Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
قوله تعالى: ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً» الآية سورة الأنعام
فأنت الذي صیرتهم لی حسدا
وأجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى أمر الأنبياء بعداوتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم ،
وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء لأن العداوة لا تحصل إلا من الجانبين ، فلهذا الوجه
جاز أن يقال إنه تعالى جعلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام
وأعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة جدا لما بينا أن الافعال مستندة إلى الدواعني ، وهي حادثة
من قبل الله تعالى ، ومتى كان الأمر كذلك . فقد صح مذهبنا .
ثم ههنا بحث آخر : وهو أن العداوة والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الانسان ، فان
الرجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه ، بل قد لا
يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة ، ولو أتي بكل تكلف وحيلة لعجز عنه ، ولو كان حصول
العداوة والصداقة في القلب باختيار الانسان لوجب أن يكون الانسان ممتمكنا من قلب العداوة
بالصداقة وبالضد وكيف لا نقول ذلك والشعراء عرفو أن ذلك خارج عن الوسع ؟ قال
المتنبى :
يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل
والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر عليه ، ولو
كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته .
المسألة الثالثة ﴾ النصب فى قوله ( شياطين ) فيه وجهان : الأول : أنه منصوب على
البدل من قوله ( عدوا) والثاني : أن يكون قوله ( عدوا ) منصوبا على أنه مفعول ثان ،
والتقدير : وكذلك جعلنا شياطين الانس والجن أعداء الأنبياء .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اختلفوا في معنى شياطين الانس والجن على قولين: الأول : أن
المعنى مردة الانس والجن ، والشيطان ؛ كل عات متمرد من الانس والجن ، وهذا قول ابن
عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء . قالوا : إن من الجن شياطين ، ومن
الأنس شياطين ، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الانس ، وهو
شيطان الانس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، والدليل عليه ماروي عن النبي ◌َّ أنه قال لأبي ذر هل تعودت
بالله من شرشياطين الجن والأنس ؟ قال قلت ، وهل للأنس من شياطين ؟ قال ( نعم هم شر
الفخر الرازي ج١٣ م١١
١٦٢
قوله تعالى: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف) الآية سورة الأنعام
من شياطين الجن إ
﴿ والقول الثاني ﴾ أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين ، فأرسل أحد
القسمين إلى وسوسة الانس . والقسم الثاني إلى وسوسة الجن، فالفريقان شياطين الانس
والجن ، ومن الناس من قال : القول الأول اولى . لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة
الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين ، ومنهم من يقول : القول الثاني أولى ، لأن لفظ
الآية يقتضي اضافة الشياطين إلى الانس والجن . والاضافة تقتضي المغايرة ، وعلى هذا
التقدير : فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: قوله (عدوا) بمعنى أعداء وأنشد
ابن الأنباري
إذا أنا لم أنفع صديقي بوده
فان عدوى لن يضر همو بغضى
أراد أعدائي فأدى الواحد عن الجمع ، وله نظائر في القرآن . منها قوله ( ضيف إبراهيم
المكرمين ) جعل المكرمين وهو جمع نعتا للضيف وهو واحد ، وثانيها : قوله ( والنخل باسقات
لها طلع ) وثالثها : قوله ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) ورابعها : قوله
( إن الإنسان لفى خسر الا الذين آمنوا) وخامسها : قوله ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل )
أكد المفرد بما يؤكد الجمع به ، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف، فان التقدير :
وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوا واحدا ، إذ لا يجب أن يحصل لكل واحد من الأنبياء
أکثر من عدو واحد .
أما قوله تعالى ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴾ فالمراد أن أولئك
الشياطين يوسوس بعضهم بعضا .
وأعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن ، إنسان فانها تكون بسبب وسوسة
شيطان ، والالزام دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين ، فوجب الاعتراف بانتهاء
هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول ، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر .
إذا ثبت هذا الأصل فنقول : إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الانس
والجن فقد يوسوس بعضهم بعضا . وللناس فيه مذاهب . منهم من قال الأرواح إما فلكية وإما
أرضية، والأرواح الأرضية منا طيبة طاهرة خيرة . آمرة بالطاعة والافعال الحسنة ، وهم
١٦٣
قوله تعالى: ((يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول)) الآية سورة الأنعام
الملائكة الأرضية . ومنها خبيثة قذرة شريرة ، آمرة بالقبائح والمعاصي ، وهم الشياطين . ثم أن
تلك الأرواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات ، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا
بالطاعات . والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات ، فكذلك قد يأمر
بعضهم بعضا بتلك القبائح والزيادة فيها . وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس
البشرية ، وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام ، فالنفوس البشرية ، إذا كانت طاهرة
نقية عن الصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الطاهرة فتنضم إليها ، وإذا كانت خبيثة
موصوفة بالصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الخبيثة فتنضم اليها . ثم أن صفات
الطهارة كثيرة . وصفات الخبث والنقصان كثيرة ، وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر
وطوائف من الأرواح الأرضية بحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى
جنسه ، فان كان تلك ذلك في أفعال الخير كان الحامل عليها ملكا وكان تقوية ذلك الخاطر
إلهاما ، وإن كان في باب الشر كان الحامل عليها شيطانا ، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إنه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله ( يوحي
بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) فيجب علينا تفسير ألفاظ ثلاثة : الأول : الوحي وهو
عبارة عن الإيمان والقول السريع . والثاني : الزخرف وهو الذي يكون باطنه باطلا ، وظاهره
مزينا ظاهرا ، يقال : فلان يزخرف كلامه إذا زينه بالباطل والكذب ، وكل شيء حسن مموه
فهو مزخرف .
