Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قوله تعالى: ((وقال أولياؤهم من الأنس)) الآية سورة الأنعام
الاستسلام والانقياد والاعتراف بالجرم . وقال الزجاج : والتقدير فيقال لهم يا معشر الجن ، لأنه
يبعد أن يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار ، بدليل قوله تعالى في صفة الكفار ( ولا يكلمهم الله
يوم القيامة )
أما قوله تعالى ﴿ قد استكثرتم من الأنس ﴾ فنقول : هذا لا بد فيه من التأويل . لأن
الجن لا يقدرون على الاستكثار من نفس الانس ، لأن القادر على الجسم وعلى الاحياء والفعل
ليس إلا اللّه تعالى، فوجب أن يكون المراد قد استكثرتم من الدعاء إلى الضلال مع مصادفة
القبول .
أما قوله ﴿وقال أولياؤهم من الأنس﴾ فالأقرب أن فيه حذفا، فكما قال للجن
تبكيتا ، فكذلك قال للانس توبيخا . لأنه حصل من الجن الدعاء ، ومن الانس القبول ،
والمشاركة حاصلة بين الفريقين ، فلما بكت تعالى كلا الفريقين حكي ههنا جواب الانس ،
وهو قولهم : ربنا استمتع بعضنا ببعض فوصفوا أنفسهم بالتوفر على منافع الدنيا ، والاستمتاع
بلذاتها إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي عنده أيقنوا بسوء عاقبتهم . ثم ههنا قولان : الأول : أن
قولهم استمتع بعضنا ببعض ، المراد منه أنه استمتع الجن بالانس والأنس بالجن ، وعلى هذا
القول ففي المراد بذلك الاستمتاع قولان :
القول الأول ﴾ أن معنى هذا الاستمتاع هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض
قفر وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت آمنا في نفسه ،
فهذا استمتاع الأنس بالجن ، وأما استمتاع الجن بالانس فهو أن الانس إذا عاذ بالجني ، كان
ذلك تعظيما منهم للجن ، وذلك الجني يقول : قد سدت الجن والانس ، لأن الانس قد اعترف
له بانه يقدر أن يدفع عنه وهذا قول الحسن . وعكرمة والكلبي وابن جريج واحتجوا على صحته
بقوله تعالى ( وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن) .
﴿ والوجه الثاني ﴾ في تفسير هذا الاستمتاع أن الأنس كانوا يطيعون الجن وينقادون
لحكمهم فصار الجن كالرؤساء ، والأنس كالاتباع والخادمين المطيعين المنقادين الذين لا
يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير ، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم ،
فهذا استمتاع الجن بالانس . وأما استمتاع الأنس بالجن ، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على
أنواع الشهوات واللذات والطيبات ويسهلون تلك الأمور عليهم ، وهذا القول اختيار
الزجاج . قال : وهذا أولى من الوجه المتقدم ، والدليل عليه قوله تعالى ( قد استكثرتم من
الأنس ) ومن كان يقول من الأنس أعوذ بسيد هذا الوادي ، قليل .

٢٠٢
قوله تعالى: ((وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم)) الآية سورة الأنعام
﴿والقول الثاني﴾ أن قوله تعالى (ربنا استمتع بعضنا ببعض) هو كلام الأنس
خاصة ، لأن استمتاع الجن بالانس وبالعكس أمر قليل نادر لا يكاد يظهر . أما استمتاع بعض
الأنس ببعض ، فهو أمر ظاهر . فوجب حمل الكلام عليه ، وأيضا قوله تعالى ( وقال أولياؤهم
من الأنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ) كلام الأنس الذين هم أولياء الجن ، فوجب أن يكون
المراد من استمتاع بعضهم ببعض استمتاع بعض أولئك القوم ببعض
ثم قال تعالى حكاية عنهم ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ فالمعنى : أن ذلك
الاستمتاع كان حاصلا إلى أجل معين ووقت محدود ، ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من
حيث لا تنفع ، واختلفوا في أن ذلك الأجل أي الأوقات ؟ فقال بعضهم : هو وقت الموت .
وقال آخرون : هو وقت التخلية والتمكين . وقال قوم : المراد وقت المحاسبة في القيامة ،
والذين قالوا بالقول الأول قالوا أنه يدل على أن كل من مات من مقتول وغيره فانه يموت
بأجله ، لأنهم أقروا أنا بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ، وفيهم المقتول وغير المقتول
ثم قال تعالى ﴿ قال النار مثواكم ﴾ المثوى: المقام والمقر والمصير، ثم لا يبعد أن يكون
للانسان مقام ومقر ثم يموت ويتخلص بالموت عن ذلك المثوى ، فبين تعالى أن ذلك المقام
والمثوى مخلد مؤبد وهو قوله ( خالدين فيها )
ثم قال تعالى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ وفيه وجوه : الأول : أن المراد منه استثناء أوقات
المحاسبة ، لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار : الثاني : المراد ، الأوقات التي
ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير . وروي أنهم يدخلون واديا فيه برد شديد
فهم يطلبون الرد من ذلك البرد إلى حر الجحيم . الثالث : قال ابن عباس : استثنى اللّه تعالى
قوما سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي محدثة. وعلى هذا القول يجب أن تكون ((ما))
بمعنى ((من)) قال الزجاج : والقول الأول أولى . لأن معنى الاستثناء انما هو من يوم القيامة ،
لأن قوله ( ويوم يحشرهم جميعا ) هو يوم القيامة .
ثم قال تعالى ( خالدين فيها ) منذ يبعثون ( إلا ما شاء الله ) من مقدار حشرهم من
قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم . الرابع : قال أبو مسلم : هذا الاستثناء غير راجع إلى
الخلود ، وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم ، فكأنهم قالوا : وبلغنا الأجل الذي أجلت
لنا ، أي الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى . كقوله تعالى ( ألم يروا كم
أهلكنا قبلهم من قرن ) وكما فعل في قوم نوح وعاد وتمود ممن أهلكه الله تعالى قبل الأجل الذي
لو آمنوا ، لبقوا إلى الوصول اليه فتلخيص الكلام أن يقولوا : استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا

