Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ قوله تعالى: ((وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله)) الآية سورة الأنعام وَحَجَّهُ قَوْمُهُ، قَالَ أَنْحَجُوَنِى فِ اللهِ وَقَدْ هَدَدْنٍ وَلَا أَخَفُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِة ـمــ إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِ شَيْئًا وَسِعَ رَبِ كُلَّ شَىْءٍ عِلْ أَفَلَا نَتَذَّ قُونَ ٨٠ للربوبية والالهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقا واثبات التوحيد ، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية الجزم باثبات التوحيد مطلقا والجواب : أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أربابا ولا آلهة ، وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الاطلاق أما قوله ﴿ إني وجهت وجهي ﴾ ففيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ فتح الياء من (وجهي ) نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ، والباقون تركوا هذا الفتح ﴿ المسألة الثانية﴾ هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره . بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي ، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعا لغيره منقادا لأمره ، فانه يتوجه بوجهه اليه ، فجعل توجيه الوجه اليه كناية عن الطاعة اما قوله ﴿ للذي فطر السموات والأرض ﴾ ففيه دقيقة: وهي أنه لم يقل وجهت وجهي الى الذى فطر السموات والأرض . بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله ( وجهت وجهي للذي ) والمعنى : أن توجيه وجه القلب ليس اليه ، لأنه متعال عن الحيز والجهة ، بل توجيه وجه القلب الى خدمته وطاعته لأجل عبوديته ، فترك كلمة ((إلى)) هنا والاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود متعاليا عن الحيز والجهة ، ومعنى فطر أخرجهما الى الوجود ، وأصله من الشق ، يقال : تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما ، وأما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية : الحنيف الذى يستقبل البيت في صلاته ، وقيل أنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى قوله تعالى ﴿ وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخافما تشرکون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ﴾ اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة ، فالقوم أوردوا عليه حججا على صحة أقوالهم ، منها انهم تمسكوا بالتقليد كقولهم ( إنا وجدنا آباءنا على أمة ) ٦٢ قوله تعالى: ((وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون)) الآية: سورة الأنعام وكقولهم للرسول عليه السلام ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) ومنها : أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في إلهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في الآفات والبليات ، ونظيره ما حكاه الله تعالى في قصة قوم هود ( إن نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) فذكروا هذا الجنس من الكلام مع ابراهيم عليه السلام فأجاب الله عن حجتهم بقوله ( قال أتحاجوني في الله وقد هدان ، يعني لما ثبت بالدليل الموجب للهداية واليقين صحة قولي ، فكيف يلتفت الى حجتكم العليلة ، وكلماتكم الباطلة وأجاب عن حجتهم الثانية وهي : أنهم خوفوه بالأصنام بقوله ( ولا أخاف ما تشركون به ) لأن الخوف انما يحصل ممن يقدر على النفع والضر، والأصنام جمادات لا تقدر ولا قدرة لها على النفع والضر، فكيف يحصل الخوف منها ؟ فان قيل : لا شك أن الطلسمات آثارا مخصوصة ، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة ؟ قلنا : الطلسم يرجع حاصله الى تأثيرات الكواكب ، وقد دللنا على أن قوى الكواكب على التأثيرات انما يحصل من خلق الله تعالى فيكون الرجاء والخوف في الحقيقة ليس إلا من الله تعالى . وأما قوله ﴿ إلا أن يشاء ربي﴾ ففيه وجوه: أحدها: إلا إن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي . وثانيها : إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عني بعض عادات نعمه . وثالثها : إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن يحييها ويمكنها من ضرى ونفعي ويقدرها على ايصال الخير والشرالي ، واللفظ يحتمل كل هذه الوجوه ، وحاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للانسان في مستقبل عمره شيء من المكاره ، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه انما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام ، فذكر ابراهيم عليه السلام ذلك حتى لو أنه حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب ثم قال عليه السلام ﴿ وسع ربي كل شيء علما ﴾ يعني أنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة ، فبتقدير : أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في الهية الأصنام . ثم قال ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ والمعنى : أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والاضداد والانداد عن الله تعالى لا يوجب حلول العقاب ونزول العذاب ، والسعي في اثبات التوحيد والتنزيه لا ٦٣ قوله تعالى: ((وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون انكم )) الآية سورة الأنعام وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَ كُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَ كُثُم بِلَّهِ مَالَمْ يُنْزِّلْ بِهِ عَلَيْكُرْ سُلْطَانًا فَأَىُ الْغَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبُواْ إِمَهُمْ يُظْمٍ أَوْلَكَ لَهُمُ الْأَمَّنُّ وَهُم مُهْتَدُونَ : يوجب استحقاق العقاب . والله أعلم المسألة الثانية﴾ قرأ نافع وابن عامر ( أتحاجوني ) خفيفة النون على حذف أحد النونين والباقون على التشديد على الادغام . وأما قوله : ( وقد هداني ) قرأ نافع وابن عامر ( هداني ) باثبات الياء على الاصل والباقون بحذفها للتخفيف . المسألة الثالثة﴾ أن ابراهيم عليه السلام حاجهم في الله وهو قوله ( لا أحب الآفلين ) والقوم أيضا حاجوه في الله ، وهو قوله تعالى خبرا عنهم ( وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله ) فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ ، وهي المحاجة التي ذكرها ابراهيم عليه السلام ، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى ( وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه ) وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله ( قال أتحاجوني في الله ) ولا فرق بين هذين البابين إلا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواع المدح والثناء ، والمحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر . وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانونا معتبرا ، فكل موضع جاء في القرآن والاخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل ، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق والمذهب الصدق . والله أعلم قوله تعالى (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ اعلم أن هذا من بقية الجواب عن الكلام الأول ، والتقدير : وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر، وانتم لا تخافون من الشرك الذى هو أعظم الذنوب . وقوله ( ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) فيه وجهان : الأول : أن قوله ( ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) كناية عن امتناع وجود الحجة والسلطان في مثل هذه القصة . ونظيره قوله تعالى ( ومن يدع مع ٦٤٠ قوله تعالى ((وكيف اخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم بالله» الآية سورة الأنعام الله إلها آخر لا برهان له به ) والمراد منه امتناع حصول البرهان فيه ، والثاني : أنه لا يمتنع عقلا أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء والصلاة فقوله (ما لم ينزل بع عليكم سلطاناً). معناه: عدم ورود الأمر به. وحاصل هذا الكلام: ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على انفسكم الأمن في موضع الخوف؟ ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم ؟ احترازا من تزكية نفسه فعدل عنه الى قوله ( فاى الفريقين ) يعني فريقي المشركين والموحدين . ثم استأنف الجواب عن السؤوال بقوله ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) وهذا من تمام كلام ابراهيم في المحاجة ، والمعنى : أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين : أولهما : الايمان وهو كمال القوة النظرية . وثانيهما (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) وهو كمال القوة العملية . ثم قال ﴿ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ اعلم ان اصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر . أما وجه تمسك اصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الايمان الموجب للامن عدم الظلم ، ولو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الايمان لكان هذا التقييد عبثا ، فثبت ان الفاسق مؤمن وبطل به قول المعتزلة ، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين ، الايمان وعدم الظلم ، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له . وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : ﴿ الوجه الأول﴾ أن قوله (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) المراد من الظلم الشرك ، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) فالمراد ههنا الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا لله شريكا في المعبودية . والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها انما وردت في نفي الشركاء والاضداد والانداد ، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات ، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك . الوجه الثاني ﴾ في الجواب : أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل ان يعذبه الله ، ويحتمل أن يعفو عنه ، وعلى كلا التقديرين : فالأمن زائل والخوف حاصل ، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب ؟ والله أعلم . ٦٥ قوله تعالى: ((وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)) الآية سورة الأنعام وَتِلْكَ مُجْتُنَاَ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيِمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجْتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم ٨٣ قوله تعالى ﴿ وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ﴾ وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (وتلك ) إشارة الى كلام تقدم وفيه وجوه: الأول : أنه اشارة الى قوله ( لا أحب الآفلين ) والثاني : أنه اشارة الى أن القوم قالوا له : أما تخاف أن بخبلك آلهتنا لأجل أنك شتمتهم . فقال لهم : أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتم على الشرك بالله وسويتم في العبادة بين خالق العالم ومدبره وبين الخشب المنحوت والصنم المعمول ؟ والثالث : أن المراد هو الكل . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( وتلك ) مبتدأ وقوله ( حجتنا ) خبره وقوله ( آتيناها ابراهيم ) صفة لذلك الخبر . ﴿ المسألة الثانية) قوله (وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم ) يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل ابراهيم عليه السلام بايتاء الله وباظهاره تلك الحجة في عقله ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى . ويتأكد هذا أيضا بقوله ( نرفع درجات من نشاء ) فان المراد أنه تعالى رفع درجات ابراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة ، ولو كان. حصول العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل ابراهيم لا من قبل الله تعالى لكان ابراهيم عليه السلام هو الذى رفع درجات نفسه وحينئذ كان قوله ( نرفع درجات من نشاء ) باطلا . فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى والضلال ﴿ المسألة الثالثة﴾ هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في الطعن في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل . لانه تعالى أثبت لابراهيم عليه السلام حضول الرفعة والفوز بالدرجات العالية ، لأجل أنه ذكر الحجة في التوحيد