وأعلم أن تحقيق الكلام فيه أن الانسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملا على
خير راجح ونفع زائد ، فانه لا يرغب فيه ، ولذلك سمي الفاعل المختار مختارً لكونه طالبا
للخير والنفع ، ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقا للمعتقد ، فهو الحق والصدق والالهام وإن كان
صادرا من الملك ، وإن لم يكن معتقدا مطابقا للمعتقد ، فحينئذ يكون ظاهره مزينا ، لأنه في
اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح ، ويكون باطنه فاسدا باطلا . لأن هذا الاعتقاد
غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفا . فهذا تحقيق هذا الكلام . والثالث : قوله (غرورا ) قال
الواحدي ( غرورا) منصوب على المصدر ، وهذا المصدر محمول على المعنى . لأن معنى إيحاء
الزخرف من القول معنى الغرور ، فكانه قال يغرون غرورا ، وتحقيق القول فيه أن المغرور هو
الذي يعتقد في الشيء كونه مطابقا للمنفعة والمصلحة مع أنه في نفسه ليس كذلك ، فالغرور إما
أن يكون عبارة عن عين هذا الجهل أو عن حالة متولدة عن هذا الجهل . فظهر بما ذكرنا أن
تأثير هذه الأرواح الخبيثة بعضها في بعض لا يمكن أن أن يعبر عنه بعبارة أكمل ولا أقوى دلالة
على تمام المقصود من قوله ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا )
١٦٤
قوله تعالى: ((ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون الآية سورة الأنعام
وَلِتَصْغَىّ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَأُؤْمِنُونَ بِلَنِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِ فُواْ مَاهُمْ مُقْتَرِفُونَ (٨)
ثم قال تعالى ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ وأصحابنا يحتجون به على أن الكفر والإيمان
بإرادة الله تعالى . والمعتزلة يحملونه على مشيئة الالجاء ، وقد سبق تقرير هذه المسألة على
الاستقصاء ، فلا فائدة فى الاعادة .
ثم قال تعالى ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ قال ابن عباس ؛ معناه يريد ما زين لهم إبليس
وغرهم به قال القاضي : هذا القول يتضمن التحذير الشديد من الكفر . والترغيب الكامل في
الايمان ، ويقتضي زوال الغم عن قلب الرسول من حيث يتصور ما أعد الله للقوم على كفرهم
من أنواع العذاب وما أعدله من منازل الثواب بسبب صبره على سفاهتهم ولطفه بهم .
قوله تعالى ﴿ ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم
مقترفون ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أن الصغو في اللغة معناه: الميل. يقال في المستمع إذا مال
بحاسته إلى ناحية الصوت أنه يصغي ، ويقال : أصغي الأناء إذا أماله حتى انصب بعضه في
البعض ، ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى . فقوله ( ولتصغى ) أي ولتميل .
﴿ المسألة الثانية ﴾ ((اللام)) في قوله (ولتصغى) لا بد له من متعلق . فقال أصحابنا :
التقدير : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شياطين الجن والانس ، ومن صفته أنه يوحي
بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، وإنما فعلنا ذلك لتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون
أي وإنما أوجدنا العداوة في قلب الشياطين الذين من صفتهم ما ذكرناه ليكون كلامهم المزخرف
مقبولاً عند هؤلاء الكفار، قالوا وإذا حملنا الآية على هذا الوجه يظهر أنه تعالى يريد الكفر من
الكافر أما المعتزلة فقد أجابوا عنه من ثلاثة أوجه .
﴿ الوجه الأول﴾ وهو الذي ذكره الجبائي قال: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر
ومهناه الزجر ، كقوله تعالى ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ) وكذلك قوله
( وليرضوه وليقترفوا ) وتقدير الكلام كأنه قال للرسول ( فذرهم وما يفترون ) ثم قال لهم على
١٦٥
قوله تعالى: ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون)) الآية سورة الأنعام
سبيل التهديد ولتصغي إليه أفئدتهم وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون .
والوجه الثاني ﴾ وهو الذي اختاره الكعبي أن هذه اللام لام العاقبة أي ستؤل عاقبة
أمرهم إلى هذه الأحوال . قال القاضي : ويبعد أن يقال : هذه العاقبة تحصل في الآخرة ، لأن
الالجاء حاصل في الآخرة ، فلا يجوز أن تميل قلوب الكفار إلى قبول المذهب الباطل ، ولا أن
يرضوه ولا أن يقترفوا الذنب ، بل يجب أن تحمل على أن عاقبة أمرهم تؤل الى أن يقبلوا
الأباطيل ويرضوا بها ويعملوا بها .
والوجه الثالث﴾ وهو الذي أختاره أبو مسلم. قال ((اللام)) في قوله ( ولتصغي اليه
أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ) متعلق بقوله ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا )
والتقدير أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك ( ولتصغي اليه أفئدة الذين لا
يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ) الذنوب ويكون المراد أن مقصود الشياطين من ذلك الايحاء
هو مجموع هذه المعاني . فهذا جملة ما ذكروه في هذا الباب .
: أما الوجه الأول ﴾ وهو الذي عول عليه الجبائي فضعيف من وجوه ذكرها القاضي .
فأحدها: أن ((الواو)) في قوله ( ولتصغي ) تقتضى تعلقه بما قبله فحمله على الابتداء بعيد .
وثانيها: أن ((اللام)) في قوله ( ولتصغي ) لام كي فيبعد أن يقال: إنها لام الأمر ويقرب ذلك
من أن يكون تحريفا لكلام الله تعالى وأنه لا يجوز .
﴿ وأما الوجه الثاني﴾ وهو أن يقال: هذه اللام لام العاقبة فهو ضعيف، لأنهم أجمعوا
على أن هذا مجاز وحمله على ((كي)) حقيقة فكان قولنا أولى .
﴿وأما الوجه الثالث﴾ وهو الذي ذكره أبو مسلم فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا
الباب : لأنا نقول : إن قوله ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) يقتضي أن
يكون الغرض من ذلك الايحاء هو التغرير . وإذا عطفنا عليه قوله ( ولتصغى اليه أفئدة الذين
لا يؤمنون ) فهذا أيضا عين التغرير لا معنى التغرير ، إلا أنه يستميله إلى ما يكون باطنه
قبيحا . وظاهره حسنا ، وقوله ( ولتصغي اليه أفئدة الذين لا يؤمنون ) عين هذه الاستمالة فلو
عطفنا لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه . وأنه لا يجوز ، أما إذا قلنا : تقدير الكلام
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شأنه أن يوحي زخرف القول لأجل التغرير وإنما جعلنا مثل
هذا الشخص عدوا للنبي لتصغي اليه أفئدة الكفار ، فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة
ذلك النبي ، وحينئذ لا يلزم على هذا التقدير عطف الشيء على نفسه . فثبت أن ما ذكرناه
أولى .