٢٠٣
قوله تعالى ((كذلك نولي بعض الظالمين)) الآية سورة الأنعام
وَكَّلِكَ نُوْلِ بَعْضَ الظَّلِنَ بَعْضَّابِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ(
ما سميت لنا من الأجل إلا من شئت أن تخترمه فاخترمته قبل ذلك بكفره وضلاله .
وأعلم أن هذه الوجه وان كان محتملا إلا أنه ترك لظاهر ترتيب ألفاظ هذه الآية . ولما
أمكن إجراء الآية على ظاهرها فلا حاجة إلى هذا التكلف .
ثم قال ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ أي فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه
المجازاة ، وكانه تعالى يقول : إنما حكمت لهؤلء الكفار بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون
ذلك . والله أعلم .
﴿المسألة الرابعة﴾ قال أبو علي الفارسي: قوله ( النار مثواكم ) المثوى اسم للمصدر دون
المكان لأن قوله ( خالدين فيها ) حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فقوله ( النار مثواكم )
معناه : النار أهل أن تقيموا فيها خالدين .
قوله تعالى ﴿وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في الآية فوائد :
الفائدة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما حكي عن الجن والأنس أن بعضهم يتولى بعضا
بين أن ذلك إنما يحصل بتقديره وقضائه ، فقال ( وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا ) والدليل
على أن الأمر كذلك . أن القدرة صالحة للطرفين أعني العداوة والصداقة ، فلولا حصول
الداعية الى الصداقة لما حصلت الصداقة ، وتلك الداعية لا تحصل إلا بخلق الله تعالى قطعا
للتسلسل . فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو الذي يولي بعض الظالمين بعضا وبهذا التقرير تصير
هذه الآية دليلا لنا في مسألة الجبر والقدر .
الفائدة الثانية ﴾ أنه تعالى لما بين أهل الجنة أن لهم دار السلام ، بين أنه تعالى وليهم
بمعنى الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة ، فكذلك لما بين حال أهل النار ذكر أن مقرهم ومثواهم
النار ، ثم بين أن أولياءهم من يشبههم في الظلم والخزى والنكال وهذه مناسبة حسنة لطيفة .
﴿ الفائدة الثالثة ﴾ كاف التشبيه في قوله ( وكذلك نولي ) تقتضي شيئا تقدم ذكره ،
والتقدير : كأنه قال كما أنزلت بالجن والأنس الذين تقدم ذكرهم العذاب الأليم الدائم الذي لا
مخلص منه ( كذلك نولى بعض الظالمين بعضا )

٢٠٤
قوله تعالى (( يا معشر الجن والانس الم يأتكم رسل منكم)) الآية سورة الأنعام
يَمَعْثَرَ آلِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَيْكُمْ ءَايَتِى وَيُنْذِرُونَكُمْ
لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَلُواْ شَهِدْنَا عَ أَنْفُسِنّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَوَةُ الدُّنْيَ وَشَهِدُواْ عَ أَنْفُسِهِم
٤٤٤ ٥
١٣٠
أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ ﴿ـ
الفائدة الرابعة ﴾ (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا) لأن الجنسية علية الضم ،
فالارواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث ، وكذا القول في الأرواح الطاهرة ، فكل أحد
يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية . والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلط عليهم
ظالما مثلهم فان أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم . وأيضاً الآية تدل
على أنه لا بد في الخلق من أمير وحاكم ، لأنه تعالى إذا كان لا يخلى أهل الظلم من أمير ظالم ،
فبأن لا يخلى أهل الصلاح من أمير يحملهم على زيادة الصلاح كان أولى . قال علي رضي اللّه
عنه : لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر، فأنكروا قوله ( أو جائر ) فقال : نعم يؤمن
السبيل ، ويمكن من إقامة الصلوات ، وحج البيت . وروي أن أبا ذر سأل الرسول ◌ِي
الامارة، فقال له: ((إنك ضعيف وإنها أمانة وهي في القيامة خزى وندامة إلا من أخذها
بحقها وأدى الذي عليه فيها)) وعن مالك بن دينار: جاء في بعض كتب الله تعالى - أنا الله مالك
الملوك قلوب الملوك ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه
نقمة لا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك لكن توبوا إلى أعطفهم عليكم -
﴿ أما قوله بما كانوا يكسبون﴾ فالمعنى نولي بعض الظالمين بعضا بسبب كون ذلك
البعض مكتسبا للظلم ، والمراد منه ما بينا أن الجنسية علة للضم .
قوله تعالى ﴿ يا معشر الجن والآنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي
وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم
أنهم كانوا کافرین ﴾
أعلم أن هذه الآية من بقية ما يذكره الله تعالى في توبيخ الكفار يوم القيامة ، وبين تعالى
أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل ، فيشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وإنهم لم

٢٠٥
قوله تعالى: ((يا معشر الجن والأنس الم يأتكم رسل)) الآية سورة الأنعام
يعذبوا إلا بالحجة . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال أهل اللغة: المعشر. كل جماعة أمرهم واحد ، ويحصل بينهم
معاشرة ومخالطة ، والجمع : المعاشر. وقوله ( رسل منكم ) اختلفوا هل كان من الجن رسول
أم لا ؟ فقال الضحاك : أرسل من الجن رسل كالأنس وتلا هذه الآية وتلا قوله ( وإن من أمة
إلا خلا فيها نذير ) ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى ( ولو جعلناه ملكا
لجعلناه رجلا ) قال المفسرون : السبب فيه أن استئناس الانسان أكمل من استئناسه بالملك ،
فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الأنس من الأنس ليكمل هذا الاستئناس .
إذا ثبت هذا المعنى ، فهذا السبب حاصل في الجن ، فوجب أن يكون رسول الجن من
الجن .
﴿ والقول الثاني﴾ وهو قول الأكثرين: أنه ما كان من الجن رسول البتة، وإنما كان
الرسل من الأنس . وما رأيت في تقرير هذا القول حجة الا ادعاء الاجماع ، وهو بعيد لأنه
كيف ينعقد الاجماع مع حصول الاختلاف ، ويمكن أن يستدل فيه بقوله تعالى ( أن الله اصطفى
آدام ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاءانما هو
النبوة ، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط ، فاما تمسك الضحاك بظاهر هذه الآية
فالكلام عليه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال ( يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل
منكم ) فهذا يقتضي أن رسل الجن والانس تكون بعضا من أبعاض هذا المجموع ، وإذا كان
الرسل من الأنس كان الرسل بعضا من أبعاض ذلك المجموع ، فكان هذا القدر كافيا في حمل
اللفظ على ظاهره ، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن . الثاني : لا يبعد أن
يقال : إن الرسل كانوا من الأنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن حتى
يسمعوا كلام الرسل ويأتوا قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل وينذرونهم به ،
كما قال تعالى ( وإذا صرفنا اليك نفرا من الجن ) فأولئك الجن كانوا رسل الرسل ، فكانوا رسلا
الله تعالى ، والدليل عليه : أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه . فقال ( إذ أرسلنا إليهم
اثنين ) وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح
العلة ، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين، فاذا وصلت البشارة والنذارة إلى
الكل بهذا الطريق ، فقد حصل ما هو المقصود من ازاحة العذر وإزالة العلة ، فكان المقصود
حاصلا .
﴿ الوجه الثالث﴾ في الجواب قال الواحدي: قوله تعالى (رسل منكم) أراد من

