Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
قوله تعالى ((وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم )) الآية سورة الأعراف
اعلم أن هذا هو القصة الثانية ، وهي قصة هود مع قومه .
أما قوله ﴿ والى عاد أخاهم هودا ﴾ ففيه أبحاث :
﴿ البحث الأول﴾ انتصب قوله (أخاهم) بقوله (ارسلنا) في أول الكلام والتقدير (لقد
أرسلنا نوحا الى قومه . وأرسلنا الى عاد أخاهم هودا )
البحث الثاني ﴾ اتفقوا على أن هودا ما كان أخا لهم في الدين . واختلفوا في أنه ،
هل كان أخا قرابة قريبة أم لا ؟ قال الكلبي : إنه كان واحدا من تلك القبيلة ، وقال آخرون :
إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة فكفى هذا القدر في تسمية هذه الأخوة ،
والمعنى أنا بعثنا إلى عاد واحدا من جنسهم وهو البشرليكون الفهم والأنس بكلامه وأفعاله
أمل . وما بعثنا اليهم شخصا من غير جنسهم مثل ملك او جنى .
﴿ البحث الثالث ﴾ أخاهم : أى صاحبهم ورسولهم ، والعرب تسمى صاحب القوم
أخ القوم ، ومنه قوله تعالى ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) أى صاحبتها وشبيهتها . وقال
عليه السلام ((إن أخا صداء قد اذن وإنما يقيم من أذن)) يريد صاحبهم.
﴿ البحث الرابع ﴾ قالوا نسب هود هذا : هود بن شالخ ، بن أرفخشد ، بن سام ،
بن نوح . وأما عاد فهم قوم كانوا باليمن بالأحقاف، قال ابن إسحق : والأحقاف ، الرمل
الذى بين عمان الى حضرموت .
البحث الخامس ﴾ اعلم أن ألفاظ هذه القصة موافقة للألفاظ المذكورة في قصة نوح
عليه السلام إلا في أشياء : الأول : في قصة نوح عليه السلام ( فقال يا قوم اعبدوا الله ) وفي
قصة هود ( قال يا قوم اعبدوا الله ) والفرق ان نوحا عليه السلام كان مواظبا على دعواهم وما
كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة . وأما هود فما كانت مبالغته الى هذا الحد فلا جرم
جاء (( فاء التعقيب)) في كلام نوح دون كلام هود . الثاني : أن في قصة نوح ( اعبدوا الله ما
لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) وقال في هذه القصة (اعبدوا الله ما لكم
من إله غيره أفلا تتقون ) والفرق بين الصورتين أن قبل نوح عليه السلام لم يظهر في العالم
مثل تلك الواقعة العظيمة وهي الطوفان العظيم ، فلا جرم أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال
الفخر الرازي ج١٤ م١١

١٦٢ قوله تعالى ((قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك» الآية سورة الأعراف
( إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) وأما واقعة هود عليه السلام فقد كانت مسبوقة بواقعة
نوح وكان عند الناس علم بتلك الواقعة قريبا ، فلا جرم اكتفى هود بقوله ( أفلا تتقون )
والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذى اشتهر خبره
في الدنيا فكان قوله ( أفلا تتقون ) إشارة الى التخويف بتلك الواقعة المتقدمة المشهورة في
الدنيا .
والفرق الثالث ﴾ قال تعالى في قصة نوح ( قال الملأ من قومه ) وقال في قصة هود
( قال الملأ الذين كفروا من قومه ) والفرق أنه كان في أشراف قوم هود من آمن به ، منهم مرثد
ابن سعد . أسلم وكان يكتم إيمانه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح
مؤمن .
والفرق الرابع ﴾ انه تعالى حكى عن قوم نوح أنهم قالوا ( إنا لنراك في ضلال مبين)
وحكى عن قوم هود انهم قالوا ( إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ) والفرق بين
الصورتين أن نوحا عليه السلام كان يخوف الكفار بالطوفان العام وكان أيضا مشتغلا باعداد
السفينة وكان يحتاج الى أن يتعب نفسه في إعداد السفينة ، فعند هذا ، القوم قالوا ( إنا لنراك
في ضلال مبين ) ولم يظهر شيء من العلامات التي تدل على ظهور الماء في تلك المفازة ، أما
هود عليه السلام فما ذكر شيئا إلا أنه زيف عبادة الأوثان ونسب من اشتغل بعبادتها الى السفاهة
وقلة العقل . فلما ذكر هود هذا الكلام في أسلافهم قابلوه بمثله ونسبوه الى السفاهة ثم قالوا
( وإنا لنظنك من الكاذبين ) في ادعاء الرسالة واختلفوا في تفسير هذا الظن فقال بعضهم :
المراد منه القطع والجزم ، وورود الظن بهذا المعنى في القرآن كثير . قال تعالى ( الذين يظنون
انهم ملاقوا ربهم ) وقال الحسن والزجاج : كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين فكفروا به
ظانين لا متيقنين ، وهذا يدل على أن حصول الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر .
والفرق الخامس ﴾ بين القصتين ان نوحا عليه السلام . قال (أبلغكم رسالات ربي
وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ) وأما هود عليه السلام فقال ( أبلغكم رسالات ربي
وأنا لكم ناصح أمين ) فنوح عليه السلام . قال ( أنصح لكم ) وهو صيغة الفعل وهود عليه
السلام قال ( وأنا لكم ناصح) وهو صيغة اسم الفاعل ونوح عليه السلام قال ( وأعلم من الله
ما لا تعلمون ) وهود عليه السلام لم يقل ذلك ، ولكنه زاد فيه كونه أمينا ، والفرق بين
الصورتين ان الشيخ عبد القاهر النحوى ذكر في كتاب دلائل الاعجاز ان صيغة الفعل تدل على
التجدد ساعة فساعة ، وأما صيغة اسم الفاعل فانها دالة على الثبات والاستمرار على ذلك
الفِعل .