١٦٦
قوله تعالى: ((أفغير الله أبتغي حكماً)) الآية سورة الأنعام
أَفَغَيرَ الَهِ أَبْتَغِى حَكَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ إِلَيْكُ الْكِتَبَ مُفَصِّلًا وَالَّذِينَءَ اَيْنَدُهُمُ
الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَتِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْثِرِينَ ﴿لـ
المسألة الثالثة ﴾ زعم أصحابنا أن البنية ليست مشروطا للحياة ، فالحي هو الجزء
الذي قامت به الحياة ، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم ، وقالت المعتزلة : الحي والعالم هو
الجملة ((لا)) ذلك الجزء
إذا عرفت هذا فنقول : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم ، لأنه قال تعالى
( ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ) فجعل الموصوف بالميل والرغبة هو القلب ، لا جملة
الحي ، وذلك يدل على قولنا .
﴿ المسألة الرابعة﴾) الذين قالوا الانسان شيء مغاير للبدن اختلفوا. منهم من قال:
المتعلق الأول هو القلب ، وبواسطة تتعلق النفس بسائر الأعضاء كالدماغ والكبد . ومنهم من
قال : القلب متعلق النفس الحيوانية ، والدماغ متعلق النفس الناطقة ، والكبد متعلق النفس
الطبيعية ، والأولون تعلقوا بهذه الآية ، فانه تعالى جعل محل الصغو الذي هو عبارة عن الميل
والارادة ؛ القلب ، وذلك يدل على أن المتعلق بالنفس القلب .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ الكناية في قوله (ولتصغي إليه أفئدة ) عائدة إلى زخرف القول ،
وكذلك قي قوله ( ولیرضوه )
وأما قوله ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ فأعلم أن الاقتراف هو الاكتساب ، يقال في
المثل : الاغتراف يزيل الاقتراف، كما يقال : التوبة تمحو الحوبة . وقال الزجاج ( ليقترفوا )
أي ليختلفوا وليكذبوا ، والأول أصح .
/ قوله تعالى ﴿ أفغير الله أبتغی حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا والذي آتيناهم
الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ﴾
فيه مسائل :
١٦٧
قوله تعالى: ((أفغير الله ابتغى حكماً)) الآية سورة الأنعام
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما حكي عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم
لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات ، لأنه تعالى لو
أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد
حصل وكمل ، فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة . وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، وإنما قلنا :
إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين :
﴿ الوجه الأول﴾ أن الله قد حكم بنبوته من حيث أنه أنزل اليه الكتاب المفصل المبين
المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة ، وقد عجز الخلق عن معارضته . فظهور مثل
هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته ، فقوله ( أفغير الله أبتغی حكما ) يعني قل
يا محمد : إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات ، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله
حكما ؟ فان كل أحد يقول إن ذلك غير جائز . ثم قل : إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث
خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الاعجاز .
﴿والوجه الثاني﴾ من الأمور الدالة على نبوته؛ اشتمال التوراة والانجيل على الآيات
الدالة على أن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول حق ، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله
تعالى ، وهو المراد من قوله ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق )
وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم
الكتاب )
أما قوله تعالى في آخر الآية ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ ففيه وجوه: الأول : أن هذا
من باب التهييج والالهاب كقوله ( ولا تكونن من المشركين ) والثاني : التقدير ( فلا تكونن
من الممترين ) في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق . والثالث : يجوز أن
يكون قوله ( فلا تكونن ) خطابا لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري
فيها أحد . الرابع : قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق )
قرأ ابن عامر وحفص (منزل ) بالتشديد والباقون بالتخفيف، والفرق بين التنزيل والاتزال
قد ذكرناه مراراً .
١٦٨
قوله تعالى ((وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً)) الآية سورة الأنعام
وَثَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّأُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
١١٥
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال الواحدي ( أفغير الله أبتغى حكما ) الحكم والحاكم واحد عند
أهل اللغة ، غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من
يحكم . وأما الحكم فهو الذي لا يحكم إلا بالحق والمعنى أنه تعالى حكم حق لا يحكم إلا
بالحق . فلما أظهر المعجز الواحد وهو القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة ، ولا مرتبة فوق
حكمه فوجب القطع بصحة هذه النبوة . فأما أنه هل يظهر سائر المعجزات أم لا ؟ فلا تأثير له
في هذا الباب بعد أن ثبت أنه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة إظهار المعجز الواحد .
قوله تعالى ﴿وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وتمت كلمة ربك ) بغير ألف على
الواحد ، والباقون ( كلمات) على الجمع ، قال أهل المعني ، الكلمة والكلمات ، معناهما ما
جاء من وعد وعيد وثواب وعقاب ، فلا تبديل فيه ولا تغيير له كما قال ( ما يبدل القول لدي )
فمن قرأ (كلمات ) بالجمع قال : لأن معناها الجمع فوجب أن يجمع في اللفظ ، ومن قرأ على
الوحدة فلأنهم قالوا : الكلمة ، قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد ،
كقولهم : قال زهير في كلمته : يعني قصيدته ، وقال قس في كلمته ، أي خطبته ، فكذلك
مجموع القرآن كلمة واحدة في كونه حقا وصدقاومعجزا .
