العلم بالشيء يجلى لذلك الشيء ، وأبصار الشيء يجلى لذلك الشيء . إلا ان الأبصار في كونه
مجليا أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل أولى . الثاني : أن المقصود من ذكر
هذه الآية تقرير أن الانسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى.
انذاك تفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلى ما ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود . فثبت
أن قوله تعالى ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت
أجزاؤه ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال : الجبل
جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئا ، إلا أنا نقول: لا يمتنع أن يقال : إنه تعالى خلق في ذات
الجبل الحياة والعقل والفهم ، ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى ، والدليل عليه أنه
تعالى قال ( يا جبال أوبى معه والطير ) وكونه مخاطبا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة
والعقل فيه فكذاههنا . فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى جائز الرؤية .
أما المعتزلة فقالوا : إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه
الظواهر الى التأويلات . أما دلائلهم العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها . فلا
حاجة هنا الى ذكرها . وأما دلائلهم السمعية فأقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى
( لا تدركه الأبصار ) قد سبق في سورة الأنعام ما في هذه الآية من المباحث الدقيقة واللطائف
العميقة . واعلم ان القوم تمسكوا بهذه الآية على عدم الرؤية من وجوه : الأول : التمسك بقوله
تعالى (لن تراني) وتقرير الاستدلال أن يقال : إن هذه الآية تدل على أن موسى عليه السلام
لا يرى الله البتة لا في الدنيا ولا في القيامة، ومتى ثبت هذا ثبت أن أحدا لا يراه البتة ومتى ثبت
هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى ، فهذه مقدمات ثلاثة .
أما المقدمة الأولى﴾ فتقريرها من وجوه : الأول : ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة
((لن )) للتأييد ، قال الواحدى : هذه دعوى باطلة على أهل اللغة ، وليس يشهد بصحته
كتاب معتبر ، ولا نقل صحيح . وقال أصحابنا : الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود
( ولن يتمنوه أبدا) مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة . والثاني : أن قوله ( لن تراني ) يتناول
الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أى وقت أريد من هذه الكلمة ، ومقتضى الاستثناء إخراج
ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضا ضعيف، لأن تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف
الوجوب على ما هو مقرر في أصول الفقه . الثالث أن قوله لن أفعل كذا ، يفيد تأكيد النفي ،
ومعناه أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى ( لن يخلقوا ذبابا ولو أجتمعوا له ) وهذا يدل على أن
الرؤية منافية للالهية ، والجواب : أن ( لن ) لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه ، والسؤال إنما وقع

٢٤٣
قوله تعالى ((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)) الآية سورة الأعراف
عن تحصيل الرؤية في الحال ، فكان قوله ( لن تراني ) نفيا لذلك المطلوب ، فاما أن يفيد النفي
الدائم فلا . فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة .
﴿ أما المقدمة الثانية) فقالوا: القائل اثنان: قائل يقول: إن المؤمنين يرون الله
وموسى أيضا يراه ، وقائل ينفي الرؤية عن الكل ، أما القول باثباته لغير موسى ونفيه عن موسى
فهو قول خارق للاجماع وهو باطل .
﴿ وأما المقدمة الثالثة) فهي أن كل من نفى الوقوع نفي الصحة ، فالقول بثبوت
الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الاجماع وهو باطل . واعلم أن بناء هذه الدلالة على
صحة المقدمة الأولى ، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية .
﴿ الحجة الثانية للقوم ﴾ أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقا، ولو
كانت الرؤية جائزة . فلم خر عند سؤالها صعقا ؟
﴿ والحجة الثالثة ) أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك ، وهذه الكلمة للتنزيه ،
فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره ، والذى تقدم ذكره هو رؤية الله
تعالى ، فكان قوله ( سبحانك) تنزيها له عن الرؤية ، فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله
تعالى ، وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات . فوجب كون الرؤية من النقائص
والآفات ، وذلك على الله محال . فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة.