وقررها وذب عنها وذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة والرسالة أعلى وأشرف من هذه المرتبة . المسألة الرابعة﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( درجات ) بالتنوين من غير إضافة الفخر الرازي م٥ ج ١٣ ٦٦ قوله تعالى: ((ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا)) الآية سورة الأنعام وَوَهَبْنَا لَهُ ◌ٍ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلُّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُرِدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَدُرُونَ وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنَ هُ وَزَكَرِيًّا وَيَحْنَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلّ مِنَ الصَِّحِينَ (٨) وَإِشَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ ٨٦ والباقون بالاضافة ، فالقراءة الأولى معناها: نرفع من نشاء درجات كثيرة، فيكون ((من)) في موضع النصب . قال ابن مقسم : هذه القراءة أدل على تفضيل بعضهم على بعض في المنزلة والرفعة . وقال أبو عمرو : الاضافة تدل على الدرجة الواحدة وعلى الدرجات الكثيرة والتنوين لا يدل إلا على الدرجات الكثيرة . ﴿ المسألة الخامسة﴾ اختلفوا في تلك الدرجات. قيل: درجات أعماله في الآخرة ، وقيل : تلك الحجج درجات رفيعة ، لأنها توجب الثواب العظيم . وقيل : نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة ، وفي الآخرة بالجنة والثواب . وقيل : نرفع درجات من نشاء بالعلم . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال السعادة في الصفات الروحانية وفي البعد عن الصفات الجسمانية . والدليل عليه : أنه تعالى قال ( وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه ) ثم قال بعده ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو ايتاء تلك الحجة ، وهذا يقتضى أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة واطلاعها على إشراقها اقتضت ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني ، الى أعالي العالم الروحاني ، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا في الروحانيات . والله أعلم وأما معنى ﴿ حكيم عليم ﴾ فالمعنى أنه انما يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم ، لا بموجب الشهوة والمجازفة . فان أفعال الله منزهة عن العبث والفساد والباطل . قوله تعالى ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب کلا هدینا ونوحا هدینا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين ، وزكريا ويحيى وعيسى" والياس كل من الصالحين . وإسمعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين . ومن ٦٧ قوله تعالى: ((ووهبنا له إسحق ويعقوب وكلا هدينا)) الآية سورة الأنعام ٠٠٠٠٠٠١٠٠٠٠ وَمِنْ ءَبَِهِمْ وَذُرِّيَِّمْ وَإِخْوَِمْ وَاجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَطِ مُسْتَقٍِ ذّلِكَ هُدَى الَِّ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَ كُوْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ M آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم . ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه فأولها: قوله ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ) والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه اليها وأوقفنا عقله على حقيقتها. وذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك فعلنا، وقلنا، وذكرنا. ولما ذكر نفسه تعالى ههنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب. وثانيها: أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة. وهي قوله ( نرفع درجات من نشاء ) وثالثها: أنه جعله عزيزاً في الدنيا ، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله ، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة ، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك ، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد ، فقال (ووهبنا له إسحق ) لصلبه ویعقوب) بعده من اسحق فان قالوا: لم لم يذكر إسمعيل عليه السلام مع إسحق ، بل أخر ذكره عنه بدرجات ؟ قلنا : لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل ، وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب . وأما إسمعيل فانه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد ◌َله ، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في هذا المقام ، لأنه تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا ، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه الله أولاداً كانوا أنبياء وملوكاً ، فاذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض ، فلهذا السبب لم يذكر إسمعيل مع إسحق . ٦٨ قوله تعالى: ((ونوحا من قبل ومن ذريته داود وسليمان)) الآية سورة الأنعام، وأما قوله ﴿ ونوحا هدينا من قبل﴾ فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب . وذلك لأنه رزقه أولاداً مثل إسحق ، ويعقوب . وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما ، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل نوح . وإدريس ، وشيث . فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء. . أما قوله ﴿ومن ذريته داود وسليمان ﴾ فقيل المراد ومن ذرية نوح، ويدل عليه وجوه: الأول : أن نوحا أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب . الثاني : أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخ إبراهيم وما كان من ذريته ، بل كان من ذرية نوح عليه السلام ، وكان رسولا في زمان إبراهيم . الثالث : أن ولد الانسان لا يقال أنه ذريته ، فعلى هذا إسمعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم ، بل هو من ذرية نوح عليه السلام . الرابع : قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام ، وكان من ذرية نوح عليه السلام . ﴿ والقول الثاني﴾ أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام، والتقدير: ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان . واحتج القائلون بهذا القول : بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر الله تعالى نوحا لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم . وأعلم أنه تعالى ذكر أولا أربعة من الأنبياء ، وهم : نوح ، وإبراهيم ، وإسحق ، ويعقوب . ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشرمن الأنبياء : داود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسيٍ ، وهرون ، وزكريا ، ويحي ، وعيسى ، وإلياس ، وإسمعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوطاً ، والمجموع ثمانية عشر. فان قيل : رعاية الترتيب واجبة ، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة ، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه ؟ قلنا : الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل ههنا مع أنه لا يفيد الترتيب البتة، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب ، وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الاكرام والفضل . ٦٩ قوله تعالى: ((ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود)) الآية سورة الأنعام فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق : الملك والسلطان والقدرة ، والله تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيبا عظيماً . والمرتبة الثانية ﴾ البلاء الشديد والمحنة العظيمة ، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية ، والمرتبة الثالثة ) من كان مستجمعا لهاتين الحالتين ، وهو يوسف عليه السلام ، فانه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر ، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر . والمرتبة الرابعة ﴾ من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصوله الشديدة وتخصيص الله تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام ، وذلك کان في حق موسى وهرون . والمرتبة الخامسة﴾ الزهد الشديد والاعراض عن الدنيا، وترك مخالطة الخلق ، وذلك كما في حق زكريا ويحي وعيسى وإلياس ، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين . ﴿ والمرتبة السادسة ﴾ الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع، وهم إسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوط . فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه . المسألة الثانية ﴾ قال تعالى (ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ) اختلفوا في أنه تعالى إلى ماذا هداهم ؟ وكذا الكلام في قوله ( ونوحا هدينا من قبل ) وكذا قوله في آخر الآية ( ذلك هدی الله یهدی به من يشاء من عباده ) قال بعد المحققين : المراد من هذه الهداية الثواب للعظيم ، وهي الهداية إلى طريق الجنة ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها (وكذلك نجزي المحسنين ) وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب ، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة . فأما الارشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة في قلبه ، فانه لا يكون جزاء له على عمله ، وأيضا لا يبعد أن يقال : المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة ، وإنما ذلك كان جزاء على الاحسان الصادر منهم ، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق ، فالله تعالى جازاهم على حسن طلبهم بايصالهم إلى الحق ، كما قال ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ٧٠ قوله تعالى: ((ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم)) الآية سورة الأنعام والقول الثالث ﴾ أن المراد من هذه الهداية : الارشاد الى النبوة والرسالة، لأن الهداية المخصوصة بالانبياء ليست إلا ذلك . فان قالوا : لو كان الأمر كذلك لكان قوله ( وكذلك نجزى المحسنين ) يقتضى ان تكون الرسالة جزاء على عمل ، وذلك عندكم باطل . قلنا : يحمل قوله ( وكذلك نجزى المحسنين ) على الجزاء الذى هو الثواب والكرامة ، فنزول الاشكال . والله اعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام ( وكلا فضلنا على العالمين ) وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى ، فيدخل في لفظ العالم الملائكة ، فقوله تعالى ( وكلا فضلنا على العالمين ) يقتضى كونهم أفضل من كل العالمين . وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة ، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية : أن الأنبياء عليهم السلام يجب ان يكونوا أفضل من كل الأولياء ، لأن عموم قوله تعالى ( وكلا فضلنا على العالمين ) يوجب ذلك . قال بعضهم ( وكلا فضلنا على العالمين ) معناه فضلناه على عالمي زمانهم . قال القاضي : ويمكن أن يقال المراد : وكلا من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين . ثم الكلام بعد ذلك في أن أى الأنبياء أفضل من بعض ، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق له بالأول والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قرأ حمزة والكسائي ( والليسع ) بتشديد اللام وسكون الياء ، والباقون ( واليسع ) بلام واحدة . قال الزجاج : يقال فيه الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها . ﴿ المسألة الخامسة﴾ الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم ، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن انتسبا الى رسول الله بالأم وجب كونهما من ذريته ويقال : إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف . ﴿ المسألة السادسة ) قوله تعالى ( ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ) يفيد أحكاما كثيرة : الأول : أنه تعالى ذكر الآباء والذريات والاخوان ، فالآباء هم الأصول ، والذريات هم الفروع ، والاخوان فروع الأصول ، وذلك يدل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء ٧١ قوله تعالى: ((أولئك الذين آتيناهم الكتاب)) الآية سورة الأنعام أُوْلَِّكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَالْحُكَّرَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْبِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَُّواْ بِهَا بِكْفِرِينَ ( ٨٩ الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة. والثاني: أنه