٢٠٦
قوله تعالى: ((ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى)) الآية سورة الأنعام
Mi
ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ
أحدكم وهو الأنس وهو كقوله ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) أي من أحدهما وهو الملح الذي
لیس بعذب .
وأعلم أن الوجهين الأولين لا حاجة معهما إلى ترك الظاهر . أما هذا الثلث فانه يوجب
ترك الظهر ، ولا يجوز المصير اليه إلا بالدليل المنفصل .
أما قوله ( يقصون عليكم آياتي ) فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتلاوة وبالتأويل
(وينذرونكم لقاء يومكم هذا) أي يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا عند ذلك
الاعتراف ، فلذلك قالوا : شهدنا على أنفسنا .
فات قالوا : ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالکفر وجحدوه في قوله ( والله ربنا ما
كنا مشركين )
قلنا يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة ، فتارة يقرون ، وأخرى يجحدون ،
وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم ، فان من عظم خوفه كثر الاضطراب في
كلامه .
ثم قال تعالى ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا﴾ والمعنى أنهم لما أقروا على أنفسهم بالكفر ،
فكأنه تعالى يقول ، وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا .
ثم قال تعالى ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ والمراد أنهم وأن بالغوا في
عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم ، إلا أن عاقبة أمرهم أنهم أقروا على أنفسهم
بالكفر ، ومن الناس من حمل قوله ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) بأن تشهد
عليهم الجوارح بالشرك والكفر ، ومقصودهم دفع التكرار عن الآية وكيفما كان ، فالمقصود من
شرح أحوالهم في القيامة زجرهم في الدنيا عن الكفر والمعصية .
وأعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى ( ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي
وينذرونكم لقاء يومكم هذا) على أنه لا يحصل الوجوب البتة قبل ورود الشرع ، فانه لو حصل
الوجوب واستحقاق العقاب قبل ورود الشرع لم يكن لهذا التعليل والذكر فائدة .
قوله تعالى ﴿ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ﴾

٢٠٧
سورة الأَنَّعام
قوله تعالى: ((ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى))
أعلم أنه تعالى لما بين أنه ما عذب الكفار إلا بعد أن بعث اليهم الأنبياء والرسل بين
بهذه الآية أن هذا هو العدل والحق والواجب ، وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: قوله ( ذلك ) إشارة إلى ما تقدم من بعثة
الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدا محذوف ، والتقدير : الأمر ذلك .
وأما قوله ﴿ أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ﴾ ففيه وجوه : أحدها : أنه تعليل ،
والمعنى: الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، وكلمة ((أن)) ههنا
هي التي تنصب الأفعال ، وثانيها : يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، والمعنى لأنه لم يكن
ربك مهلك القرى بظلم والضمير في قوله لأنه ضمير الشأن والحديث والتقدير ، لأن الشأن
والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم . وثالثها : أن يجعل قوله (أن لم يكن ربك ) بدلا
من قوله ( ذلك ) كقوله ( وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين )
وأما قوله ﴿بظلم ﴾ ففيه وجهان : الأول : أن يكون المعنى ، وما كان ربك مهلك
القرى بسبب ظلم أقدموا عليه . والثاني : أن يكون المراد . وما كان ربك مهلك القرى ظلما
عليهم ، وهو كقوله ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) في سورة هود .
فعلى الوجه الأول يكون الظلم فعلا للكفار ، وعلى الثاني يكون عائد إلى فعل الله تعالى ،
والوجه الأول أليق بقولنا ، لأن القول الثاني يوهم أنه تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل كان
ظالما ، وليس الأمر عندنا كذلك ، لأنه تعالى يحكم ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، ولا اعتراض
عليه لأحد في شيء من افعاله . وأما المعتزلة : فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق
لمعتقدهم . وأما أصحابنا فمن فسر الآية بهذا الوجه الثاني . قال : إنه تعالى لو فعل ذلك لم
يكن ظالما لكنه يكون في صورة الظالم فيما بينا ، فوصف بكونه ظالما مجازا ، وتمام الكلام في
هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله ( بظلم وأهلها مصلحون )
وأما قوله ﴿وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ
به ، بل معناها أن لا يبين الله لهم كيفية الحال ، ولا أن يزيل عذرهم وعلتهم .
وأعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في إثبات أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع ،
وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة . قالوا : لأنها تدل على أنه تعالى لا يعذب أحدا
على أمر من الأمور إلا بعد البعثة للرسول . والمعتزلة قالوا : إنها تدل من وجه آخر على أن
الوجوب قد يتقرر قبل مجيء الشرع ، لأنه تعالى قال ( أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم
وأهلها غافلون ) فهذا الظلم إما أن يكون عائداً إلى العبد أو إلى الله تعالى، فان كان الأول ،

