Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
قوله تعالى ((قالوا اوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد)) الآية سورة الأعراف
قَانُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا ◌ِثْقَنَا قَالَ عَسَى رَبّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
١٢٩
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ اْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ، وذلك بأن نقتل أبناء بنى اسرائيل ونستحيى نساءهم .
ثم بين أنه قادر على ذلك بقوله ( وإنا فوقهم قاهرون ) والمقصود منه ترك موسى وقومه . لا من
عجز وخوف، ولو أراد به البطش لقدر عليه ، كأنه يوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم
التفاته اليه ولعدم خوفه منه . واختلف المفسرون : فمنهم من قال كان يفعل ذلك كما فعله
ابتداء عند ولادة موسى ، ومنهم من قال بل منع منه واتفق المفسرون على أن هذا التهديد وقع
في غير الزمان الأول ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه ( استعينوا بالله
واصبروا ) وهذا يدل على أن الذى قاله الملأ لفرعون ، والذى قاله فرعون لهم قد عرفه موسى
عليه السلام ووصل اليه ، فعند ذلك قال لقومه ( استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها
من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) فههنا أمرهم بشيئين وبشرهم بشيئين ، أما اللذان أمر
موسى عليه السلام بهما : فالأول : الاستعانة بالله تعالى . والثاني : الصبر على بلاء اللّه . وإنما
أمرهم أولا بالاستعانة بالله وذلك لأن من عرف انه لا مدبر في العالم إلا الله تعالى انشرح صدره
بنور معرفة الله تعالى وحينئذ يسهل عليه أنواع البلاء ، ولأنه يرى عند نزول البلاء انه إنما
حصل بقضاء الله تعالى وتقديره . واستعداده بمشاهدة قضاء الله ، خفف عليه أنواع البلاء .
وأما اللذان بشربهما : فالأول : قوله ( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ) وهذا إطماع
من موسى عليه السلام قومه في أن يورثهم الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه ، وذلك معنى
الارث ، وهو جعل الشيء للخلف بعد السلف . والثاني : قوله ( والعاقبة للمتقين ) فقيل :
المراد أمر الآخرة فقط، وقيل : المراد أمر الدنيا فقط وهو: الفتح والظفر والنصر على
الاعداء ، وقيل المراد مجموع الأمرين ، وقوله ( للمتقين ) إشارة الى ان كل من اتقى الله تعالى
وخافه فالله يعينه في الدنيا والآخرة .
قوله تعالى ﴿ قالوا أوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك
عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ﴾
اعلم ان قوم موسى عليه السلام ، لما سمعوا ما ذكره فرعون من التهديد والوعيد خافوا
وفزعوا ، وقالوا قد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا وذلك ، لأن بني اسرائيل كانوا قبل
مجىء موسى عليه السلام مستضعفين في يد فرعون اللعين ، فكان يأخذ منهم الجزية
٢٢٢
قوله تعالى ((قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا)) الآية سورة الأعراف
ويستعملهم في الأعمال الشاقة ويمنعهم من الترفه والتنعم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ،
فلما بعث الله تعالى موسى عليه السلام قوى رجاؤهم في زوال تلك المضار والمتاعب ، فلما
سمعوا ان فرعون أعاد التهديد مرة ثانية عظم خوفهم وحزنهم ، فقالوا هذا الكلام .
فان قيل : اليس هذا القول يدل على انهم كرهوا مجيء موسى عليه المسلام وذلك يوجب
كفرهم ؟
والجواب : ان موسى عليه السلام لما جاء ، وعدهم بزوال تلك المضار فظنوا انها تزول
على الفور ، فلما رأوا انها ما زالت ، رجعوا إليه في معرفة كيفية ذلك الوعد فبين موسى عليه
السلام ان الوعد بإزالتها لا يوجب الوعد بازالتها في الحال وبين لهم أن تعالى سينجز لهم ذلك
الوعد في الوقت الذى قدره له ، والحاصل أن هذا ما كان بنفرة عن مجيء موسى عليه السلام
بالرسالة . بل استكشافا لكيفية ذلك الوعد . والله أعلم .
واعلم ان القوم لما ذكروا ذلك قال موسى عليه السلام ( عسى ربكم ) قال سيبويه
( عسى ) طمع وإشفاق . قال الزجاج : وما يطمع الله تعالى فيه فهو واجب.
ولقائل أن يقول : هذا ضعيف لأن لفظ ( عسى ) ههنا ليس كلام الله تعالى بل هو حكاية
عن كلام موسى عليه السلام ، إلا أنا نقول مثل هذا الكلام إذا صدر عن رسول ظهرت حجة نبوته
عليه الصلاة والسلام بالمعجزات الباهرة أفاد قوة النفس وأزال ما خامرها من الانكسار
والضعف فقوى موسى عليه السلام قلوبهم بهذا القول وحقق عندهم الوعد ليتمسكوا بالصبر
ويتركوا الجزع المذموم ثم بين بقوله ( فينظر كيف تعملون ) ما يجرى مجرى الحث لهم على
التمسك بطاعة الله تعالى .
واعلم ان النظر قد يراد به النظر الذى يفيد العلم . وهو على الله محال . وقد يراد به
تقليب الحدقة نحو المرئى التماسا لرؤيته ، وهو أيضا على الله محال . وقد يراد به الانتظار . وهو
أيضا على الله محال ، وقد يراد به الرؤية ، ويجب حمل اللفظ ههنا عليها ، قال الزجاج : أى
يرى ذلك بوقوع ذلك منكم لأن الله تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم ، وإنما يجازيهم على ما
يقع منهم .
فان قيل : إذا حملتم هذا النظر على الرؤية لزم الاشكال ، لأن الفاء في قوله ( فينظر )
للتعقيب فيلزم ان تكون رؤية الله تعالى لتلك الاعمال متأخرة عن حصول تلك الاعمال ،
وذلك يوجب حدوث صفة الله تعالى .
٢٢٣
قوله تعالى ((ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين)) الآية سورة الأعراف
فَاذَا
وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِآلِسِنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَرُونَ.
