Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قوله تعالى ((قال فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم)) الآية سورة الأعراف ﴿ المسألة الثالثة﴾ الباء في قوله ( فبما أغويتني ) فيه وجوه : الأول : انه باء القسم أى باغوائك اياى لأقعدن لهم صراطك المستقيم أى ، بقدرتك على ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذى يسلكونه الى الجنة ، بأن أزين لهم الباطل ، وما يكسبهم المآثم ، ولما كانت ( الباء) باء القسم كانت ( اللام) جواب القسم ( وما ) بتأويل المصدر و ( أغويتني ) صلتها . والثاني : أن قوله ( فبما أغويتني ) أى فبسبب اغوائك اياى لأقعدن لهم ، والمراد انك لما أغويتني فانا أيضا أسعى في اغوائهم . الثالث : قال بعضهم (ما) في قوله ( فبما أغويتني ) للاستفهام . كأنه قيل : بأى شيء أغويتني ثم ابتدأ وقال ( لأقعدن لهم ) وفيه إشكال ، وهو أن اثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على ((ما ) الاستفهامية قليل . ﴿ المسألة الرابعة ) قوله ( لاقعدن لهم صراطك المستقيم ) لاخلاف بين النحويين ان ((على)) محذوف والتقدير: لاقعدن لهم على صراطك المستقيم . قال الزجاج : مثاله قولك ضرب زيد الظهر والبطن والمعنى على الظهر والبطن. والقاء كلمة ((على)) جائز، لأن الصراط ظرف في المعنى : فاحتمل ما يحتمله اليوم والليلة ، في قولك آتيك غدا وفي غد . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) فيه أبحاث : ﴿ البحث الأول﴾ المراد منه انه يواظب على الافساد مواظبة لا يفتر عنها، ولهذا المعنى ذكر القعود لأن من أراد أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه اتمام المقصود ومواظبته على الافساد هي مواظبته على الوسوسة حتى لا يفتر عنها . ﴿ والبحث الثاني﴾ ان هذه الآية تدل على أنه كان عالما بالدين الحق والمنهج الصحيح ، لأنه قال ( لاقعدن لهم صراطك المستقيم ) وصراط الله المستقيم هو دينه الحق . ﴿ البحث الثالث﴾ الآية تدل على أن إبليس كان عالما بأن الذى هو عليه من المذهب والاعتقاد هو محض الغواية والضلال ، لأنه لو لم يكن كذلك لما قال ( رب بما أغويتني ) وأيضا كان عالما بالدين الحق ، ولولا ذلك لما قال ( لاقعدن لهم صراطك المستقيم ) وإذا ثبت هذا فكيف يمكن : أن يرضى ابليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالا وغواية وبكونه مضادا للدين الحق ومنافيا الصراط المستقيم . فان المرء إنما يعتقد الفاسد إذا غلب على ظنه كونه حقا ، فأما مع العلم بأنه باطل وضلال وغواية يستحيل أن يختاره ويرضى به ويعتقده . واعلم ان من الناس من قال ان كفر ابليس كفر عناد لا كفر جهل لأنه متى علم ان مذهبه ٤٢ قوله تعالى ((فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم)) الآية سورة الأعراف ضلال وغواية ، فقد علم ان ضده هو الحق ، فكان إنكاره إنكارا بمحض اللسان ، فكان ذلك كفر عناد، ومنهم من قال لا بل كفره كفر جهل وقوله (فبما أغويتني) وقوله (لا قعدن لهم صراطك المستقيم) يريد به في زعم الخصم ، وفي اعتقاده. والله أعلم . ﴿ المسألة الخامسة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية في بيان انه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه وتقريره ان إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله الله تعالى ، ثم بين انه انما استمهله لاغواء الخلق وإضلالهم والقاء الوساوس في قلوبهم ، وكان تعالی عالما بأن أکثر الخلق يطيعونه ويقبلون وسوسته كما قال تعالى ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) فثبت بهذا أن انظار ابليس ، وامهاله هذه المدة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة والكفر الكبير، فلو كان تعالى مراعيا لمصالح العباد لامتنع أن يمهله ، وان يمكنه من هذه المفاسد فحيث أنظره وأمهله علمنا أنه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلا ، ومما يقوى ذلك انه تعالى بعث الأنبياء دعاة الى الخلق ، وعلم من حال ابليس انه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال ، ثم انه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق ، وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق الى الكفر والباطل ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك . قالت المعتزلة : اختلف شيوخنا في هذه المسألة . فقال الجبائي : انه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ، ولا يضل بقوله أحد إلا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضا ، والدليل عليه قوله تعالى ( وما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ) ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة . وقال أبو هاشم يجوز ان يضل به قوم ، ويكون خلقه جاريا مجرى خلق زيادة الشهوة ، فان هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح إلا أن الامتناع منها يصير أشق . ولأجل تلك الزيادة من المشقة تحصل الزيادة في الثواب ، فكذا ههنا بسبب ابقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشد وأشق ، ولكنه لا ينتهي الى حد الالجاء والاكراه . والجواب : أما قول أبي علي فضعيف، وذلك لأن الشيطان لا بد وأن يزين القبائح في قلب الكافر ويحسنها اليه ، ويذكره ما في القبائح من أنواع اللذات والطيبات ، ومن المعلوم أن حال الانسان مع حصول هذا التذكير والتزيين لا يكون مساويا لحاله عند عدم هذا التذكير ، وهذا التزيين والدليل عليه العرف، فان الانسان إذا حصل له جلساء يرغبونه في أمر من الأمور ويحسنونه في عينه ويسهلون طريق الوصول اليه ويواظبون على دعوته اليه ، فانه لا يكون حاله في الاقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير والتحسين والتزيين . والعلم به ضرورى ، وأما قول أبي هاشم فضعيف أيضا لأنه إذا صار حصول هذا التذكير والتزيين ٤٣ قوله تعالى (( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم )) الآية سورة الأعراف حاصلا للمرء على الاقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعيا في القائه في المفسدة ، وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة ، فهو حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة ، فكيف يمكنه أن يحتج به ؟ والذى يقرره غاية التقرير : أن لسبب حصول تلك الزيادة في الشهوة يقع في الكفر وعقاب الأبد ، ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته انه يزداد ثوابه من الله تعالى بسبب زيادة تلك المشقة وحصول هذه الزيادة من الثواب شيء لا حاجة اليه البتة ، إما دفع العقاب المؤبد فاليه أعظم الحاجات ، فلو كان اله العالم مراعيا لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأهم الأكمل الأعظم لطلب الزيادة التي لا حاجة اليها ولا ضرورة ، فثبت فساد هذه المذاهب وأنه لا يجب على الله تعالى شيء أصلا . والله أعلم بالصواب أما قوله تعالى ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في ذكر هذه الجهات الأربع قولان: القول الأول ﴾ ان كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين. والقائلون بهذا القول ذكروا وجوها : أحدها ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) يعني أشككهم في صحة البعث والقيامة ( ومن خلفهم ) ألقى اليهم ان الدنيا قديمة أزلية . وثانيها ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) والمعنى أفترهم عن الرغبة في سعادات الآخرة (ومن خلفهم ) يعني أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها وأحسنها في أعينهم ، وعلى هذين الوجهين فالمراد من قوله ( بين أيديهم ) الآخرة لأنهم يردون عليها ويصلون اليها ، فهي بين أيديهم ، وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها . وثالثها وهو قول الحاكم والسدى ( من بين أيديهم ) يعني الدنيا ( ومن خلفهم ) الآخرة ، وإنما فسرنا ( بين أيديهم ) بالدنيا ، لأنها بين يدى الانسان يسعى فيها ويشاهدها ، وأما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك. ورابعها (من بين ايديهم) في تكذيب الأنبياء والرسل الذين يكونون حاضرين ( ومن خلفهم ) في تكذيب من تقدم من الأنبياء والرسل . وأما قوله ﴿وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ ففيه وجوه : أحدها ( عن ايمانهم ) في الكفر والبدعة ( وعن شمائلهم ) في أنواع المعاصي . وثانيها ( عن أيمانهم ) في الصرف عن الحق ( وعن شمائلهم ) في الترغيب في الباطل . وثالثها ( عن أيمانهم ) يعني أفترهم عن الحسنات ( وعن شمائلهم ) أقوي دواعيهم في السيئات . قال ابن الأنبارى : وقول من قال ، الأيمان كناية عن الحسنات ، والشمائل عن السيئات . قول حسن ، لأن العرب تقول : اجعلني في ٤٤ قوله تعالى (( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم)) الآية سورة الأعراف يمينك ولا تجعلني في شمالك ، يريد اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين . وروى أبو عبيد عن الأصمعي أنه يقال : هو عندنا باليمين أى بمنزلة حسنة ، واذا خبثت منزلته قال : أنت عندى بالشمال ، فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع . أما حكماء الاسلام فقد ذكروا فيها وجوها أخرى . أولها : وهو الأقوى الأشرف أن في البدن قوى أربعا ، هي الموجبة لقوات السعادات الروحانية . فاحداها : القوة الخالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها . وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ ، وصور المحسوسات انما ترد عليها من مقدمها ، واليه الاشارة بقوله ( من بين أيديهم ) ﴿ والقوة الثانية ﴾ القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالاحكام المناسبة للمحسوسات ، وهي موضوعة في البطن والمؤخر من الدماغ ، واليها الاشارة بقوله ( ومن خلفهم ) والقوة الثالثة ﴾ الشهوة وهي موضوعة في الكبد وهي من يمين البدن . ﴿ والقوة الرابعة ﴾ الغضب، وهو موضوع في البطن الايسر من القلب، فهذه القوى الأربع هي التي تتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات الروحانية والشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع ، لم تقدر على القاء الوسوسة فهذا هو السبب في تعيين هذه الجهات الأربع ، وهو وجه حقيقي شريف. وثانيها : أن قوله ( لآتينهم من بين أيديهم ) المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه . أما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة . وأما الأفعال : مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح ( ومن خلفهم ) المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل ، وإنما جعلنا قوله ( من بين أيديهم ) لشبهات التشبيه ، لأن الانسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها ، فهي حاضرة بين يديه ، فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساويا لهذا الشاهد ، وإنما جعلنا قوله ( ومن خلفهم ) كناية عن التعطيل ، لأن التشبيه عين التعطيل ، فلما جعلنا قوله ( من بين أيديهم ) كناية عن التشعيه وجب أن نجعل قوله ( ومن خلفهم ) كناية عن التعطيل . وأما قوله ( وعن أيمانهم ) فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات ( وعن شمائلهم ) الترغيب في فعل المنهيات . وثالثها : نقل عن شقيق رحمه الله أنه قال : ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع ، من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي . أما من بين يدى فيقول : لا تخف فان الله غفور رحيم ، فاقرأ (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ) وأما من خلفيّ: فيخوفني من وقوع أولادى في الفقر ، فاقرأ ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) وأما من قبل يميني : فيأتيني من قبل الثناء ٤٥ قوله تعالى (( وعن أيمانهم وعن شمائلهم)) الآية سورة الأعراف فاقرأ ( والعاقبة للمتقين ) وأما من قبل شمالي : فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ ( وحيل بینھم وبین ما یشتهون ) ﴿ والقول الثاني ﴾ في هذه الآية أنه تعالى حكى عن الشيطان ذكر هذه الوجوه الأربعة ، والغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة ، ولا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة البتة . وتقدير الآية : ثم لآتينهم من جميع الجهات الممكنة بجميع الاعتبارات الممكنة . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الاسلام)» فقال له : تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة ، فقال له : تدع ديارك وتتغرب فعصاه وهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له : تقاتل فتقتل ، ويقسم مالك ، وتنكح امرأتك ، فعصاه فقاتل )) وهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها فى القلب . فان قيل : فلم لم يذكر مع الجهات الأربع من فوقهم ومن تحتهم . قلنا : أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفويت السعادات الروحانية ، فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة من البدن . وأما في الظاهر : فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر، فقالوا يا إلهنا كيف يتخلص الانسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع ، فأوحى الله تعالى اليهم أنه بقي للانسان جهتان : الفوق والتحت ، فاذا رفع يديه الى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع ، أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة . والله أعلم . ﴿المسألة الثانية) أنه قال ( من بين أيديهم ومن خلفهم) فذكر هاتين الجهتين بكلمة ( من ) ثم قال ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فذكر هاتين الجهتين بكلمة ( عن ) ولا بد في هذا الفرق من فائدة . فنقول : اذا قال القائل جلس عن يمينه ، معناه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملتصق به . قال تعالى ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) فبين أنه حضر على هاتين الجهتين ملكان ، ولم يحضر في القدام والخلف ملكان ، والشيطان يتباعد عن الملك ، فلهذا المعنى خص اليمين والشمال بكلمة ( عن ) لأجل أنها تفيد البعد والمباينة ، وأيضا فقد ذكرنا أن المراد من قوله ( من بين أيديهم ومن خلفهم ) الخيال ، والوهم ، والضرر الناشيء منهما هو حصول العقائد الباطلة ، وذلك هو حصول الكفر ، وقوله ( وعن أيمانهم وعن ٤٦ قوله تعالى ((قال اخرج منها منؤما مدحورا)) الآية سورة الأعراف قَالَ آنْرُجْ مِنْهَا مَذْهُومَّا مَّدْخُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (٥) شمائلهم ) الشهوة ، والغضب ، والضرر الناشيء منهما هو حصول الأعمال الشهوانية والغضبية ، وذلك هو المعصية ، ولا شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم ، لأن عقابه دائم . أما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأن عقابه منقطع ، فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة (عن ) تنبيها على أن هذين القسمين في اللزوم والاتصال دون القسم الأول . والله أعلم بمراده . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على بطلان ما يقال: إنه يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه ، لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المبالغة أحق . ثم قال تعالى حكاية عن إبليس أنه قال ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ وفيه سؤال : وهو أن هذا من باب الغيب فكيف عرف إبليس ذلك فلهذا السبب اختلف العلماء فيه فقال بعضهم كان قد رآه في اللوح المحفوظ ، فقال له على سبيل القطع واليقين . وقال آخرون : إنه قاله على سبيل الظن لأنه كان عازما على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات ، وعلم أنها أشياء يرغب فيها غلب على ظنه أنهم يقبلون قوله فيها على سبيل الأكثر والأغلب ويؤكد هذا القول بقوله تعالى ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا ) والعجب أن إبليس قال للحق سبحانه وتعالى ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) فقال الحق ما يطابق ذلك ( وقليل من عبادى الشكور ) وفيه وجه آخر . وهو أنه حصل للنفس تسع عشرة قوة ، وكلها تدعو النفس الى اللذات الجسمانية . والطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة ، وخمسة أخرى هي الحواس الباطنة . واثنان الشهوة والغضب . وسبعة هي القوى الكامنة ، وهي الجاذبة . والماسكة ، والهاضمة ، والدافعة ، والغاذية ، والنامية ، والمولدة فمجموعها تسعة عشر وهي بأسرها تدعو النفس الى عالم الجسم وترغبها في طلب اللذات البدنية ، وأما العقل فهو قوة واحدة ، وهي التي تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادات الروحانية ولا شكأن استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة . لاسيما وتلك القوى التسعة عشر تكون في اول الخلقة قوية ويكون العقل ضعيفا جدا وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلما كان الأمر كذلك ، لزم القطع بان أكثر الخلق يكونون طالبين لهذه اللذات الجسمانية معرضين عن معرفة الحق ومحبته فلهذا السبب قال ( ولا تجد أكثرهم شاكرين) والله أعلم . قوله تعالى ﴿ قال اخرج منهامنؤمامدحورا لمن اتبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ﴾ ٤٧ قوله تعالى ((ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة)) الآية سورة الأعرافى وَيَتَكَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّلِينَ اعلم أن إبليس لما وعد بالافساد الذى ذكره ، خاطبه الله تعالى بما يدل على الزجر والاهانة فقال ( اخرج منها ) من الجنة أو من السماء ( مذؤما ) قال الليث : ذأمت الرجل فهو مؤم أى محقور والذأم الاحتقار ، وقال الفراء : أمته إذا عبته يقولون في المثل لا تعدم الحسناء ذأما . وقال ابن الأنبارى المنؤم المذموم قال ابن قتيبة مذؤما مذموما بأبلغ الذم قال امية : أن اخرج دخیرا لعينا نؤما وقال لإبليس رب العباد وقوله ( مدحورا ) الدحر في اللغة الطرد والتبعيد ، يقال دحره دحرا ودحورا إذا طرده وبعده ومنه قوله تعالى ( ويقذفون من كل جانب دحورا ) وقال أمية : وبأذنهسجدوا لآدم کلهم إلا لعينا خاطئا مدحورا وقوله ( لمن تبعك منهم) اللام فيه لام القسم ، وجوابه قوله ( لأملأن ) قال صاحب الکشاف روی عصمة عن عاصم (لمن تبعك منهم) هذا الوعيد وهو قوله (لأملان جهنم منكم اجمعين) وقيل: إن لأملأن في محل الابتداء (ولمن تبعك) خبره قال ابو بكر الانباري الكناية في قوله (لمن تبعك منهم ) عائد على ولد آدم لأنه حين قال (ولقد خلقناكم) كان لمخاطبا لولد آدم فرجعت الكناية اليهم . قال القاضي : دلت هذه الآية على أن التابع والمتبوع معنيان في أن جهنم تملأ منهما ثم ان الكافر تبعه ، فكذلك الفاسق تبعه فيجب القطع بدخول الفاسق النار ، وجوابه ان المذكور في الآية انه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه ، وليس في الآية أن كل من تبعه فانه يدخل جهنم فسقط هذا الاستدلال، ونقول هذه الآية تدل على ان جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم لأن كلهم متابعون لابليس، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ﴾ اعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل : أحدها أن قوله ( اسكن ) أمر تعبد أو أمر اباحة واطلاق من حيث أنه لا مشقة فيه . فلا يتعلق به التكليف . وثانيها : أن زوج آدم هو ٤٨ قوله تعالى ((فوسوس لهما الشيطان)) الآية سورة الأعراف فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَاوُدِرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَ ◌ِ آَ يََ ◌َ ، كَ رَبُّكَا وَقَاسَمَهُمَآَ عَنْ هَذِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ ( إِ لَكُمْ لَمِنَ النَِّصِحِينَ (٣) فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَّا ذَاقَا الشَّبَجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَامُهُمَا وَطَعِقَا يَخْصِفَانٍ عَلَيْهِمَا مِن وَرَبِ الْجَنَّةِ وَنَدَنْهُمَا رَبّهُمَا أَمْ أَنْهَكَا عَنْ تِلُْما الشَّجَرَةِ وَأَقُلِ نَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكَ عَدُوٌ مُبِينٌ ٣٢ حواء ، ويجب أن نذكر أنه تعالى كيف خلق حواء وثالثها : أن تلك الجنة كانت جنة الخلد ، أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض . ورابعها : أن قوله ( فكلا ) أمر اباحة لا أمر تكليف. وخامسها : أن قوله ( ولا تقربا) نهى تنزيه أو نهي تحريم . وسادسها : أن قوله ( هذه الشجرة ) المراد شجرة واحدة بالشخص أو النوع . وسابعها : أن تلك الشجرة أى شجرة كانت . وثامنها : أن ذلك الذنب كان صغيرا أو كبيرا . وتاسعها : أنه ما المراد من قوله ( فتكونا من الظالمين ) وهل يلزم من كونه ظالما بهذا القربان الدخول تحت قوله تعالى ( ألا لعنة الله على الظالمين ) . وعاشرها : أن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم عليه السلام أو بعدها ، فهذه المسائل العشرة قد سبق تفصيلها وتقريرها في سورة البقرة فلا نعيدها ، والذى بقي علينا من هذه الآية حرف واحد ، وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة (وكلا منها رغدا ) بالواو ، وقال ههنا ( فكلا ) بالفاء فما السبب فيه ، وجوابه من وجهين : الأول : أن الواو تفيد الجمع المطلق ، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب ، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو ، ولا منافاة بين النوع والجنس ، ففي سورة البقرة ذكر الجنس وفي سورة الاعراف ذكر النوع . قوله تعالى ﴿ فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ﴾ يقال : وسوس إذا تكلم كلاما خفيا يكرره ، وبه سمي صوت الحلى وسواسا وهو فعل غير متعد كقولنا . ولولوت المرأة ، وقولنا : وعوع الذئب ، ورجل موسوس بكسر الواو ولا ٤٩ قوله تعالى ((ليبدي لهما ما وورى عنهما من سوآتهما)) الآية سورة الأعرافى يقال موسوس بالفتح ، ولكن موسوس له وموسوس اليه ، وهو الذى يلقى اليه الوسوسة ، ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس اليه ألقاها اليه ، وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول ﴾ كيف وسوس اليه وآدم كان في الجنة وابليس أخرج منها والجواب : قال الحسن : كان يوسوس من الأرض الى السماء والى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له ، وقال أبو مسلم الأصفهاني : بل كان آدم وابليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض ، والذى يقوله بعض الناس من أن ابليس دخل في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة ، وقال آخرون : إن آدم وحواء ربما قربا من باب الجنة ، وكان ابليس واقفا من خارج الجنة على بابها ، فيقرب . فيقرب أحدهما من الآخر وتحصل الوسوسة هناك ﴿ السؤال الثاني﴾ أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين ابليس من العداوة فكيف قبل قوله . والجواب : لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارا كثيرة ورغبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم عليه السلام . ﴿ السؤال الثالث ﴾ لم قال ( فوسوس لهما الشيطان ) والجواب : معنى وسوس له أى فعل الوسوسة لأجله والله أعلم . أما قوله تعالى ﴿ ليبدى لهما﴾ في هذا اللام قولان: أحدهما : أنه لام العقبة كما في قوله ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما ، ولم يعلم أنهما ان أكلا من الشجرة بدت عوراتها ، وانما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط. الثاني : لا يبعد أيضا أن يقال : إنه لام الغرض ثم فيه وجهان : أحدهما : أن يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه ، والمعنى : أن غرضه من القاء تلك الوسوسة الى آدم زوال حرمته وذهاب منصبه . والثاني : لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته ، وذلك يدل على نهاية الضرر وسقوط الحرمة ، فكان يوسوس اليه لحصول هذا الغرض ، وقوله ( ما وورى عنهما من سوآتهما ) فيه مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ ما وورى مأخوذ من المواراة يقال واريته أى سترته. قال تعالى يوارى سوأة أخيه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلى لما أخبره بوفاة أبيه ((اذهب فواره)) الفخر الرازي ج١٤ م٤ ٥٠ قوله تعالى ((ليبدي لهما ما وورى عنهما من سوآتهما)) الآية سورة الأعراف البحث الثاني ﴾ السوأة فرج الرجل والمرأة، وذلك لأن ظهوره يسوء الانسان. قال ابن عباس رضى الله عنهما كأنهما قد ألبسا ثوبا يستر عورتهما ، فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ) ﴿ البحث الثالث﴾ دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات وانه لم يزل مستهجنا في الطباع مستقبحا في العقول وقوله ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) يمكن أن يكون هذا الكلام ذكره ابليس بحيث خاطب به آدم وحواء ، ويمكن أيضا أن يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما ، والأمران مرويان إلا أن الاغلب أنه كان ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) ومعنى الكلام ان ابليس قال لهما في الوسوسة إلا أن تكونا ملكين وأراد به أن تكونا بمنزلة الملائكة إن أكلتما منها أوتكونا من الخالدين ان أكلتما ، فرغبهما بأن أوهمهما أن من أكلها صار كذلك وانه تعالى إنما نهاهما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ولا يخلدا ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول ﴾ كيف أطمع إبليس آدم في أن يكون ملكا عند الأكل من الشجرة مع انه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله . والجواب : من وجوه : الأول : أن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الارض . أما ملائكة السموات وسكان العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا البتة لآدم ، ولو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع فاسدا مختلا . وثانيها : نقل الواحدى عن بعضهم أنه قال : إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون الى يوم القيامة ، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه ابليس أن يصير مثل الملك في البقاء ، وأقول : هذا الجواب ضعيف، لأن على هذا التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود وحينئذ لا یبقی فرق بین قوله ( إلا أن تكونا ملکین ) وبين قوله ( أو تكونا من الخالدين ) ﴿ والوجه الثاني﴾ قال الواحدى: كان ابن عباس يقرأ ملكين ويقول: ما طمعا في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا الى ان يكونا ملكين ، وانما أتاهما الملعون من جهة الملك ، ويدل على هذا قوله ( هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) وأقول هذا الجواب أيضا ضعيف ، وبيانه من وجهين : الأول : هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة : فهل يقول ابن عباس إن تك القراءة المشهورة باطلة . أو لا يقول ذلك ؟ والأول باطل ، لأن تلك القراءة قراءة متواترة ، فكيف يمكن الطعن فيها ، وأما الثاني : فعلى هذا التقدير الأشكال باق . لأن على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة وحينئذ يعود السؤال : ٥١ قوله تعالى ((ليبدي لهما ما وورى عنهما من سوآتهما)) الآية سورة الأعراف والوجه الثاني ﴾ أنه تعالى جعل سجود الملائكة والخلق له في أن يسكن الجنة ، وأن يأكل منها رغدا كيف شاء وأراد ، ولا مزيد في الملك على هذه الدرجة . ﴿ السؤال الثاني﴾ هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النبوة . والجواب من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم يدل على ذلك لأن آدم حين طلب الوصول الى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء ، وعلى هذا التقدير فزال الاستدلال. والثاني: ان بتقدير ((أن)) تكون هذه الواقعة وقعت في زمان النبوة فلعل آدم عليه السلام رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والشدة أو في خلقة الذات بأن يصير جوهرا نورانيا ، وفي أن يصير من سكان العرش والكرسي ، وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال ﴿ السؤال الثالث﴾ نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: في قوله إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وفي قوله وقاسمهما قال عمر وقلت للحسن : فهل صدقاه في ذلك فقال احسن معاذ الله لو صدقاه لكانا من الكافرين ووجه السؤال : انه كيف يلزم هذا التكفير بتقدير : أن يصدقا إبليس في ذلك القول . والجواب : ذكروا في تقرير ذلك التكفير انه عليه السلام لو صدق إبليس في الخلود لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة ، وانه كفر . ولقائل أن يقول : لا نسلم أنه يلزم من ذلك التصديق حصول الكفر؟ وبيانه من وجهين : الأول : ان لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على الدوام ، وعلى هذا الوجه يندفع ما ذكروه . ﴿ الوجه الثاني﴾ هب أن الخلود مفسر بالدوام، إلا أنا نسلم ان اعتقاد الدوام يوجب الكفر وتقريره ان العلم بانه تعالى هل يميت هذا المكلف أو لا يميته ، علم لا يحصل إلا من دليل السمع فلعله تعالى ما بين في وقت آدم عليه السلام انه يميت الخلق ، ولما لم يوجد ذلك الدليل السمعي كان آدم عليه السلام يجوز دوام البقاء . فلهذا السبب رغب فيه ، وعلى هذا التقدير : التكفير غير لازم . ﴿ السؤال الرابع﴾ ثبت بما سبق أن آدم وحواء لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكفيرهما ، فهل يقولون إنهما صدقاه فيه قطعا ؟ وإن لم يحصل القطع فهل يقولون إنهما ظنا أن الأمر كما قال ؟ أو ينكرون هذا الظن أيضا . ٥٢ قوله تعالى ((فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سواتهما)) الآية سورة الأعراف والجواب : أن المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعا وظنا ، بل الصواب أنهما إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة ، لا أنهما صدقاه علما أو ظنا كما نجد أنفسنا عند الشهوة تقدم على الفعل اذا زين لنا الغير ما نشتهيه ، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال . ﴿ السؤال الخامس﴾ قوله ( إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) هذا الترغيب والتطميع وقع في مجموع الأمرين أو في أحدهما . والجواب : قال بعضهم : الترغيب كان في مجموع الأمرين ، لأنه أدخل في الترغيب . وقيل : بل هو على ظاهره على طريقة التخيير . ثم قال تعالى ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ أى وأقسم لهما إني لكما لمن الناصحين . فان قيل : المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك . تقول : قاسمت فلانا أى حالفته ، وتقاسما تحالفا ومنه قوله تعالى ( تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ) قلنا : فيه وجوه : الأول : التقدير أنه قال : أقسم لكما إني لكما لمن الناصحين . وقالا له : أتقسم بالله إنك لمن الناصحين ؟ فجعل ذلك مقاسمة بينهم . والثاني : أقسم لهما بالنصيحة ، وأقسما له بقبولها . الثالث : أنه أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة ، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم . إذا عرفت هذا فنقول : قال قتادة : حلف لهما بالله حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن باللّه، وقوله ( إني لكما لمن الناصحين ) أى قال إبليس : إني خلقت قبلكما ، وأنا أعلم أحوالا كثيرة من المصالح والمفاسد لا تعرفانها فامتثلا قولي أرشدكما . ثم قال تعالى ﴿ فدلاهما بغرور﴾ وذكر أبو منصور الأزهرى لهذه الكلمة أصلين : أحدهما : أصل الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء ، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه . فيقال : دلاه اذا أطمعه . الثاني ( فدلاهما بغرور ) أى أجرأهما إبليس على أكل الشجرة بغرور ، والأصل فيه دللهما من الدل ، والدالة وهي الجرأة . إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس ( فدلاهما بغرور ) أى غرهما باليمين ، وكان آدم يظن أن أحدا لا یحلف بالله كاذبا . وعن ابن عمر رضى الله عنه : أنه کان اذا رأی من ٥٣ قوله تعالى ((قالا ربنا ظلمنا أنفسنا)) الآية سورة الأعراف ٠َ قَالَ قَالَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اْخَسِرِينَ أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَرِّ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ (٨) قَالَ فِيهَا تَحْيُونَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه ، فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق . فقيل