والحجة الرابعة ) قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال ( تبت إليك ) ولولا
أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه ، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الاسلام لما قال ( وأنا أول
المؤمنين )
واعلم أن أصحابنا قالوا : الرؤية كانت جائزة ، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الاذن
وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه ، فهذا جملة
الكلام في هذه الآية . والله أعلم بالصواب .
﴿ المسألة الرابعة﴾ في البحث عن هذه الاية. نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء موسى
عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل ، وكلم الله
موسى وكتب له في الألواح كتابا وقربه نجيا ، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه ، فقال
﴿رب أرني أنظر اليك ﴾ قال صاحب الكشاف: ثاني مفعولٍ ﴿ أرني﴾ نفسك ﴿أنظر
اليك ﴾ وفي لفظ الآية سؤالات:

٢٤٤
قوله تعالى ((فلما تجلى ربه للجبل جعل دكا)) الآية سورة الأعراف
السؤال الأول ﴾ النظر: إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب
الحدقة السليمة الى جانب المرئي التماسا لرؤيته ، وعلى التقدير الأول : يكون المعنى أرني حتى
أراك ، وهذا فاسد ، وعلى التقدير الثاني : يكون المعنى أرني حتى أقلب الى جانبك وهذا
فاسد لوجهين : أحدهما : أنه يقتضى إثبات الجهة لله تعالى . والثاني : أن تقليب الحدقة الى
جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد .
والجواب : أن قوله ﴿أرني﴾ معناه اجعلني متمكنا من رؤيتك حتى انظر اليك
وأراك .
﴿ السؤال الثاني﴾ كيف قال ﴿لن تراني﴾ ولم يقل لن تنظر الى ، حتى يكون مطابقا
لقوله ﴿ أنظر إليك ﴾
والجواب : أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية
معه .
والسؤال الثالث ﴾ كيف اتصل الاستدراك في قوله ﴿ولكن انظر إلى الجبل ﴾ بما
قبله ؟
والجواب : المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحدا لا يقوى على رؤية الله تعالى إلا إذا
قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ، ألا ترى أنه لما ظهر أثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق ،
فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر الرؤية .
أما قوله ﴿ فلما تجلى ربه للجبل﴾ فقال الزجاج ﴿تجلى﴾ أي ظهر وبان، ومنه يقال
جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرأة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدأ، وقوله
﴿جعله دكا﴾ قال الزجاج يجوز ﴿دكا﴾ بالتنوين و﴿دكاء﴾ بغير تنوين أي جعله مدقوقا مع
الأرض يقال: دككت الشيء إذا دققته أدكه دكا، والدكاء والدكاوات: الروابي التي تكون مع
الأرض ناشزة. فعلى هذا، الدك مصدر، والدكاء اسم. ثم روى الواحدي الواحدي باسناده
عن الأخفش في قوله ﴿ جعله دکا﴾ انه قال: دكه دكا مصدر مؤكد، ويجوز جعله ذا دك. قال
ومن قرأ ﴿دكاء﴾ ممدودا أراد جعله دكاء أي أرضا مرتفعة ، وهو موافق لما روي عن ابن عباس
انه قال: جعله ترابا. وقوله ﴿وخر موسى صعقا﴾ قال الليث: الصعق مثل الغشي يأخذ
الانسان، والصعقة الغشية. يقال: صعق الرجل وصعق، فمن قال صعق فهو صعق. ومن
قال صعق فهو مصعوق. ويقال أيضا: صعق إذا مات، ومنه قوله تعالى ﴿فصعق من في

٢٤٥
قوله تعالى ((قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس)) الآية سورة الأعراف
قَالَ يَمُوَسَّ إِىِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِى وَبِكَِى نَخُذْ مَآ ءَاتَدْتُكَ وَكُنْ مِّنَ
الشَّكِرِينَ
١٤٤
السموات ومن في الأرض﴾ فسروه بالموت. ومنه قوله ﴿يومهم الذي فيه يصعقون﴾ أي
يموتون. قال صاحب الكشاف: صعق أصله من الصاعقة، ويقال لها : الصاعقة من صعقة إذا
ضربه على رأسه .