بَتُهُ الْحَسَنَةُ قَالُوْ لَنَا هَئِذِهِ، وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطََّّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ
أَّ إِنَّمَا طَرُهُمْ عِندَ اللهِ وَلَنْكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلُونَ (َّ
قلنا : تعلق رؤية الله تعالى بذلك الشيء نسبة حادثة والنسب والاضافات لا وجود لها في
الاعيان فلم يلزم حدوث الصفة الحقيقية في ذات الله تعالى . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فاذا
جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله
ولكن أكثرهم لا يعلمون
اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه ( عسى ربكم أن يهلك
عدوكم ) لا جرم بدأ ههنا بذكر ما أنزله بفرعون وبقومه من المحن حالا بعد حال . إلى أن
وصل الأمر إلى الهلاك تنبيها للمكلفين على الزجر عن الكفر والتمسك بتكذيب الرسل ، خوفا
من نزول هذه المحن بهم . فقال ( ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ السنين جمع السنة قال أبو على الفارسي: السنة على معنيين:
أحدهما : يراد بها - الحول والعام - والآخر يراد بها - الجدب - وهو خلاف الخصب فمما أريد
به الجدب هذه الآية وقوله صلى الله عليه وسلم ((اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف))
وقول عمر رضى الله عنه : إنا لا نقع في عام السنة ، فلما كانت السنة يعنى بها الجدب ، اشتقوا
منها كما يشتق من الجدب . ويقال : أسنتوا ، كما يقال أجدبوا . قال الشاعر:
ورجال مكة مسنتون عجاف
قال أبو زيد : بعض العرب تقول : هذه سنين ورأيت سنينا ، فتعرب النون .
ونحوه . قال الفراء : ومنه قول الشاعر :
دعاني من نجد فان سنینه
لعبن بنا وشیبننا مردا
قال الزجاج : السنين في كلام العرب الجدوب ، يقال مستهم السنة ومعناه : جدب
السنة . وشدة السنة .
٢٢٤
قوله تعالى ((فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه)) الآية سورة الأعراف
إذا عرفت هذا فنقول : قال المفسرون ( أخذنا آل فرعون بالسنين ) يريد الجوع والقحط
عاما بعد عام ، فالسنون لأهل البوادى ( ونقص من الثمرات ) لأهل القرى .
ثم قال تعالى ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ وفيه مسألتان
﴿ المسألة الأولى﴾ ظاهر الآية أنه تعالى إنما أنزل عليهم هذه المضار لأجل أن يرجعوا
عن طريقة التمرد والعناد الى الانقياد والعبودية ، وذلك لأن أحوال الشدة ترقق القلب وترغب
فيما عند الله، والدليل عليه قوله تعالى (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه )
وقوله ( وإذا مسه الشرفذو دعاء عريض )
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال القاضي: هذه الآية تدل على أنه تعالى فعل ذلك إرادة منه أن
يتذكروا ، لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر :
· أجاب الواحدي عنه: بأنه قد جاء لفظ الابتلاء والاختبار في القرآن، لا بمعنى أنه تعالى
يمتحنهم ، لأن ذلك على الله تعالى محال ، بل بمعنى أنه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء
والامتحان ، فكذا ههنا . والله أعلم .
ثم بين تعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم
فقال ( فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ) قال ابن عباس : يريد بالحسنة العشب والخصب
والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية والسلامة ( وقالوا لنا هذه) أى نحن مستحقون على
العادة التي جرت من كثرة نعمنا وسعة أرزاقنا ، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ويقوموا
بحق النعمة فيه . وقوله (وإن تصبهم سيئة ) يريد القحط والجدب والمرض والضر والبلاء
( يطيروا بموسى ومن معه ) أى يتشاءموا به . ويقولوا إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه ،
والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين وقوله ( يطيروا ) هو في الأصل يتطيروا ، أدغمت التاء
في الطاء ، لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا وقوله ( ألا إنما طائرهم عند
الله ) في الطائر قولان :
﴿ القول الأول﴾ قال ابن عباس: يريد شؤمهم عند الله تعالى أى من قبل الله أى إنما
جاءهم الشر بقضاء الله وحكمه فالطائر ههنا الشؤم ومثله قوله تعالى في قصة ثمود ( قالوا اطيرنا
بك وبمن معك قال طائركم عند الله ) قال الفراء : وقد تشاءمت اليهود بالنبى صلى الله عليه
وسلم بالمدينة ، فقالوا غلت اسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا ، قال الأزهرى : وقيل للشؤم طائر
وطير وطيرة ، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها ، والتطير ببارحها ، ونعيق
غربانها ، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها ، فسموا الشؤم طيرا وطائرا وطيرة لتشاؤمهم بها .
قوله تعالى ((وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها)) الآية سورة الأعراف ٢٢٥
وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَ بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْخَرَنَا بِهَا لَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ
الُوفَانَ وَالْخَرَادَ وَالْفُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَلَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًاً
مَجْرُمِينَ
ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طيرتهم باطلة ، فقال ( لا طيرة ولا هام) وكان
النبى صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير . وأصل الفأل الكلمة الحسنة ، وكانت العرب
مذهبها في الفأل والطيرة واحد ، فأثبت النبى صلى الله عليه وسلم الفأل وأبطل الطيرة قال محمد
الرازى رحمه الله: ولا بد من ذكر فرق بين البابين. والأقرب أن يقال : إن الارواح الانسانية
أصفى وأقوى من الأرواح البهيمية والطيرية . فالكلمة التي تجرى على لسان الانسان يمكن
الاستدلال بها بخلاف طيران الطير ، وحركات البهائم ، فان ارواحها ضعيفة ، فلا يمكن
الاستدلال بها على شيء من الأحوال
﴿القول الثاني﴾ في تفسير الطائر قال أبو عبيدة ( ألا إنما طائرهم عند الله) أى
حظهم ، وهو ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : إنما طائرهم ما قضى عليهم
وقدر لهم والعرب تقول : أطرت المال وطيرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه . أى حصل له
ذلك السهم .
واعلم أن على كلا القولين المعنى : أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله
تعالى وبتقديره ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أن الكل من الله تعالى ، وذلك لأن أكثر الخلق
يضيفون الحوادث الى الأسباب المحسوسة ويقطعونها عن قضاء الله تعالى وتقديره ، والحق أن
الكل من الله ، لأن كل موجود فهو إما واجب الوجود لذاته، والواجب واحد وما سواه ممكن
لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بايجاد الواجب لذاته ، وبهذا الطريق يكون الكل من الله
فاسنادها الى غير الله يكون جهلا بكمال اللّه تعالى.