﴿ المسألة الثانية﴾ أن تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بين في الآية السابقة أن القرآن
معجز ، فذكر في هذه الآية أنه تمت كلمة ربك ، والمراد بالكلمة - القرآن - أي تم القرآن في
كونه معجزا دالا على صدق محمد عليه السلام ، وقوله ( صدقا وعدلا ) أي تمت تماما صدقا
وعدلا ، وقال أبو على الفارسي ( صدقا وعدلا ) مصدران ينصبان على الحال من الكلمة تقديره
صادقة عادلة ، فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها ..
﴿ المسألة الثالثة﴾ أعلم أن هذه الآية تدل على أن كلمة الله تعالى موصوفة بصفات
كثيرة .
١٦٩
قوله تعالى: ((وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً)) الآية سورة الأنعام
فالصفة الأولى ﴾ كونها تامة واليه الأشارة بقوله ( وتمت كلمة ربك ) وفي تفسير هذا
التمام وجوه : الأول : ما ذكرناه انها كافية وافية بكونها معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة
والسلام . والثاني : أنها كافية في بيان ما يحتاج المكلفون اليه إلى قيام القيامة عملا وعلما ،
والثالث : أن حكم الله تعالى هو الذي حصل في الازل ، ولا يحدث بعد ذلك شيء ، فذلك
الذي حصل في الأزل هو التمام، والزيادة عليه ممتنعة، وهذا الوجه هو المراد من قوله {مَ لآ ( جف
القلم مما هو كائن إلى يوم القيامة))
الصفة الثانية ﴾ من صفات كلمة الله كونها صدقا ، والدليل عليه أن الكذب نقص
والنقص على الله محال ، ولا يجوز إثبات أن الكذب على الله محال بالدلائل السمعية لأن صحة
الدلائل السمعية موقوفة على أن الكذب على الله محال ، فلو أثبتنا امتناع الكذب على الله
بالدلائل السمعية لزم الدور وهو باطل . وأعلم أن هذا الكلام كما يدل على أن الخلف في وعد
الله تعالى محال . فهو أيضا يدل على أن الخلف في وعيده محال بخلاف ما قاله الواحدي في تفسیر
قوله تعالى ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) إن الخلف في وعيد الله جائز ،
وذلك لأن وعد الله ووعيده كلمة الله ، فلما دلت هذه الآية على أن كلمة الله يجب كونها
موصوفة بالصدق علم أن الخلف كما انه ممتنع في الوعد فكذلك ممتنع في الوعيد .
الصفة الثالثة ﴾ من صفات كلمات الله كونها عدلا وفيه وجهان : الأول : أن كل ما
حصل في القرآن نوعان ، الخبر والتكليف . أما الخبر فالمراد كل ما أخبر الله عن وجوده أو عن
عدمه ويدخل فيه الخبر عن وجود ذات الله تعالى وعن حصول صفاته أعني كونه تعالى عالما
قادرا سميعا بصيراً، وبدخل فيه اخبار عن صفات التقديس والتنزيه كقوله ( لم يلد ولم
يولد) وكقوله ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره
لملكوت السموات والأرض وعالمي الأرواح والاجسام ، ويدخل فيه كل أمر عن أحكام الله
تعالى في الوعد والوعيد والثواب والعقاب ، ويدخل في الخبر عن أحوال المتقدمين ، والخبر عن
"الغيوب المستقبلة ، فكل هذه الأقسام داخلة تحت الخبر ، وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر
ونهي توجه منه سبحانه على عبده سواء كان ذلك العبد ملكا أو بشر أو جنيا أو شيطانا وسواء
كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء عليهم السلام المتقدمين ، أو في شرائع الملائكة المقربين
الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله تعالى .
وإذا عرفت انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين فنقول : قال تعالى ( وتمت كلمة
١٧٠
قوله تعالى: ((لا مبدل لكلمات الله)) الآية سورة الأنعام
ربك صدقاً) إن كان من باب الخبر ( وعدلا ) ان كان من باب التكليف، وهذا ضبط في غاية
الحسن
والقول الثاني﴾ في تفسير قوله (وعدلا ) أن كل ما أخبر الله تعالى عنه من وعد
ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد وأن يكون واقعا ، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله
منزهة عن أن تكون موصوفة بصفة الظلمية
الصفة الرابعة ﴾ من صفات كلمة الله قوله ( لا مبدل لكلماته ) وفيه وجوه : الأول :
أنا بينا أن المراد من قوله (وتمت كلمة ربك) أنها تامة في كونها معجزة دالة على صدق محمد ولة
ثم قال ( لا مبدل لكلماته ) والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبهات في كونها دالة على
صدق محمد عليه الصلاة والسلام إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلائل التي لا تقبل
التبديل البتة لأن تلك الدلالة ظاهرة باقية جلية قوية لا تزول بسبب ترهات الكفار وشبهات
أولئك الجهال .
والوجه الثاني ﴾ أن يكون المراد أنها تبقى مصونة عن التحريف والتغيير كما قال تعالى
( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )
والوجه الثالث ﴾ أن يكون المراد أنها مصونة عن التناقض كما قال ( ولو كان من عند
غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )
والوجه الرابع ﴾ أن يكون المراد أن أحكام الله تعالى لا تقبل التبديل والزوال لأنها
أزلية ، والأزلي لا يزول .
وأعلم أن هذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر ، لأنه تعالى لما حكم على زيد
بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة ، ثم قال ( لا مبدل لكلمات الله ) يلزم امتناع أن ينقلب السعيد
شقيا وأن ينقلب الشقي سعيدا ، فالسعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقى في بطن
أمه .
قوله تعالى ((وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك)) الآية سورة الأنعام ١٧١ الجزءُ
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلَّوكَ عَن سَبِيلٍ الِّ إِن ◌َّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ
وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ
قوله تعالى ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم
إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾
أعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد عليه الصلاة
والسلام بين أن بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال ،
ولا ينبغي أن يتشوش بسبب كلماتهم الفاسدة فقال ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن
سبيل الله ) وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا ، لأن الأضلال لا بد وأن يكون
مسبوقا بالضلال . وأعلم أن حصول هذا الضلال والاضلال لا يخرج عن أحد أمور ثلاثة: أولها:
المباحث المتعلقة بالالهيات فان الحق فيها واحد ، وأما الباطل ففيه كثرة ، ومنها القول بالشرك
أما كما تقوله الزنادقة وهو الذي أخبر الله عنه في قوله ( وجعلوا لله شركاء الجن ) وإما كما يقوله
عبدة الكواكب . وإما كما يقوله عبدة الأصنام ، وثانيها : المباحث المتعلقة بالنبوات . إما كما
يقوله من ينكر النبوة مطلقا أوكما يقوله من ينكر النشر. أوكما يقوله من ينكر نبوة محمد مخلية.