١٦٣
قوله تعالى ((قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول )) الآية سورة الأعراف
وإذا ثبت هذا فنقول : ان القوم كانوا يبالغون في السفاهة على نوح عليه السلام ، ثم انه
في اليوم الثاني كان يعود اليهم ويدعوهم إلى الله ، وقد ذكر الله تعالى عنه ذلك فقال ( رب إني
دعوت قومي ليلا ونهارا ) فلما كان من عادة نوح عليه السلام العود الى تجديد تلك الدعوة في كل
يوم وفي كل ساعة لا جرم ذكره بصيغة الفعل ، فقال ( وأنصح لكم ) وأما هود عليه السلام
فقول : ( وأنا لكم ناصح ) يدل على كونه مثبتا في تلك النصيحة مستقرا فيها . أما ليس فيها
إعلام بانه سيعود الى ذكرها حالا فحالا ويوما فيوما ، وأما الفرق الآخر في هذه الآية وهو أن
نوحا عليه السلام قال ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) وهودا وصف نفسه بكونه أمينا . فالفرق
ان نوحا عليه السلام كان أعلى شأنا وأعظم منصبا في النبوة من هود . فلم يبعد أن يقال : إن
نوحا كان يعلم من اسرار حكم الله وحكمته ما لم يصل اليه هود ، فلهذا السبب امسك هود
لسانه عن ذكر تلك الكلمة ، واقتصر على أن وصف نفسه بكونه أمينا : ومقصود منه أمور :
أحدها : الرد عليهم في قولهم ( وإنا لنظنك من الكاذبين ) وثانيها : أن مدار أمر الرسالة
والتبليغ عن الله على الامانة فوصف نفسه بكونه أمينا تقريرا للرسالة والنبوة . وثالثها : كانه
قال لهم : كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم ، ما وجدتم منى غدرا ولا مكرا ولا كذبا ،
واعترفتم لي بكوني أمينا فكيف نسبتموني الآن الى الكذب ؟
واعلم ان الأمين هو الثقة ، وهو فعيل من أمن يأمن أمنا فهو آمن وأمين بمعنى واحد .
واعلم أن القوم لما قالوا له ( إنا لنراك في سفاهة ) فهو لم يقابل سفاهتهم بالسفاهة بل
قابلها بالحلم والاغضاء ولم يزد على قوله ( ليس بي سفاهة ) وذلك يدل على أن ترك الانتقام
أولى كما قال ( وإذا مروا باللغو مروا كراما )
أما قوله ﴿ ولكني رسول من رب العالمين﴾ فهو مدح للنفس بأعظم صفات المدح.
وإنما فعل ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام القوم بذلك ، وذلك يدل على أن مدح الانسان نفسه
إذا كان في موضع الضرورة جائز .
﴿ والفرق السادس ﴾ بين القصتين أن نوحا عليه السلام قال (أو عجبتم أن جاءكم
ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون) وفي قصة هود أعاد هذا الكلام
بعينه إلا أنه حذف منه قوله (ولتتقوا ولعلكم ترحمون) والسبب فيه انه لما ظهر في القصة الأولى
أن فائدة الأنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة لم يكن الى إعادته في هذه القصة حاجة،
وأما بعد هذه الكلمة فكله من خواص قصة هود عليه السلام وهو قوله تعالى حكاية عن هود
عليه السلام (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) .

١٦٤ قوله تعالى ((قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول)) الآية سورة الأعراف
واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع ، والمقصود منه ان
تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة والعداوة ، وقد ذكر هود عليه السلام
ههنا نوعين من الأنعام : الأول : انه تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح . وذلك بأن
أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح .. والثاني : قوله
( وزادكم في الخلق بسطة ) وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ (الخلق) في اللغة عبارة عن التقدير ، فهذا اللفظ انما ينطلق على
الشيء الذى له مقدار وجثة وحجمية ، فكان المراد حصول الزيادة في أجسامهم ، ومنهم من
حمل هذا اللفظ على الزيادة في القوة ، وذلك لأن القوى والقدر متفاوتة ، فبعضها أعظم
وبعضها أضعف .
إذا عرفت هذا فنقول : لفظ الآية يدل على حصول الزيادة واعتداد تلك الزيادة ، فليس
في اللفظ البتة ما يدل عليه إلا أن العقل يدل على أن تلك الزيادة يجب ان تكون زيادة عظيمة
واقعة على خلاف المعتاد ، والا لم يكن لتخصيصها بالذكر في معرض الانعام فائدة ، قال
الكلبي : كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعا ، وقال آخرون : تلك الزيادة هي
مقدار ما تبلغه يدا إنسان إذا رفعهما ، ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر ، وقال قوم يحتمل
أن يكون المراد من قوله ( وزادكم في الخلق بسطة ) كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة
والشذة والجلادة . وكون بعضهم محبا للباقين ناصرا لهم وزوال العداوة والخصومة من بينهم ،
فانه تعالى لما خصهم بهذه الأنواع من الفضائل والمناقب فقد قرر لهم حصولها . فصح أن يقال
(وزادكم في الخلق بسطة) ولما ذكر هود هذين النوعين من النعمة قال ( فاذكروا آلاء الله ) وفيه
بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ لا بد في الآية من إضمار، والتقدير: واذكروا آلاء الله واعملوا
عملا يليق بتلك الانعامات لعلكم تفلحون . وإنما أضمرنا العمل لأن الصلاح الذى هو الظفر
بالثواب لا يحصل بمجرد التذكر بل لا بد له من العمل ، واستدل الطاعنون في وجوب الاعمال
الظاهرة بهذه الآية وقالوا : إنه تعالى رتب حصول الصلاح على مجرد التذكر ، فوجب ان يكون.
مجرد التذكر كافيا في حضول الصلاح . وجوابه ما تقدم من أن سائر الآيات ناطقة بأنه لا بد من
العمل . والله أعلم .
﴿ البحث الثاني﴾ قال ابن عباس ( آلاء الله) أى نعم الله عليكم . قال الواحدى :
واحدا لآلاء إلى وألوا وإلى . قال الأعشى :

قوله تعالى ((قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد)) الآية سورة الأعراف ١٦٥
قَالُواْ أَجِثْقَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَمَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآ ؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآَ إِن كُنتَ
مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبُّ أَتْجَدِلُونَنِى
فِى أَسْمَاءٍ سَّيْتُمُوهَ أَنْتُمْ وَؤُكُم مَّانَزََّ اللهُ بِهَا مِن سُلْطٍَ فَانْتَظِرُواْ إِ مَعَكُمْ
مِّنَ الْمُنْتَظِرِ ينَ ﴿ فَأَنَجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِعَايَئِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (#)
يقطع رحما ولا يخون إلى
أبيض لا يرهب الهزال ولا
قال نظير الآلاء الآناء ، واحدها : انا وانى وانى ، وزاد صاحب الكشاف في الأمثلة
فقال : ضلع وأضلاع ، وعنب وأعناب .
قوله تعالى ﴿ قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت
من الصادقين قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم
وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين معه برحمة
منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ﴾
اعلم أن هودا عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدليل القاطع ،
وذلك لأنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة عظيمة ، وصريح العقل يدل على أنه ليس للاصنام
شيء من النعم على الخلق لأنها جمادات ، والجماد لا قدرة له على شيء أصلا ، وظاهر أن
العبادة نهاية التعظيم . ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الانعام . وذلك يدل على
أنه يجب عليهم أن يعبدوا الله ، وأن لا يعبدوا شيئا من الاصنام ، ومقصود الله تعالى من ذكر
أقسام إنعامه على العبيد ، هذه الحجة التي ذكرها . ثم أن هودا عليه السلام لما ذكر هذه الحجة
اليقينية لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة التي ذكرها إلا التمسك بطريقة التقليد .
فقالوا ( أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا) ثم قالوا ( فأتنا بما تعدنا ) وذلك لأنه
عليه السلام قال ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) فقوله ( أفلا تتقون ) مشعر
بالتهديد والتخويف بالوعيد . فلهذا المعنى قالوا ( فأتنا بما تعدنا ) وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا
يعتقدون كونه كاذبا بدليل أنهم قالوا له ( وإنا لنظنك من الكاذبين ) فلما اعتقدوا كونه كاذبا
قالوا له ( فأتنا بما تعدنا ) والغرض انه اذا لم يأتهم بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذبا ، وإنما