وقوله تعالى ﴿ وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم
الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ﴾
اعلم انه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى انهم لجهلهم اسندوا حوادث هذا العالم لا الى
قضاء الله تعالى وقدره ، فحكى عنهم في هذه الآية نوعا آخر من أنواع الجهالة والضلالة ، وهو
الفخر الرازي ج١٤ م١٥
٢٢٦
قوله تعالى ((فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل)) الآية سورة الأعراف
أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السحر ، وجعلوا جملة الآيات مثل انقلاب العصا حية من
باب السحر منهم وقالوا لموسى : إنا لا نقبل شيئا منها البتة . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في كلمة (مهما) قولان الأول: أن أصلها ((ما ما)) الأولى هي ((ما))
الجزاء ، والثانية هي التي تزاد توكيدا للجزاء ، كما تزاد في سائر حروف الجزاء ، كقولهم : إما
ومما وكيفما قال الله تعالى ( فاما تثقفنهم) وهو كقولك: إن تثقفنهم، ثم أبدلوا من ألف (( ما))
الأولى ((ها)) كراهة لتكرار اللفظ، فصار ((مهما)) هذا قول الخليل والبصريين. والثاني: وهو
قول الكسائي الأصل ((مه)) التي بمعنى الكف، أى أكفف دخلت على ((ما )) التي للجزاء
كأنهم قالوا أكفف ما تأتنا به من آية فهو كذا وكذا .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال ابن عباس: ان القوم لما قالوا لموسى: مهما أتيتنا بآية من ربك،
فهي عندنا من باب السحر ، ونحن لا نؤمن بها البتة ، وكان موسى عليه السلام رجلا حديدا ،
فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له ، فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلا ونهارا سبتا الى
سبت ، حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسا ولا قمرا ولا يستطيع الخروج من داره وجاءهم
الغرق ، فصرخوا الى فرعون واستغاثوا به ، فأرسل الى موسى عليه السلام وقال اكشف عنا
العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا ، فان كشفت هذا العذاب آمنا بك ، فأزال الله عنهم
المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض ، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط . فقالوا : هذا
الذى جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر . فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل
فنكثوا العهد ، فأرسل الله عليهم الجراد ، فأكل النبات وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند
طيرانها تغطي الشمس ، ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعا ، فأكلت النبات ، فصرخ
أهل مصر، فدعا موسى عليه السلام فأرسل الله تعالى ريحا فاحتملت الجراد فألقته في البحر ،
فنظر أهل مصر الى ان بقية من كلئهم وزرعهم تكفيهم ، فقالوا : هذا الذى بقي يكفينا ولا
نؤمن بك . فأرسل الله بعد ذلك عليهم القمل . سبتا الى سبت ، فلم يبق في أرضهم عود
أخضر إلا أكلته ، فصاحوا وسأل موسى عليه السلام ربه ، فأرسل الله عليها ريحا حارة
فأحرقتها ، واحتملتها الريح فألقتها في البحر ، فلم يؤمنوا ، فأرسل الله عليهم الضفادع بعد
ذلك فخرج من البحر مثل الليل الدامس ووقع في الثياب والاطعمة ، فكان الرجل منهم يسقط
وعلى رأسه ذراع من الضفادع ، فصرخوا الى موسى عليه السلام ، وحلفوا بالهه لئن رفعت عنا
هذا العذاب لنؤمن بك ، فدعا الله تعالى فأمات الضفادع ، وأرسل عليها المطر فاحتملها الى
البحر ، ثم أظهروا الكفر والفساد ، فأرسل الله عليهم الدم فجرت أنهارهم دما فلم يقدروا
٢٢٧
قوله تعالى ((آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما » الآية سورة الأعراف
على الماء العذب ، وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطيب حتى بلغ منهم الجهد ، فصرخوا
وركب فرعون وأشراف قومه الى أنهار بني اسرائيل فجعل يدخل الرجل منهم النهر فاذا اغترف
صار في يده دما ومکثوا سبعة أيام في ذلك لا يشربون إلا الدم . فقال فرعون ( لئن كشفت عنا
الرجز ) الى آخر الآية ، فهذا هو القول المرضى عند أكثر المفسرين ، وقد وقع في أكثرها
اختلافات . أما الطوفان ، فقال الزجاج : الطوفان من كل شيء ما كان كثيرا محيطا مطبقا
بالقوم كلهم . كالغرق الذى يشمل المدن الكثيرة ، فانه يقال له طوفان ، وكذلك القتل الذريع
طوفان ، والموت الجارف طوفان . وقال الاخفش : هو فعلان من الطوف، لأنه يطوف بالشيء
حتى يعم قال : وواحده في القياس طوفانه . وقال المبرد : الطوفان مصدر مثل الرجحان
والنقصان ، فلا حاجة الى ان يطلب له واحدا .
إذا عرفت هذا فنقول : الأكثرون على أن هذا الطوفان هو المطر الكثير على ما رويناه عن
ابن عباس، وقد روى عطاء عنه انه قال: الطوفان هو الموت، وروى الواحدي رحمه الله
باسناده خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: الطوفان هو الموت وهذا القول مشكل
لأنهم لو أميتوا لم يكن لارسال سائر أنواع العذاب عليهم فائدة ، بل لو صح هذا الخبر لوجب
حمل لفظ الموت على حصول أسباب الموت، مثل المطر الشديد والسيل العظيم وغيرهما، وأما
الجراد، فهو معروف والواحدة جرادة، ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه. وقال اللحياني:
أرض جردة ومجرودة قد لحسها الجراد، وإذا أصاب الجراد الزرع قيل جرد الزرع وأصل هذا
كله من الجرد، وهو أخذك الشيء عن الشيء على سبيل النحت والسحق، ومنه يقال للثوب
الذي قد ذهب وبره جرد وأرض جردة لا نبات فيها، وأما القمل، فقد اختلفوا فيه، فقيل هو
الدبى الصغار الذي لا أجنحة له، وهي بنات الجراد ، وعن سعيد بن كبير كان الى جنبهم كثيب
أعفر فضربه موسى عليه السلام بعصاه فصار قملا. فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار
عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدرى، فصاحوا وصرخوا وفزعوا الى موسى فرفع
عنهم، فقالوا: قد تيقنا الآن أنك ساحر عليم . وعزة فرعون لا نؤمن بك ابدا، وقرأ الحسن
(والقمل) بفتح القاف، وسكون الميم. يريد القمل المعروف وأما الدم فما ذكرناه. ونقل
صاحب الكشاف أنه قيل: سلط الله عليهم الرعاف. وروى أن موسى عليه السلام مكث فيهم
بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات .
وأما قوله تعالى ﴿ آيات مفصلات﴾ ففيه وجوه: أحدها (مفصلات) أى مبينات
ظاهرات لا يشكل على عاقل انها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره ، وثانيها ( مفصلات )
أى فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيقبلون الحجة ؟ والدليل : أو
يستمرون على الخلاف والتقليد . قال المفسرون : كان العذاب يبقى عليهم من السبت الى
٢٢٨
قوله تعالى ((ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع)) الآية سورة الأعراف
وَلَّ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجُ قَالُوْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَيْنِ كَثَفْتَ عَنَّا الّْزَ
لُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِّيّ إِسْرَاءِيلَ (٢) فَلَّا كَثَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجَزَ إِلَى أَجَلِ هُم
بَائِلِغُوُهُ إِذَاهُمْ يَنْكُنُونَ.
١٣٥
السبت ، وبين العذاب الى العذاب شهر ، فهذا معنى قوله ( آيات مفصلات ) قال الزجاج :
وقوله ( آيات ) منصوبة على الحال . وقوله ( فاستكبروا ) يريد عن عبادة الله ( وكانوا قوما
مجرمين ) مصرين على الجرم والذنب ، ونقل أي ان هذه الأنواع المذكورة من العذاب كانت
عند وقوعها مختصة بقوم فرعون ، وكان بنو إسرائيل منها في أمان وفراغ . ولا شك ان كل
واحد منها فهو في نفسه معجز ، واختصاصه بالقبطى دون الاسرائيلي معجز آخر .
فان قال قائل لما علم الله تعالى من حال أولئك الأقوام انهم لا يؤمنون بتلك المعجزات ،
فما الفائدة في تواليها وإظهار الكثير منها ؟ وأيضا فقوم محمد صلى الله عليه وسلم طلبوا
المعجزات فما أجيبوا فما الفرق .
والجواب : أما على قول أصحابنا فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأما على قول
المعتزلة في رعاية الصلاح ، فلعله علم من قوم موسى أن بعضهم كان يؤمن عند ظهور تلك
المعجزات الزائدة . وعلم من قوم محمد صلى الله عليه وسلم أن أحدا منهم لا يزداد بعد ظهور
تلك المعجزات الظاهرة إلا كفرا وعنادا ، فظهر الفرق . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت
عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى اسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز الى أجل هم بالغوه إذا
هم ینکثون﴾
اعلم أنا ذكرنا معنى الرجز عند قوله ( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء ) في
سورة البقرة وهو اسم للعذاب ، ثم إنهم اختلفوا في المراد بهذا الرجز فقال بعضهم : إنه عبارة
عن الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب الذى كان نازلا بهم . وقال سعيد بن جبير ( الرجز )
معناه : الطاعون وهو العذاب الذى أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف انسان في يوم
واحد ، فتركوا غير مدفونين ، واعلم أن القول الأول أقوى لأن لفظ ( الرجز ) لفظ مفرد محلى
بالألف واللام فينصرف الى المعهود السابق ، وههنا المعهود السابق هو الأنواع الخمسة التي تقدم
٢٢٩
قوله تعالى ((فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم)) الآية سورة الأعراف
١٢٦
فَأَنْتَقَّمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَ قَدُهُمْ فِ اَلْيَمِّ بِأَهُمْ كَذَّبُواْ رِعَايَئِنَا وَكَانُوْ عَنْهَا غَافِلِينَ
ذكرها ، وأما غيرها فمشكوك فيه ، فحمل اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى بين ما كانوا عليه من المناقضة القبيحة ، لأنهم تارة
يكذبون موسى عليه السلام ، وأخرى عند الشدائد يفزعون اليه فزع الامة الى نبيها ويسألونه
ان يسأل ربه رفع ذلك العذاب عنهم ، وذلك يقتضي انهم سلموا اليه كونه نبيا مجاب الدعوة ،
ثم بعد زوال تلك الشدائد يعودون الى تكذيبه والطعن فيه ، وأنه إنما يصل الى مطالبه
بسحره ، فمن هذا الوجه يظهر أنهم يناقضون أنفسهم في هذه الأقاويل .
وأما قوله تعالى حكاية عنهم ( ادع لنا ربك بما عهد عندك ) فقال صاحب الكشاف : ما
في قوله ( بما عهد عندك) مصدرية والمعنى : بعهده عندك وهو النبوة ، وفي هذه الباء وجهان :
﴿ الوجه الأول ﴾ انها متعلقة بقوله (ادع لنا ربك) والتقدير (ادع لنا) متوسلا اليه
بعهده عندك
والوجه الثاني ﴾ في هذه الباء ان تكون قسما وجوابها قوله (لنؤمنن لك) أى أقسمنا
بعهد الله عندك ( لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ) وقوله ( ولنرسلن معك بني اسرائيل ) كانوا
قد أخذوا بني اسرائيل بالكد الشديد فوعدوا موسى عليه السلام على دعائه بكشف العذاب
عنهم الايمان به والتخلية عن بنى إسرائيل وإرسالهم معه يذهب بهم أين شاء . وقوله ( فلما
كشفنا عنهم الرجز الى أجل هم بالغوه ) المعنى أنا ما أزلنا عنهم العذاب مطلقا ، وما كشفنا
عنهم الرجز في جميع الوقائع بل إنما أزلنا عنهم العذاب الى أجل معين ، وعند ذلك الأجل لا
نزيل عنهم العذاب بل نهلكهم به وقوله ( إذاهم ينكثون) هو جواب لما يعني فلما كشفنا عنهم
فاجؤا النكث وبادروه ولم يؤخروه كما كشفنا عنهم نكثوا .
قوله تعالى ﴿ فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ﴾
واعلم ان المعنى أنه تعالى ، لما كشف عنهم العذاب من قبل مرات وكرات ولم يمتنعوا
عن كفرهم وجهلهم ، ثم بلغوا الأجل المؤقت انتقم منهم بأن أهلكهم بالغرق ، والانتقام في
اللغة سلب النعمة بالعذاب ، واليم البحر ، قال صاحب الكشاف: اليم البحر الذى لا يدرك
قعره ، وقيل : هو لجة البحر ومعظم مائه ، واشتقاقه من التيمم ، لأن المستقين به يقصدونه
وبين تعالى بقوله ( بأنهم كذبوا بآياتنا ) أن ذلك الانتقام هو لذلك التكذيب . وقوله ( وكانوا
٢٣٠ قوله تعالى ((وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق)) الآية سورة الأعراف
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّى. بَكَ فِيَهَا
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِّ إِسْرَاءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَخَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ
فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ, وَمَا كَانُوْ يَعْرِشُونَ
١٣٧
عنها غافلين ) اختلفوا في الكناية في عنها فقيل إنها عائدة إلى النقمة التي دل عليها قوله
( انتقمنا) والمعنى وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين ، وقيل الكناية عائدة الى الآيات وهو
اختيار الزجاج : قال : لأنهم كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم .
فان قيل : الغفلة ليست من فعل الانسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد على
الغفلة
قلنا : المراد بالغفلة هنا الاعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها ، فهم أعرضوا عنها
حتى صاروا كالغافلين عنها .
فان قيل : أليس قد ضموا الى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة ؟ فكيف يكون الانتقام
لهذين دون غيرهما .
قلنا : ليس في الآية بيان أنه تعالى انتقم منهم لهذين معا دلالة على نفي ما عداه ، والآية
تدل على ان الواجب في الآيات النظر فيها ، ولذلك ذمهم بأن غفلوا عنها ، وذلك يدل على ان
التقليد طريق مذموم .
قوله تعالى ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا
فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما
کانوا یعرشون
اعلم ان موسى عليه السلام كان قد ذكر لبني اسرائيل قوله ( عسى ربكم أن يهلك
عدوكم ويستخلفكم في الأرض ) فههنا لما بين تعالى اهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة ،
بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات ، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال ( وأورثنا
القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) والمراد من ذلك الاستضعاف أنه كان
يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة ، واختلفوا
في معنى مشارق الأرض ومغاربها ، فبعضهم حمله على مشارق أرض الشام ، ومصر
٢٣١
قوله تعالى ((واورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون)) الآية سورة الأعراف
وَجَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَآءِيَلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْ عَلَى قَوْمِه يَعْكُفُونَ عَ أَصْنَامِ لَهُمْ قَالُواْ
يَمُوسَى أَنْجْعَِ لَّنَآ إِلَهَا كَ لَهُمْ ءَالَمَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (﴾ إِنَّ
هَؤُلاءِ مُتَبِّرُ مَّاهُمْ فِهِ وَبَشِطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٠
ومغاربها ، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون لعنه الله وأيضا قوله ( التي باركنا فيها )
المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام .
قوله تعالى ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا
موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا
يعملون ﴾
﴿والقول الثاني﴾ المراد جملة الأرض وذلك لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود
وسليمان قد ملك الأرض ، وهذا يدل على أن الأرض ههنا اسم الجنس وقوله ( وتمت كلمة
ربك الحسنى على بني اسرائيل ) قيل المراد من ( كلمة ربك) قوله ( ونريد أن نمن على الذين
استضعفوا في الأرض ) إلى قوله ( ما كانوا يحذرون) والحسنى إتأنيث الأحسن صفة للكلمة ،
ومعنى تمت على بني اسرائيل ، مضت عليهم واستمرت ، من قولهم تم عليك الأمر إذا مضى
عليك ، وقيل : معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذى تقدم باهلاك عدوهم
واستخلافهم في الأرض ، وإنما كان الانجاز تماما للكلام لأن الوعد بالشيء يبقى كالشيء
المعلق ، فاذا حصل الموعود به فقد تم لك الوعد وكمل وقوله ( بما صبروا ) أى إنما حصل ذلك
التمام بسبب صبرهم ، وحسبك به حاثا على الصبر ، وَدالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله
الله اليه ، ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج ، وقرأ عاصم في رواية ( وتمت
كلمة ربك الحسنى) ونظيره (من آيات ربه الكبرى) وقوله (ودمرنا) قال الليث: الدمار الهلاك
التام يقال: دمر القوم يدمرون دماراً أي هلكوا، وقوله (ما كان يصنع فرعون وقومه) قال ابن
عباس يريد الصانع (وما كانوا يعرشون) قال الزجاج: يقال عرش يعرش ويعرش إذا بنى
قيل : وما كانوا يعرشون من الجنات، ومنه قوله تعالى (جنات معروشات) وقيل (وما كانوا
يعرشون) يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء، كصرح هامان وفرعون، وقرىء يعرشون
بالکسر والضم، وذکر الیزیدي ان الکسرأفصح، قال صاحب الکشاف: وبلغني أنه قرأ بعض
الناس (يغرسون) من غرس الاشجار وما أحسبه إلا تصحيفا منه، وهذا آخر ما ذكره الله تعالى
٢٣٢
قوله تعالى ((وجاوزنا ببني إسرائيل البحر)) الآية سورة الأعراف
من قصة فرعون وقومه وتكذيبهم بآيات الله تعالى .
اعلم أنه تعالى لما بين أنواع نعمه على بني إسرائيل بأن أهلك عدوهم وأورثهم أرضهم
وديارهم أتبع ذلك بالنعمة العظمى ، وهي أن جاوز بهم البحر مع السلامة ، ولما بين تعالى في
سائر السور كيف سيرهم في البحر مع السلامة ، وذلك بأن فلق البحر عند ضرب موسى البحر
بالعصا وجعله يبسا بين أن بني إسرائيل لما شاهدوا قوما يعكفون على عبادة أصنامهم ، جهلوا
وارتدوا وقالوا لموسى أجعل لنا إلهاكما لهم آلهة ، ولا شك أن القوم لما شاهدوا المعجزات الباهرة
التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون ، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده ،
وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة ، ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا
الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف .
أما قوله تعالى ﴿ وجاوزنا ببني اسرائيل البحر﴾ يقال: جاوز الوادى: إذا قطعه وخلفه
وراءه وجاوز بغيره ، عبر به وقرىء ( جوزنا ) بمعنى : أجزنا . يقال : أجاز المكان وجوزه
بمعنى : جازه ( فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ) قال الزجاج : يواظبون عليها
ويلازمونها . يقال : لكل من لزم شيئا وواظب عليه ، عكف يعكف ويعكف، ومن هذا قيل
لملازم المسجد متعكف. وقال قتادة : كان أولئك القوم من لخم ، وكانوا نزولا بالريف . قال
ابن جريج : كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل .
ثم حكى تعالى عنهم أنهم ﴿ قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ﴾ واعلم أن من
المستحيل ان يقول العاقل لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وخالقا ومدبرا ، لأن الذى يحصل
بجعل موسى وتقديره : لا يمكن أن يكون خالقا للعالم ومدبرا له ، ومن شك في ذلك لم يكن
كامل العقل والأقرب أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون
بعبادتها الى الله تعالى ، وهذا القول هو الذى حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا ( ما
نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى )
إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول : لم كان هذا القول كفرا ؟ فنقول : أجمع كل الأنبياء
عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر ، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلها للعالم ، أو
اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم الى الله تعالى لأن العبادة نهاية التعظيم ، ونهاية التعظيم لا تليق
إلا بمن يصدر عنه نهاية الأنعام والأكرام .