له : إنهم يخدعونك ، فقال : من خدعنا بالله انخدعنا له . ثم قال تعالى ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت ﴾ وذلك يدل على أنهما تناولا اليسير قصدا الى معرفة طعمه ، ولولا أنه تعالى ذكر في آية أخرى أنهما أكلا منها ، لكان ما في هذه الآية لا يدل على الأكل ، لأن الذائق قد يكون ذائقا من دون أكل . ثم قال تعالى ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أى ظهرت عوراتهما ، وزال النور عنهما ( وطفقا يخصفان ) قال الزجاج : معنى طفق : أخذ في الفعل ( يخصفان ) أى يجعلان ورقة على ورقة . ومنه قيل للذى يرقع النعل خصاف، وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ، ألا ترى أنهما كيف بادرا الى التستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة ( وناداهما ربهما ) قال عطاء : بلغني أن الله ناداهما أفرارا منى يا آدم . قال بل حياء منك يا رب ما ظننت أن أحدا یقسم باسمك كاذبا ، ثم ناداه ر به أما خلقتك بیدی ، أما نفخت فيك من روحي ، أما أسجدت لك ملائكتي ، أما أسكنتك في جنتي في جوارى ؟ ثم قال ﴿ وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ﴾ قال ابن عباس : بين العداوة حيث أبى السجود وقال ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) قوله تعالى ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴾ اعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة ، وقد ذكرنا هناك أن هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم من آدم عليه السلام ، إلا أنا نقول : هذا الذنب إنما صدر عنه قبل النبوة . وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . قوله تعالى ﴿ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ﴾ ٥٤ قوله تعالى ((يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا)) الآية سورة الأعراف يَنِيَّادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيًِّا وَلِبَاسُ اتَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ اعلم أن هذا الذى تقدم ذكره هو آدم وحواء وابليس ، واذا كان كذلك فقوله ( اهبطوا ) يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة ( بعضكم لبعض عدو ) يعني العداوة ثابتة بين الجن والانس لا تزول البتة . وقوله ( فيها تحيون ) الكناية عائدة الى الارض في قوله ( ولكم في الارض ) والمراد في الارض تعيشون وفيها تموتون ومنها تخرجون الى البعث والقيامة . قرأ حمزة والكسائي ( تخرجون ) بفتح التاء وضم الراء . وكذلك في الروم والزخرف والجاثية ، وقرأ ابن عامر ههنا ، وفي الزخرف بفتح التاء ، وفي الروم والجاثية بضم التاء ، والباقون جميع ذلك بضم التاء . قوله تعالى ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ﴾ في نظم الآية وجهان : الوجه الأول﴾ انه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط الى الأرض ، وجعل الأرض لهما مستقرا بين بعده أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون اليه في الدين والدنيا ، ومن جملتها اللباس الذی يحتاج اليه في الدين والدنيا . الوجه الثاني ﴾ أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة أنه كان يخصف الورق عليها ، أتبعه بأن بين أنه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عورتهم ، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب أنه أقدرهم على التستر . فان قيل : ما معنى انزال اللباس ؟ قلنا : إنه تعالى أنزل المطر ، وبالمطر تتكون الأشياء التي منها يحصل اللباس ، فصار كأنه تعالى أنزل اللباس ، وتحقيق القول أن الأشياء التي تحدث في الأرض لما كانت معلقة بالأمور النازلة من السماء صار كأنه تعالى أنزلها من السماء . ومنه قوله تعالى ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) وقوله ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) وأما قوله ( وريشا ) ففيه بحثان : قوله تعالى (( يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباساً.)) سورة الاعراف البحث الأول ﴾ الريش لباس الزينة ، استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته ، أى أنزلنا عليكم لباسين : لباسا يوارى سوآتكم ، ولباسا يزينكم ، لأن الزينة غرض صحيح كما قال ( لتركبوها وزينة ) وقال ( ولكم فيها جمال ) ﴿ البحث الثاني ﴾ روى عن عاصم رواية مشهورة (ورياشا) وهو مروى أيضا عن عثمان رضى الله عنه ، والباقون ( وريشا ) واختلفوا في الفرق بين الريش والرياش فقيل : رياش جمع ريش ، كذياب وذيب ، وقداح وقدح ، وشعاب وشعب ، وقيل : هما واحد ، كلباس ولبس وجلال وجل ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال : كل شيء يعيش به الانسان من متاع أو مال أو مأكول فهو ريش ورياش ، وقال ابن السكيت : الرياش مختص بالثياب والأثاث ، والريش قد يطلق على سائر الأموال وقوله تعالى ( ولباس التقوى ) فيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ قرأ نافع وابن عامر والكسائي (ولباس) بالنصب عطفا على قوله ( لباسا ) والعامل فيه أنزلنا وعلى هذا التقدير فقوله ( ذلك ) مبتدأ وقوله ( خير ) خبره والباقون بالرفع وعلى هذا التقدير فقوله ( ولباس التقوى ) مبتدأ وقوله ( ذلك ) صفة أو بدل أو عطف بيان وقوله خير خبر لقوله ( ولباس التقوى ) ومعنى قولنا صفة أن قوله ( ذلك ) أشير به الى اللباس كأنه قيل ولباس التقوى المشار اليه خير . ﴿ البحث الثاني﴾ اختلفوا في تفسير قوله (ولباس التقوى) والضابط فيه أن منهم من حمله على نفس الملبوس ومنهم من حمله على غيره . ﴿ أما القول الأول﴾ ففيه وجوه: أحدها : أن المراد أن اللباس الذى أنزله الله تعالى ليوارى سوآتكم هو لباس التقوى وعلى هذا التقدير فلباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده الله لأجل أن يخبر عنه بأنه خير لأن جماعة من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعرى وخلع الثياب في الطواف بالبيت فجرى هذا في التكرير مجرى قول القائل : قد عرفتك الصدق في أبواب البر ، والصدق خير لك من غيره . فيعيد ذكر الصدق ليخبر عنه بهذا المعنى . وثانيها : أن المراد من لباس التقوى ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقي به في الحروب . وثالثها : المراد من لباس التقوى الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلوات . والقول الثاني ﴾ أن يحمل قوله ( ولباس التقوى) على المجازات ثم اختلفوا فقال قتادة والسدى وابن جريج : لباس التقوى الايمان . وقال