إذا عرفت هذا فنقول : فسرابن عباس قوله تعالى ﴿وخر موسى صعقا ﴾ بالغشي،
وفسره قتادة بالموت ، والأول أقوى ، لقوله تعالى ﴿ فلما أفاق ﴾ قال الزجاج : ولا يكاد
يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه: أنه أفاق من غشيه ، لأن الله
تعالى قال في الذين ماتوا ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ .
أما قوله ﴿ قال سبحانك﴾ أي تنزيها لك عن أن يسألك غيرك شيئا بغير إذنك،
تبت اليك﴾ وفيه وجهان: الأول ﴿ تبت إليك﴾ من سؤال الرؤية في الدنيا . الثاني
تبت اليك ﴾ من سؤال الرؤية بغير إذنك ﴿وأنا أول المؤمنين﴾ بأنك لا ترى في الدنيا ، أو
يقال ﴿وأنا أول المؤمنين﴾ بانه لا يجوز السؤال منك إلا باذنك.
قوله تعالى ﴿ قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك
وكن من الشاكرين ﴾
اعلم أن موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه الله منها ، عدد اللّه عليه وجوه نعمه
العظيمة التي له عليه ، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد
أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا ، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية ، وانظر الى سائر
انواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها . والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع
الرؤية ، وهذا أيضا أحد ما يدل على أن الرؤيا جائزة على اللّه تعالى، إذ لو كانت ممتنعة في
نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة
واعلم أن الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله ( اصطفيتك ) أى اتخذتك صفوة على
الناس قال ابن عباس : يريد فضلتك على الناس ، ولما ذكر أنه تعالى اصطفاه ذكر الأمر الذى
به حصل هذا الاصطفاء فقال ( برسالاتي وبكلامي ) قرأ ابن كثير ونافع ( برسالتي ) على
الواحد والباقون ( برسالاتي ) على الجمع ، وذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى ، ومن

٢٤٦
قوله تعالى ((وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة)) الآية سورة الأعراف
وَكَتَبْنَا لَهُ فِ الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ لَخُذْهَا بِقُوَّةٍ
وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِبِكُمْ دَارَ اَلْفَاسِقِينَ
١٤٥
قرأ ( برسالتي ) فلان الرسالة تجرى مجرى المصدر . فيجوز إفرادها في موضع الجمع ، وإنما
قال ( اصطفيتك على الناس ) ولم يقل على الخلق ، لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير
واسطة كما سمعه موسى عليه السلام .
فأن قيل : كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيرا من الناس قد ساواه في
الرسالة ؟
قلنا : إنه تعالى بين أنه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين ، وهو الرسالة مع الكلام
بغير واسطة، وهذا المجموع ما حصل لغيره ، فثبت أنه إنما حصل التخصيص ههنا لأنه سمع
ذلك الكلام بغير واسطة . وإنما كان الكلام بغير واسطة سببا لمزيد الشرف بناء على العرف
الظاهر ، لأن من سمع كلام الملك العظيم من فلق فيه كان أعلى حالا وأشرف مرتبة ممن سمعه
بواسطة الحجاب والنواب ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة ، قال ( فخذ ما آتيتك
وكن من الشاكرين ) يعني فخذ هذه النعمة ، ولا يضيق قلبك بسبب منعك الرؤية ، واشتغل
بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علما وعملا . والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة
وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين أنه خص موسى عليه السلام بالرسالة ذكر في هذه الآية تفصيل
تلك الرسالة فقال ( وكتبنا له في الألواح ) نقل صاحب الكشاف عن بعضهم : أن موسى خر
صعقا يوم عرفة . وأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر ، وذكروا في عدد الالواح ، وفي جوهرها
وطولها انها كانت عشرة ألواح . وقيل : سبعة . وقيل انها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه
السلام . وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء . وقال الحسن : كانت من خشب نزلت من
السماء . وقال وهب : كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى عليه السلام . وأما كيفية
الكتابة ، فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذی کتب به الذکر واستمد من نهر النور .
واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح ، وعلى كيفية تلك الكتابة ،

٢٤٧
قوله تعالى ((موعظة وتفصيلا لكل شيء)) الآية سورة الأعراف
فان ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوى ، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه .
وأما قوله ﴿ من كل شيء﴾ فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم ، بل المراد من كل ما
يحتاج اليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح .
وأما قوله ﴿ موعظة وتفصيلا لكل شيء﴾ فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله ( من
كل شيء ) وذلك لأنه تعالى قسمه الى ضربين : أحدهما ( موعظة) والآخر ( تفصيلا ) لما يجب
أن يعلم من الأحكام . فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة
في الطاعة والنفرة عن المعصية ، وذلك بذكر الوعد والوعيد ، ولما قرر ذلك أولا أتبعه بشرح
أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام ، فقال ( وتفصيلالكل شيء ) ولما شرح ذلك ، قال
لموسى ( فخذها بقوة ) أى بعزيمة قوية ونية صادقة ، ثم أمره تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا
بأحسنها . وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقا ، ليكون في هذا التفصيل فائدة ، ولذلك قال
بعض المفسرين : إن التكليف كان على موسى عليه السلام اشد ، لأنه تعالى لم يرخص له ما
رخص لغيره ، وقال بعضهم : بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء . وإن كان مشاركا
لقومه فيما عداه ، وفي قوله ( وأمر قومك يأخذوا بأحسنها )
سؤال : وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأمورا به ، وظاهر
قوله ( يأخذوا بأحسنها ) يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن . وإنه لا يجوز لهم الاخذ به ، وذلك
متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها : الأول : أن تلك التكاليف منها ما هو حسن
ومنها ما هو أحسن ، كالقصاص ، والعفو ، والانتصار ، والصبر ، أى فمرهم أن يحملوا
أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في الحسن ، وأكثر للثواب كقوله ( واتبعوا أحسن ما أنزل
إليكم ) وقوله ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه )
فان قالوا : فلما أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن ، فقد منع من الأخذ بذلك الحسن ،
وذلك يقدح في كونه حسنا فنقول يحمل أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن على الندب حتى يزول
هذا التناقض .
﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب قال قطرب (يأخذوا بأحسنها ) أى بحسنها وكلها حسن
لقوله تعالى ( ولذكر الله أكبر ) وقول الفرزدق :
بيتا دعائمه أعز وأطول
الوجه الثالث﴾ قال بعضهم : الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ،

٢٤٨
قوله تعالى ((سأريكم دار الفاسقين)) الآية سورة الأعراف
وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات .
وأما قوله ﴿ سأريكم دار الفاسقين﴾ ففيه وجهان: الأول: أن المراد التهديد والوعيد
على مخالفة أمر الله تعالى ، وعلى هذا التقدير : فيه وجهان : الأول : قال ابن عباس والحسن
ومجاهد دار الفاسقين هي جهنم ، أى فليكن ذكر جهنم حاضرا في خاطركم لتحذروا أن تكونوا
منهم . والثاني : قال قتادة : سأدخلكم الشام وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين
فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها وما صاروا اليه من النكال . وقال الكلبي ( دار
الفاسقين ) هي المساكن التي كانوا يمرون عليها إذا سافروا ، من منازل عاد وثمود والقرون
الذين أهلكهم الله تعالى .
والقول الثاني ﴾ أن المراد الوعد والبشارة بأنه تعالى سيورثهم أرض أعدائهم
وديارهم . والله أعلم .
تم الجزء الرابع عشر، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الخامس عشر، وأوله قوله تعالى ﴿ سأصرف
عن آياتي الذين يتكبرون ﴾ من سورة الأعراف. أعان الله على إكماله .