قوله تعالى ((قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)) الآية سورة الأعراف ٢٣٣
فان قيل : فهذا القول صدر من كل بني اسرائيل أو من بعضهم ؟
قلنا : بل من بعضهم لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من
يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل .
ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه أجابهم فقال ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾
وتقرير هذا الجهل ما ذكر أن العبادة غاية التعظيم ، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الأنعام ،
وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل . وخلق الأشياء المنتفع بها . والقادر على
هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى ، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به .
فأن قالوا : إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى الله تعالى ، فما الوجه في
قبح هذه العبادة ؟
قلنا : فعلى هذا التقدير : لم يتخذوها آلهة أصلا وإنما جعلوها كالقبلة ، وذلك ينافي
قولهم ( إجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) واعلم أن ( ما) في قوله ( كما لهم آلهة ) يجوز أن تكون
مصدرية أى كما ثبت لهم آلهة ، ويجوز ان تكون موصولة ، وفي قولهم ( لهم ) ضمير يعود
اليه ، و( آلهة ) بدل من ذلك الضمير تقديره : كالذى هو لهم آلهة .
ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال ( إن هؤلاء متبر ما هم فيه ) قال الليث :
التبار الهلاك . يقال : تبر الشيء يتبر تبارا والتتبير الاهلاك ، ومنه قوله تعالى ( تبرنا تتبيرا )
ويقال للذهب المنكسر المتفتت : التبر فقوله ( متبر ما هم فيه) أى مهلك مدمر ، وقوله
( وباطل ما كانوا يعملون ) قيل : البطلان عدم الشيء ، إما بعدم ذاته أو بعدم فائدته
ومقصوده ، والمراد من بطلان عملهم : أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر ،
وتحقيق القول في هذا الباب ان المقصود من العبادة أن تصير المواظبة على تلك الأعمال سببا
الاستحكام ذكر الله تعالى في القلب حتى تصير تلك الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها .
فاذا اشتغل الانسان بعبادة غير الله تعالى ، تعلق قلبه بغير الله ويصير ذلك التعلق سببا لأعراض
القلب عن ذكر الله تعالى ، وإذا ظهر هذا التحقيق ظهر ان الاشتغال بعبادة غير الله متبر
وباطل . وضائع وسعى في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه ، لأنا بينا أن المقصود من العبادة
رسوخ معرفة الله تعالى في القلب ، والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله عن القلب ،
٢٣٤
قوله تعالى ((قال أغير الله أبغيكم إلها)) الآية سورة الأعراف
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيْكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١٨) وَ إِذْ أَنَجَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ
يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِلُونَ أَبْنَآءُ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَ كُمْوَفِى ذَلِكُمْ بَلَّهُ مِن
ـو
رَبِكَرْ عَظِيمٌ
فكان هذا ضدا للغرض ونقيضا للمطلوب والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ﴾
اعلم انه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنهم لما قالوا له ( اجعل لنا إلهاكما لهم آلهة )
فهو عليه السلام ذكر في الجواب وجوها : أولها : أنه حكم عليهم بالجهل فقال ( إنكم قوم
تجهلون) وثانيها : أنه قال: ( إن هؤلاء متبر ما هم فيه) أى سبب للخسران والهلاك .
وثالثها : أنه قال ( وباطل ما كانوا يعملون ) أى هذا العمل الشاق لا يفيدهم نفعا في الدنيا
والدين . ورابعها : ما ذكره في هذه الآية من التعجب منهم على وجه يوجب الانكار والتوبيخ
فقال ( أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ) والمعنى : أن الاله ليس شيئا يطلب
ويلتمس ويتخذ ، بل الاله هو الله الذى يكون قادرا على الأنعام بالايجاد واعطاء الحياة وجميع
النعم ، وهو المراد من قوله ( وهو فضلكم على العالمين ) فهذا الموجود هو الاله الذى يجب على
الخلق عبادته ، فكيف يجوز العدول عن عبادته الى عبادة غيره . قال الواحدى رحمه الله :
يقال: بغيت فلانا شيئا وبغيت له. قال تعالى (يبغونكم الفتنة) اي يبغون لكم، وفي انتصاب
قوله إلها وجهان: أحدهما: الحال كأنه قيل: أطلب لكم غير الله معبودا، ونصب (غير) في
هذا الوجه على المفعول به. الثاني: أن ينصب (إلها) على المفعول به (وغير) على الحال المقدمة
التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم إلها غير الله. وقوله (وهو فضلكم على العالمين)
فيه قولان: الأول: المراد انه تعالى فضلهم على عالمي زمانهم. الثاني: أنه تعالى خصهم بتلك
الآيات القاهرة ولم يحصل مثلها لأحد من العالمين. وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال.
ومثاله: رجل تعلم علما واحدا وآخر تعلم علوما كثيرة سوى ذلك العلم، فصاحب العلم
الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد، إلا أن صاحب العلوم الكثيرة مفضل
على صاحب العلم الواحد في الحقيقة .
قوله تعالى ﴿ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم
ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾
٢٣٥
قوله تعالى ((وواعدنا موسى ثلاثين ليلة)) الآية سورة الأعراف
وَعَدْنَا مُوسَى ثَلَئِنَ لَيْلَةً وَأْمَمْنَهَا بِعَثْرٍ فَتَمَ مِقَدْتُ رَبِّهِةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَهُ وَقَالَ،
مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ آَخْلُفْنِى فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَّحْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
١٤٢
واعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة ، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه ،
تعالى هو الذى أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة ، فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غير الله
تعالى . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال
موسى لأخيه هرون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾
فى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابو عمرو (وعدنا) بغير ألف، والباقون (واعدنا) بالالف على
المفاعلة ، وقد مر بيان هذه القراءة في سورة البقرة .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أنه روى أن موسى عليه السلام وعد بني اسرائيل وهو بمصر:
أن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك
فرعون سأل موسى ربه الكتاب ، فهذه الآية في بيان كيفية نزول التوراة . واعلم أنه تعالى قال
في سورة البقرة (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) وذكر تفصيل تلك الأربعين في هذه الآية))
فان قيل : وما الحكمة ههنا في ذكر الثلاثين ثم إتمامها بعشر؟ وأيضا فقوله ( فتم ميقات
ربه أربعين ليلة ) كلام عار عن الفائدة ، لأن كل أحد يعلم أن الثلاثين مع العشر يكون
أربعين .