ابن عباس : لباس التقوى العمل الصالح ، وقيل هو السمت الحسن ، وقيل هو العفاف والتوحيد ، لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عاريا من الثياب . والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسيا ، وقال معبد هو ٥٦ قوله تعالى ((يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم)) الآيه سورة الأعراف ◌َنِيِّءَادَمَ لَا يَفْتَنَّكُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمً إِنَُّ يَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ، مِنْ حَيْثُ لَاتَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءٌ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ( الحياء . وقيل هو ما يظهر على الانسان من السكنة والاخبات والعمل الصالح ، وإنما حملنا لفظ اللباس على هذه المجازات لأن اللباس الذى يفيد التقوى ، ليس إلا هذه الأشياء أما قوله ( ذلك خير ) قال أبو علي الفارسي : معنى الآية ( ولباس التقوى خير ) لصاحبه إذا أخذ به ، وأقرب له الى الله تعالى مما خلق من اللباس والرياش الذى يتجمل به . قال : وأضيف اللباس الى التقوى كما أضيف إلى الجوع في قوله ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) وقوله ( ذلك من آيات الله ) معناه من آيات الله الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس عليهم ( لعلهم يذكرون ) فيعرفون عظيم النعمة فيه . قوله سبحانه وتعالى ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ﴾ اعلم ان المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها ، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم وبين فيها شدة عداوة الشياطان لآدم وأولاده أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده ولطف وسوسته وشدة اهتمامه الى أن قدر على القاء آدم في الزلة الموجبة لاخراجه من الجنة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى . فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان فقال ( لا يفتننكم الشيطان ) فيترتب عليه أن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم ، فترتب عليه خروجهما منها وأصل الفتون عرض الذهب على النار وتخليصه من الغش . ثم أتى في القرآن بمعنى المحنة وههنا بحثان . ﴿ البحث الأول﴾ قال الكعبي: هذه الآية حجة على من نسب خروج آدم وحواء وسائر وجوه المعاصي الى الشيطان وذلك يدل على أنه تعالى برىء منها . فيقال له لم قلتم أن كون هذا العمل منسوبا الى الشيطان يمنع من كونه منسوبا الى الله تعالى ؟ ولما أجرى عادته بأنه يخلق تلك الداعية بعد تزيين الشيطان ، وتحسينه تلك الأعمال عند ذلك الكافر ، كان منسوبا ٥٧ قوله تعالى ((ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما)) الآية سورة الأعراف الى الشيطان . ﴿ البحث الثاني﴾ ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما أخرج آدم وحواء من الجنة، عقوبة لهما على تلك الزلة ، وظاهر قوله ( إني جاعلك في الأرض خليفة ) يدل على أنه تعالى خلقهما لخلافة الأرض وأنزلهما من الجنة الى الأرض لهذا المقصود . فكيف الجمع بين الوجهين ؟ وجوابه : أنه ربما قيل حصل لمجموع الأمرين . والله أعلم . ثم قال ﴿ ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ﴾ وفيه مباحث: ﴿ البحث الأول﴾ (ينزع عنهما لباسهما ) حال، أى أخرجهما نازعا لباسهما وأضاف نزع اللباس الى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأنه كان بسبب منه ، فأسند اليه كما تقول أنت فعلت هذا ؟ لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب ، وإن لم يباشره ، وكذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أسند اليه . ﴿ البحث الثاني﴾ اللام في قوله ( ليريهما ) لام العاقبة كما ذكرنا في قوله ( ليبدى لهما ) قال ابن عباس رضى الله عنهما : يرى آدم سوأة حواء وترى حواء سوأة آدم . ﴿ البحث الثالث﴾ اختلفوا في اللباس الذى نزع منهما فقال بعضهم إنه النور ، وبعضهم التقي ، وبعضهم اللباس الذى هو ثياب الجنة وهذا القول أقرب لأن إطلاق اللباس يقتضيه والمقصود من هذا الكلام ، تأكيد التحذير لبني آدم ، لأنه لما بلغ تأثير وسوسة الشيطان في حق آدم مع جلالة قدره الى هذا الحد فكيف يكون حال آحاد الخلق ؟ ثم أكد تعالى هذا التحذير بقوله ( إنه یراکم هو وقبیله من حیث لا ترونهم ) وفيه مباحث : البحث الأول﴾ (إنه يراكم) يعني إبليس (هو وقبيله) أعاد الكناية ليحسن العطف كقوله ( اسكن أنت وزوجك الجنة ) ﴿ البحث الثاني﴾ قال أبو عبيدة عن أبي زيد ((القبيل)) الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى ، وجمعه قبل . والقبيلة : بنو أب واحد . وقال ابن قتيبة ، قبيله أصحابه وجنده ، وقال الليث ( هو وقبيله ) أى هو ومن كان من نسله . ﴿ البحث الثالث ﴾ قال أصحابنا : إنهم يرون الانس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا والانس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الادراك في عيون الانس ، وقالت المعتزلة : الوجه في أن الانس لا يرون الجن ، رقة أجسام الجن ولطافتها . والوجه في رؤية الجن للانس ، كثافة ٥٨ قوله تعالى ((انا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون)) الآية سورة الأعراف أجسام الانس ، والوجه في أن يرى بعض الجن بعضا ، أن الله تعالى يقوى شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ، ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا ، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم ، فعلى هذا كون الانس مبصرا للجن موقوف عند المعتزلة إما على زيادة كثافة أجسام الجن ، أو على زيادة قوة أبصار الانس . البحث الرابع ﴾ قوله تعالى ( من حيث لا ترونهم) يدل على أن الانس لا يرون الجن لأن قوله ( من حيث لا ترونهم ) يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ، قال بعض العلماء ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأى صورة شاؤا وأرادوا ، لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس ، فلعل هذا الذى أشاهده وأحكم عليه بأنه ولدى أو زوجتي جنى صور نفسه بصورة ولدى أو زوجتي وعلى هذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الاشخاص ، وأيضا فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس وازالة العقل عنهم مع انه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الانس ، فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشر؟ وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد ، لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى ، ولما لم يوجد شيء من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه . ويتأكد هذا بقوله ( ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) قال مجاهد : قال إبليس اعطينا أربع خصال : نرى ولا نرى ، ونخرج من تحت الثرى ، ويعود شيخنا فتى . ثم قال تعالى ﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ﴾ فقد احتج أصحابنا بهذا النص هلى أنه تعالى هو الذى سلط الشيطان الرجيم عليهم حتى أضلهم وأغواهم ، قال الزجاج : ويتأكد هذا النص بقوله تعالى ( إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) قال القاضي : معنى قوله ( جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) هو أنا حكمنا بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن ، قال ومعنى قوله ( أرسلنا الشياطين على الكافرين ) هو أنا خلينا بينهم وبينهم ، كما يقال فيمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل ، إنه أرسل عليه كلبه . والجواب : أن القائل إذا قال : ان فلانا جعل هذا الثوب أبيض أو أسود ، لم يفهم منه أنه حكم به ، بل يفهم منه أنه حصل السواد أو البياض فيه ، فكذلك ههنا وجب حمل الجعل على التأثير والتحصيل ، لا على مجرد الحكم ، وأيضا فهب أنه تعالى حكم بذلك ، لكن مخالفة حكم الله تعالى توجب كونه كاذبا وهو محال ، فالمفضى الى المحال محال ، فكون العبد قادرا على خلاف ذلك ، وجب أن يكون محالا . وأما قوله ان قوله تعالى ( إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) أى خلينا بينهم وبن الكافرين فهو ضعيف أيضا ، ألا ترى أن أهل السوق يؤذى ٥٩ قوله تعالى ((وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا)) الآية سورة الأعراف وَإِذَا فَعَلُوْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَبَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَالَا تَعْلُونَ ( ٣٨ بعضهم بعضا ، ويشتم بعضهم بعضا ، ثم ان زيدا وعمرا إذا لم يمنع بعضهم عن البعض . لا يقال أنه أرسل بعضهم على البعض ، بل لفظ الارسال إنما يصدق إذا كان تسليط بعضهم على البعض بسبب من جهته ، فكذا ههنا . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ اعلم أن في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة وغيرهما ، وفيهم من حمله على أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء ، والأولى أن يحكم بالتعميم ، والفحشاء عبارة عن كل معصية كبيرة ، فيدخل فيه جميع الكبائر ، واعلم أنه ليس المراد منه أن القوم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش ، ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها ، فان ذلك لا يقوله عاقل . بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش ، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات ، وان الله أمرهم بها ، ثم انه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين : أحدهما : أنا وجدنا عليها آباءنا . والثاني : أن الله أمرنا بها . أما الحجة الأولى﴾ فما ذكر الله عنها جوابا، لأنها إشارة الى محض التقليد ، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة ، لأن التقليد حاصل في الاديان المتناقضة ، فلوكان التقليد طريقا حقا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقا ومعلوم أنه باطل ، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرا جليا لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه . وأما الحجة الثانية ﴾ وهي قولهم ( والله أمرنا بها ) فقد أجاب عنه بقوله تعالى ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) والمعنى أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة ، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها ؟ وأقول للمعتزلة أن يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء إنما یقبح لوجه عائد اليه ، ثم انه تعالى نهى عنه لكونه مشتملا على ذلك الوجه ، لأن قوله تعالى ( إن الله لا یأمر بالفحشاء ) اشارة الى أنه لما كان ذلك موصوفا في نفسه بکونه من الفحشاء امتنع أن يأمر الله به ، وهذا يقتضى أن يكون في نفسه من الفحشاء مغايرا لتعلق الأمر ٦٠ قوله تعالى ((قل امر ربي بالقسط)) الآية سورة الأعراف قُلْ أَمَرَ رَبِىِ بِالْقِسْطِ وَأَقِيُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَّهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأْ كُرْ تَعُودُونَ (٨) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَّ عَيْهِمُ الضَّلَالَّةُ إِنْهُمُ أَتَّخَذُواْ الشَّيَِّطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ والنهي به ، وذلك يفيد المطلوب . وجوابه : يحتمل أنه لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون مصلحة للعباد ، ولا ينهي إلا عما يكون مفسدة لهم ، فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى . والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ وفيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ المراد منه أن يقال: انكم تقولون إن الله أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن الله أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة ، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي الى الأنبياء ؟ أما الأول ﴾ فمعلوم الفساد بالضرورة . وأما الثاني ﴾ فباطل على قولكم ، لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الاطلاق ، لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش ، وهم كانوا ينكرون أصل النبوة ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا طريق لهم الى تحصيل العلم بأحكام الله تعالى ، فكان قولهم ان الله أمرنا بها قولا على الله تعالى بما لا يكون معلوما . وانه باطل . البحث الثاني ﴾ نفاة القياس قالوا: الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير معلوم ، وما لا يكون معلوما لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم والسخرية ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) وجواب مثبتي القياس عن أمثال هذه الدلالة قد ذكرناه مرارا . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بذأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط والعدل ، وفيه مسائل :