٢٤٩
فهر الجزء الرابع عشر من التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي
فھرس
قوله تعالى (( وان هذا صراطي مستقيماً
٣
فاتبعوه
قوله تعالی ( ثم آتينا موسى الكتاب تماماً
٤
قوله تعالى ((وهذا كتاب أنزلناه مبارك
٥
فاتبعوه
قوله تعالى ((هل ينظرون إلا أن تأتيهم
٧
الملائكة
قوله تعالى (( ان الذين فرقوا دينهم وكانوا
٩
شيعاً ))
١٠ قوله تعالى ((من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها
١١ قوله تعالى ((قل انني هداني ربي إلى صراط
مستقیم
١٢ قوله تعالى (( قل ان صلاتي ونسكي ومحياي
ومماتي
١٣ قوله تعالى (( قل أغير الله أبغي رباً وهو رب
كل شيء
١٤ قوله تعالى ((وهو الذي جعلكم خلائف
الأرض
سورة الأعراف
١٦ قوله تعالى ( ألم کتاب انزل إليك
١٨ قوله تعالى (( لننذر به وذکری للمؤمنين ))
٢٠ قوله تعالى ((اتبعوا ما نزل إليكم من ربكم
٢٢ قوله تعالى (( وكم من قرية أهلكناها
٢٤ قوله تعالى ((فلنسألن الذين أرسل إليهم
٢٥ قوله تعالى ((فلنقض عليهم بعلم))
٢٧ قوله تعالى ((والوزن يومئذ الحق))
٢٩ قوله تعالى ((ومن خفت موازينه ))
٣١ قوله تعالى ((ولقد مكناكم في الأرض))
٣٢ قوله تعالى (( ولقد خلقناكم ثم صورناكم
٣٤ قوله تعالى ((قال ما منعك الا تسجد))
٣٨ قوله تعالى ((قال فاهبط منها ... ))
٣٩ قوله تعالى ((قال انظرني إلى يوم يبعثون
٤٣ قوله تعالى (( ثم لآتینھم من بین أیدیهم ومن
خلفهم
٣٦ قوله تعالى (( قال أخرج منها منؤما مدحوراً
٤٧ قوله تعالى (( ويا آدم اسكن أنت وزوجتك
الجنة
٤٨ قوله تعالى ((فوسوس الشيطان ليبدي لهما
٥٣ قوله تعالى ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا
٥٤ قوله تعالى « یا بني آدم قد انزلنا عليكم
٥٦ قوله تعالى (( يا بني آدم لا يفتتنكم الشيطان
٥٩ قوله تعالى (( وإذا فعلوا فاحشة))
٦٠ قوله تعالى ((امرر بي بالقسط))
٦٤ قوله تعالى (( يا بني آدم خذوا زينتكم
٦٦ قوله تعالى ((قل من حرم زينة الله
٦٩ قوله تعالى ((قل انما حرم ربي الفواحش))

٢٥٠
٧١ قوله تعالى (( ولكل أمة أجل
٧٣ قوله تعالى « یا بني آدم أما یأتیکم رسل
منکم
٧٤ قوله تعالى ((وفمن أظلم ممن افترى على الله
كذبا )»
٧٦ قوله تعالى (( حتى اذا جاءتهم رسلنا
یتوفونهم
٧٧ قوله تعالى (( قال ادخلوا في أمم قد خلت
من قلبکم
٨٠ قوله تعالى ((ان الذين كذبوا بآبائنا
واستكبروا
٨١ قوله تعالى (( ولا يدخلون الجنة حتى يلج
الجمل في سم الخياطة
٨٣ قوله تعالى ((والذين آمنوا وعملوا.