ويدخل في هذا الباب المباحث المتعلقة بالمعاد . وثالثها : المباحث المتعلقة بالأحكام ، وهي
كثيرة ، فان الكفار كانوا يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة ، فقال تعالى
( وإن تطع أكثر من في الأرض ) فيما يعتقدونه من الحكم على الباطل بأنه حق ، وعلى الحق بأنه
باطل يضلوك عن سبيل الله ، أي عن الطريق والمنهج الصدق .
ثم قال ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير
قاطعين بصحة مذاهبهم ، بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كذابون في إدعاء القطع وكثير
من المفسرين يقولون : المراد من ذلك الظن رجوعهم في إثبات مذاهبهم إلى تقليد أسلافهم لا
إلى تعليل أصلا .
قوله تعالى: ((أن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله، الآية سورة الأنعام
الشَامِنُ ١٧٢
﴿ المسألة الثانية﴾ تمسك نفاة القياس بهذه الآية. فقالوا رأينا أن الله تعالى بالغ في ذم
الكفار في كثير من آيات القرآن بسبب كونهم متبعين للظن ، والشيء الذي يجعله الله تعالى
موجبا لذم الكفار لا بد وأن يكون في أقصى مراتب الذم ، والعمل بالقياس يوجب اتباع
الظن ، فوجب كونه مذموما محرما ، لا يقال لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة كان العمل به
عملا بدليل مقطوع لا بدليل مظنون . لأنا نقول هذا مدفوع من وجود : الأول : أن ذلك
الدليل القاطع أما أن يكون عقليا ، وإما أن يكون سمعيا ، والأول باطل لأن العقل لا مجال
له في أن العمل بالقياس جائز أو غير جائز ، لا سيما عند من ينكر تحسين العقل وتقبيحه .
والثاني : أيضا باطل لأن الدليل السمعي إنما يكون قاطعا لو كان متواترا وكانت ألفاظه غير
محتملة لوجه آخر سوى هذا المعنى الواحد ، ولو حصل مثل هذا الدليل لعلم الناس بالضرورة
كون القياس حجة ، ولارتفع الخلاف فيه بين الأمة ، فحيث لم يوجد ذلك علمنا أن الدليل
القاطع على صحة القياس مفقود . الثاني : هب أنه وجد الدليل القاطع على أن القياس
حجة ، إلا أن مع ذلك لا يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن وبيانه أن التمسك بالقياس
مبنى على مقامين : الأول : أن الحكم في محل الوفاق معلل بكذا . والثاني : أن ذلك المعنى
حاصل في محل الخلاف، فهذان المقامان إن كانا معلومين على سبيل القطع واليقين فهذا مما لا
خلاف فيه بين العقلاء في صحته وإن ، كان مجموعهما أو كان أحدهما ظنيا فحينئذ لا يتم
العمل بهذا القياس إلا بمتابعة الظن ، وحينئذ يندرج تحت النص الدال على أن متابعة الظن
مذمومة .
والجواب : لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند الى امارة
وهو مثل اعتقاد الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستندا إلى أمارة ، فهذا الاعتقاد لا
يسمى . ظنا وبهذا الطريق سقط هذا الاستدلال .
ثم قال تعالى ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وفيه
مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في تفسيره قولان: الأول : أن يكون المراد أنك بعد ما عرفت أن
الحق ما هو ، وأن الباطل ما هو ، فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم ، لأنه تعالى
عالم بأن المهتدى من هو ؟ والضال من هو ؟ فبجازي كل واحد بما يليق بعمله . والثاني : أن
يكون المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون ، والله
تعالى عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم ، ومطلع على كونهم متحيرين في سبيل الضلال تأئهين في
١٧٣
قوله تعالى ((فكلوا مما ذكر اسم الله عليه)) الاية سورة الأنعام
فَكُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسُْ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنُ بِعَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ
أودية الجهل .
﴿ المسألة الثانية) قوله (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله) فيه قولان: الأول :
قال بعضهم ( أعلم ) ههنا بمعنى يعلم والتقدير : إن ربك يعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم
بالمهتدين
فان قيل : فهذا يوجب وقوع التفاوت في علم الله تعالى وهو محال .
قلنا : لا شك أن حصول التفاوت في علم الله تعالى محال . إلا أن المقصود من هذا
اللفظ أن العناية باظهار هداية المهتدين فوق العناية باظهار ضلال الضالين ، ونظيره قوله تعالى
( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) فذكر الاحسان مرتين والاساءة مرة
واحدة . الثاني : أن موضع ( من ) رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام ، والمعنى إن ربك هو
أعلم أي الناس يضل عن سبيله (وقال ) وهذا مثل قوله تعالى (لنعلم أي الحزبين أحصى
وهذا قول المبرد والزجاج والكسائي والفراء .
قوله تعالى ﴿ فکلوا مما ذكر اسم الله علیه إن كنتم بآياته مؤمنین ﴾
في الآية مباحث نذكرها في معرض السؤال والجواب .
﴿السؤال الأول﴾ ((الفاء)) في قوله ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) يقتضى تعلقاً بما
تقدم ، فما ذلك الشيء ؟
والجواب : قوله ( فكلوا ) مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحللون الحرام ويحرمون
الحلال ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله
أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم . فقال الله للمسلمين إن كنتم متحققين بالايمان فكلوا مما ذكر
اسم الله عليه وهو المذكي ببسم الله.