٢٠٨
قوله تعالى: ((ولكل درجات مما عملوا)) الآية سورة الأنعام
وَلِكُلٍ دَرَجَتُّ ◌ِمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
فهذا يدل على إمكان أن يصدر منه الظلم قبل البعثة ، وإنما يكون الفعل ظلماً قبل البعثة ، لو
كان قبيحا وذنبا قبل بعثة الرسل ، وذلك هو المطلوب ، وإن كان الثاني فذلك يقتضي أن يكون
هذا الفعل قبيحا من اللّه تعالى ، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه .
قوله تعالى ﴿ ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما تعملون ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وحده (تعملون) بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء
على الغيبة .
﴿ المسألة الثانية﴾ أعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الثواب والدرجات، وأحوال
أهل العقاب والدرجات ذكر كلاما كليا، فقال ( ولكل درجات مما عملوا ) وفي الآية قولان :
﴿ القول الأول﴾ أن قوله ( ولكل درجات مما عملوا) عام في المطيع والعاصي ،
والتقدير :
ولكل عامل عمل فله في عمله درجات ، فتارة يكون في درجة ناقصة ، وتارة يترقى منها
إلى درجة كاملة ، وأنه تعالى عالم بها على التفصيل التام ، فرتب على كل درجة من تلك
الدرجات ما يليق به من الجزاء ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
والقول الثاني ﴾ أن قوله (ولكل درجات مما عملوا) مختص بأهل الطاعة ، لأن لفظ
الدرجة لا يليق إلا بهم . وقوله ( وما ربك بغافل عما تعملون ) مختص بأهل الكفر والمعصية
والصواب هو الأول .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أعلم أن هذه الآية تدل أيضا على صحة قولنا في مسألة الجبر
والقدر ، وذلك لأنه تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة ،
وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمر الملائكة
المقربين ، فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الانسان لبطل ذلك الحكم ، ولصار ذلك العلم
جهلا ، ولصار ذلك الاشهاد كذبا وكل ذلك محال . فثبت أن لكل درجات مما عملوا وما ربك
بغافل عما تعملون ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ،

٢٠٩
قوله تعالى ((وربك الغني ذو الرحمة)) الآية سورة الأنعام
وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو ◌َّْمَةِ إِن يَشَيُذْ هِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدُِّ مَّا يَشَآءُ كَمَا أَنْشَأْ مُـ
مِنْ ذُرِيَّةٍ قَوْمٍَانَرِينَ ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتٍ وَمَا أَنْتُم ◌ُعْجِزِينَ (
والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه .
قوله تعالى ﴿ وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما
أنشأكم من ذرية قوم آخرين إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب
المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة ، بين أن تخصيص المطيعين
بالثواب ، والمذنبين بالعذاب ، ليس لأجل أنه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية
المذنبين . فانه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين ، ومع كونه غنيا فان رحمته عامة كاملة ، ولا
سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية والنفوس الأنسانية وإيصالها إلى درجات السعداء
الأبرار ، إلا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال ( وربك الغني ذو
الرحمة ) ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية ، فتفتقرههنا إلى
بيان أمرين : الأول : إلى بيان كونه تعالى غنيا . فنقول : إنه تعالى غني في ذاته وصفاته
وأفعاله وأكماله عن كل ما سواه ، لأنه لو كان محتاجاً لكان مستكملا بذلك الفعل ،
والمستكمل بغيرة ناقص بذاته ، وهو على الله محال ، وأيضاً فكل إيجاب أو سلب يفرض ، فان
كانت ذاته كافية في تحققه ، وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته . وإن لم تكن
كافية ، فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه ، فذاته لا
تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل وعدمه ، والموقوف
على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير ، والموقوف
على الغير ممكن لذاته ، فالواجب لذاته وهو محال . فثبت أنه تعالى غني على الاطلاق .
واعلم ان قوله ( وربك الغني ) يفيد الحصر، معناه: أنه لا غنى إلا هو والأمر كذلك،
لأن واجب الوجود لذاته واحد، وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته محتاج، فثبت أنه لا غنى
الفخر الرازي ج١٣ م١٤

٢١٠
قوله تعالى: ((وربك الغني ذو الرحمة)) الآية سورة الأنعام
إلاهو. فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله سبحانه (وربك الغني) وأما إثبات أنه (ذو
الرحمة) فالدليل عليه أنه لا شك في وجود خيرات وسعادات ولذات وراحات. إما بحسب
الأحوال الجسمانية ، وإما بحسب الأحوال الروحانية. فثبت بالبرهان الذي ذكرناه أن کل ما
سواه فهو ممكن لذاته ، وإنما يدخل في الوجود بأيجاد وتكوينه وتخليقه . فثبت أن كل ما دخل في
الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات فهو من الحق سبحانه ، وبايجاده
وتكوينه . ثم إن الاستقراء دل على أن الخير غالب على الشرفان المريض وإن كان كثير
فالصحيح أكثر منه ، والجائع وإن كان كثيرا فالشبعان أكثر منه ، والأعمى وإن کان کثیرا ، إلا
أن البصير أكثر منه . فثبت أنه لا بد من الاعتراف بحصول الرحمة والراحة ، وثبت أن الخير
أغلب من الشر والألم والآفة . وثبت أن مبدأ تلك الراحات والخيرات بأسرها هو الله تعالى
فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو ( ذو الرحمة )
وأعلم أن قوله ﴿وربك الغني ذو الرحمة﴾ يفيد الحصر، فان معناه: أنه لا رحمة إلا
منه ، والأمر كذلك لأن الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والواجب لذاته وامد فكل ما
سواه فهو منه ، والرحمة داخلة فيما سواه . فثبت أنه لا رحمة إلا من الحق فثبت بهذا البرهان
صحة هذا الحصر فثبت أنه لا غنى إلا هو . فثبت أنه لا رحيم إلا هو .
فان قال قائل : فكيف يمكننا إنكار رحمة الوالدين على الولد . والمولى على عبده ،
وكذلك سائر أنواع الرحمة ؟
فالجواب : أن كلها عند التحقيق من الله . ويدل عليه وجوه : الأول : لولا أنه تعالى
ألقى في قلب هذا الرجل الرحيم داعية الرحمة ، لما اقدم على الرحمة ، فلما كان موجد تلك
الداعية هو الله ، كان الرحيم هو الله ، ألا ترى أن الانسان قد يكون شديد الغضب على
إنسان قاسي القلب عليه ، ثم ينقلب رؤفا رحيما عطوفا فانقلا به من الحالة الأولى إلى الثانية
ليس إلا بانقلاب تلك الدواعي . فثبت أن مقلب القلوب هو الله تعالى بالبرهان قطعا
للتسلسل ، وبالقرآن وهو قوله ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) فثبت أنه لا رحمة إلا من الله .
والثاني : هب أن ذلك الرحيم أعطى الطعام والثوب والذهب ، ولكن لا صحة للمزاج
والتمكن من الانتفاع بتلك الأشياء ، وإلا فكيف الانتفاع ؟ فالذي أعطى صحة المزاج والقدرة
والمكنة هو الرحيم في الحقيقة . والثالث : أن كل من أعطى غيره شيئاً فهو إنما يعطي لطلب
عوض ، وهو إما الثناء في الدنيا ، أو الثواب في الآخرة ، أو دفع الرقة الجنسية عن القلب ،
وهو تعالى يعطى لا لغرض أصلاً ، فكان تعالى هو الرحيم الكريم . فثبت بهذه البراهين