تعالى قال (ومن آبائهم) وكلمة ((من)) للتبعيض . فان قلنا: المراد من تلك الهداية، الهداية الى الثواب والجنة والهداية إلى الايمان والمعرفة، فهذه كلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل الى الجنة، أما لو قلنا: المراد بهذه الهداية النبوة لم يفد ذلك. الثالث: أنا اذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة كان قوله (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم) كالدلالة على ان شرط كون الانسان رسولا من عند الله أن يكون رجل، وأن المرأة لا يجوز أن تكون رسولا من عند الله تعالى، وقوله تعالى بعد ذلك (وأجتبيناهم) يفيد النبوة، لأن الاجتباء اذا ذكر في حق الأنبياء عليهم السلام لا يليق به الا الحمل على النبوة والرسالة . ثم قال تعالى ﴿ ذلك هدی الله يهدي به من يشاء من عباده ﴾ وأعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك ، لأنه قال بعده ( ولو أشركوا الحبط عنهم ما كانوا يعملون ) وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدى ما يكون جاريا مجرى الأمر المضاد للشرك . واذا ثبت أن المراد بهذا الهدى معرفة الله بوحدانيته ، ثم إنه تعالى صرح بأن ذلك الهدى من الله تعالى ، ثبت أن الايمان لا يحصل الا بخلق الله تعالى، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بنفي الشرك فقال ( ولو اشركوا ) والمعنى أن هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم طاعاتهم وعباداتهم . والمقصود منه تقرير التوحيد وابطال طريقة الشرك . وأما الكلام في حقيقة الاحباط فقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة فلا حاجة الى الاعادة . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بکافرين ﴾ اعلم أن قوله ( أولئك ) إشارة الى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى قبل ذلك ، ثم ذكر تعالى أنه آتاهم الكتاب والحكم والنبوة . ٧٢ قوله تعالى: ((اولئك الذين أتيناهم الكتاب)) الآية سورة الأنعام واعلم أن العطف يوجب المغايرة ، فهذه الألفاظ الثلاثة لا بد وأن تدل على أمور ثلاثة متغايرة واعلم أن الحكام على الخلق ثلاث طوائف : أحدها : الذين يحكمون على بواطن الناس وعلى أرواحهم ، وهم العلماء . وثانيها : الذين يحكمون على ظواهر الخلق ، وهم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر والسلطنة ، وثالثها : الأنبياء ، وهم الذين أعطاهم الله تعالى من العلوم والمعارف ما لا جله بها يقدرون على التصرف في بواطن الخلق وأرواحهم ، وأيضا أعطاهم من القدرة والمكنة مالا جله يقدرون على التصرف في ظواهر الخلق ، ولما استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الاطلاق . إذا عرفت هذه المقدمة فقوله ( آتيناهم الكتاب ) إشارة الى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير وقوله ( والحكم ) إشارة الى أنه تعالى جعلهم حكاما على الناس نافذى الحكم فيهم بحسب الظاهر . وقوله ( والنبوة ) إشارة إلى المرتبة الثالثة ، وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على حصولها حصول المرتبتين المقدمتين المذكورتين ، وللناس في هذه الألفاظ الثلاثة تفسيرات كثيرة ، والمختار عندنا ما ذكرناه . واعلم أن قوله ( آتيناهم الكتاب ) يحتمل أن يكون المراد من هذا الايتاء الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف ابراهيم وتوراة موسى ، وإنجيل عيسى عليه السلام ، وقرآن محمد صلى الله عليه وسلم . ويحتمل ان يكون المراد منه أن يؤتيه الله تعالى فهما تاما لما في الكتاب وعلما محيطا بحقائقه وأسراره ، وهذا هو الأولى . لأن الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ما أنزل الله تعالى على كل واحد منهم كتابا إلهيا على التعيين والتخصيص . ثم قال تعالى ﴿ فان يكفر بها هؤلاء﴾ والمراد فان يكفر بهذا التوحيد والطعن في الشرك كفار قريش ( فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في أن ذلك القوم من هم؟ على وجوه ، فقيل : هم أهل المدينة وهم الانصار ، وقيل : المهاجرون والأنصار ، وقال الحسن : هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم وهو اختيار الزجاج . قال الزجاج : والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) وقال أبو رجاء : يعني الملائكة وهو بعيد لأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم ، وقال مجاهد هم الفرس ، وقال أبو زيد : كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكا أو نبيا أو من الصحابة أو من التابعين . ٧٣ قوله تعالى: ((أولئك الذين هدى الله)) الآية سورة الأنعام أَوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَهُدَثُهُمُ أَقْتَدِهُ قُل لَّا أَسْعَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ المسألة الثانية ﴾ قوله تعالى ( فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) يدل على أنه إنما خلقهم للايمان . وأما غيرهم فهو تعالى ما خلقهم للايمان ، لأنه تعالى لو خلق الكل للايمان كان البيان والتمكين وفعل الالطاف مشتركا فيه بين المؤمن وغير المؤمن ، وحينئذ لا يبقى لقوله ( فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) معنى ! وأجاب الكعبي عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى زاد المؤمنين عند إيمانهم وبعده من ألطافه وفوائده وشريف أحكامه ما لا يحصيه إلا الله . وذكر في الجواب وجها ثانيا ، فقال : وبتقدير :" أن يسوى لكان بعضهم إذا قصر ولم ينتفع صح أن يقال بحسب الظاهر انه لم يحصل له نعم الله كالوالد الذى يسوى بين الولدين في العطية ، فانه يصح ان يقال : انه أعطى أحدهما دون الآخر إذا كان ذلك الآخر ضيعه وأفسده . واعلم أن الجواب الأول ضعيف، لأن الألطاف الداعية الى الايمان مشتركة فيما بين الكافر والمؤمن ، والتخصيص عند المعتزلة غير جائز ، والثاني : أيضا فاسد ، لأن الوالد ما سوى بين الولدين في العطية ، ثم ان أحدهما ضيع نصيبه ، فأى عاقل يجوز أن يقال ان الأب ما أنعم عليه ، وما أعطاه شيئا . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ دلت هذه الآية على أنه تعالى سينصر نبيه ويقوى دينه، ويجعله مستعليا على كل ما عاداه ، قاهرا لكل من نازعه ، وقد وقع هذا الذى أخبر الله تعالى عنه في هذا الموضع ، فكان هذا جاريا مجرى الاخبار عن الغيب ، فيكون معجزا ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ أولئك الذين هدی الله فبهداهم اقتده قللا أسألكم عليه أجرا ان هو إلا ذکری للعالمين في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ لا شبهة في أن قوله ( أولئك الذين هدى الله) هم الذين تقدم i ذكرهم من الأنبياء ، ولا شك في أن قوله ( فبهداهم اقتده ) أمر لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما الكلام في تعيين الشىء الذى أمر الله محمدا أن يقتدى فيه بهم ، فمن الناس من قال : ٧٤ ٠ قوله تعالى: ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم أقتده)) الآية سورة الأنعام المراد انه يقتدى بهم في الأمر الذى أجمعوا عليه ، وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والافعال وسائر العقليات ، وقال آخرون : المراد الاقتداء بهم في جميع الاخلاق الحميدة والصفات الرفيعة الكاملة من الصبر على أذى السفهاء والعفو عنهم ، وقال آخرون : المراد الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل ، وبهذا التقدير كانت هذه الآية دليلا على أن شرع من قبلنا يلزمنا ، وقال آخرون : أنه تعالى إنما ذكر الأنبياء في الآية المتقدمة ليبين انهم كانوا محترزين عن الشرك مجاهدين بابطاله بدليل أنه ختم الآية بقوله ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) ثم أكد اصرارهم على التوحيد وانكارهم للشرك بقوله ( فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) ثم قال في هذه الآية ﴿ أولئك الذين هدى الله ﴾ أي هداهم إلى إبطال الشرك واثبات التوحيد ( فبهداهم اقتده ) أى اقتد بهم في نفي الشرك وإثبات التوحيد وتحمل سفاهات الجهال في هذا الباب . وقال آخرون : اللفظ مطلق فهو محمول على الكل إلا ما خصه الدليل المنفصل . قال القاضي : يبعد حمل هذه الآية على أمر الرسول بمتابعة الأنبياء عليهم السلام المتقدمين في شرائعهم لوجوه : أحدها : ان شرائعهم مختلفة متناقضة فلا يصح مع تناقضها أن يكون مأمورا بالاقتداء بهم في تلك الاحكام المتناقضة . وثانيها : ان الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل . وإذا ثبت هذا فنقول : دليل ثبات شرعهم كان مخصوصا بتلك الأوقات لا في غير تلك الأوقات . فكان الاقتداء بهم في ذلك الهدى هو أن يعلم وجوب تلك الافعال في تلك الأوقات فقط ، وكيف يستدل بذلك على اتباعهم في شرائعهم في كل الأوقات ؟ وثالثها : ان كونه عليه الصلاة والسلام متبعا لهم في شرائعهم يوجب ان يكون منصبه أقل من منصبهم وذلك باطل بالاجماع ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على وجوب الاقتداء بهم في شرائعهم والجواب عن الأول : أن قوله ( فبهداهم اقتده ) يتناول الكل . فأما ما ذكرتم من كون بعض الأحكام متناقضة بحسب شرائعهم . فنقول : ذلك العام يجب تخصيصه في هذه الصورة فيبقى فيما عداها حجة . وعن الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام لو كان مأمورا بأن يستدل بالدليل الذى استدل به الأنبياء المتقدمون لم يكن ذلك متابعة ، لأن المسلمين لما استدلوا بحدوث العالم على وجود الصانع لا يقال : إنهم متبعون لليهود والنصارى في هذا الباب ، وذلك لأن المستدل بالدليل يكون أصيلا في ذلك الحكم ، ولا تعلق له بمن قبله البتة ، والاقتداء الاتباع لا يحصل إلا إذا ٧٥ قوله تعالى: ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم)) الآية سورة الأنعام كان فعل الأول سببا لوجوب الفعل على الثاني ، وبهذا التقدير يسقط السؤال . وعن الثالث : أنه تعالى أمر الرسول بالاقتداء بجميعهم في جميع الصفات الحميدة والأخلاق الشريفة ،وذلك لا يوجب كونه أقل مرتبة منهم ، بل يوجب كونه أعلى مرتبة من الكل على ما سيجيء تقريره بعد ذلك إن شاء الله تعالى ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام ، وتقريره : هو أنا بينا أن خصال الكمال ، وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة ، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ويوسف كان مستجمعا لهاتين الحالتين . وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية والقاهرة والمعجزات الظاهرة ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، والياس ، كانوا أصحاب الزهذ ، وإسماعيل كان صاحب الصدق ، ويونس صاحب التضرع ، فثبت أنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة من خصال المدح والشرف ، ثم أنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمدا عليه الصلاة والسلام بان يقتدى بهم بأسرهم ، فكان التقدير كأنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك ، امتنع ان يقال : إنه قصر في تحصيلها ، فثبت أنه حصلها ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال : إنه أفضل منهم بكليتهم . والله أعلم ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الواحدي: قوله ( هدى الله) دليل على أنهم مخصوصون بالهدى، لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله ( أولئك الذين هدى الله ) فائدة تخصيص . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الواحدى؛ الاقتداء في اللغة إتيان الثاني بمثل فعل الأول لأجل انه فعله . روى اللحياني عن الكسائي أنه قال : يقال لي بك قدوة وقدوة . ﴿ المسألة الخامسة ﴾ قال الواحدى: قرأ ابن عامر ( اقتده) بكسر الدال وبشم الهاء للكسر من غير بلوغ ياء ، والباقون (اقتده ) ساكنة الهاء ، غير أن حمزة والكسائي يحذفانها في الوصل ويثبتانها في الوقف ، والباقون يثبتونها في الوصل والوقف . والحاصل : أنه حصل الاجماع على إثباتها في الوقف . قال الواحدى : الوجه الاثبات في الوقف والحذف في الوصل ، لأن هذه الهاء هاء وقعت في السكت بمنزلة همزة الوصل في ٧٦ قوله تعالى: ((وما قدروا الله حق قدره)) الآية سورة الأنعام وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْقَالُواْ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرِ مِنِ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْحِكِتَبَ الَّذِى ◌َ بِهِ مُوسَى نُورًاً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُ ونَهَا وَتُحْفُونَ كَثِيرًا وَيُِّثُ مَّالَمْ تَعْلُواْ أَنْتُمْ وَآ ءَ آبَا ؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعُونَ ( الابتداء ، وذلك لأن الهاء للوقف، كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن ، فكما لا تثبت الهمزة حال الوصل ، كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا موافقة المصحف ، فان الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا . وأما قرأة ابن عامر : فقال أبو بكر ومجاهد : هذا غلط ، لأن هذه الهاء هاء وقف ، فلا تعرب في حال من الأحوال وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها . قال أبو على الفارسي : ليس بغلط ، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر ، والتقدير : فبهداهم اقتد الاقتداء ، فيضمر الاقتداء لدلالة الفعل عليه ، وقياسه إذا وقف أن تسكن الهاء لأن هاء الضمير تسكن في الوقف ، كما تقول : اشتره . والله أعلم أما قوله تعالى ﴿ قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ فالمراد به أنه تعالى لما أمره بالاقتداء بهدى الأنبياء عليهم السلام المتقدمين ، وكان من جملة هداهم ترك طلب الأجر في إيصال الدين وإبلاغ الشريعة . لا جرم اقتدى بهم في ذلك ، فقال ( لا اسألكم عليه أجرا) ولا أطلب منكم مالا ولا جعلا ( إن هو) يعني القرآن ( إلا ذكرى للعالمين) يريد كونه مشتملا على كل ما يحتاجون اليه في معاشهم ومعادهم وقوله ( إن هو إلا ذكرى للعالمين ) يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث الى كل أهل الدنيا لا الى قوم دون قوم . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وما قدروا الله حق قدره أذ قالوا ما أنزل الله على البشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ اعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد . وأنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل التوحيد ، وإبطال الشرك ، وقرر تعالى ذلك الدليل بالوجوه الواضحة شرع بعده في تقرير أمر النبوة ، فقال ( وما قدروا الله حق ٧٧ قوله تعالى: ((وما قدروا الله حق قدره)) الآية سورة الأنعام قدره ) حيث أنكروا النبوة والرسالة ، فهذا بيان وجه نظم هذه الآيات وأنه في غاية الحسن . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تفسير قوله تعالى ( ما قدروا الله حق قدره) وجوه: قال ابن عباس : ما عظموا الله حق تعظيمه . وروى عنه أيضا أنه قال معناه : ما آمنوا إن الله على كل شيء قدير . وقال أبو العالية : ما وصفوه حق صفته . وقال الأخفش : ما عرفوه حق معرفته ، وحقق الواحدى رحمه الله ذلك ، فقال قال : قدر الشيء إذا سبره وحرره ، وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدرا ومنه قوله عليه السلام ((وإن غم عليكم فاقدروا له )) أى فاطلبوا ان تعرفوه هذا أصله في اللغة ، ثم قال يقال لمن عرف شيئا هو يقدر قدره ، وإذا لم يعرفه بصفاته أنه لا يقدر قدره ، فقوله ( وما قدروا الله حق قدره ) صحيح في كل المعاني المذكورة . ﴿ المسألة الثانية﴾ أنه تعالى لما حكى عنهم ( أنهم ما قدروا الله حق قدره ) بين السبب فيه ، وذلك هو قولهم ما أنزل الله على بشرمن شيء . واعلم أن كل من أنكر النبوة والرسالة فهو في الحقيقة ما عرف الله حق معرفته ، وتقريره من وجوه : الأول : أن منكر البعثة والرسالة إما أن يقول : إنه تعالى ما كلف أحدا من الخلق تكليفا أصلاً ، أو يقول : إنه تعالى كلفهم التكاليف . والأول باطل ، لأن ذلك يقتضي أنه تعالى أباح لهم جميع المنكرات والقبائح نحو شتم الله ، ووصفه بما لا يليق به ، والاستخفاف بالأنبياء والرسل وأهل الدين ، والاعراض عن شكر المنعم ، ومقابلة الانعام بالاساءة . ومعلوم ان كل ذلك باطل . وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي ، فههنا لا بد من مبلغ وشارع ومبين ، وما ذاك إلا الرسول . فان قيل : لم لا يجوز ان يقال : العقل كلف في ايجاب الواجبات واجتناب المقبحات ؟ قلنا : هب أن الأمر كما قلتم . إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلى بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام . فثبت أن كل من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة الله تعالى ، وكان ذلك جهلا بصفة الالهية ، وحينئذ يصدق في حقه قوله تعالى ( وما قدروا الله حق قدره ) ﴿ الوجه الثاني﴾ في تقرير هذا المعنى ان من الناس من يقول إنه يمتنع بعثة الأنبياء والرسل ، لأنه يمتنع إظهار المعجزة على وفق دعواه تصديقا له ، والقائلون بهذا القول لهم مقامان : ٧٨ قوله تعالى: ((وما قدروا الله حق قدره)) الآية سورة الأنعام المقام الأول ﴾ أن يقولواانه ليس في الامكان خرق العادات ولا إيجاد شيء على خلاف ما جرت به العادة . ﴿ والمقام الثاني﴾ الذين يسلمون امكان ذلك. إلا أنهم يقولون إن بتقدير حصول هذه الأفعال الخارقة للعادات لا دلالة لها على صدق مدعي الرسالة ، وكلا الوجهين يوجب القدح في كمال قدرة الله تعالى . أما المقام الأول : فهو أنه ثبت أن الأجسام متماثلة . وثبت أن ما يحتمله الشيء وجب أن يحتمله مثله ، وإذا كان كذلك كان جرم الشمس والقمر قابلا للتمزق والتفرق . فان قلنا : ان الاله غير قادر عليه كان ذلك وصفا له بالعجز ونقصان القدرة ، وحينئذ يصدق في حق هذا القائل : أنه ما قدر الله حق قدره . وإن قلنا : إنه تعالى قادر عليه ، فحينئذ لا يمتنع عقلا انشقاق القمر ، ولاحصول سائر المعجزات وأما المقام الثاني : وهو أن حدوث هذه الأفعال الخارقة للعادة عند مدعي النبوة تدل على صدقهم ، فهذا أيضا ظاهر على ما هو مقرر في كتب الأصول . فثبت أن كل من أنكر امكان البعثة والرسالة ، فقد وصف الله بالعجز ونقصان القدرة ، وكل من قال ذلك فهو ما قدر الله حق قدره . ﴿ والوجه الثالث ﴾ أنه لما ثبت حدوث العالم ، فنقول : حدوثه يدل على ان إله العالم قادر عالم حكيم ، وأن الخلق كلهم عبيده وهو مالك لهم على الاطلاق ، وملك له على الاطلاق ، والملك المطاع یجب أن یکون له أمر ونهي وتكلیفعلى عباده ، وأن یکون له وعد على الطاعة ، ووعيد على المعصية ، وذلك لا يتم ولا يكمل إلا بارسال الرسل ، وانزال الكتب ، فكل من أنكر ذلك فقد طعن في كونه تعالى ملكا مطاعا ، ومن اعتقد ذلك فهو ما قدر الله