Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ قوله تعالى ((قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل)) الآية سورة الأعراف ﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله ( أمر ربي بالقسط) يدل على أن الشيء يكون في نفسه قسطا لوجوه : عائدة اليه في ذاته ، ثم أنه تعالى يأمر به لكونه كذلك في نفسه ، وذلك يدل أيضا على أن الحسن انما يحسن لوجوه عائدة اليه ، وجوابه ما سبق ذكره . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال عطاء، والسدى (بالقسط) بالعدل وبما ظهر في المعقول كونه حسنا صوابا . وقال ابن عباس : هو قول لا اله إلا الله ، والدليل عليه قوله ( شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) وذلك القسط ليس إلا شهادة أن لا إله إلا الله. فثبت أن القسط ليس إلا قول لا إله إلا الله . إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء . أولها : أنه أمر بالقسط ، وهو قول : لا إله إلا الله . وهو يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه ، ثم على معرفة أنه واحد لا شريك له . وثانيها : أنه أمر بالصلاة وهو قوله ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) وفيه مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ انه لقائل أن يقول ( أمر ربي بالقسط) خبر وقوله (وأقيموا وجوهكم ) أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز. وجوابه التقدير : قل أمر ربي بالقسط . وقل : أقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين . البحث الثاني ﴾ في الآية قولان: أحدهما : المراد بقوله (أقيموا) هو استقبال القبلة . والثاني : أن المراد هو الاخلاص ، والسبب في ذكر هذين القولين ، أن إقامة الوجه في العبادة قد تكون باستقبال القبلة ، وقد تكون بالاخلاص في تلك العبادة ، والأقرب هو الأول ، لأن الاخلاص مذكور من بعد ، ولو حملناه على معنى الاخلاص ، صار كأنه قال : وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ، وذلك لا يستقيم . فان قيل : يستقيم ذلك ، إذا علقت الاخلاص بالدعاء فقط . قلنا : لما أمكن رجوعه اليهما جميعا ، لم يجز قصره على أحدهما ، خصوصا مع قوله ( مخلصین له الدین ) فانه یعم کل ما يسمى دينا . إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( عند كل مسجد ) اختلفوا في أن المراد منه زمان الصلاة أو مكانه والأقرب هو الأول ، لأنه الموضع الذى يمكن فيه اقامة الوجه للقبلة ، فكأنه تعالی بین لنا أن لا نعتبر الأماكن ، بل نعتبر القبلة ، فكان المعنى : وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة الى الكعبة وقال ابن عباس : المراد إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ، ولا ٦٢ قوله تعالى ((وادعوه مخلصین له الدين كما بدأكم تعودون)) الآية سورة الأعراف يقولن أحدكم ، لا أصلي إلا في مسجد قومي . ولقائل أن يقول : حمل لفظ الآية على هذا بعيد ، لأن لفظ الآية يدل على وجوب إقامة الوجه في كل مسجد ، ولا يدل على أنه لا يجوز له العدول من مسجد الى مسجد . وأما قوله ﴿ وادعوه مخلصين له الدين﴾ فاعلم أنه تعالى لما أمر في الآية الاولى بالتوجه الى القبلة ، أمر بعده بالدعاء ، والأظهر عندى أن المراد به أعمال الصلاة ، وسماها دعاء ، لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ، ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر ، وبين أنه يجب أن يؤتى بذلك الدعاء مع الاخلاص ونظيره قوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصین له الدین) ثم قال تعالى ( كما بدأكم تعودون ) وفيه قولان : ﴿ القول الأول﴾ قال ابن عباس: ( كما بدأكم ) خلقكم مؤمنا أو كافرا ( تعودون) فبعث المؤمن مؤمنا ، والكافر كافرا ، فان من خلقه الله في اول الأمر للشقاوة ، أعمله بعمل أهل الشقاوة ، وكانت عاقبته الشقاوة ، وان خلقه للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة ، وكانت عاقبته السعادة . ﴿ والقول الثاني﴾ قال الحسن ومجاهد ( كما بدأكم ) خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا ، كذلك تعودون أحياء ، فالقائلون بالقول الأول : احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) وها يجرى مجرى التفسير لقوله (كما بدأكم تعودون ) وذلك يوجب ما قلناه . قال القاضي : هذا القول باطل ، لأن أحدا لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو كافرين . لأنه لا بد في الإيمان والكفر أن يكون طارئا وهذا السؤال ضعيف، لأن جوابه أن يقال : كما بدأكم بالايمان ، والكفر ، والسعادة ، والشقاوة ، فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة. واعلم انه تعالى أمر في الآية أولا بكلمة ((القسط)) وهي كلمة لا إله إلا الله، ثم أمر بالصلاة ثانيا، ثم بين أن الفائدة في الاتيان بهذه الاعمال ، انما تظهر في الدار الآخرة، ونظيره قوله تعالى في ((طه)) لموسى عليه السلام (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) ثم قال تعالى ﴿ فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ﴾ وفيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله تعالى. قالت المعتزلة : المراد فريقا هدى الى الجنة والثواب ، وفريقا حق عليهم الضلالة، أي العذاب والصرف عن طريق الثواب . قال القاضي : لأن هذا هو الذى يحق عليهم دون غيرهم ، إذ ٦٣ قوله تعالى ((فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة)) الآية سورة الأعراف العبد لا يستحق ، لأن يضل عن الدين ، إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه باضلالهم عن الدين ، كما أمرهم باقامة الحدود المستحقة ، وفي ذلك زوال الثقة بالنبوات . واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أن قوله ( فريقا هدى ) اشارة الى الماضي وعلى التأويل الذى يذكرونه يصير المعنى الى أنه تعالى سيهديهم في المستقبل ، ولو كان المراد أنه تعالى حكم في الماضي بأنه سيهديهم الى الجنة كان هذا عدولا عن الظاهر من غير حاجة ، لانا بينا بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . والثاني : نقول هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله تعالى بذلك ، إلا أنه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره ، وإلا لزم انققب ذلك الحكم كذبا ، والكذب على الله محال ، والمفضى الى المحال محال ، فكان صدور غير ذلك الفعل من العبد محالا ، وذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة من هذا الوجه . والله أعلم . ﴿ البحث الثاني ﴾ انتصاب قوله (وفريقا حق عليهم الضلالة ) بفعل يفسره ما بعده ، كأنه قيل : وخذل فريقا حق عليهم الضلالة ، ثم بين تعالى أن الذى لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة ، هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فقبلوا ما دعوهم اليه ، ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل فان قيل : كيف يستقيم هذا التفصيل مع قولكم ، بأن الهدى والضلال انما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء . فنقول : عندنا مجموع القدرة ، والداعي يوجب الفعل ، والداعية التي دعتهم الى ذلك الفعل ، هي : أنهم اتخذوا الشيطان أولياء من دون الله . ثم قال تعالى ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون﴾ قال ابن عباس: يريد ما بين لهم عمرو بن لحى ؛ وهذا بعيد بل هو محمول على عمومه ، فكل من شرع في باطل ، فهو يستحق الذم والعذاب سواء حسب كونه حقا ، أو لم يحسب ذلك ، وهذه الآية تدل على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين ، بل لا بد فيه من الجزم والقطع واليقين ، لأنه تعالى عاب الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين ، ولولا أن هذا الحسبان مذموم ، وإلا لما ذمهم بذلك . والله أعلم . ٦٤ قوله تعالى ((يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد)) الآية سورة الأعراف يَنِّ ◌َادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَأَثْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿ قُلْ مَنْ حَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَِّ أَنْرَجُ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِ قُلْ مِىَ لِلَّذِينَ ءَ امَنُواْ فِ الحَيَزَةِ الدُّنْيَا خَلِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اُلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣٢ قوله تعالى ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ اعلم ان اللّه تعالى لما أمر بالقسط في الآية الأولى، وكان من جملة القسط أمر اللباس وأمر المأكول والمشروب. لا جرم أتبعه بذكرهما، وأيضا لما أمر باقامة الصلاة في قوله (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) وكان ستر العورة شرطا لصحة الصلاة. لا جرم أتبعه بذكر اللباس وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس: ان أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة . الرجال بالنهار والنساء بالليل ، وكانوا إذا وصلوا الى مسجد منى ، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة ، وقالوا : لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب ، ومنهم من يقول : نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى عن الذنوب كما تعرينا عن الثياب ، وكانت المرأة منهم تتخذسترا تعلقه على حقويها ، لتستر به عن الخمس ، وهم قريش ، فانهم كانوا لا يفعلون ذلك ، وكانوا يصلون في ثيابهم ، ولا يأكلون من الطعام الا قوتها ، ولا يأكلون دسما ، فقال المسلمون : يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، أى ((البسوا ثيابكم وكلوا اللحم والدسم واشربوا ولا تسرفوا)) ﴿ المسألة الثانية﴾ المراد من الزينة لبس الثياب، والدليل عليه. قوله تعالى ( ولا يبدين زينتهن) يعني الثياب ، وأيضا فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ، ولذلك صار التزيين بأجود الثياب في الجمع والاعياد سنة ، وأيضا أنه تعالى قال في الآية المتقدمة ( قد أنزلنا ٦٥ قوله تعالى ((يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد)) الآية سورة الأعراف عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا ) فبين أن اللباس الذى يوارى السوأة من قبيل الرياش والزينة ، ثم أنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية ، فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة ، وأيضا فقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة ههنا لبس الثوب الذى يستر العورة ، وأيضا فقوله ( خذوا زينتكم ) أمر . والأمر للوجوب ، فثبت أن أخذ الزينة واجب ، وكل ما سوى اللبس فغير واجب ، فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر الامكان . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( خذوا زينتكم ) أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، فهذا يدل على وجوب ستر العورة عند اقامة كل صلاة ، وههنا سؤالان : ﴿ السؤال الأول﴾ انه تعالى عطف عليه قوله (وكلوا واشربوا) ولا شك ان ذلك أمر إباحة فوجب أن يكون قوله ( خذوا زينتكم ) أمر إباحة أيضا . وجوابه : أنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه ، وأيضا فالأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضا في الحكم . ﴿ السؤال الثاني﴾ أن هذه الآية نزلت في المنع من الطواف حال العرى. والجواب : أنا بينا في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة . ترك العمل به في القدر الذى لا يجب ستره من الأعضاء اجماعا ، فبقي الباقي داخلا تحت اللفظ، وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة ، وجب أن تفسد الصلاة عند تركه ، لأن تركه يوجب ترك المأمور به ، وترك المأمور به معصية ، والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول . ﴿ المسألة الثالثة﴾ تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مسألة ازالة النجاسة بماء الورد . فقالوا : أمرنا بالصلاة في قوله ( اقيموا الصلاة ) والصلاة عبارة عن الدعاء ، وقد أتى بها ، والاتيان بالمأمور به يوجب الخروج عن العهدة ، فمقتضى هذا الدليل أن لا تتوقف صحة الصلاة على ستر العورة ، إلا انا أوجبنا هذا المعنى عملا بقوله تعالى ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ولبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة ، فوجب أن يكون كافيا فى صحة الصلاة . وجوابنا : أن الألف واللام في قوله ( أقيموا الصلاة ) ينصرفان الى المعهود السابق ، الفخر الرازي ج١٤ م٥ ٦٦ قوله تعالى ((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده)) الآية سورة الأعراف وذلك هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم قلتم ان الرسول عليه الصلاة والسلام صلى في الثوب المغسول بماء الورد ؟ والله أعلم . أما قوله تعالى ﴿وكلوا واشربوا ﴾ فاعلم أنا ذكرنا ان أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا القليل ، وكانوا لا يأكلون الدسم ، يعظمون بذلك حجهم ، فانزل الله تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك الطريقة . ﴿ والقول الثاني﴾ انهم كانوا يقولون ان الله تعالى حرم عليهم شيئا مما في بطون الانعام فحرم عليهم البحيرة والسائبة ، فانزل الله تعالى هذه الآية بيانا لفساد قولهم في هذا الباب . واعلم ان قوله ( وكلوا واشربوا ) مطلق يتناول الأوقات والأحوال ، ويتناول جميع المطعومات والمشروبات ، فوجب ان يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات ، وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل والمنفصل ، والعقل أيضا مؤكد له ، لأن الأصل في المنافع الحل والاباحة . وأما قوله تعالى ﴿ولا تسرفوا ﴾ ففيه قولان : ﴿ القول الأول﴾ أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى الى الحرام، ولا يكثر الانفاق المستقبح ولا يتناول مقدارا كثيرا يضره ولا يحتاج اليه . والقول الثاني﴾ وهو قول أبي بكر الاصم : ان المراد من الاسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة ، فانهم أخرجوها عن ملكهم ، وتركوا الانتفاع بها ، وأيضا انهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضا أشياء أحلها اللّه تعالى لهم ، وذلك إسراف . واعلم ان حمل لفظ الاسراف على الاستكثار ، مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما لا يجوز وينبغي . ثم قال تعالى ﴿ انه لا يحب المسرفين ) وهذا نهاية التهديد، لأن كل من لا يحبه الله تعالى بقي محروما عن الثواب ، لأن معنى محبة الله تعالى العبد إيصاله الثواب اليه ، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب ، ومتى لم يحصل الثواب ، فقد حصل العقاب ، لانعقاد الاجماع على أنه ليس في الوجود مكلف، لا يثاب ولا يعاقب . ثم قال تعالى ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ وفيه مسائل : ٦٧ قوله تعالى ((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده)) الآية سورة الأعراف المسألة الأولى﴾ أن هذه الآية ظاهرها استفهام، إلا أن المراد منه تقرير الانكار ، والمبالغة في تقرير ذلك الانكار ، وفي الآية قولان : ﴿القول الأول﴾ أن المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذى تستر به العورة ، وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما ، وكثير من المفسرين . والقول الثاني﴾ أنه يتناول جميع أنواع الزينة، فيدخل تحت الزينة جميع أنواع التزيين ، ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه ، ويدخل تحتها المركوب ، ويدخل تحتها أيضا أنواع الحلى ، لأن كل ذلك زينة ، ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والفضة والابريسم على الرجال لكان ذلك داخلا تحت هذا العموم ، ويدخل تحت الطيبات من الرزق ، كل ما يستلذ ويشتهى من أنواع المأكولات والمشروبات ، ويدخل أيضا تحته التمتع بالنساء وبالطيب . وروى عن عثمان ابن مظعون : أنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال : غلبني حديث النفس ، عزمت على أن أختصى ، فقال (( مهلا يا عثمان إن خصاء أمتي الصيام)) قال: فإن نفسي تحدثني بالترهيب قال: ((ان ترهب امتي القعود في المساجد لانتظار الصلاة فقال: تحدثني نفسي بالسياحة. فقال ((سياحة امتي الغزو والحج والعمرة)) فقال: إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك، فقال: ((الاولى ان تكفي نفسك وعيالك بأن ترحم اليتيم والمسكين فتعطيه أفضل من ذلك)) فقال: إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة فقال ((إن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله)) قال: فان نفسي تحدثني أن لا أغشاها. قال ((إن المسلم إذا غشى أهله أو ما ملکت یمینه فان لم یصب من وقعته تلك ولدا کان له وصیف في الجنة وإذا كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له شفيعا ورحمة يوم القيامة)) قال: فان نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال ((مهلا إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمينه كل يوم فعله)) قال: فان نفسي تحدثني ان لا أمس الطيب. قال ((مهلا فان جبريل أمرني بالطيب غبا وقال لا تتركه يوم الجمعة)) ثم قال ((يا عثمان لا ترعب عن سنتي فان من رغب عن سنتي ومات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي » واعلم أن هذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة الكاملة تدل على أن جميع أنواع الزينة مباح مأذون فيه ، إلا ما خصه الدليل ، فلهذا السبب أدخلنا الكل تحت قوله ( قل من حرم زينة الله ) ﴿ المسألة الثانية﴾ مقتضى هذه الآية أن كل ما تزين الانسان به ، وجب أن يكون حلالا ، وكذلك كل ما يستطاب وجب أن يكون حلالا ، فهذه الآية تقتضي حل كل المنافع ، وهذا أصل معتبر في كل الشريعة ، لأن كل واقعة تقع ، فإما أن يكون النفع فيها خالصا ، أو ٦٨ قوله تعالى ((قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة)) الآية سورة الأعراف راجحا أو الضرر يكون خالصا أو راجحا ، أو يتساوى الضرر والنفع ، أو يرتفعا . أما القسمان الاخيران ، وهو أن يتعادل الضرر والنفع . أو لم يوجدا قط ففي هاتين الصورتين ، وجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان ، وان كان النفع خالصا ، وجب الاطلاق بمقتضى هذه الآية ، وان كان النفع راجحا والضرر مرجوحا يقابل المثل بالمثل ، ويبقى القدر الزائد نفعا خالصا ، فيلتحق بالقسم الذى يكون النفع فيه خالصا ، وان كان الضرر خالصا ، كان تركه خالص النفع ، فيلتحق بالقسم المتقدم ، وان كان الضرر راجحا بقي القدر الزائد ضررا خالصا ، فكان تركه نفعا خالصا ، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة ، ثم ان وجدنا نصا خالصا في الواقعة ، قضينا في النفع بالحل ، وفي الضرر بالحرمة ، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام التي لا نهاية لها داخلا تحت النص ثم قال نفاة القياس . فلو تعبدنا الله بالقياس ، لكان حكم ذلك القياس . إما أن يكون موافقا لحكم هذا النص العام ، وحينئذ يكون ضائعا ، لأن هذا النص مستقل به . وان كان مخالفا كان ذلك القياس مخصصا لعموم هذا النص ، فيكون مردودا لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس . قالوا : وبهذا الطريق يكون القرآن وحده وافيا ببيان كل أحكام الشريعة ، ولا حاجة معه الى طريق آخر ، فهذا تقرير قول من يقول : القرآن واف ببيان جميع الوقائع . والله أعلم . وأما قوله تعالى ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ﴾ ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ تفسير الآية هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم، لأن المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة ، لا يشركهم فيها أحد . فان قيل : هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم ؟ قلنا : فهم منه التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الاصالة ، وان الكفرة تبع لهم ، كقوله تعالى ( ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره الى عذاب النار ) والحاصل : أن ذلك تنبيه على أن هذه النعم إنما تصفوا عن شوائب الرحمة يوم القيامة . أما في الدنيا ، فانها تكون مكدرة مشوبة . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ نافع (خالصة) بالرفع والباقون بالنصب ، قال الزجاج : الرفع على أنه خبر بعد خبر ، كما تقول : زيد عاقل لبيب ، والمعنى : قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة قال أبو علي : ويجوز أن يكون قوله ( خالصة ) خبر المبتدأ ٦٩ قوله تعالى ((قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها )) الآية سورة الأعراف قُلْ إِنَّاحَّمَ رَبِ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاَلْإِنْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِ كُواْ بِالَّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلُونَ. وقوله ( للذين آمنوا ) متعلقًاً بخالصة . والتقدير : هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا . وأما القراءة بالنصب ، فعلى الحال . والمعنى : أنها ثابتة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة . ثم قال تعالى ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ ومعنى تفصيل الآيات قد سبق وقوله ( لقوم يعلمون ) أى لقوم يمكنهم النظر به والاستدلال حتى يتوصلوا به الى تحصيل العلوم النظرية ، والله اعلم . قوله تعالى ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ في الآية مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ أسكن حمزة الياء من (ربي ) والباقون فتحوها ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى ان الذى حرموه ليس بحرام بين . في هذه الآية أنواع المحرمات ، فحرم أولا الفواحش ، وثانيا الأثم ، واختلفوا في الفرق بينهما على وجوه : الاول : أن الفواحش عبارة عن الكبائر ، لأنه قد تفاحش قبحها أى تزايد والاثم عبارة عن الصغائر فكان معنى الآية : أنه حرم الكبائر والصغائر ، وطعن القاضي فيه ، فقال هذا يقتضي أن يقال : الزنا ، والسرقة ، والكفر ليس باثم . وهو بعيد . ﴿ القول الثاني﴾ أن الفاحشة اسم لا يجب فيه الحد ، والاثم إسم لما يجب فيه الحد ، وهذا وإن كان مغايرا للاول إلا أنه قريب منه ، والسؤال فيه ما تقدم . ﴿ والقول الثالث﴾ أن الفاحشة اسم للكبيرة ، والاثم اسم لمطلق الذنب سواء كان ٧٠ قوله تعالى ((والإِثم والبغي بغير الحق)) الآية سورة الأعرافى كبيرا أو صغيرا . والفائدة فيه : أنه تعالى لما حرم الكبيرة أردفها بتحريم مطلق الذنب لئلا يتوهم أن التحريم مقصود على الكبيرة . وعلى هذا القول اختيار القاضي . ﴿ والقول الرابع﴾ أن الفاحشة وإن كانت بحسب أصل اللغة اسماً لكل ما تفاحش وتزايد في أمر من الأمور، إلا أنه في العرف مخصوص بالزيادة . والدليل عليه أنه تعالى قال في الزنا (إنه كان فاحشة) ولأن لفظ الفاحشة اذا أطلق لم يفهم منه إلا ذلك، واذا قيل فلان فحاش: فهم أنه يشتم الناس بألفاظ الوقائع ، فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا فقط . إذا ثبت هذا فنقول: في قوله (ما ظهر منها وما بطن) على هذا التفسير وجهان: الأول: يريد سر الزنا، وهو الذي يقع على سبيل العشق والمحبة ، وما ظهر منها بأن يقع علانية. والثاني: أن يراد بما ظهر من الزنا الملامسة والمعانقة (وما بطن) الدخول. وأما الاثم فيجب تخصيصه بالخمر، لأنه تعالى قال في صفة الخمر (وإثمهما أكبر من نفعهما) وبهذا التقدير: فانه يظهر الفرق بين اللفظين . ﴿ النوع الثالث﴾ من المحرمات قوله (والبغي بغير الحق) فنقول: أما الذين قالوا: المراد بالفواحش جميع الكبائر، وبالاثم جميع الذنوب. قالوا: إن البغى والشرك لا بد وأن يكونا داخلين تحت الفواحش وتحت الأثم، إلا أن الله تعالى خصهما بالذكر تنبيها على أنهما أقبح أنواع الذنوب، كما في قوله (وملائكته وجبريل وميكال) وفي قوله (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) ومنك ومن نوح، وأما الذين قالوا الفاحشة مخصوصة بالزنا والاثم بالخمر ، قالوا : البغي والشرك على هذا التقرير غير داخلين تحت الفواحش والأثم . فنقول: البغي لا يستعمل إلا في الاقدام على الغير نفسا، أو مالا، أو عرضا، وأيضا قد يراد بالبغي الخروج على سلطان الوقت . فان قيل : البغي لا يكون إلا بغير الحق ، فما الفائدة في ذكر هذا الشرط . قلنا انه مثل قوله تعالى (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) والمعنى: لا تقدموا على ايذاء الناس بالقتل والقهر، إلا أن أن يكون لكم فيه حق، فحينئذ يخرج من أن يكون بغيا . ﴿ والنوع الرابع ﴾ من المحرمات قوله تعالى (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) وفيه سؤال: وهو أن هذا يوهم أن في الشرك بالله ما قد أنزل به سلطانا، وجوابه: المراد منه أن الاقرار بالشيء الذي ليس على ثبوته حجة، ولا سلطان ممتنع، فلما امتنع حصول الحجة والتنبيه على صحة القول بالشرك، فوجب أن يكون القول