٢١١
قور قوله تعالى: ((وربك الغني ذو الرحمة)) الآية سورة الأنعام
اليقينية القطعية صحة قوله سبحانه وتعالى ( وربك الغني ذو الرحمة ) بمعنى أنه لا غنى ولا
رحيم إلا هو . فإذا ثبت أنه غني عن الكل . ثبت أنه يستكمل بطاعات المطيعين ولا ينتقص
بمعاصي المذنبين . وإذا ثبت أنه ذو الرحمة ؛ ثبت أنه ما رتب العذاب على الذنوب ، ولا
الثواب على الطاعات ، إلا لأجل الرحمة والفضل والكرم والجود والاحسان ، كما قال في آية
أخرى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) فهذا البيان الاجمالي كاف في هذا
الباب . وأما تفصيل تلك الحالة وشرحها على البيان التام ، فمما لا يليق بهذا الموضع .
﴿ المسألة الثانية) أما المعتزلة فقالوا: هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلا
منزهاً عن فعل القبيح ، وعلى كونه رحيما محسنا بعباده . أما المطلوب الأول فقال : تقريره أنه
تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنياً عنه ، وكل من كان كذلك فانه يتعالى عن فعل
القبيح .
أما المقدمة الأولى ، فتقريرها إنما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة . أولها : أن في الحوادث
ما يكون قبيحا ، نحو : الظلم ، والسفه ، والكذب ، والغيبة : وهذه المقدمة غير مذكورة في
الآية لغاية ظهورها . وثانيها : كونه تعالى عالما بالمعلومات ، واليه الإِشارة بقوله قبل هذه الآية
( وما ربك بغافل عما يعملون) وثالثها : كونه تعالى غنياً عن الحاجات واليه الاشارة بقوله
( وربك الغني ) وإذا ثبت مجموع هذه المقدمات الثلاثة ، ثبت أنه تعالى عالم بقبح القبائح
وعالم بكونه غنياً عنها ، فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلا لها ، لأن المقدم على فعل القبيح إنما
القبيح إنما يقدم عليه إما لجهله بكونه قبيحا ، وإما لاحتياجه ، فإذا كان عالما بالكل امتنع كونه
جاهلا بقبح القبائح ، وإذا كان غنياً عن الكل امتنع كونه محتاجا إلى فعل القبائح ، وذلك يدل
على أنه تعالى منزه عن فعل القبائح متعال عنها ، فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحدا ، فلما كلف
عبيده الأفعال الشاقة وجب أن يثيبهم عليها ، ولما رتب العقاب والعذاب على فعل المعاصي ،
وجب أن يكون عادلا فيها ، فبهذا الطريق ثبت كونه تعالى عادلا في الكل .
فان قال قائل : هب أن بهذا الطريق انتفى الظلم عنه تعالى ، فما الفائدة في التكليف؟
فالجواب : أن التكليف إحسان ورحمة على ما هو مقرر في كتب الكلام فقوله ( وربك
الغني ) إشارة إلى المقام الأول وقوله ( ذو الرحمة ) إشارة إلى المقام الثاني ، فهذا تقرير الدلائل
التي استنبطها طوائف العقلاء من هذه الآية على صحة قولهم .
وأعلم يا أخي أن الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم ، وسمعت الشيخ الامام
الوالد ضياء الدين عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ أبا القاسم سليمان بن ناصر

٢١٢
قوله تعالى: ((ان يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم)) الآية سورة الأنعام
الأنصاري ، يقول : نظر أهل السنة على تعظيم الله في جانب القدرة ونفاذ المشيئة ، ونظر
المعتزلة على تعظيم الله في جانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي ، فإذا تأملت علمت أن
أحداً لم يصف الله إلا بالتعظيم والاجلال والتقديس والتنزيه ، ولكن منهم من أخطأ ومنهم
من أصاب ، ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة وهي قوله ( وربك الغني ذو الرحمة )
ثم قال تعالى ﴿ أن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء﴾ والمعنى أنه تعالى لما
وصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقد كان يجوز أن يظن ظان أنه وان كان ذا الرحمة الا أن لرحمته معدنا
مخصوصا وموضعا معينا فبين تعالى أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق ، وقادر على أن يخلق
قوما آخرين ويضع رحمته فيهم وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم
والمقصود التنبيه على أن تخصيص الرحمة بهؤلاء ليس لأجل أنه لا يمكنه إظهار رحمته إلا بخلق
هؤلاء. أما قوله (إن يشأ يذهبكم) فالأقرب أن المراد به الاهلاك ويحتمل الاماتة أيضا ويحتمل
أن لا يبلغهم مبلغ التكليف وأما قوله ( ويستخلف من بعدكم ) يعني من بعد إذهابكم . لأن
الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت . وأما قوله ( ما يشاء ) فالمراد منه خلق
ثالث ورابع ، واختلفوا فقال بعضهم : خلقا آخر من أمثال الجن والأنس يكونون أطوع ،
وقال أبو مسلم : بل المراد أنه قادر على أن يخلق خلقا ثالثا مخالفا للجن والأنس قال القاضي :
وهذا الوجه أقرب لأن القوم يعملون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى
حمل على خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة ، فكانه تعالى نبه على أن قدرته ليست
مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي النواب ،
فبين بهذا الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء القوم الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم
وأفناهم وأبدل بهم سواهم . ثم بين تعالى علة قدرته على ذلك فقال ( كما أنشأكم من ذرية قوم
آخرين ) لأن المرء العاقل إذا تفكر علم أنه تعالى خلق الانسان من نطفة ليس فيها من صورته
قليل ولا كثير ، فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة ، وإذا كان الأمر كذلك فكما
قدر تعالى على تصوير هذه الأجسام بهذه الصورة الخاصة ، فكذلك يقدر على تصويرهم بصورة
مخالفة لها . وقرأ القراء كلهم ( ذرية ) بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت بكسر الذال . قال
الكسائي : هما لغتان .
ثم قال تعالى ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن : أي من مجيء الساعة ، لأنهم كانوا
ينكرون القيامة ، وأقول فيه احتمال آخر : وهو أن الوعد مخصوص بالاخبار عن الثواب ، وأما
الوعيد فهو مخصوص بالاخبار عن العقاب فقوله ( إنما توعدون لآت ) يعني كل ما تعلق بالوعد
بالثواب فهو آت لا محالة فتخصيص الوعد بهذا الجزم يدل على جانب الوعيد ليس كذلك