١٦٦
قوله تعالى ((قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب)) الآية سورة الأعراف
قالوا ذلك لأنهم ظنوا أن الوعد لا يجوز أن يتأخر ، فلا جرم استعجلوه على هذا الحد .
ثم حكى الله تعالى عن هود عليه السلام أنه قال عند هذا الكلام ﴿ قد وقع عليكم من
ربكم رجس وغضب ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ هذا الذى أخبر الله عنه بأنه وقع لا يجوز أن يكون هو العذاب،
لأن العذاب ما كان حاصلا في ذلك الوقت . وقد اختلفوا فيه . وقال القاضي : تفسير هذه
الآية على قولنا ظاهر ، إلا أنا نقول : معناه أنه تعالى أحدث إرادة في ذلك الوقت ، لأن بعد
كفرهم وتكذيبهم حدثت هذه الارادة . واعلم أن هذا القول عندنا باطل ، بل عندنا في الآية
وجوه من التأويلات : أحدها : أنه تعالى أخبره في ذلك الوقت بنزول العذاب عليهم ، فلما
حدث الاعلام في ذلك الوقت ، لا جرم قال هود في ذلك الوقت ( وقع عليكم من ربكم رجس
وغضب ) وثانيها : أنه جعل التوقع الذى لا بد من نزوله بمنزلة الواقع . ونظيره قولك لمن
طلب منك شيئا ، قد كان بمعنى أنه سيكون ، ونظيره قوله تعالى ( أتى أمر الله ) بمعنى :
سيأتي أمر الله . وثالثها : أنا نحمل قوله ( وقع ) على معنى وجد وحصل ، والمعنى : إرادة
إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل الى الأبد ، لأن قولنا : حصل لا إشعار له بالحدوث
بعد ما لم يكن .
﴿ المسألة الثانية﴾ الرجس لا يمكن أن يكون المراد منه العذاب لأن المراد من الغضب
العذاب . فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير ، وأيضا الرجس ضد التزكية والتطهير . قال
تعالى ( تطهرهم وتزكيهم بها ) وقال في صفة أهل البيت ( ويطهركم تطهيرا) والمراد التطهر من
العقائد الباطلة والأفعال المذمومة . وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون الرجس عبارة عن
العقائد الباطلة والافعال المذمومة .
إذا ثبت هذا فقوله ( قد وقع عليكم من ربكم رجس ) يدل على أنه تعالى خصهم
بالعقائد المذمومة والصفات القبيحة ، وذلك يدل على أن الخير والشرمن الله تعالى . قال
القفال : يجوز أن يكون الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كقوله تعالى
( فزادتهم رجسا الى رجسهم ) أى قد وقع عليكم من الله رين على قلوبكم عقوبة منه لكم
بالخذلان لألفكم الكفر وتماديكم في الغي .
واعلم أنا قد دللنا على أن هذه الآية تدل على أن كفرهم من الله ، فهذا الذى قاله
القفال ان كان المراد منه ذلك . فقد جاء بالوفاق . إلا أنه شديد النفرة عن هذا المذهب وأكثر
تأويل الآيات الدالة على هذا المذهب تدل على أنه لا يقول بهذا القول وان كان المراد منه
الجواب عما شرحناه . فهو ضعيف لأنه ليس فيه ما يوجب رفع الدليل الذى ذكرناه ، والله
أعلم .

١٦٧
قوله تعالى ((وإلى ثمود أخاهم صالحا)) الآية سورة الأعراف
وَ إِلَ تَهُودَ أَخَاهُمْ صَدِعًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُواْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلٍَ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَ تْكُ
بَيْنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِلَكُمْءَ ايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىَ أَرْضِ اللهِ وَلَا
تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْ خُذَّكُرْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
وحاصل الكلام في الآية : ان القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل زادهم
الله كفرا ، وهو المراد من قوله ( قد وقع عليكم من ربكم رجس ) ثم خصهم بمزيد الغضب ،
وهو قوله ( وغضب )
ثم قال ﴿ أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ﴾
والمراد منه : الاستفهام على سبيل الانكار ، وذلك لأنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة ، مع أن
معنى الالهية فيها معدوم ، وسموا واحدا منها بالعزى مشتقا من العز ، والله ما أعطاه عزا
أصلا ، وسموا آخر منها باللات ، وليس له من الالهية شيء ، وقوله ( ما نزل الله بها من
سلطان ) عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة ، ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيدا مجددا
فقال (فانتظروا ) ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام ( إني معكم من المنتظرين )
ثم إنه تعالى أخبر عن عاقبة هذه الواقعة فقال ( فانجيناه والذين معه برحمة منا ) إذ كانوا
مستحقين للرحمة بسبب إيمانهم . وقطعنا دابر الذين كذبوا بالآيات التي جعلناها معجزة لهود ،
والمراد أنه تعالى أنزل عليهم عذاب الاستئصال الذى هو الريح ، وقد بين كيفيته في غير هذا
الموضع ، وقطع الدابر : هو الاستئصال فدل بهذا اللفظ أنه تعالى ما أبقى منهم أحدا ، ودابر
الشيء آخره .
فان قيل : لما أخبر عنهم بأنهم كانوا مكذبين بآيات الله لزم القطع بأنهم ما كانوا
مؤمنين ، فما الفائدة في قوله بعد ذلك ( وما كانوا مؤمنين )
قلنا : معناه أنهم مكذبون وعلم الله منهم أنهم لو بقوا لم يؤمنوا أيضا ، ولو علم تعالى
أنهم سيؤمنون لأبقاهم .
قوله تعالى ﴿والى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد
جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء
فيأخذكم عذاب أليم