﴿ السؤال الثاني﴾ القوم كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم الله ولا ينازعون فيه،
وإنما النزاع في أنهم أيضاً كانوا يبيحون أكل الميتة ، والمسلمون كانوا يحرمونها ، وإذا كان
كذلك كان ورود الأمر باباحة ما ذكر اسم الله عليه عبثاً لأنه يقتضي إثبات الحكم في المتفق عليه
وترك الحكم في المختلف فيه .
١٧٤
قوله تعالى ((وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه)) الآية سورة الأنعام
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُوْمِمَّا ذُكِرَاسُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَهُ مََّّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا
مَا أَضْطُرِرُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُونَ بِأَهْوَآِهِم بِغَيْرٍ عِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ
والجواب : فيه وجهان : الأول : لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل
الميتة ، فالله تعالى رد عليهم في الامرين ، فحكم بحل المذكاة بقوله ( فكلوا مما ذكر اسم الله
عليه ) وبتحريم الميتة بقوله ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) الثاني: أن تحمل قوله
( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) على أن المراد أجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله
عليه ، فيكون المعنى على هذا الوجه تحريم أكل الميتة فقط .
السؤال الثالث) قوله ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) صيغة الأمر. وهي للإباحة.
وهذه الاباحة حاصلة في حق المؤمن وغير المؤمن ، وكلمة ( إن ) في قوله ( إن كنتم بآياته
مؤمنين ) تفيد الاشتراط
والجواب : التقدير ليكن أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين
والمراد أنه لو حكم باباحة أكل الميتة لقدح ذلك في كونه مؤمنا .
أُ قوله تعالى ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا
ما اضطررتم اليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وحفص عن عاصم ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم )
بالفتح في الحرفين ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالضم في الحرفين ، وقرأ حمزة
والكسائي وأبو بكر عن عاصم ( فصل ) بالفتح (وحرم) بالضم ، فمن قرأ بالفتح في الحرفين
فقد احتج بوجهين : الأول : أنه تمسك في فتح قوله ( فصل ) بقوله ( قد فصلنا الآيات ) وفي
فتح قوله ( حرم ) بقوله ( أتل ما حرم ربكم )
﴿ والوجه الثاني﴾ التمسك بقوله ( مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم
١١٧٥
قوله تعالى: ((وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم)) الآية سورة الأنعام
عليكم ) فيجب أن يكون الفعل مسنداً إلى الفاعل لتقدم ذكر اسم الله تعالى ، وأما الذين قرؤا
بالضم في الحرفين . فحجتهم قوله ( حرمت عليكم الميتة والدم ) وقوله ( حرمت ) تفصيل لما
أجمل في هذه الآية فلما وجب في التفصيل أن يقال ( حرمت عليكم الميتة ) بفعل ما لم يسم .
فاعله وجب في الاجمال كذلك وهو قوله ( ما حرم عليكم ) ولما ثبت وجوب ( حرم ) بضم الحاء
فكذلك يجب ( فصل ) بضم الفاء لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم المجمل بعينه . وأيضاً فانه
تعالى قال ( وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا ) وقوله ( مفصلا ) يدل على فصل . وأما
من قرأ ( فصل ) بالفتح وحرم بالضم فحجته في قوله ( فصل ) قوله ( قد فصلنا الآيات ) وفي
قوله ( حرم ) قوله ( حرمت عليكم الميتة )
﴿ المسألة الثانية) قوله (وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) أكثر المفسرين قالوا : المراد
منه قوله تعالى في أول سورة المائدة ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) وفيه إشكال :
وهو أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية ، وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة . وقوله ( وقد
فصل ) يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدماً على هذا المجمل ، والمدني متأخر عن المكى ،
والمتأخر يمتنع كونه متقدما . بل الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية ( قل لا أجد فيما أوحى
إلى محرماً على طاعم ) يطعمه . وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا
القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد والله أعلم . وقوله ( إلا ما اضطررتم إليه ) أي
دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة
ثم قال ﴿ وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ليضلون ) بفتح الياء وكذلك في يونس
( ربنا ليضلوا) وفي إبراهيم ( ليضلوا) وفي الحج ( ثاني عطفه ليضل ) وفي لقمان ( لهو الحديث
ليضل ) وفي الزمر ( أندادا ليضل ) وقرأ عاصم وحمزة والكسائي جميع ذلك بضم الياء . وقرأ
نافع وابن عامر ههنا وفي يونس بفتح الياء ، وفي سائر المواضع بالضم ، فمن قرأ بالفتح أشار
إلى كونه ضالا ، ومن قرأ بالضم أشار إلى كونه مضلا . قال : وهذا أقوى في الذم لأن كل
مضل فانه يجب كونه ضالا ، وقد يكون ضالا ولا يكون مضلا . فالمضل أكثر استحقاقاً للذم
من الضال .
﴿ المسألة الثانية ﴾ المراد من قوله ( ليضلون ) قيل إنه عمرو بن لحي ، فمن دونه من
المشركين . لأنه أول من غير دين إسمعيل واتخذ البحائر والسوائب وكل الميتة . وقوله (بغير
علم ) يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة والضلالة المحضة .
١٧٦
قوله تعالى ((وذروا ظاهر الاثم وباطنه)) الآية سورة الأنعام
وَذَرُواْ ظَاهِرَ آلْإِمِ وَبَاطِنَهُ ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ آلْإِْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ
وقال الزجاج : المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرونكم في إحلالها ، ويحتجون عليها بقولهم لما
حل ما تذبحونه أنتم فبأن يحل ما يذبحه الله أولى . وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان
والطعن في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فانما يتبعون فيه الهوى والشهوة ، ولا بصيرة عندهم
ولا علم .
﴿ المسألة الثالثة) دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن
القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام .
ثم قال تعالى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ والمراد منه أنه هو العالم بما في قلوبهم
وضمائرهم من التعدي وطلب نصرة الباطل والسعي في إخفاء الحق ، وإذا كان عالما بأحوالهم
وكان قادرا على مجازاتهم فهو تعالى يجازيهم عليها ، والمقصود من هذه الكلمة التهديد
والتخويف . والله أعلم ،
قوله تعالى ﴿ وذروا ظاهر الأثم وباطنه إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا
يقترفون
أعلم أنه تعالى لما بين أنه فصل المحرمات أتبعه بما يوجب تركها بالكلية بقوله ( وذروا
ظاهر الأثم وباطنه ) والمراد من الأثم ما يوجب الأثم ، وذكروا في ظاهر الأثم وباطنه وجهين :
الأول : أن ( ظاهر الأثم ) الاعلان بالزنا ( وباطنه ) الاستسرار به . قال الضحاك : كان أهل
الجاهلية يرون الزنا حلالا ما كان سرا ، فحرم الله تعالى بهذه الآية السرمنه والعلانية . الثاني :
أن هذا النهي عام في جميع المحرمات وهو الأصح ، لأن تخصيص اللفظ العام بصورة معينة من
غير دليل غير جائز ، ثم قيل المراد ما أعلنتم وما أسررتم ، وقيل : ما عملتم وما نويتم . وقال
ابن الأنباري : يريد وذروا الأثم من جميع جهاته كما تقول : ما أخذت من هذا المال قليلا ولا
كثيرا ، تريد ما أخذت منه بوجه من الوجوه ، وقال آخرون : معنى الآية النهي عن الأثم مع
بيان أنه لا يخرج من كونه إثما بسبب إخفائه وكتمانه ، ويمكن أن يقال : المراد من قوله ( وذروا
ظاهر الاثم ) النهي عن الاقدام على الاثم ، ثم قال ( وباطنه ) ليظهر بذلك أن الداعي له الى
١٧٧
قوله تعالى ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)) الاية سورة الأنعام
وَلَا تَأْكُوْ مِمَا لَمْيُذْكَرٍ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسٌْ وَ إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى
أَوْلِيَآ ءِهِمْ يُجَدِلُوٌّ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (3)
ترك ذلك الأثم خوف اللّه لا خوف الناس . وقال آخرون (ظاهر الاثم ) أفعال الجوارح
( وباطنه ) أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة السوء للمسلمين ، ويدخل فيه
الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني واللوم على الخيرات وبهذا يظهر فساد قول من يقول :
إن ما يوجد في القلب لا يؤاخذ به إذا لم يقترن به عمل فانه تعالى نهى عن كل هذه الأقسام بهذه
الآية .
ثم قال تعالى ﴿ إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ ومعنى الاقتراف
قد تقدم ذكره . وظاهر النص يدل على أنه لا بد وأن يعاقب المذنب ، إلا أن المسلمين أجمعوا
على أنه إذا تاب لم يعاقب ، وأصحابنا زادوا شرطا ثانيا ، وهو أنه تعالى قد يعفو عن المذنب
فيترك عقابه كما قال الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )
قوله تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى
أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾
أعلم أنه تعالى لما بين أنه يحل أكل ما ذبح على اسم الله ، ذكر بعده تحريم ما لم يذكر
عليه اسم الله ، ويدخل فيه الميتة ، ويدخل فيه ما ذبح على ذكر الأصنام ، والمقصود منه إبطال
ما ذكره المشركون . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر عليه اسم الله من طعام أو
شراب ، فهو حرام ، تمسكا بعموم هذه الآية . وأما سائر الفقهاء فانهم أجمعوا على تخصيص
هذا العموم بالذبح ، ثم اختلفوا فقال مالك : كل ذبح لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام ،
سواء ترك ذلك الذكر عمدا أو نسيانا : وهو ابن سيرين وطائفة من المتكلمين . وقال أبو حنيفة
رحمه الله تعالى : إن ترك الذكر عمدا حزم ، وإن ترك نسيانا حل . وقال الشافعي رحمه الله.
تعالى : يحل متروك التسمية سواء ترك عمداً أو خطأ إذا كان الذابح أهلا للذبح ، وقد ذكرنا
هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله ( إلا ما ذكيتم ﴾ فلا فائدة في الاعادة ، قال الشافعي
رحمه الله تعالى: هذا النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب ، ويدل عليه وجوه :
الفخر الرازي ج١٣ م١٢
١٧٨
قوله تعالى: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله» الآية سورة الأنعام
أحدها : قوله تعالى ( وإنه لفسق ) وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي
ترك التسمية ، وثانيها : قوله تعالى ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) وهذه
المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة ، روي أن ناسا من المشركين قالوا للمسلمين : ما يقتله الصقر
والكلب تأكلونه ، وما يقتله الله فلا تأكلونه . وهن ابن عباس أنهم قالوا : تأكلون ما تقتلونه
ولا تكلون ما يقتله الله ، فهذه المناظرة مخصوصة بأكل الميتة ، وثالثها : قوله تعالى (وإن
أطعتموهم إنكم لمشركون ) وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب ، يعني لو رضيتم بهذه
الذبيحة التي ذبحت على اسم إلهية الأوثان ، فقد رضيتم بالهيتها وذلك يوجب الشرك . قال
الشافعي رحمه الله تعالى : فأول الآية وإن كان عاما بحسب الصيغة ، إلا أن آخرها لما حصلت
فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص ، ومما يؤكد هذا المعنى
هو أنه تعالى قال (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) فقد صار هذا النهي
مخصوصاما إذا كان هذا الأمر فسقا ، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يصير فسقا؟ فرأينا
هذا الفسق مفسرا في آية أخرى ، وهو قوله ( قل لا جد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه
إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ) فصار
الفسق في هذه الآية مفسرا بما أهل به لغير الله ، وإذا كان كذلك كان قوله ( ولا تأكلوا مما لم
يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) نخصوصا بما أهل به لغير الله .
﴿ والمقام الثاني﴾ أن نترك التمسك بهذه المخصصات، لكن نقول لم قلتم إنه لم
يوجد ذكر الله ههنا؟ والدليل عليه ماروي عن النبي وَّر أنه قال ((ذكر الله مع المسلم سواء قال))
أو لم يقل ، ويحمل هذا الذكر على ذكر القلب .