٢١٣
قوله تعالى ((قل يا قوم اعملوا على مكانتكم)) الآية سورة الأنعام
قُلْ يَقَّوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِلَّىِ ◌َمِلُ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ, عَقِبَةُ
الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلُونَ
٣٥
ويقوي هذا الوجه آخر الآية ، وهو أنه قال ( وما أنتم بمعجزين ) يعني لا تخرجون عن قدرتنا
وحكمنا ، فالحاصل أنه لما ذكر الوعد جزم بكونه آتيا ، ولما ذكر الوعيد ، ما زاد على قوله ( وما
أنتم بمعجزين ) وذلك يدل على أن جانب الرحمة والاحسان غالب .
قوله تعالى ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعملون من تكون له
عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ﴾
أعلم أنه لما بين بقوله ( إنما توعدون لآت ) أمر رسوله من بعده أن يهدد من ينكر البعث
من الكفار ، فقال ( قل ياقوم أعملوا على ماكانتكم ) وفيه مباحث :
﴿البحث الأول﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم (مكاناتكم ) بالألف، على الجمع في كل
القرآن ، والباقون (مكانتكم ) قال الواحدي : والوجه الافراد ، لأنه مصدر ، والمصادر في
أكثر الأمر مفردة ، وقد تجمع أيضاً في بعض الأحوال ، إلا أن الغالب هو الأول .
﴿ البحث الثاني ﴾ قال صاحب الكشاف: المكانة تكون مصدرا ، يقال : مكانة إذا
تمكن أبلغ التمكن ، وبمعنى المكان ، يقال : مكان ومكانة ، ومقام ومقامة ، فقوله ( اعملوا
على مكانتكم ) يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، ويحتمل
أيضاً أن يراد اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : على
مكانتك يافلان ، أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ( إني عامل ) أي أنا عامل على
مكانتي ، التي عليها ، والمعنى : اثبتوا على كفركم وعداوتكم ، فانى ثابت على الاسلام ،
وعلى مضارتكم ( فسوف تعلمون ) أيناله العاقبة المحمودة ، وطريقة هذا الأمر طريقة قوله
( اعملوا ما شئتم ) وهي تفويض الأمر اليهم على سبيل التهديد .
﴿ البحث الثالث ﴾ من في قوله (فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) ذكر الفراء

٢١٤.
قوله تعالى ((وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام)) الاية سورة الأنعام
وَجَعَلُوا لِلَّه ◌ِمَا ذَرَأْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّه ◌ِزَعْمِهِمْ وَهَذَا
لِشُرَكَا فَمَا كَانَ لُِّرَكَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَا بِمْ
سَآءَ مَا يَحْكُونَ
في موضعه من الاعراب وجهين : الأول : أنه نصب لوقوع العلم عليه . الثاني : أن يكون
رفعا على معنى : تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار ، كقوله تعالى ( لنعلم أي الحزبين )
البحث الرابع ﴾ قوله ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) يوهم أن الكافر
ليست له عاقبة الدار ، وذلك مشكل .
قلنا : العاقبة ، تكون على الكافر ولا تكون له ، كما يقال : له الكثرة ولهم الظفر . وفي
ضده يقال : عليكم الكثرة والظفر .
البحث الخامس﴾ قرأ حمزة والكسائي (من يكون) بالياء وفي القصص أيضاً
والباقون بالتاء في السورتين . قال الواحدي : العاقبة مصدر كالعافية ، وتأنيثه غير حقيقي .
من أنث . فكقوله ( فأخذتهم الصيحة ) ومن ذكر فكقوله ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة )
وقال ( قد جاءتكم موعظة من ربكم ) وفي آية أخرى ( فمن جاءه موعظة من ربه )
ثم قال تعالى ﴿ إنه لا يفلح الظالمون﴾ والغرض منه بيان أن قوله ( اعملوا على
مكانتكم ) تهديد وتخويف. لا أنه أمر وطلب ، ومعناه : أن هؤلاء الكفار لا يفلحون ولا
يفوزون بمطالبهم البتة
قوله تعالى ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا
لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان الله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما
يحكمون ﴾
أعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث ، والقيامة ذكر عقيبه أنواعا من

٢١٥
قوله تعالى: ((فما كان لشركائهم)) الآية سورة الأنعام
جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفيرا للعقلاء عن
الالتفات إلى كلماتهم ، فمن جملتها أنهم يجعلون لله من حروثهم ، كالتمر والقمح ، ومن
أنعامهم كالضأن والمعز والابل والبقر ، نصيبا ، فقالوا (هذا لله بزعمهم ) يريد بكذبهم .
فان قيل : أليس أن جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم : هذا الله ؟
قلنا : افرازهم النصيبين نصيبا لله ؛ ونصيبا للشيطان هو الكذب . قال الزجاج :
وتقدير الكلام جعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما
بعد ، وهو قوله ( هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ) وجعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها
نصيبا من أموالهم ينفقونها عليها .
ثم قال تعالى ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان الله فهو يصل إلى شركائهم ﴾
وفي تفسيره وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان المشركون يجعلون الله من
حروثهم وأنعامهم نصيبا ، وللأوثان نصيبا ، فما كان للصنم أنفقوه عليه ، وما كان الله أطعموه
الصبيان والمساكين ، ولا يأكلون منه البتة . ثم إن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه
وقالوا إن الله غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه وردوه إلى
نصيب الصنم، وقالوا : إنه فقير. الثاني : قال الحسن والسدى : كان إذا هلك مالأوثانهم
أخذوا بدله مما لله ، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله عز وجل . الثالث : قال مجاهد : المعنى أنه
اذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه ، وإن كان على ضد ذلك تركوه .
الرابع: قال قتادة : إذا أصابهم القحط استعانوا بما لله ووفروا ما جعلوه لشركائهم . الخامس :
قال مقاتل : إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة لها ، وقالوا لوشاء
زكي نصيب نفسه وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة ، قالوا لا بد لآلهتنا من نفقة ،
فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة ، فذلك قوله ( فما كان لشركائهم ) يعني من نماء الحرث
والانعام ( فلا يصل إلى الله ) يعني المساكين وإنما قال ( إلى الله ) لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه
نصيب اللّه ، وما كان لله فهو يصل اليهم ، ثم أنه تعالى ذم هذا الفعل ( فقال ساء ما
يحكمون ) وذكر العلماء في كيفية هذه الاساءة وجوها كثيرة : الأول : أنهم رجحوا جانب
الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب الله تعالى، وهو سفه . الثاني ، انهم جعلوا بعض النصيب