١٦٨
قوله تعالى ((وأذكروا إذ جعلكم خلفاء)) الآية سورة الأعراف
وَأَذْ كُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأْ كُمْ فِ اْأَرْضِ تَخِّْذُونَ مِنْ
سُهُوِهَا قُصُورًا وَتَحْنُونَ الْجِبَالَ بُيُونًا فَاذْكُرُوَاْءَالَآءَ اللَّهِ وَلَ تَعْثَواْ فِى الْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ
٧٤
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصور
وتنحتون الجبال بيوتا فاذكر وأآلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾
اعلم أن هذا هو القصة الثالثة ، وهو قصة صالح .
أما قوله ﴿والى ثمود ﴾ فالمعنى ( ولقد أرسلنا نوحا . وإلى عاد أخاهم هودا. والى
ثمود أخاهم صالحا ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال أبو عمرو بن العلاء : سميت ثمودا لقلة مائها من الثمد ، وهو
الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام . والى وادى القرى ، وقيل سميت
اثمود لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام .
﴿ المسألة الثانية) قرىء (وإلى ثمود) يمنع الصرف بتأويل القبيلة (والى ثمود)
بالصرف بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر ، وقد ورد القرآن بهما صريحا .
قال تعالى ( ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعد الثمود )
واعلم انه تعالى حكى عنه أنه أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن عبادة غير الله كما ذكره من
قبله من الأنبياء .
ثم قال ﴿ قد جاءتكم بينة من ربكم ﴾ وهذه الزيادة مذكورة في هذه القصة ، وهي تدل
على ان كل من كان قبله من الأنبياء كانوا يذكرون الدلائل على صحة التوحيد والنبوة ، لأن
التقليد وحده لو كان كافيا لكانت تلك البينة ههنا لغوا ، ثم بين ان تلك البينة هي الناقة فقال
( هذه ناقة الله لكم آية ) وفيه مسائل :

١٦٩
قوله تعالى ((واذكروا اذ جعلكم خلفاء)) الآية سورة الأعراف
المسألة الأولى ﴾ ذكروا انه تعالى لما أهلك عادا قام ثمود مقامهم ، وطال عمرهم وكثر
تنعمهم ، ثم عصوا الله، وعبدوا الأصنام ، فبعث الله اليهم صالحا وكان منهم ، فطالبوه
بالمعجزة . فقال ما تريدون . فقالوا : تخرج معنا في عيدنا ، ونخرج أصنامنا وتسأل إلهك
ونسأل اصنامنا ، فاذا ظهر أثر دعائك اتبعناك ، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا ، فخرج معهم
فسألوه ان يخرج لهم ناقة كبيرة من صخرة معينة ، فأخذ مواثيقهم أنه ان فعل ذلك آمنوا
فقبلوا ، فصلى ركعتين ودعا الله فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل ، ثم انفرجت
وخرجت الناقة من وسطها ، وكانت في غاية الكبر وكان الماء عندهم قليلا فجعلوا ذلك الماء
بالكلية شربا لها في يوم ، وفي اليوم الثاني شربا لكل القوم قال السدى : وكانت الناقة في اليوم
التي تشرب فيه الماء تمر بين الجبلين فتعلوهما ثم تأتي فتشرب فتحلب ما يكفي الكل ، وكأنها
كانت تصب اللبن صبا ، وفي اليوم الذى يشربون الماء فيه لا تأتيهم وكان معها فصيل لها . فقال
لهم صالح : يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه ، فذبح تسعة نفر منهم
أبناءهم ، ثم ولد العاشر فأبى أن يذبحه أبوه ، فنبت نباتا سريعا ، ولما كبر الغلام جلس مع قوم
يصيبون من الشراب ، فأرادوا ماء يمزجونه به ، وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء ، واشتد
ذلك عليهم ، فقال الغلام : هل لكم في أن أعقر هذه الناقة ؟ فشد عليها ، فلما بصرت به
شدت عليه ، فهرب منها الى خلف صخرة فأحاشوها عليه ، فلما مرت به تناولها فعقرها
فسقطت . فذلك قوله ( فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ) وأظهروا حينئذ كفرهم وعتوا عن أمر
ربهم ، فقال لهم صالح : إن آية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا ، واليوم الثاني صفرا ، واليوم
الثالث سودا ، فلما صبحهم العذاب تحنطوا واستعدوا .
إذا عرفت هذا فنقول : اختلف العلماء في وجه كون الناقة آية . فقال بعضهم : إنها
كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة . قال القاضي : هذا إن صح فهو معجز من
جهات : أحدها : خروجها من الجبل ، والثانية كونها لا من ذكر وأنثى ، والثالثة كمال خلقها
من غير تدريج .
﴿ والقول الثاني﴾ أنها إنما كانت آية لأجل أن لها شرب يوم، ولجميع ثمود شرب يوم ،
واستيفاء ناقة شرب أمة من الأمم عجيب ، وكانت مع ذلك تأتي بما يليق بذلك الماء من الكلأ
والحشيش .
﴿والقول الثالث ﴾ أن وجه الاعجاز فيها انهم كانوا في يوم شربها يحلبون منها القدر
الذى يقوم لهم مقام الماء في يوم شربهم . وقال الحسن : بالعكس من ذلك ، فقال إنها لم تحلب

١٧٠
قوله تعالى ((واذكروا إذ جعلكم خلفاء)) الآية سورة الأعراف
قطرة لبن قط ، وهذا الكلام مناف لما تقدم .
﴿والقول الرابع﴾ أن وجه الاعجاز فيها أن يوم مجيئها الى الماء كان جميع الحيوانات
تمتنع من الورود على الماء ، وفي يوم امتناعها كانت الحيوانات تأتي .
واعلم أن القرآن قد دل على أن فيها آية ، فأما ذكر أنها كانت آية من أي الوجوه فهو غير
مذكور والعلم حاصل بأنها كانت معجزة من وجه ما لا محالة . والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) قوله (هذه ناقة الله لكم آية ) فقوله (آية ) نصب على الحال أى أشير
اليها في حال كونها آية ، ولفظة (هذه) تتضمن معنى الاشارة ، و( آية ) في معنى دالة . فلهذا
جاز أن تكون حالا .
فان قيل : تلك الناقة كانت آية لكل أحد ، فلماذا خص أولئك الأقوام بها؟ فقال
( هذه ناقة الله لكم آية )
قلنا : فيه وجوه : أحدها : انهم عاينوها وغيرهم أخبروا عنها ، وليس الخبر كالمعاينة .
وثانيها : لعله يثبت سائر المعجزات ، إلا أن القوم التمسوا منه هذه المعجزة نفسها على سبيل
الاقتراح ، فأظهرها الله تعالى لهم ، فلهذا المعنى حسن هذا التخصيص .
فان قيل : ما الفائدة في تخصيص تلك الناقة بأنها ناقة الله ؟
قلنا : فيه وجوه : قيل أضافها الى الله تشريفا وتخصيصا كقوله : بيت الله ، وقيل : لأنه
خلقها بلا واسطة ، وقيل : لأنها لا مالك لها غير الله . وقيل : لأنها حجة الله على القوم .
ثم قال ﴿ فذروها تأكل في أرض الله) أى الأرض أرض الله ، والناقة ناقة الله ،
فذروها تأكل في أرض ربها ، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم ، ولا
تمسوها بسوء ولا تضربوها ولا تطردوها ولا تقربوا منها شيئا من أنواع الأذى . عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال (( يا علي أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك))
ثم قال تعالى ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ﴾ قيل إنه تعالى لما أهلك عادا
عمر ثمود بلادها ، وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارا طوالا .
ثم قال ﴿ وبوأكم في الأرض ﴾ أنزلكم ، والمبوأ : المنزل من الأرض ، أى في أرض
الحجر بين الحجاز والشام