﴿والمقام الثالث) وهو أن نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن سائر
الدلائل المذكورة في هذه المسألة توجب الحل ، ومتى تعارضت وجب أن يكون الراجح هو
الحل ، لأن الأصل في المأكولات الحل ، وأيضاً يدل عليه جميع العمومات المقتضية لحل الأكل
والانتفاع كقوله تعالى ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً) وقوله ( كلوا واشربوا ) ولأنه مستطاب
بحسب الحس فوجب أن يحل لقوله تعالى ( أحل لكم الطيبات ) ولأنه مال لأن الطبع يميل
إليه، فوجب أن لا يحرم لما روي عن النبي وَ لّ أنه نهى عن إضاعة المال ، فهذا تقرير الكلام في
هذه المسألة ومع ذلك فنقول : الأولى بالمسلم أن يحترز عنه لأن ظاهر هذا النص قوي .
﴿ المسألة الثانية﴾ الضمير في قوله (وإنه لفسق) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول :
أن قوله ( لا تأكلوا ) يدل على الأكل ، لأن الفعل يدل على المصدر ، فهذا الضمير عائد إلى هذا
المصدر . والثاني : كانه جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقا ، على سبيل المبالغة .
١٧٩
قوله تعالى ((او من كان ميتاً فأحييناه)) الآية سورة الأنعام
أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ تَن مَّثَلُهُ، فِى
الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا كَلِكَ زُيِنَ لِلْكَِّرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
وأما قوله ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ ففيه قولان: الأول :
أن المراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده ، وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمدا
وَر وأصحابه في أكل الميتة . والثاني : قال عكرمة : وإن الشياطين ، يعني مردة المجوس،
ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش ، وذلك لأنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من
اهل فارس ، فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة ، أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم
يتبعون أمر الله ، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام . فوقع في أنفس ناس
من المسلمين من ذلك شيء ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
ثم قال ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ( إنكم لمشركون) قال الزجاج :
وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله تعالى ، أو حرم شيئاً مما أحل الله تعالى فهو
مشرك ، وإنما سمى مشركا لأنه أثبت حاكما سوى الله تعالى ، وهذا هو الشرك .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الكعبي: الآية حجة على أن الايمان اسم لجميع الطاعات وإن
كان معناه في اللغة التصديق . كما جعل تعالى الشرك اسما لكل ما كان مخالفا لله تعالى ، وإن
كان في اللغة مختصا بمن يعتقد أن لله شريكا ، بدليل أنه تعالى سمي طاعة المؤمنين للمشركين في
إباحة الميتة شركا .
ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك ههنا اعتقاد أن لله تعالى شريكا
في الحكم والتكليف ؟ وبهذا التقدير يرجح معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط .
قوله تعالى ﴿ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في
الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾
في الآية مسائل :
١٨٠
قوله تعالى: ((كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون)) الآية سورة الأنعام
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المشركين يجادلون المؤمنين
في دين الله ذكر مثلا يدل على حال المؤمن المهتدي ، وعلى حال الكافر الضال ، فبين أن المؤمن
المهتدي بمنزلة من كان ميتا ، فجعل حيا بعد ذلك وأعطى نورا يهتدى به في مصالحه ، وأن
الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها ، فيكون متحيرا على الدوام .
. ثم قال تعالى ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ وعند هذا عادت مسألة الجبر
والقدر فقال أصحابنا : ذلك المزين هو الله تعالى ، ودليله ما سبق ذكره من أن الفعل يتوقف
على حصول الداعي وحصوله لا بد وأن يكون بخلق الله تعالى ، والداعي عبارة عن علم أو
اعتقاد أو ظن باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد وصلاح راجح ، فهذا الدعي لا معنى له إلا هذا
التزيين ، فاذا كان موجود هذا الداعي هو الله تعالى كان المزين لا محالة هو الله تعالى ، وقالت
المعتزلة : ذلك المزين هو الشيطان ، وحكوا عن الحسن أنه قال : زينه لهم . والله الشيطان.
وأعلم أن هذا في غاية الضعف لوجوه : الأول : الدليل القاطع الذي ذكرناه . والثاني : أن
هذا المثل مذكور لميز الله حال المسلم من الكافر فيدخل فيه الشيطان فان كان إقدام ذلك
الشيطان على ذلك الكفر لشيطان آخر ، لزم الذهاب الى غير النهاية . وإلا فلا بد من مزين آخر
سوى الشيطان . الثالث : أنه تعالى صرح بأن ذلك المزين ليس إلا هو فيما قبل هذه الآية وما
بعدها ، أما قبلها فقوله ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك
زينا لكل أمة عملهم ) وأما بعد هذه الآية فقوله ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها )
المسألة الثانية ) قوله ( أو من كان ميتا فأحييناه ) قرأ نافع ( ميتا ) مشددا ، والباقون
مخففا قال أهل اللغة : الميت مخففا تخفيف ميت ، ومعناهما واحد ثقل أو خفف
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أهل المعاني: قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله ( أموات
غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ) وأيضاً في قوله ( لينذر من كان حيا ) وفي قوله ( إنك لا
تسمع الموتى ) وفي قوله ( وما يستوي الأعمى والبصير وما يستوي الأحياء والأموات ) فلما
جعل الكفر موتا والكافر ميتا ، جعل الهدى حياة والمهتدى حيا ، وإنما جعل الكفر موتا لأنه
جهل ، والجهل يوجب الحيرة والوقفة ، فهو كالموت الذي يوجب السكون ، وأيضا الميت لا
يهتدي إلى شيء ، والجاهل كذلك ، والهدى علم وبصر، والعلم والبصرسبب لحصول الرشد
والفوز بالنجاة ، وقوله ( وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) عطف على قوله ( فأحييناه ) فوجب
أن يكون هذا النور مغاير التلك الحياة والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى أن الأرواح