٢١٦
قوله تعالى ((وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم)) الآية سورة الأنعام
وَكَّلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُثْرِكِينَ فَقْلَ أَوْلَدِهِمْ ثُرَكَا ؤُهُمْ لِيُدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ
عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَافَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتُرُونَ
الله وجعلوا بعضه لغيره مع أنه تعالى الخالق للجميع ، وهذا أيضاً سفه . الثالث : أن ذلك
الحكم حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ، ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع ، فكان أيضا
سفها . الرابع : أنه لو حسن إفراز نصيب الاصنام لحسن إفراز النصيب لكل حجر ومدر
الخامس : أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ، ولا قدرة لها أيضاً على الانتفاع
بذلك النصيب فكان افراز النصيب لها عبثاً ، فثبت بهذا الوجوه أنه ( ساء ما يحكمون )
والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة ، أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه
المذاهب ، وأن يصير ذلك سببا لتحقيرهم في أعين العقلاء ، وان لا يلتفت إلى كلامهم أحد
البتة .
قوله تعالى ﴿ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا
عليهم دينهم ولو شاء ما فعلوه فذرهم وما يفترون ﴾
وفي الاية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة، ومذاهبهم
الباطلة ، وقوله ( وكذلك ) عطف على قوله ( وجعلوا الله مما ذرأ من الحرث والأنعام ) أي كما
فعلوا ذلك ، فكذلك زين لكثير منهم شركاؤهم قتل الأولاد ، والمعنى : أن جعلهم الله نصيبا ،
وللشركاء نصيبا ، نهاية في الجهل بمعرفة الخالق المنعم ، وإقدامهم على قتل أولاد أنفسهم نهاية
في الجهالة والضلالة ، وذلك يفيد التنبيه على أن أحكام هؤلاء وأحوالهم يشاكل بعضها بعضا في
الركاكة والخساسة .
﴿ المسألة الثانية ) كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفا من الفقر أو من
التزويج ، وهو المراد من هذه الآية . واختلفوا في المراد بالشركاء ، فقال مجاهد : شركاؤهم

٢١٧
قوله تعالى: ((وكذلك زين لكثير من المشركين)) الآية سورة الأنعام
شياطينهم أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة ، وسميت الشياطين شركاء ، لأنهم
أطاعوهم في معصية الله تعالى ، وأضيفت الشركاء اليهم ، لأنهم اتخذوها كقوله تعالى ( این
شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ) وقال الكلبي : كان لألهيتهم سدنة وخدام ، وهم الذين كانوا
يزينون للكفار قتل أولادهم ، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا
غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله ، وعلى هذا القول : الشركاء هم
السدنة ، سموا شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ ابن عامر وحده (زين ) بضم الزاء وكسر الياء، وبضم اللام من
( قتل ) و( أولادهم ) بنصب الدال ( شركائهم ) بالخفض والباقون ( زين ) بفتح الزاي والياء
(قتل ) بفتح اللام ( أولادهم ) بالجر ( شركاؤهم ) بالرفع . أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير :
زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم ، إلا أنه فصل بين المضاف، والمضاف اليه
بالمفعول به وهو الأولاد ، وهو مكروه في الشعر كما في قوله :
فزججتها بمزجة
زج القلوص أبي مزاده
وإذا كان مستكرها في الشعر فكيف في القرآن الذي هو معجز في الفصاحة . قالوا :
والذي حمل ابن عامر على القراءة أنه رأى في بعض المصاحف ( شركائهم ) مكتوبا بالياء ، ولو
قرأ بجر الأولاد والشركاء ، لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن
هذا الارتكاب . وأما القراءة المشهورة : فليس فيها إلا تقديم المفعول على الفاعل ، ونظيره
قوله ( لا ينفع نفسا إيمانها ) وقوله ( وإذا أبتلى إبراهيم ربه ) والسبب في تقديم المفعول هو أنهم
يقدمون الأهم ، والذي هم بشأنه أعني وموضع التعجب ههنا إقدامهم على قتل أولادهم ،
فلهذا السبب حصل هذا التقدير .
ثم قال تعالى ﴿ ليردوهم﴾ والارداء في اللغة الاهلاك ، وفي القرآن (إن كدت لتردين )
قال ابن عباس : ليردوهم في النار ، واللام ههنا محمولة على لام العاقبة كما في قوله ( فالتقطه آل
فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً . وليلبسوا عليهم دينهم ) أي ليخلطوا، لأنهم كانوا على دين
إسمعيل ، فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة ، أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق .

٢١٨
قوله تعالى ((وقالوا هذه أنعام وحرث حجر)) الآية سورة الأنعام
٠١١٠٠٠٠١٩٠٠٤٠٠
وَقَالُواْ هَذِهِةَ أَنْعَمٌ وَحَرْثُ حِرُ لَّا يَطَعَمُهَا إِلَّ مَن لَّشَآءُ بَِعِهِمْ وَأَنْعَُّ ◌ُرِمَتْ ◌ُهُورُهَا
وَأَنْعَمْ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَآءٌ عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم ◌ِمَا كَانُوْ يَفْتَرُونَ
ثم قال تعالى ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ قال أصحابنا : أنه يدل على أن كل ما فعله
المشركون فهو بمشيئة الله تعالى . قالت المعتزلة : إنه محمول على مشيئة الالجاء ، وقد سبق ذكره
مرارا ( فذرهم وما يفترون ) وهذا على قانون قوله تعالى ( اعملوا ما شئتم ) وقوله ( وما
يفترون ) يدل على أنهم كانوا يقولون : إن الله أمرهم بقتل أولادهم ، فكانوا كاذبين في ذلك
القول .
قوله تعالى ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام
حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾
اعلم أن هذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة ، وهي انهم قسموا أنعامهم أقساما :
فأولها : إن قالوا ( هذه أنعام وحرث حجر ) فقوله ( حجر ) فعل بمعنى مفعول ، كالذبح
والطحن ، ويستوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع ، لأن حكمه حكم الأسماء
غير الصفات ، وأصل الحجر المنع ، وسمي العقل حجر لمنعه عن القبائح ، وفلان في حجر
القاضي : أى في منعه ، وقرأ الحسن وقتادة ( حجر ) بضم الحاء وعن ابن عباس ( حرج ) وهو
من الضيق ، وكانوا اذا عينوا شيئا من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا ( لا يطعمها إلا من نشاء )
يعنون خدم الأوثان ، والرجال دون النساء .
﴿ والقسم الثاني﴾ من أنعامهم الذى قالوا فيه (وأنعام حرمت ظهورها ) وهي البحائر
والسوائب والحوامي ، وقد مر تفسيره في سورة المائدة .
والقسم الثالث﴾ ( أنعام لا يذكرون اسم الله عليها) في الذبح وإنما يذكرون عليها
أسماء الأصنام ، وقيل لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها .
ثم قال ﴿ افتراء عليه ﴾ فانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد ، لأن قولهم
ذلك في معنى الافتراء .