به باطلا على الاطلاق، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل . ٧١ قوله تعالى (( ولكل أمة أجل فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون)) الآية سورة الأعراف وَلِكُلٍ أَمَّةٍ أَجَلَّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأِْحُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ والنوع الخامس ﴾ من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) وقد سبق تفسير هذه الآية في هذه السورة عند قوله (إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) وبقي في الآية سؤالان : ﴿ السؤال الأول﴾ كلمة ((انما)) تفيد الحصر، فقوله (إنما حرم ربي ) كذا وكذا يفيد الحصر، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء . والجواب : إن قلنا الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر ، والاثم على مطلق الذنب دخل كل الذنوب فيه ، وإن حملنا الفاحشة على الزنا ، والاثم على الخمر . قلنا : الجنايات محصورة في خمسة أنواع : أحدها : الجنايات على الأنساب ، وهي إنما تحصل بالزنا ، وهي المراد بقوله ( إنما حرم ربي الفواحش ) وثانيها : الجنايات على العقول ، وهي شرب الخمر ، واليها الاشارة بقوله ( الاثم ) وثالثها : الجنايات على الأعراض . ورابعها : الجنايات على النفوس وعلى الأموال ، واليهما الاشارة بقوله ( والبغي بغير الحق ) وخامسها : الجنايات على الأديان وهي من وجهين : أحدها : الطعن في توحيد الله تعالى ، واليه الإشارة بقوله ( وأن تشركوا بالله) وثانيها : القول في دين الله من غير معرفة ، واليه الاشارة بقوله (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) فلما كانت أصول الجنايات هي هذه الأشياء ، وكانت البواقي كالفروع والتوابع ، لا جرم جعل تعالى ذكرها جاريا مجرى ذكر الكل، فأدخل فيها كلمة ((إنما )) المفيدة للحصر. السؤال الثاني ﴾ الفاحشة والاثم هو الدي نهى الله عنه، فصار تقدير الآية: إنما حرم ربى المحرمات ، وهو كلام خال عن الفائدة. والجواب كون الفعل فاحشة هو عبارة عن اشتمالة في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه، وعلى هذا التقدير: فيسقط السؤال، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ولكل أمة أجل فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ فى الآية مسائل : و المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما بين الحلال والحرام وأحوال التكليف، بين أن لكل أحد أجلا معينا لا يتقدم ولا يتأخر، وإذا جاء ذلك الأجل مات لا محالة، والغرض منه ٧٢ قوله تعالى ((ولكل امة أجل فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون)) الآية سورة الأعراف التخويف ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي . ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن الأجل، هو الوقت الموقت المضروب لانقضاء المهلة، وفي هذه الآية قولان : ﴿القول الأول﴾ وهو قول ابن عباس، والحسن ومقاتل أن المعنى أن الله تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها الى وقت معين ، وهو تعالى لا يعذبهم الى أن ينظروا ذلك الوقت الذى يصيرون فيه مستحقين لعذاب الاستئصال ، فاذا جاء ذلك الوقت نزل ذلك العذاب لا محالة . والقول الثاني﴾ أن المراد بهذا الأجل العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل وكمل امتنع وقوع التقديم والتأخير فيه ، والقول الأول : أولى ، لأنه تعالى قال ( ولكل أمة ) ولم يقل ولكل أحد أجل وعلى القول الثاني : انما قال ( ولكل أمة ) ولم يقل لكل أحد لأن الأمة هي الجماعة في كل زمان ، وَمعلوم من حالها التقارب في الأجل ، لأن ذكر الأمة فيما يجرى مجرى الوعيد افحم ، وأيضا فالقول الأول : يقتضي أن يكون لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال عليهم وليس الأمر كذلك لأن أمتنا ليست كذلك . ﴿ المسألة الثالثة) إذا حملنا الآية على القول الثاني: لزم أن يكون لكل أحد أجل ، لا يقع فيه التقديم والتأخير فيكون المقتول ميتا بأجله ، وليس المراد منه أنه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ، ولا يقدر على أن يميته في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه عن كونه قادرا مختارا ، وصيرورته كالموجب لذاته ، وذلك في حق الله تعالى ممتنع بل المراد انه تعالى أخبر ان الأمر يقع على هذا الوجه . المسألة الرابعة ﴾ قوله تعالى ( لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) المراد أنه لا يتأخر عن ذلك الأجل المعين لا بساعة ولا بما هو أقل من ساعة إلا أنه تعالى ذكر الساعة لأن هذا اللفظ أقل اسماء الاوقات . فان قيل : ما معنى قوله ( ولا يستقدمون ) فان عند حضور الأجل امتنع عقلا وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم عليه . قلنا : يحمل قوله ( فاذا جاء أجلهم ) على قرب حضور الأجل . تقول العرب : جاء الشتاء ، إذ قارب وقته ، ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك تارة والتأخر عنه أخرى . ٧٣ قوله تعالى ((يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم)) الآية سورة الأعراف ◌َنِىّءَادَ إِمَّا يَأْتِنَّكُمْ رُسُلُ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُرْءَايَتِى فَمَنِ أَتََّى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (﴾ وَالَّذِينَ كَُّواْبِعَايَئِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَبِكَ أَعْحَبُ الَّارِ هُمْ فِيهَا خَدِدُونَ قوله تعالى ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين أحوال التكليف وبين أن لكل أحد أجلا معينا لا يتقدم ولا يتأخر بين أنهم بعد الموت كانوا مطيعين فلا خوف عليهم ولا حزن وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب وقوله ( إما يأتينكم ) هي أن الشرطية ضمت اليها ما مؤكدة لمعنى الشرط ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء ، وهو قوله ( فمن اتقى وأصلح ) وإنما قال رسل وإن كان خطابا للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء عليه وعليهم السلام لأنه تعالى أجرى الكلام على ما يقتضيه سنته في الامم وإنما قال ( منكم ) لأن كون الرسول منهم أقطع لعذرهم وأبين للحجة عليهم