الصالحات
٨٨ قوله تعالى (( ونادى أصحاب الجنة
أصحاب النار
٩١ قوله تعالى (( وبينهما حجاب))
٩٦ قوله تعالى ((ونادى أصحاب الأعراف
رجالاً
٩٧ قوله تعالى (( ونادى أصحاب النار
أصحاب الجنة
٩٩ قوله تعالى (( ولقد جئناهم بكتاب ))
١٠٠ قوله تعالى ((هل ينظرون إلا تأويله يوم
يأتي تأويله
١٠٢ قوله تعالى ((ان ربكم الله الذي خلق
السموات والأرض
١٣٣ قوله تعالى (( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية
١٤٣ قوله تعالى ((وهو الذي يرسل الرياح
١٤٤ قوله تعالى (( والبلد الطيب يخرج نباته
١٤٧ قوله تعالى (( حتى إذا أقلت سحاباً
١٥٢ قوله تعالى ((لقد أرسلنا نوماً إلى قومه
١٥٨ قوله تعالى (( أو أعجبتم ان جاءكم
١٦٠ قوله تعالى ((وإلى عاد أخاهم هود))
١٦٥ قوله تعالى (( قالوا جئنا لنعبد الله وحده ))
١٦٧ قوله تعالى ((وإلى تمود أخاهم صالحاً ))
١٦٨ قوله تعالى ((واذكروا اذ جعلكم خلفاء من
بعد عاد ))
١٧١ قوله تعالى (( قال الملأ الذين استكبروا من
قومه ))
١٧٥ قوله تعالى (( ولوطاً اذ قال لقومه ))
١٧٨ قوله تعالى ( وما كان جواب قومه
١٨١ قوله تعالى ((وإلى مدين أخاهم شعيباً))
١٨٢ قوله تعالى ((ولا تقعدوا بكل صراط
١٨٤ قوله تعالى (( قال الملأ الذين استكبروا من
قومه
١٨٨ قوله تعالى (( قال الملا الذين كفروا من قومه
١٨٩ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم
جائمین
١٩١ قوله تعالى (( وما أرسلنا مُّن قرية من بنى
١٩٢ قوله تعالى ((ولو ان أهل القرى آمنوا))
١٩٣ قوله تعالى ((أما من أهل القرى أن يأتيهم
بأسنا )»
١٩٤ قوله تعالى ((أو لم يهد للذين يرثون
الأرض
١٩٦ قوله تعالى ( وما وجدنا لأکثرهم من عهد
١٩٧ قوله تعالى ((وثم بعثنا من بعدهم)).
١٩٨ قوله تعالى ( وقال موسى يافرعون))
٢٠٠ قوله تعالى ((فألقى عصاه فاذا هي ثعبان
مبين ))
٢٠١ قوله تعالى ((قال الملأ من قوم فرعون))
٢٠٦ قوله تعالى (( قال أرجه وأخاه))
٢٠٨ قوله تعالى (( يأتوك بكل ساحر عليم)».
٢١٠ قوله تعالى ((قالوا يا موسى أما ان تلقي))

٢٥١
٢١٤ قوله تعالى ((وألقى السحرة ساجدين
٢١٥ قوله تعالى (( قال فرعون آمنتم به قبل أن
آذن لكم
٢١٦ قوله تعالى ((لتخرجوا منها أهلها فسوف
تعلمون )»
٢١٨ قوله تعالى ((ربنا افرغ علينا صبراً))
٢١٩ قوله تعالى ((وقال الملأ من قوم فرعون))
٢٢١ قوله تعالى (( قالوا أوذبنا من قبل أن
تأتينا )»
٢٢٣ قوله تعالى (( ولقد أخذنا آل فرعون
بالسنين ))
٢٢٥ قوله تعالى ((وقالوا مهما تأتينا به من آية ))
٢٢٨ قوله تعالى (( ولما وقع عليهم الرجز
٢٢٩ قوله تعالى ((فانتقمنا منهم فأغرقناهم))
٢٣٠ قوله تعالى (( وأورثنا القوم الذين كانوا
يستضعفون
٢٣١ قوله تعالى ((وجاوزنا ببني إسرائيل البحر))
٢٣٤ قوله تعالى (( قال أغير الله ابغيكم إله))
٢٣٥ قوله تعالى ((وواعدنا موسى ثلاثين ليلة))
٢٣٧ قوله تعالى (( ولما جاء موسى لميقاتنا)»
٢٤٥ قوله تعالى ((قال يا موسى إني اصطفيتك))
٢٤٦ قوله تعالى ((وكتبنا له في الألواح))
٢٤٨ قوله تعالى ((سأوريكم دار الفاسقين))
تم الفهرس .