قوله تعالى ((وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا)) الآية سورة الأنعام ٢١٩
وَقَالُواْ مَافِى بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُ كُورِنَا وَمُحَرَّمُ عَ أَزْوَاِنََّ وَإِن يَكُنْ مَيْئَةً
فَهُمْ فِهِ شُرَكَاُ سَجْزِيِهِمْ وَصْفَّهُمْ إِنَُّ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
ثم قال تعالى ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد .
/ قوله تعالى ﴿ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وأن يكن
ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ هذا نوع رابع من أنواع قضاياهم الفاسدة. كانوا يقولون في أجنة
البحائر والسوائب ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور لا تأكل منها الأناث ، وما ولد ميتا
اشترك فيه الذكور والاناث . سيجزيهم وصفهم ، والمراد منه الوعيد ( إنه حكيم عليم )
ليكون الزجر واقعا على حد الحكمة . وبحسب الاستحقاق .
المسألة الثانية ﴾ ذكر ابن الأنبارى في تأنيث ( خالصة ) ثلاثة أقوال : قولين للفراء
وقولا للكسائي : أحدها : أن الهاء ليست للتأنيث ، وإنما هي للمبالغة في الوصف كما قالوا :
راوية ، وعلامة ، ونسابة ، والداهية ، والطاغية . كذلك يقول : هو خالصة لي ، وخالص
لي . هذا قول الكسائي .
والقول الثاني ﴾ أن ( ما) في قوله ( ما في بطون هذه الأنعام ) عبارة عن الأجنة،
وإذا كان عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى ، وتذكيره على اللفظ ، كما في هذه الآية ، فانه
أنث خبره الذى هو ( خالصة) لمعناه ، وذكر في قوله ( ومحرم) على اللفظ . والثالث : أن
يكون مصدرا والتقدير : ذو خالصة كقولهم : عطاؤك عافية ، والمطر رحمة ، والرخص نعمة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ ابن عامر (وإن تكن ) بالتاء و ( ميتة ) بالنصب وقرأ ابن كثير
( يكن ) بالياء ( ميتة ) بالرفع ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ( تكن ) بالتاء ( ميتة ) بالنصب ،
والباقون ( يكن ) بالياء ( ميتة ) بالنصب . أما قراءة ابن عامر ، فوجهها أنه ألحق الفعل
علامة التأنيث لما كان الفاعل مؤنثا في اللفظ وأما قراءة ابن كثير فوجهها أن قوله ( ميتة ) اسم

٢٢٠
قوله تعالى ((قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير علم)) الاية سورة الأنعام
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلٍْ وَحَرَّمُواْ مَارَزَقَهُمُ اللهُ أَفْتِرَآءٌ عَلَى الَهِ
قَدْ ضَلُواْ وَمَا كَانُوْمُهْتَدِينَ.
(.يكن ) وخبره مضمر . والتقدير : وإن يكن لهم ميتة أو وإن يكن هناك ميتة . وذكر لأن الميتة
في معنى الميت . قال أبو على : لم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند اليه تأنيثه
غير حقيقي ، ولا يحتاج الكون الى خبر ، لأنه بمعنى حدث ووقع . وأما قراءة عاصم ( تكن )
بالتاء ( ميتة ) بالنصب فالتقدير وان تكن المذكور ميتة فأنث الفعل لهذا السبب وأما قراءة
الباقين ( وإن يكن ) بالياء ( ميتة ) بالنصب ، فتأويلها ، وان يكن المذكور ميتة ذكروا الفعل
لأنه مسند الى ضمير ما تقدم في قوله ( ما في بطون هذه الأنعام ) وهو مذكر وانتصب قوله
( ميتة ) لما كان الفعل مسندا الى الضمير .
قوله تعالى ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء
على الله قد ضلوا وما کانوا مهتدین
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ انه تعالى ذكر فيما تقدم قتلهم أولادهم وتحريمهم ما رزقهم الله. ثم
أنه تعالى جمع هذين الأمرين في هذه الآية وبين ما لزمهم على هذا الحكم ، وهو الخسران
والسفاهة ، وعدم العلم ، وتحريم ما رزقهم الله، والافتراء على الله، والضلال وعدم
الاهتداء ، فهذه أمور سبعة وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم .
أما الأول : وهو الخسران ، وذلك لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد ، فاذا سعى
في إبطاله ، فقد خسر خسرانا عظيما لاسيما ويستحق على ذلك الابطال الذم العظيم في الدنيا ،
والعقاب العظيم في الآخرة . أما الذم في الدنيا فلأن الناس يقولون قتل ولده خوفا من ان يأكل
طعامه وليس في الدنيا ذم أشد منه . وأما العقاب في الآخرة ، فلأن قرابة الولادة أعظم
موجبات المحبة فمع حصولها إذا أقدم على إلحاق أعظم المضار به كان ذلك أعظم أنواع
الذنوب ، فكان موجبا لأعظم أنواع العقاب .
﴿ والنوع الثاني ﴾ السفاهة وهي عبارة عن الخفة المذمومة ، وذلك لأن قتل الولد إنما
يكون للخوف من الفقر ، والفقر وإن كا ضررا إلا أن القتل أعظم منه ضررا ، وأيضا فهذا