من جهات : أحدها : أن معرفتهم بأحواله وبطهارته تكون متقدمة . وثانيها : أن معرفتهم بما يليق بقدرته تكون متقدمة فلا جرم لا يقع في المعجزات التي تظهر عليه شك وشبهة في أنها حصلت بقدرة الله تعالى لا بقدرته فلهذا السبب قال تعالى ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) وثالثها : ما يحصل من الألفة وسكون القلب الى ابناء الجنس ، بخلاف ما لا يكون من الجنس فانه لا يحصل معه الالفة . وأما قوله ( يقصون عليكم آياتي ) فقيل تلك الآيات في القرآن . وقيل الدلائل . وقيل الأحكام والشرائع والأولى دخول الكل فيه ، لأن جميع هذه الأشياء آيات الله تعالى لأن الرسل إذا جاؤا فلا بد وأن يذكروا جميع هذه الاقسام ، ثم قسم تعالى حال الأمة فقال ( فمن اتقى وأصلح ) وجمع هاتين الحالتين مما يوجب الثواب لأن المتقي هو الذى يتقي كل ما نهى الله تعالى عنه ، ودخل في قوله ( وأصلح ) انه أتى بكل ما أمر به . ثم قال تعالى في صفته ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ أى بسبب الأحوال المستقبلة (ولا هم يحزنون ) أى بسبب الأحوال الماضية لأن الانسان إذا جوز وصول المضرة اليه في الزمان المستقبل خاف وإذا تفكر فعلم انه وصل اليه بعض ما لا ينبغي في الزمان الماضي ، حصل الحزن في قلبه ، لهذا السبب والأولى في نفي الحزن ان يكون المراد أن لا يحزن على ما فاته في الدنيا ، لأن حزنه ٧٤ قوله تعالى ((فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا)) الآية سورة الأعراف ثَمَنْ أَظْلُ مِّنِ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِعَايَتِهِ، أُوْلَئِكَ يَنَالَهُمْ نَصِيُهُمْ مِنَ الْكِتَبِ حََّ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُنَا يَتَوَقَوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونٍ اللَِّ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَى أَنْفُسِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ. ٣٧ على عقاب الآخرة يجب أن يرتفع بما حصل له من زوال الخوف، فيكون كالمعاد وحمله على الفائدة الزائدة أولى فبين تعالى ان حاله في الآخرة تفارق حاله في الدنيا ، فانه في الآخرة لا يحصل في قلبه خوف ولا حزن البتة ، واختلف العلماء في ان المؤمنين من أهل الطاعات هل يلحقهم خوف، وحزن عند أهوال يوم القيامة . فذهب بعضهم إلا أنه لا يلحقهم ذلك ، والدليل عليه هذه الآية ، وأيضا قوله تعالى ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) وذهب بعضهم الى أنه يلحقهم ذلك الفزع لقوله تعالى ( يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) أى من شدة الخوف . وأجاب : هؤلاء عن هذه الآية : بان معناه أن أمرهم يؤل الى الأمن والسرور ، كقول الطبيب للمريض : لا بأس عليك ، أى أمرك يؤل الى العافية والسلامة ، وان كان في الوقت في بأس من علته ، ثم بين تعالى ان الذين كذبوا بهذه الآيات التي يجيء بها الرسل (واستكبروا ) أى أنفوا من قبولها وتمردوا عن التزامها ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وقد تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة ، لا يبقى مخلدا في النار ، لأنه تعالى بين ان المكذبين بآيات الله والمستكبرين عن قبولها ، هم الذين يبقون مخلدين في النار ، وكلمة ( هم ) تفيد الحصر، فذلك يقتضي ان من لا يكون موصوفا بذلك التكذيب والاستكبار ، لا يبقى مخلدا في النار . والله اعلم . قوله تعالى ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا کافرین ﴾ اعلم ان قوله تعالى ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ) يرجع الى قوله ٧٥ قوله تعالى ((فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا سورة الأعراف والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها وقوله ( فمن أظلم ) أى فمن أعظم ظلما ممن يقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله والأول : هو الحكم بوجود ما لم يوجد . والثاني : هو الحكم بانكار ما وجد . والأول دخل فيه قول من أثبت الشريك لله سواء كان ذلك الشريك عبارة عن الاصنام أو عن الكواكب أو عن مذهب القائلين بيزدان واهرمن . ويدخل فيه قول من أثبت البنات والبنين لله تعالى ، ويدخل فيه قول من أضاف الأحكام الباطلة الى الله تعالى . والثاني : يدخل فيه قول من أنكر كون القرآن كتابا نازلا من عند الله تعالى . وقول من أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ثم قال تعالى ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ واختلفوا في المراد بذلك النصيب عى قولين : أحدهما : أن المراد منه العذاب ، والمعنى ينالهم ذلك العذاب المعين الذى جعله نصيبا لهم في الكتاب ، ثم اختلفوا في ذلك العذاب المعين . فقال بعضهم هو سواد الوجه وزرقة العين ، والدليل عليه قوله تعالى ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) وقال الزجاج : هو المذكور في قوله تعالى ( فانذرتکم نارا تلظى ) وفي قوله ( نسلكه عذابا صعدا ) وفي قوله ( إذ الاغلال في أعناقهم والسلاسل ) فهذه الأشياء هي نصيبهم من الکتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم . ﴿ والقول الثاني﴾ ان المراد من هذا النصيب شيء سوى العذاب، واختلفوا فيه فقيل : هم اليهود والنصارى يجب لهم علينا إذا كانوا أهل ذمة لنا ان لا نتعدى عليهم وان ننصفهم وان نذب عنهم فذلك هو معنى النصيب من الكتاب وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بين جبير : أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب . أى ما سبق لهم في حكم الله وفي مشيئته من الشقاوة والسعادة ، فان قضى الله لهم بالختم على الشقاوة ، أبقاهم على كفرهم ، وإن قضى لهم بالختم على السعادة نقلهم الى الايمان والتوحيد ، وقال الربيع وابن زيد . يعني : ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار ، فاذا فنيت وانقرضت وفرغوا منها ( جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) واعلم أن هذا الاختلاف انما حصل ، لانه تعالى قال ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ولفظ ((النصيب)) مجمل محتمل لكل الوجوه المذكورة . وقال بعض المحققين: حمله على العمر والرزق أولى ، لأنه تعالى بين أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم ، إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلا من الله تعالى ، لكي يصلحوا او يتوبوا ، وأيضا فقوله ( حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) يدل على أن مجيء الرسل للتوفي ، كالغاية لحصول ذلك النصيب ، فوجب ان يكون حصول ذلك النصيب متقدما على حصول الوفاة ، والمتقدم على حصول الوفاة ، ليس إلا العمر والرزق . ٧٦ قوله تعالى ((حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم)) الآية سورة الأعراف أما قوله ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أينما كنتم ﴾ ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الخليل وسيبويه: لا يجوز إمالة ((حتى)) و((ألا)) ((وأما))وهذه ألفات ألزمت الفتح ، لأنها أواخر حروف جاءت لمعان يفصل بينها وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف، نحو: حبلى وهدى . إلا أن ( حتى ) كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سكرى . وقال بعض النحويين : لا يجوز إمالة ( حتى ) لأنها حرف لا يتصرف، والامالة ضرب من التصرف . المسألة الثانية ﴾ قوله ( حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) فيه قولان : ﴿القول الأول﴾ المراد هو قبض الأرواح، لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى. قال ابن عباس الموت قيامة الكافر ، فالملائكة يطالبونهم بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ والتهديد ، وهؤلاء الرسل هم ملك الموت وأعوانه . ﴿ والقول الثاني﴾ وهو قول الحسن ، وأحد قولي الزجاج أن هذا لا يكون في الآخرة ومعنى قوله ( حتى أذا جاءتهم رسلنا ) أى ملائكة العذاب ( يتوفونهم ) أى يتوفون مدتهم عند حشرهم الى النار على معنى أنهم يستكملون عدتهم ، حتى لا ينفلت منهم أحد . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (أينما كنتم) معناه . أين الشركاء الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم من دون الله: ولفظة ((ما)) وقعت موصولة بأين في خط المصحف. قال صاحب الكشاف: وكان حقها أن تفصل ، لأنها موصولة بمعنى : أين الآلهة الذين تدعون . ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا ( ضلوا عنا ) أى بطلوا وذهبوا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين عند معاينة الموت . واعلم أن على جميع الوجوه ، فالمقصود من الآية زجر الكفار عن الكفر ، لأن التهويل بذكر هذه الأحوال مما يحمل العاقل على المبالغة في النظر والاستدلال والتسدد في الاحتراز عن التقليد . ٧٧ قوله تعالى ((قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم)) الآية سورة الأعراف قَالَ أَدْخُلُواْ فِىّ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْحِنِّ وَاَلْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ أَعَنَتْ أُخْتَهَا خَّقَ إِذَا آذَّارَ كُوْ فِيهَ بَمِيعًا قَالَتْ أُنْرَنُهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُونَا فَقَاتِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍ ضِعْفٌ وَلَكِن لََّ تَعْلَمُونَ () وَقَالَتْ أُوَنُهُمْ لأُنْرَئُهُمْ فَا كَانَ لَكُرْ عَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسُونَ ٣٩ قوله تعالى ﴿ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت آمة لعنت أختها حتى إذا أداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ اعلم أن هذه الآية من بقية شرح أحوال الكفار وهو أنه تعالى يدخلهم النار . / أما قوله تعالى ﴿ قال ادخلوا﴾ ففيه قولان: الأول: إن الله تعالى يقول ذلك. والثاني : قال مقاتل : هو من كلام خازن النار ، وهذا الاختلاف بناء على أنه تعالى هل يتكلم مع الكفار أم لا ، وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء . أما قوله تعالى ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ ففيه وجهان : ﴿ الوجه الأول﴾ التقدير: ادخلوا في النار مع أمم، وعلى هذا القول ففي الآية إضمار ومجاز أما الاضمار فلأنا أضمرنا فيها قولنا: في النار. وأما المجاز، فلأنا حملنا كلمة ((في)) على ((مع)) لأنا قلنا معنى قوله ( في أمم ) أى مع أمم . والوجه الثاني ﴾ أن لا يلتزم الاضمار ولا يلتزم المجاز، والتقدير: ادخلوا في أمم في النار ، ومعنى الدخول في الأمم ، الدخول فيما بينهم وقوله ( قد خلت من قبلكم من الجن والانس ) أى تقدم زمانهم زمانكم ، وهذا يشعر بانه تعالى لا يدخل الكفار بأجمعهم في النار دفعة واحدة ، بل يدخل الفوج بعد الفوج ، فيكون فيهم سابق ومسبوق ، ليصح هذا القول ، ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقها وقوله ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) والمقصود أن أهل النار يلعن بعضهم بعضا فيتبرأ بعضهم من بعض ، كما قال تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) والمراد بقوله ( اختها ) أى في الدين ، والمعنى : أن المشركين يلعنون المشركين ، وكذلك اليهود تلعن اليهود ، والنصارىُ تلعن النصارى وكذا القوا في المجوس ، والصائبة وسائر أديان الضلالة . وقوله ( حتى إذا اداركوا فيها جميعا) أى ٧٨ قوله تعالى ((ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار)) الآية سورة الأعراف تداركوا بمعنى تلاحقوا ، واجتمعوا في النار ، وأدرك بعضهم بعضا ، واستقر معه ( قالت أولاهم لأخراهم ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تفسير الأولى والأخرى قولان: الأول : قال مقاتل أخراهم يعني آخرهم دخولا في النار ، لأولاهم دخولا فيها . والثاني : أخراهم منزلة ، وهم الاتباع والسفلة ، لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء . ﴿ المسألة الثانية﴾ ((اللام)) في قوله ( لأخراهم) لام أجل ، والمعنى : لأجلهم ولا ضلالهم إياهم ( قالوا ربنا هؤلاء أضلونا ) وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم ، لأنهم ما خاطبوا أولاهم ، وإنما خاطبوا الله تعالى بهذا الكلام . أما قوله تعالى ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا ﴾ فالمعنى: أن الأتباع يقولون إن المتقدمين . أضلونا . واعلم أن هذا الاضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على وجهين : أحدهما : بالدعوة إلى الباطل ، وتزيينه في أعينهم ، والسعي في إخفاء الدلائل المبطلة لتلك الأباطيل . ﴿ والوجه الثاني﴾ بأن يكون المتأخرون معظمين لأولئك المتقدمين ، فيقلدونهم في تلك الأباطيل والأضاليل التي لفقوها ويتأسون بهم ، فيصير ذلك تشبيها باقدام أولئك المتقدمين على الاضلال . ثم حكى الله تعالى عن هؤلاء المتأخرين أنهم يدعون على أولئك المتقدمين بمزيد العذاب وهو قوله ( فآتهم عذابا ضعفا من النار ) وفي الضعف ، قولان : القول الأول﴾ قال أبوعبيدة ((الضعف)) هو مثل الشيء مرة واحدة. وقال الشافعي رحمه الله : ما يقارب هذا ، فقال في رجل أوصى . فقال اعطوا فلانا ضعف نصيب ولدى. قال : يعطى مثله مرتين . ﴿والقول الثاني﴾ قال الأزهرى ((الضعف)) في كلام العرب المثل الى ما زاد وليس بمقصور على المثلين ، وجائز في كلام العرب أن تقول : هذا ضعفه ، أى مثلاه وثلاثة امثاله ، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة ، والدليل عليه : قوله تعالى ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) ولم يرد به مثلا ولا مثلين ، بل أولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله ، لقوله تعالى ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) فثبت أن أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور الى ما لا نهاية له . ٧٩ قوله تعالى ((وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا)) الآية سورة الأعراف وأما مسألة الشافعي رحمه الله : فاعلم أن التركة متعلقة بحقوق الورثة ، إلا أنا لأجل الوصية صرفنا طائفة منها الى الموصى له ، والقدر المتيقن في الوصية هو المثل ، والباقي مشكوك ، فلا جرم أخذنا المتيقن وطرحنا المشكوك ، فلهذا السبب حملنا الضعف في تلك المسألة على المثلين أما قوله تعالى ﴿ قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ﴾ فيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم (يعلمون) بالياء على الكناية عن الغائب ، والمعنى : ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر ، فيحمل الكلام على كل ، لأنه وان كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة ، فحمل على اللفظ دون المعنى ، وأما الباقون فقرؤا بالتاء على الخطاب والمعنى : ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ، ما لكل فريق منكم من العذاب ، ويجوز ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك . ﴿ المسألة الثانية﴾ لقائل أن يقول: إن كان المراد من قوله (لكل ضعف) أى حصل لكل أحد من العذاب ضعف ما يستحقه ، فذلك غير جائز لأنه ظلم ، وان لم يكن المراد ذلك ، فما معنى كونه ضعفا ؟ والجواب : أن عذاب الكفار يزيد ، فكل ألم يحصل فانه يعقبه حصول ألم آخر الى غير نهاية فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدة لا الى آخر ، ثم بين تعالى أن أخراهم كما خاطبت أولاهم ، فكذلك تجيب أولاهم أخراهم ، فقال ( وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ) أى في ترك الكفر والضلال ، وأنا متشاركون في استحقاق العذاب . ولقائل أن يقول : هذا منهم كذب ، لأنهم لكونهم رؤساء وسادة وقادة ، قد دعوا الى الكفر وبالغوا في الترغيب فيه ، فكانوا ضالين ومضلين ، وأما الأتباع والسفلة ، فهم وان كانوا ضالين ، إلا أنهم ما كانوا مضلين ، فبطل قولهم أنه لا فضل للاتباع على الرؤساء في ترك الضلال والكفر وجوابه : أن أقصى ما في الباب أن الكفار كذبوا في هذا القول يوم القيامة ، وعندنا أن ذلك جائز ، وقد قررناه في سورة الأنعام في قوله ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) أما قوله ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ فهذا يحتمل أن يكون من كلام القادة ، وان يكون من قول الله تعالى لهم جميعا . ٨٠ قوله تعالى ((إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها)) الآية سورة الأعراف إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوْ بِعَايَئِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَاتُفَتَّحُ لَهُمْ أَبُوَبُ السَّمَاءِ وَلَ يَدْخُلُونَ الْحَنَّةَ ◌َّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِ أَنْبَاطِ وَكَلِكَ تَجْزِى الْمُجْرِمِنَ (﴾ لَهُم مِّنِ جَهَنَّمَ مِهَادُ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ وَكَذَالِكَ تَجْزِى الَّالِمِينَ. واعلم أن المقصود من هذا الكلام التخويف والزجر ، لأنه تعالى لما أخبر عن الرؤساء والأتباع أن بعضهم يتبرأ عن بعض ، ويلعن بعضهم بعضًا ، كان ذلك سببا لوقوع الخوف الشديد في القلب . -٠ قوله تعالى ﴿ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزى المجرمين لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزى الظالمين ﴾ اعلم أن المقصود منه اتمام الكلام في وعيد الكفار ، وذلك لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة ( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ثم شرح تعالى في هذه الآية كيفية ذلك الخلود في حق أولئك المكذبين والمستكبرين بقوله ( كذبوا بآياتنا ) أى بالدلائل الدالة على المسائل التي هي أصول الدين ، فالدهرية ينكرون دلائل إثبات الذات والصفات ، والمشركون ينكرون دلائل التوحيد ، ومنكرو النبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحة النبوات ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل الدالة على صحة نبوته ، ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل الدالة على صحة المعاد ، فقوله ( كذبوا بآياتنا ) يتناول الكل ، ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل وهذا اللفظ في حق البشر يدل على الذم قال : تعالى في صفة فرعون ( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق ) أما قوله تعالى ﴿ لا تفتح لهم ابواب السماء ﴾ ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو ( لا تفتح) بالتاء خفيفة ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء خفيفة والباقون بالتاء مشددة . أما القراءة بالتشديد فوجهها قوله تعالى ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء - ففتحنا أبواب السماء) وأما قراءة حمزة والكسائي فوجهها أن الفعل متقدم .