حق قدره ، فثبت أن كل من قال ما أنزل الله على بشرمن شيء فهو ما قدر الله حق قدره . ﴿ المسألة الثالثة﴾ في هذه الآية بحث صعب، وهو أن يقال: هؤلاء الذين حكى الله عنهم انهم قالوا ( ما انزل الله على بشر من شيء ) إما أن يقال : انهم كفار قريش أو يقال إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فإن كان الأول ، فكيف يمكن ابطال قولهم بقوله تعالى ( قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى ) وذلك لأن كفار قريش والبراهمة كما ينكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء ، فكيف يحسن ايراد هذا ٧٩ قوله تعالى: ((وما قدروا الله حق قدره)) الآية سورة الأنعام الالزام عليهم ، وأما إن كان الثاني وهو أن قائل هذا القول قوم من اليهود والنصارى ، فهذا أيضا صعب مشكل ، لأنهم لا يقولون هذا القول ، وكيف يقولونه مع أن مذهبهم أن التوراة كتاب أنزله الله على موسى ، والانجيل : كتاب انزله الله على عيسى ، وأيضا فهذه السورة مكية ، والمناظرات التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين اليهود والنصارى كلها مدنية ، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها ، فهذا تقرير الاشكال القائم في هذه الآية . واعلم ان الناس اختلفوا فيه على قولين : ﴿ فالقول الأول﴾ إن هذه الآية نزلت في حق اليهود وهو القول المشهور عند الجمهور . قال ابن عباس : ان مالك بن الصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم ، وكان رجلا سمينا فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أنشدك الله الذى أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إن الله يبغض الحبر السمين وأنت الحبر السمين وقد سمنت من الأشياء التي تطعمك اليهود )) فضحك القوم ، فغضب مالك بن الصيف ، ثم التفت الى عمر فقال : ما انزل الله على بشرمن شيء . فقال له قومه : ويلك ما هذا الذى بلغنا عنك ؟ فقال إنه أغضبني ، ثم ان اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه عن رياستهم ، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف، فهذا هو الرواية المشهورة في سبب نزول هذه الآية ، وفيها سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ اللفظ وان كان مطلقا بحسب أصل اللغة إلا أنه قد يتقيد بحسب العرف ، ألا ترى ان المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار فغضب الزوج ، وقال : ان خرجت من الدار فأنت طالق ، فان كثيرا من الفقهاء . قالوا : اللفظ وان كان مطلقا إلا أنه بحسب العرف ليتقيد لتلك المرأة فكذا ههنا قوله ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) وإن كان مطلقا بحسب أصل اللغة ، إلا أنه بحسب العرف يتقيد بتلك الواقعة فكان قوله ( ما أنزل الله على بشرمن شيء ) مراده منه أنه ما انزل الله على بشرمن شيءٍ في أنه يبغض الحبر السمين ، وإذا صار هذا المطلق محمولا على هذا المقید لم یکن قوله ( من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى ) مبطلا لكلامه ، فهذا أحد السؤالات .. ﴿ السؤال الثاني ﴾ أن مالك بن الصيف كان مفتخرا بكونه يهوديا متظاهرا بذلك ومع هذا المذهب البتة ان يقول : ما أنزل الله على بشر من شيء إلا على سبيل الغضب المدهش للعقل أو على سبيل لا يمكنه طغيان اللسان ، ومثل هذا الكلام لا يليق بالله سبحانه وتعالى إنزال القرآن الباقي على وجه الدهر في ابطاله . ٨٠ قوله تعالى: ((وما قدروا الله حق قدره)) الآية سورة الأنعام والسؤال الثالث ﴾ أن الاكثرين اتفقوا على أن هذه السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ، ومناظرات اليهود مع الرسول عليه الصلاة والسلام كانت مدنية ، فكيف يمكن حمل هذه الآية على تلك المناظرة ؟ وأيضا لما نزلت السورة دفعة واحدة فكيف يمكن أن يقال : هذه الآية المعينة إنما نزلت في الواقعة الفلانية ؟ فهذه هي السؤالات الواردة على هذا القول ، والاقرب عندى أن يقال : لعل مالك بن الصيف لما تأذى من هذا الكلام طعن في نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : ما أنزل الله عليك شيئا البتة ، ولست رسولا من قبل الله البتة ، فعند هذا الكلام نزلت هذه الآية ، والمقصود منها أنك لما سلمت أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام ، فعند هذا لا يمكنك الاصرار على أنه تعالى ما أنزل على شيئا لأني بشر وموسى بشر أيضا ، فلما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر امتنع عليك أن تقطع وتجزم بأنه ما أنزل الله على شيئا ، فكان المقصود من هذه الآية بيان أن الذى ادعاه محمد عليه الصلاة والسلام ليس من قبيل الممتنعات ، وأنه ليس للخصم اليهودى أن يصر على إنكاره ، بل اقصى ما في الباب أن يطالبه بالمعجز فان أتى به فهو المقصود ، وإلا فلا فاما أن يصر اليهودى على أنه تعالى ما أنزل على محمد شيئا البتة مع أنه معترف بأن الله تعالى أنزل الكتاب على موسى ، فذاك محض الجهالة والتقليد ، وبهذا التقدير يظهر الجواب عن السؤالين الأولين . فأما السؤال الثالث ) وهو قوله هذه السورة مكية ونزلت دفعة واحدة وكل واحد من هذين الوجهين يمنع من القول بأن سبب نزول هذه الآية مناظرة اليهودى . قلنا : القائلون بهذا القول قالوا : السورة كلها مكية ونزلت دفعة واحدة إلا هذه الآية ، فانها نزلت بالمدينة في هذه الواقعة ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا الوجه . ﴿ والقول الثاني﴾ أن قائل هذا القول أعني ما أنزل الله على بشر من شيء قوم من كفار قريش فهذا القول قد ذكره بعضهم . بقي أن يقال : كفار قريش ينكرون نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام ، فكيف يمكن الزام نبوة موسى عليهم ؟ وأيضا فما بعد هذه الآية لا يليق بكفار قريش ، وانما يليق باليهود وهو قوله ( تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) فمن المعلوم بالضرورة أن هذه الأحوال لا تليق إلا باليهود ، وهو قول من يقول : إن أول الآية خطاب مع الكفار ، وآخرها خطاب مع اليهود فاسد ، لأنه يوجب تفكيك نظم الآية وفساد تركيبها ، وذلك لا يليق بأحسن الكلام فضلا عن كلام رب العالمين ، فهذا تقرير الاشكال على هذا القول . أما السؤال الأول ﴾ فيمكن دفعه بأن كفار قريش كانوا مختلطين باليهود والنصارى