١٧١
قوله تعالى ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين)) الآية سورة الأعراف
قَالَ الْمَلَّ الَّذِينَ اسْتَكْبُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعَلُونَ أَنَّ
صَلِعًا مُرْسَلٌ مِّن رَّبِهِ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ (فَ قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبُوَّا
إِنَّابِالَِّىّ ءَ امَنْتُمْ بِهِ، كَفِرُونَ (٨) فَعَقَرُواْالنَّقَةَ وَعَنُوْ عَنْ أَمْرِ رَبِهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ
أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ فَأَخَلَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ
جَئِينَ ﴿َّ فَتَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغَتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَّا
تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ
ثم قال ﴿ تتخذون من سهولها قصورا﴾ أى تبوؤن القصور من سهولة الأرض ، فان
القصور إنما تبنى من الطين واللبن والآجر ، وهذه الأشياء إنما تتخذ من سهولة الأرض
( وتنحتون من الجبال بيوتا ) يريد تنحتون بيوتا من الجبال تسقفونها .
فان قالوا : علام انتصب بيوتا ؟
قلنا : على الحال كما يقال : خط هذا الثوب قميصا وابر هذه القصبة قلما ، وهي من
الحال المقدرة، لأن الجبل لا يكون بيتا في حال النحت، ولا الثوب والقصبة قميصا، وقلما في
الحال الخياطة والبرى . وقيل : كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء ، وهذا
يدل على انهم كانوا متنعمين مترفهين .
ثم قال ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ يعني قد ذكرت لكم بعض أقسام ما آتاكم الله من النعم،
وذكر الكل طويل ، فاذكروا انتم بعقولكم ما فيها ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) قيل المراد
منه : النهي عن عقر الناقة ، والأولى ان يحمل على ظاهره وهو المنع عن كل أنواع الفساد .
قوله تعالى ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون
أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذى آمنتم به
كافرون فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح أئتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي
ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ﴾

١٧٢
قوله تعالى ((فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم)) الآية سورة الأعراف
اعلم أنا ذكرنا أن الملأ عبارة عن القوم الذين تمتلىء القلوب من هيبتهم ، ومعنى الآية
قال الملأ وهم الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ، يريد المساكين الذين آمنوا به ،
وقوله ( لمن آمن منهم ) بدل من قوله ( للذين استضعفوا ) لأنهم المؤمنون . واعلم أنه وصف
اولئك الكفار بكونهم مستكبرين ، ووصف أولئك المؤمنين بكونهم مستضعفين ، وكونهم
مستكبرين فعل استوجبوا به الذم ، وكون المؤمنين مستضعفين معناه : أن غيرهم يستضعفهم
ويستحقرهم ، وهذا ليس فعلا صادرا عنهم بل عن غيرهم ، فهو لا يكون صفة ذم في
حقهم ، بل الذم عائد الى الذين يستحقرونهم ويستضعفونهم . ثم حكى تعالى أن هؤلاء
المستكبرين سألوا المستضعفين عن حال صالح فقال المتضعفون نحن موقنون مصدقون بما جاء
به صالح . وقال المستكبرون : بل نحن كافرون بما جاء به صالح ، وهذه الآية من أعظم ما
يحتج به في بيان أن الفقر خير من الغنى ، وذلك لأن الاستكبار إنما يتولد من كثرة المال والجاه ،
والاستضعاف إنما يحصل من قلتهما ، فبين تعالى ان كثرة المال والجاه حملهم على التمرد ،
والاباء ، والانكار ، والكفر . وقلة المال والجاه حملهم على الايمان ، والتصديق والانقياد ،
وذلك يدل على أن الفقر خير من الغنى .
ثم قال تعالى ﴿ فعقروا الناقة ﴾ قال الأزهرى: العقر عند العرب، كشف عرقوب
البعير ، ولما كان العقر سببا للنحر أطلق العقر على النحر إطلاقا لاسم السبب على المسبب .
واعلم أنه أسند العقر الى جميعهم ، لأنه كان برضاهم مع أنه ما باشره إلا بعضهم ، وقد يقال
للقبيلة العظيمة : انتم فعلتم كذا مع أنه ما فعله إلا واحد منهم .
ثم قال ﴿ وعتوا عن أمر ربهم﴾ يقال: عتا يعتوعتوا، إذا استكبر . ومنه يقال: جبار
عات قال مجاهد : العتو الغلو في الباطل وفي قوله ( عن أمر ربهم ) وجهان : الأول : معناه
استكبروا عن امتثال أمر ربهم وذلك الأمر هو الذى أوصله الله اليهم على لسان صالح عليه
السلام وهو قوله ( فذروها تأكل في أرض الله ) الثاني : أن يكون المعنى وصدر عتوهم عن أمر
ربهم ، فكان أمر ربهم بتركها صار سببا في إقدامهم على ذلك العتو، كما يقال : الممنوع
متبوع ( وقالوا يا صالح أنتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ) وإنما قالوا ذلك ، لأنهم كانوا
مكذبين له في كل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد .
ثم قال تعالى ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قال الفراء والزجاج : هى الزلزلة الشديدة . قال
تعالى ( يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا ) قال الليث : يقال رجف الشيء
يرجف رجفا ورجفانا ، كرجفان البعير تحت الرحل ، وكما يرجف الشجر إذا أرجفته الريح .

١٧٣
قوله تعالى ((فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم)) الآية سورة الأعراف
ثم قال ﴿ فأصبحوا في دارهم جائمين ﴾ يعنى في بلدهم ولذلك وحد الدار ، كما يقال:
دار الحرب ومررت بدار البزازين ، وجمع في آية أخرى فقال ( في ديارهم ) لأنه أراد بالدار ما
لكل واحد منهم من منزله الخاص به وقوله ( جاثمين ) قال أبو عبيدة : الجثوم للناس والطير ،
بمنزلة البروك للابل ، فجثوم الطير ووقوعه لاطئا بالأرض في حال سكونه بالليل ، والمعنى :
أنهم اصبحوا جاثمين خامدين لا يتحركون موتى ، يقال : الناس جثم . أى قعود لا حراك
بهم ولا يحسون بشيء ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها ، وهي البهيمة التي تربط لترمى ،
فثبت ان الجثوم عبارة عن السكون والخمود ، ثم اختلفوا ، فمنهم من قال : لما سمعوا
الصيحة العظيمة تقطعت قلوبهم وماتوا جاثمين على الركب ، وقيل بل سقطوا على وجوههم
وقيل وصلت الصاعقة اليهم فاحترقوا وصاروا كالرماد . وقيل : بل عند نزول العذاب عليهم
سقط بعضهم على بعض ، والكل متقارب . وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا ( يا صالح أنتنا بما تعدنا إن كنت
من المرسلين ) قال تعالى ( فأخذتهم الرجفة ) والفاء للتعقيب وهذا يدل على أن الرجفة
أخذتهم عقيب ما ذكروا ذلك الكلام وليس الأمر كذلك ، لأنه تعالى قال في آية أخرى ( قل
تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب )
والجواب : أن الذى يحصل عقيب الشيء بمدة قليلة قد يقال فيه أنه حصل عقيبه فزال
السؤال
﴿ السؤال الثاني﴾ طعن قوم من الملحدين في هذه الآيات بأن ألفاظ القرآن قد اختلفت
في حكاية هذه الواقعة ، وهي الرجفة والطاغية والصيحة ، وزعموا أن ذلك يوجب التناقض .
والجواب : قال أبو مسلم : الطاغية . اسم لكل ما تجاوز حده سواء كان حيوانا أو غير
حيوان والحق الهاء به للمبالغة ، فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت . وقال
تعالى ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) ويقال : طغى طغيانا وهو طاغ وطاغية . وقال
تعالى ( كذبت ثمود بطغواها ) وقال في غير الحيوان ( إنا لما طغى الماء ) أي غلب وتجاوز عن
الحد، وأما الرجفة فهي الزلزلة في الأرض، وهي حركة خارجة عن المعتاد ، فلم يبعد إطلاق
اسم الطاغية عليها ، وأما الصيحة ، فالغلب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة
الهائلة . وأما الصاعقة فالغالب انها الزلزلة وكذلك الزجرة قال تعالى ( فانما هي زجرة واحدة
فاذا هم بالساهرة ) فبطل ما قالة الطاعن .
﴿ السؤال الثالث ﴾ أن القوم قد شاهدوا خروج الناقة عن الصخرة وذلك معجزة قاهرة

١٧٤
قوله تعالى ((فاخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين)) الآية سورة الأعراف
تقرب حال المكلفين عند مشاهدة هذه المعجزة من الالجاء ، وأيضا شاهدوا ان الماء الذى كان
شربا لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين ، كان شربا لتلك الناقة الواحدة في اليوم الثاني ،
وذلك أيضا معجزة قاهرة ، ثم إن القوم لما نحروها ، وكان صالح عليه السلام قد توعدهم
بالعذاب الشديد إن نحروها ، فلما شاهدوا بعد إقدامهم على نحرها آثار العذاب ، وهو ما
يروى أنهم احمرا في اليوم الأول ، ثم اصفروا في اليوم الثاني ، ثم اسودوا في اليوم الثالث ،
فمع مشاهدة تلك المعجزات القاهرة في أول الأمر ، ثم شاهدوا نزول العذاب الشديد في آخر
الأمر ، هل يحتمل ان يبقى العاقل مع هذه الأحوال مصرا على كفره غير تائب منه ؟
والجواب الأول أن يقال : إنهم قبل أن شاهدوا تلك العلامات كانوا يكذبون صالحا في
نزول العذاب ، فلما شاهدوا العلامات خرجوا عند ذلك عن حد التكليف، وخرجوا عن أن
تكون توبتهم مقبولة .
ثم قال تعالى ﴿ فتولى عنهم﴾ وفيه قولان : الأول : أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا ،
والدليل عليه أنه تعالى قال ( فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم ) والفاء تدل على
التعقيب . فدل على أنه حصل هذا التولي بعد جثومهم . والثاني : أنه عليه السلام تولى عنهم
قبل موتهم ، بدليل : أنه خاطب القوم . وقال ( يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم
ولكن لا تحبون الناصحين ) وذلك يدل على كونهم أحياء من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه قال
لهم ( يا قوم) والأموات لا يوصفون بالقوم ، لأن اشتقاق لفظ القوم من الاستقلال بالقيام ،
وذلك في حق الميت مفقود . والثاني : أن هذه الكلمات خطاب مع أولئك وخطاب الميت لا
يجوز . والثالث : أنه قال ( ولكن لا تحبون الناصحين ) فيجب أن يكونوا بحيث يصح
حصول المحبة فيهم ، ويمكن أن يجاب عنه فنقول : قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان
قد نصحه ، فلم يقبل تلك النصيحة حتى ألقى نفسه في الهلاك ، يا أخي منذ كم نصحتك ،
فلم تقبل وكم منعتك فلم تمتنع ، فكذا ههنا ، والفائدة في ذكر الكلام إما لأن يسمعه بعض
الأحياء فيعتبر به وينزجر عن مثل تلك الطريقة . وإما لأجل أنه احترق قلبه بسبب تلك
الواقعة . فإذا ذكر ذلك الكلام فرجت تلك القضية عن قلبه . وقيل : يخف عليه أثر تلك
المصيبة ، وذكروا جوابا آخر ، وهو : ان صالحا عليه السلام خاطبهم بعد كونهم جاثمين ، كما
أن نبينا عليه الصلاة والسلام خاطب قتلى بدر. فقيل: تتكلم مع هؤلاء الجيف. فقال (( ما
انتم بأسمع منهم لكنهم لا يقدرون على الجواب »

١٧٥
قوله تعالى ((ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة)) الآية سورة الأعراف
وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَرِحِثَةَ مَاسَبقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِنَ الْعَلَمِينَ (
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
٨١
٨٠
/ قوله تعالى ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾
اعلم ان هذا هو القصة الرابعة . قال النحويون : إنما صرف لوط ونوح لخفته ، فانه
مركب من ثلاثة أحرف. وهو ساكن الوسط ( أتأتون الفاحشة ) أتفعلون السيئة المتمادية في
القبح ؟ وفي قوله ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) وفيه تبحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ قال صاحب الكشاف ( من) الأولى زائدة لتوكيد النفي ، وإفادة
معنى الاستغراق والثانية للتبعيض .
فان قيل : كيف يجوز أن يقال ( ما سبقكم بها من أحد العالمين ) مع أن الشهوة داعية
الى ذلك العمل أبدا ؟
والجواب : أنا نرى كثيرا من الناس يستقذر ذلك العمل ، فاذا جاز في الكثير منهم
استقداره لم يبعد أيضا انقضاء كثير من الاعصار بحيث لا يقدم أحد من أهل تلك الاعصار
عليه ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال : لعلهم بكليتهم أقبلوا على ذلك العمل ، والاقبال
بالكلية على ذلك العمل مما لم يوجد في الاعصار السابقة . قال الحسن : كانوا ينكحون الرجال
في أدبارهم ، وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء . وقال عطاء عن ابن عباس : استحكم ذلك.
فيهم حتى فعل بعضهم ببعض .
﴿ البحث الثاني ﴾ قوله ( ما سبقكم ) يجوز أن يكون مستأنفا في التوبيخ لهم ، ويجوز
أن يكون صفة الفاحشة ، كقوله تعالى ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) وقال الشاعر
ولقد أمر على اللئيم يسبنى
ثم قال ﴿ أنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل انتم قوم مسرفون ﴾
وفيه مسائل :