قلنا : أما الجواب عن السؤال الأول فهو من وجوه :
الوجه الأول﴾ أنه تعالى أمر موسى عليه السلام بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذى
القعدة فلما اتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك
فأفسدته بالسواك فأوحى الله تعالى اليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندى من ريح
المسك ، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة ايام من ذى الحجة لهذا السبب .
والوجه الثاني ﴾ في فائدة هذا التفصيل أن الله أمره أن يصوم ثلاثين يوما وأن يعمل
٢٣٦
قوله تعالى ((وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)) الآية سورة الأعراف
فيها ما يقربه الى الله تعالى ثم أنزلت التوراة عليه في العشر البواقي ، وكلمه أيضا فيه . فهذا هو
الفائدة في تفصيل الأربعين الى الثلاثين والى العشررة .
والوجه الثالث ﴾ ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني في سورة طه ما دل على أن موسى
عليه السلام بادر الى ميقات ربه قبل قومه ، والدليل عليه قوله تعالى ( وما أعجلك عن قومك يا
موسى قال هم أولاء على أثرى) فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين ، فلما
اعلمه الله تعالى خبر قومه مع السامرى رجع الى قومه قبل تمام ما وعده الله تعالى ، ثم عاد الى
الميقات في عشرة أخرى ، فتم أربعون ليلة .
والوجه الرابع﴾ قال بعضهم لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه
السلام ، وحده ، والوعد الثاني حضر المختارون معه ليسمعوا كلام الله تعالى ، فصار الوعد
مختلفا لاختلاف حال الحاضرين . والله أعلم .
والجواب عن السؤال الثاني : أنه تعالى إنما قال ( أربعين ليلة ) إزالة لتوهم أن ذلك
العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين ، كأنه كان عشرين ، ثم أتممه بعشر ،
فصار ثلاثين ، فأزال هذا الايهام .
أما قوله تعالى ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ ففيه بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ الفرق بين الميقات وبين الوقت، أن الميقات ما قدر فيه عمل من
الأعمال والوقت وقت للشيء قدرة مقدر أولا .
: والبحث الثاني ) قوله ( أربعين ليلة ) نصب على الحال أى تم بالغا هذا العدد .
وأما قوله ﴿ وقال موسى لأخيه هرون ﴾ فقوله ( هرون ) عطف بيان لأخيه وقرىء
بالضم على النداء ( اخلفني في قومي ) كن خليفتي فيهم ( وأصلح ) وكن مصلحا أو
( وأصلح ) ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ومن دعاك منهم الى الافساد فلا تتبعه ولا
تطعه .
فان قيل : إن هرون كان شريك موسى عليه السلام في النبوة ، فكيف جعله خليفة
لنفسه ، فان شريك الانسان أعلى حالا من خليفته ورد الانسان من المنصب الأعلى الى الأدون
يكون إهانة .
قلنا الأمر وان كان كما ذكرتم ، إلا أنه كان موسى عليه السلام هو الأصل في تلك
٢٣٧
قوله تعالى ((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)) الآية سورة الأعراف
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُو رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِّ أَنْظُرْ إِلَيْكٌ قَالَ لَنْ تَرَدِى
وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّمَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَسِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِجَلٍ
جَعَلَهُ, دَكًا وَنَحَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
وَأَنَاْ أَوَّلُ
/١٤٤٥/٤
الْمُؤْمِنِينَ {(1)
النبوة .
فان قيل : لما كان هرون نبيا والنبي لا يفعل إلا الاصلاح فكيف وصاه بالاصلاح .
قلنا : المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله ( ولكن ليطمئن قلبي ) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر اليك قال لن تراني
ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى
صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت اليك وأنا أول المؤمنين ﴾
اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات وهي أن كلمه
ربه ، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الالهية .
﴿ المسألة الأولى﴾ دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في
كلام الله تعالى فمنهم من قال : كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ، ومنهم من قال :
كلامه صفة حقيقية مغايرة للحروف والأصوات . وأما القائلون بالقول الأول فالعقلاء
المخصلون ، اتفقوا على أنه يجب كونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن . وزعمت الحنابلة والحشوية
أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم ، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل
اليه ، وذلك اني قلت يوما إنه تعالى إما أن يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب
والتوالي ، والأول : باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت
حروفها متوالية فأما إذا كانت حر وفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيدا البتة .
والثاني : يوجب كونها حادثة لأن الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول .
فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والثاني حادث ، لأن كل ما كان وجوده
متأخرا عن وجود غيره فهو حادث فثبت أنه بتقدير ان يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد
٢٣٨
قوله تعالى ((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)) الآية سورة الأعراف
الحروف والأصوات محدث .
إذا ثبت هذا فنقول للناس ههنا مذهبان : الأول : ان محل تلك الحروف والأصوات
الحادثة هو ذات الله تعالى، وهو قول الكرامية . الثاني : أن محلها جسم مباين لذات الله تعالى
كالشجرة وغير، وهو قول المعتزلة .
أما القول الثاني : وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات ، فهذا
قول أكثر أهل السنة والجماعة ، وتلك الصفة قديمة أزلية . والقائلون بهذا القول اختلفوا في
الشيء الذى سمعه موسى عليه السلام . فقالت الاشعرية : إن موسى عليه السلام سمع تلك
الصفة الحقيقة الأزلية قالوا : وکما لا يتعذر رؤية ذاته ، مع أن ذاته لیست جسما ولا عرضا ،
فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا . وقال أبو منصور
الماتريدى : الذى سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة ،
فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فذاك ما سمعه موسى عليه السلام البتة ، فهذا
تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام آخرين
وظاهر الآية يدل على الأول . لأن قوله تعالى ( وكلمة ربه ) يدل على تخصيص موسى عليه
السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه ، وقال القاضي : بل
السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضا كلام الله تعالى . قال : لأن الغرض باحضارهم أن
يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجرى هناك ، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام
وأيضا فان تكليم الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز ، وقد تقدمت نبوة موسى
عليه السلام فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره .
المسألة الثالثة ﴾ قال أصحابنا هذه الآية تدل على أنه سبحانه يجوز أن يرى وتقريره
من أربعة أوجه . الأول : ان الآية دالة على أن موسى عليه السلام سأل الرؤية ، ولا شك ان
موسى عليه السلام يكون عارفا بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى ، فلو كانت الرؤية ممتنعة
على الله تعالى لما سألها ، وحيث سألها ، علمنا ان الرؤية جائزة على اللّه تعالى . قال القاضي :
الذى قاله المحصلون من العلماء في ذلك اقوال أربعة : أحدها : ما قاله الحسن وغيره . أن
موسى عليه السلام ما عرف ان الرؤية غير جائزة على اللّه تعالى ، قال ومع الجهل بهذا المعنى قد
يكون المرء عارفا بربه وبعدله وتوحيده ، فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها
موقوفا على السمع . وثانيها : أن موسى عليه السلام سأل الرؤية على لسان قومه ، فقد كانوا
٢٣٩
قوله تعالى ((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)) الآية سورة الأعراف
جاهلین بذلك یکررون المسألة علیه یقولون ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) فسأل موسى
الرؤية لا لنفسه ، فلما ورد المنع منها ظهر ان ذلك لا سبيل اليه ، وهذه طريقة أبي على وأبي
هاشم . وثالثها : أن موسى عليه السلام سأل ربه من عنده معرفة باهرة باضطرار وأهل هذا
التأويل مختلفون ، فمنهم من يقول سأل ربه المعرفة الضرورية . ومنهم من يقول : بل سأله
إظهار الآيات الباهرة التي عندها تزول الخواطر والوساوس عن معرفته ، وان كانت من فعله ،
كما نقوله في معرفة أهل الآخرة ، وهو الذى اختاره أبو القاسم الكعبى . ورابعها : المقصود
من هذا السؤال ان يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته حتى يتأكد الدليل
العقلي بالدليل السمعي . وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء ، وهو الذى ذكره أبو بكر
الأصم فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل هذه الآية . قال أصحابنا أما الوجه الأول ،
فضعيف ويدل عليه وجوه : الأول : إجماع العقلاء على أن موسى عليه السلام ما كان في العلم
بالله أقل منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة ، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى
وفرضنا ان موسى عليه السلام لم يعرف ذلك ، كانت معرفته باللّه أقل درجة من معرفة كل
واحد من أراذل المعتزلة ، وذلك باطل باجماع المسلمين . الثاني : أن المعتزلة يدعون العلم
الضرورى ، بأن كل ما كان مرئيا فانه يجب ان يكون مقابلا أو في حكم المقابل . فأما ان يقال
إن موسى عليه السلام حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم . فأن كان الأول كان
تجويزه لكونه تعالى مرئيا ، يوجب تجويز كونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة ، وتجويز هذا المعنى
على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة ، فيلزمهم كون موسى عليه السلام كافرا ، وذلك لا
يقوله عاقل . وإن كان الثاني فنقول : لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلا أو في
حكم المقابل علما بديهيا ضروريا ، ثم فرضنا ان هذا العلم ما كان حاصلا لموسى عليه السلام ،
لزم أن يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية ، ومن کان کذلك فهو
مجنون ، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام ما كان كامل العقل بل كان مجنونا وذلك كفر باجماع
الأمة ، فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام ما كان عالما بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى
ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين . فكان القول به باطلا والله أعلم .
وأما التأويل الثاني : وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه ، فهو أيضا
فاسد ويدل عليه وجوه : الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى : أرهم ينظروا اليك ،
ولقال الله تعالى: لن يروني ، فلما لم يكن كذلك ، بطل هذا التأويل . والثاني : أنه لو كان
هذا السؤال طلبا للمحال ، لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا ( اجعل لنا إلهاكما لهم آلهة ) منعهم عنه
بقوله ( إنكم قوم تجهلون ) والثالث : أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على انه
٢٤٠
قوله تعالى ((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه )) الآية سورة الأعراف
تعالى لا تجوز رؤيته ، وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال ، فاما أن لا يذكر شيئا من
تلك الدلائل البتة ، مع أن ذكرها كان فرضا مضيقا ، كان هذا نسبة لترك الواجب الى موسى
عليه السلام ، وأنه لا يجوز ، والرابع : أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية ، إما أن يكونوا
قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام . أو ما آمنوا بها ، فان كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك
السؤال الباطل ، مجرد قول موسى عليه السلام ، فلا حاجة الى هذا السؤال الذی ذکره موسی
عليه السلام ، وان كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم أن الله منع من
الرؤية ، بل هذا قول افتريته على الله تعالى فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول
موسى عليه السلام ( أرني أنظر اليك )
وأما التأويل الثالث : فبعيد أيضا ويدل عليه وجوه : الأول : أن على هذا التقدير
يكون معنى الآية أرني أمرا أنظر الى أمرك ، ثم حذف المفعول والمضاف، إلا ان سياق الآية
يدل على بطلان هذا ، وهو قوله ( أنظر اليك قال لن تراني ) فسوف تراني ( فلما تجلى ربه
للجبل ) ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف. الثاني : أنه تعالى أراه من الآية ما
لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وإظلال الجبل ،
فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة . والثالث : أنه عليه السلام كان يتكلم
مع الله بلا واسطة . ففي هذه الحالة كيف يليق به أن يقول: أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على
أنك موجود ؟ ومعلوم أن هذا الكلام في غاية الفساد . الرابع : أنه لو كان المطلوب آية تدل
على وجوده ، لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك ، فثبت
أن هذا القول فاسد . وأما التأويل الرابع وهو أن يقال : المقصود منه إظهار آية سمعية تقوى
ما دل العقل عليه ، فهو أيضا بعيد ، لأنه لو كان المراد ذلك ، لكان الواجب أن يقول : أريد
يا إلهي ان يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل ، وحيث لم يقل ذلك بل
طلب الرؤية . علمنا ان هذه التأويلات بأسرها فاسدة .
الحجة الثانية ﴾ من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على انه تعالى جائز الرؤية
وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال : لا أرى ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر
فقال له إنسان ناولني هذا لآكله ، فانه يقول له هذا لا يؤكل ، ولا يقول له لا تأكل . ولو كان
في يده بدل الحجر تفاحة لقال له ، لا تأكلها أى هذا مما يؤكل ، ولكنك لا تأكله . فلما قال.
تعالى ( لن تراني ) ولم يقل لا أرى ، علمنا ان هذا يدل على أنه تعالى في ذاته جائز الرؤية .
﴿ الحجة الثالثة﴾ من الوجوه المستنبطة من هذه الآية، أنه تعالى علق رؤيته على أمر