١٧٦
قوله تعالى ((إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء)) الآية سورة الأعراف
المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وحفص عن عاصم (إنكم ) بكسر الألف ومذهب نافع أن
يكتفي بالاستفهام بالأولى من الثاني في كل القرآن . وقرأ بن كثير ( أثنكم ) بهمزة غير ممدودة
وبين الثانية ، وقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة بالتخفيف، وبين الثانية والباقون بهمزتين على
الأصل . قال الواحدى من استفهم كان هذا استفهاما معناه الانكار لقوله ( أتأتون الفاحشة )
وكل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها الى شيء .
﴿ المسألة الثانية) قوله (شهوة) مصدر قال أبو زيد شهى يشهى شهوة وانتصابها على
المصدر ، لأن قوله ( أتأتون الرجال ) معناه اتشتهون شهوة ؟ وان شئت قلت انها مصدر وقع
موقع الحال .
﴿ المسألة الثالثة﴾ في بيان الوجوه الموجبة لقبح هذا العمل.
اعلم ان قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع ، فلا حاجة فيه الى تعديد الوجوه على
التفصيل ثم نقول موجبات القبح فيه كثيرة : أولها : أن أكثر الناس يحترزون عن حصول
الولد ، لأن حصوله يحمل الانسان على طلب المال وإتعاب النفس في الكسب . إلا أنه تعالى
جعل الوقاع سببا لحصول اللذة العظيمة ، حتى ان الانسان بطلب تلك اللذة يقدم على
الوقاع ، وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى ، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع ،
فوضع اللذة في الوقاع كشبه الانسان الذى وضع الفخ لبعض الحيوانات ، فانه لا بد وان يضيع
في ذلك الفخ شيئا يشتهيه الحيوان حتى يصير سببا لوقوعه في ذلك الفخ ، فوضع اللذة في الوقاع
يشبه وضع الشيء الذى يشتهيه الحيوان في الفخ ، والمقصود منه إبقاء النوع الانساني الذى هو
أشرف الأنواع .
إذا ثبت هذا فنقول : لو تمكن الإنسان من تحصيل تلك اللذة بطريق لا تفضي الى
الولد ، لم تحصل الحكمة المطلوبة ، ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل . وذلك على خلاف حكم
الله، فوجب الحكم بتحريمه قطعا ، حتى تحصل تلك اللذة بالطريق المفضى الى الولد .
والوجه الثاني ﴾ وهو ان الذكورة مظنة الفعل، والأنوثة مظنة الانفعال ، فاذا صار
الذكر منفعلا والانثى فاعلا ، كان ذلك على خلاف مقتضى الطبيعة ، وعلى عكس الحكمة
الالهية .
والوجه الثالث ﴾ الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهيمة، وإذا كان الاشتغال
بالشهوة فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة فليكن قضاء الشهوة من المرأة يفيد فائدة أخرى سوى

١٧٧
قوله تعالى ((إنكم لتأتون الرجال شهوة )) الآية سورة الأعراف
قضاء الشهوة ، وهو حصول الولد وإبقاء النوع الانساني الذى هو أشرف الأنواع ، فأما قضاء
الشهوة من الذكر فانه لا يفيد إلا بمجرد قضاء الشهوة . فكان ذلك تشبها بالبهائم ، وخروجا
عن الغريزة الانسانية ، فكان في غاية القبح .
﴿والوجه الرابع﴾ هب ان الفاعل يلتذ بذلك العمل، إلا أنه يبقى في ايجاب العار
العظيم ، والعيب الكامل بالمفعول على وجه لا يزول ذلك العيب عنه أبد الدهر ، والعقل لا
يرضى لأجل لذة خسيسة منقضية في الحال ، ايجاب العيب الدائم الباقي بالغير .
﴿ والوجه الخامس ﴾ انه عمل يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول، وربما
يؤدى ذلك الى اقدام المفعول على قتل الفاعل لأجل انه ينفر طبعه عند رؤيته ، أو على إيجاب
انكائه بكل طريق يقدر عليه . أما حصول هذا العمل بين الرجل والمرأة ، فانه يوجب
استحكام الألفة والمودة وحصول المصالح الكبيرة ، كما قال تعالى ( خلق لكم من أنفسكم
أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة )
﴿ والوجه السادسِ ﴾ انه تعالى أودع في الرحم قوة شديدة الجذب للمنى ، فاذا واقع
الرجل المرأة قوى الجذب ، فلم يبق شيء من المنى في المجارى إلا وينفصل . أما إذا واقع
الرجل فلم يحصل في ذلك العضو المعين من المفعول قوة جاذبة للمنى ، وحينئذ لا يكمل
الجذب ، فيبقى شيء من أجزاء المنى في تلك المجارى ، ولا ينفصل ، ويعفن ويفسد ويتولد
منه الاورام الشديدة والاسقام العظيمة وهذه فائدة لا يمكن معرفتها إلا بالقوانين الطبية ، فهذه
هي الوجوه الموجبة لقبح هذا العمل ورأيت بعض من كان ضعيفا في الدين يقول : انه تعالى
قال ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) وذلك يقتضي حل
وطء المملوك مطلقا سواء كان ذكرا أو أنثى قال : ولا يمكن أن يقال أنا نخصص هذا العموم
بقوله تعالى ( أتأتون الذكران من العالمين ) وقوله ( أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من العالمين )
قال لأن هاتين الآيتين كل واحد منهما أعم من الأخرى من وجه ، وأخص من وجه ، وذلك
لأن المملوك قد يكون ذكرا ، وقد يكون أنثى ، وأيضا الذكر قد مكون مملوكا ، وقد لا يكون
مملوكا ، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تخصيص إحداهما بالأخرى أولى من العكس ،
والترجيح من هذا الجانب لان قوله ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) شرع محمد ،
وقصة لوط ، شرع سائر الأنبياء ، وشرع محمد عليه الصلاة والسلام أولى من شرع من تقدمه
من الأنبياء ، وأيضا الأصل في المنافع والملاذ الحل ، وأيضا الملك مطلق للتصرف. فقل له
الاستدلال انما يقبل في موضع الاحتمال ، وقد ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد حرمة هذا
العمل . والمبالغة في المنع منه ، والاستدلال إذا وقع في مقابلة النقل المتواتر ، كان باطلا .
/ الفخر الرازي ج١٤ م١٢

١٧٨ قوله تعالى ((وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم)) الآية سورة الأعراف
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَن قَالُواْ أَنْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أَنَاسٌ يَتَطَهِّرُونَ
٨
فَأَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ وَإِلَّا أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَدِينَ لَّه وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمِ نَّطَرًا
فَانْظُرُ كَيْفَ كَانَ عَدِقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
٨٤
ثم قال تعالى حكاية عن لوط انه قال لهم ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ والمعنى كأنه قال
لهم : انتم مسرفون في كل الاعمال ، فلا يبعد منكم أيضاً إقدامكم على هذا الاسراف .
ثم قال تعالى ﴿وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس
يتطهر ون
والمراد منه أخرجوا لوطا وأتباعه ، لأنه تعالى في غير هذه السورة قال ( أخرجوا آل لوط
من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) ولأن الظاهر أنهم انما سعوا في إخراج من نهاهم عن العمل
الذى يشتهونه ويريدونه ، وذلك الناهي ليس إلا لوطا وقومه ، وفي قوله ( يتطهرون ) وجوه :
الأول : أن ذلك العمل تصرف في موضع النجاسة ، فمن تركه فقد تطهر . والثاني : أن البعد
عن الأثم يسمى طهارة فقوله ( ويتطهرون ) أى يتباعدون عن المعاصي والآثام . الثالث : أنهم
انما قالوا ( أناس يتطهرون) على سبيل السخرية بهم وتطهرهم من الفواحش ، كما يقول
الشيطان من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : ابعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا
المتزهد .
قوله تعالى ﴿ فانجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وامطرنا عليهم مطراً فانظر
کیف کان عاقبة المجرمين
اعلم أن قوله ( فأنجيناه وأهله ) يحتمل أن يكون المراد من أهله أنصاره واتباعه الذین
قبلوا دينه ويحتمل أن يكون المراد المتصلين به بالنسب . قال ابن عباس : المراد ابنتاه . وقوله
(إلا امرأته) أى زوجته . يقال : امرأة الرجل بمعنى زوجته . ويقال : رجل المرأة بمعنى
زوجها لأن الزوج بمنزلة المالك لها، وليست المرأة بمنزلة المالك للرجل ، فاذا أضيفت الى
الرجل بالاسم العام ، عرفت الزوجية وملك النكاح ، والرجل أذا اضيف الى المرأة بالاسم
العام ، تعرف الزوجية . وقوله ( كانت من الغابرين ) يقال : غبر الشيء غبورا ، إذا مكث

١٧٩
قوله تعالى ((فأنجيناه وأهله إلا امرأته)) الآية سورة الأعراف
وبقي . قال الهزلى :
وأخال انى لاحق مستتبع
فعبرت بعدهم بعیش ناصب
يعني بقيت فمعنى الآية : أنها كانت من الغابرين عن النجاة . أى من الذين بقوا عنها
ولم يدركوا النجاة . يقال فلان غبر هذا الأمر . أى لم يدركه ، ويجوز أن يكون المراد أنها لم
تسرمع لوط وأهله ، بل تخلفت عنه وبقيت في ذلك الموضع الذى هو موضع العذاب .
ثم قال ﴿ وأمطرنا عليهم مطرا﴾ يقال: مطرت السماء وأمطرت، والأول أفصح،
وأمطرهم مطرا وعذابا ، وكذلك أمطر عليهم ، والمراد أنه تعالى أمطر عليهم حجارة من
السماء بدليل انه تعالى قال في آية أخرى ( وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل )
ثم قال ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ ظاهر هذا اللفظ وان كان مخصوصا بالرسول عليه السلام إلا أن
المراد سائر المكلفين ليعتبروا بذلك فينزجروا .
فان قيل : كيف يعتبرون بذلك ، وقد أمنوا من عذاب الاستئصال ؟
قلنا : إن عذاب الآخرة أعظم وأدوم من ذلك فعند سماع هذه القصة يذكرون عذاب
الآخرة مؤنبة على عذاب الاستئصال ، ويكون ذلك زجرا وتحذيرا .
﴿ المسألة الثانية﴾ مذهب الشافعي رضى الله عنه: ان اللواطة توجب الحد . وقال أبو
حنيفة : لا توجبه . وللشافعي رحمه الله : أن يحتج بهذه الآية من وجوه : الأول : أنه ثبت في
شريعة لوط عليه السلام رجم اللواطي ، والأصل في الثابت البقاء ، إلا أن يظهر طريان
الناسخ ، ولم يظهر في شرع محمد عليه الصلاة والسلام ناسخ هذا الحكم ، فوجب القول
ببقائه . الثاني : قوله تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) قد بينا في تفسير هذه
الآية انها تدل على أن شرع من قبلنا حجة علينا . والثالث : أنه تعالى قال ( فانظر كيف كان
عاقبة المجرمين ، والظاهر ان المراد من هذه العاقبة ما سبق ذكره وهو إنزال الحجر عليهم .
ومن المجرمين ، الذين يعملون عمل قوم لوط ، لأن ذلك هو المذكور السابق فينصرف اليه ،
فصار تقدير الآية : فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص ،
وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب ، يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فهذه
الآية تقتضي كون هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص ، وإذا ظهرت
العلة ، وجب ان يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة .

١٨٠ قوله تعالى ((وإلى مدين أخاهم شعيبا. قال يا قوم اعبدوا الله)) الآية سورة الأعراف
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُغَيْبًا قَالَ يَدْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُقَدْ جَاءَ تْهُ
بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تُفْسِدُواْ
فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَئِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنُ مُؤْمِنِينَ (9
قوله تعالى ﴿ والى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد
جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في
الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ﴾
اعلم أن هذا هو القصة الخامسة ، وقد ذكرنا ان التقدير ( وأرسلنا الى مدين أخاهم
شعيبا ) وذكرنا ان هذه الأخوة كانت في النسب لا في الدين ، وذكرنا الوجوه فيه ، واختلفوا في
مدين . فقيل : انه اسم البلد ، وقيل : إنه اسم القبيلة بسبب انهم أولاد مدين بن ابراهيم
عليه السلام ، ومدين صار اسما للقبيلة ، كما يقال : بكر وتميم . وشعيب من أولاده ، وهو :
شعيب بن نويب بن مدين بن ابراهيم خليل الرحمن .
واعلم أنه تعالى حكى عن شعيب انه أمر قومه في هذه الآية بأشياء : الأول : أنه
أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن عبادة غير الله . وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء . فقال
( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) والثاني : أنه ادعى النبوة فقال ( قد جاءتكم بينة من ربكم )
ويجب أن يكون المراد من البينة ههنا المعجزة ، لأنه لا بد لمدعى النبوة منها ، وإلا لكان متنبئا لا
نبيا، فهذه الآية دلت على أنه حصلت له معجزة دالة على صدقه. فاما ان تلك المعجزة من أي
الأنواع كانت فليس في القرآن دلالة عليه، كما لم يحصل في القرآن الدلالة على كثير من
معجزات رسولنا. قال صاحب الكشاف: ومن معجزات شعيب: أنه دفع الى موسى عصاه،
وتلك العصا حاربت التنين ، وأيضا قال لموسى : ان هذه الأغنام تلد أولاداً فيها سواد
وبياض، وقد وهبتها منك ، فكان الأمر كما أخبر عنه . ثم قال : وهذه الأحوال كانت
معجزات لشعيب عليه السلام لأن موسى في ذلك الوقت ما ادعى الرسالة .
واعلم أن هذا الكلام بناء على أصل مختلف بين أصحابنا ، وبين المعتزلة . وذلك لأن
عندنا ان الذى يصير نبيا ورسولا بعد ذلك ، يجوز أن يظهر الله عليه أنواع المعجزات قبل
إيصال الوحي ، ويسمى ذلك إرهاصا للنبوة ، فهذا الارهاص عندنا جائز ، وعند المعتزلة غير