Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قوله تعالى: ((واذ قال ابراهيم لأبيه آزر)) الآية سورة الأنعام ﴿ الحجة الأولى﴾ أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا ويدل عليه وجوه: منها قوله تعالى ( الذى يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) قيل معناه : انه كان ينقل روحه من ساجد الى ساجد وبهذا التقدير : فالآية دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا مسلمين . وحينئذ يجب القطع بأن والد ابراهيم عليه السلام کان مسلما . فان قيل : قوله ( وتقلبك في الساجدين ) يحتمل وجوها أخرى : أحدها : انه لما نسخ فرض قيام الليل طاف الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على بيوت الصحابة لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات فوجدها كبيوت الزنابير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم . فالمراد من قوله ( وتقلبك في الساجدين ) طوافه صلوات الله عليه تلك الليلة على الساجدين . وثانيها : المراد أنه عليه السلام كان يصلى بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه : كونه فيما بينهم ومختلطا بهم حال القيام والركوع والسجود . وثالثها : أن يكون المراد أنه ما يخفي حالك على الله كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين . ورابعها : المراد تقلب بصره فيمن يصلى خلفه ، والدليل عليه قوله عليه السلام ((أتموا الركوع والسجود فاني أراكم من وراء ظهرى)) فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية ، فسقط ما ذكرتم . والجواب : لفظ الآية محتمل للكل ، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي . فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود ، ومما يدل أيضا على أن أحدا من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله عليه السلام ((لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين الى ارحام الطاهرات)) وقال تعالى ( انما المشركون نجس ) وذلك يوجب أن يقال : أن أحدا من أجداده ما كان من المشركين . إذا ثبت هذا فنقول : ثبت بما ذكرنا ان والد ابراهيم عليه السلام ما كان مشركا ، وثبت ان آزر كان مشركاً . فوجب القطع بأن والد ابراهيم كان انسانا آخر غير آزر . الحجة الثانية ) على أن آزر ما كان والد ابراهيم عليه السلام . ان هذه الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة والجفاء . ومشافهة الأب بالجفاء لا تجوز ، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد ابراهيم ، انما قلنا : أن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه ٤٢ قوله تعالى: ((وإذ قال ابراهيم لأبيه آزر)) الآية سورة الأنعام الآية لوجهين : الأول : أنه قرىء ( واذ قال ابراهيم لأبيه آزر ) بضم آزر وهذا يكون محمولا على النداء ونداء الأب بالاسم الاصلي من أعظم أنواع الجفاء . الثاني : أنه قال لآزر ( إني أراك وقومك في ضلال مبين ) وهذا من اعظم انواع الجفاء والايذاء . فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء ، وانما قلنا : أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه : الأول : قوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم ، قال تعالى ( ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) وهذا ايضا عام ، الثاني : أنه تعالى لما بعث موہی عليه السلام الى فرعون أمره بالرفق معه فقال ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون . فههنا الوالد أولى بالرفق . الثالث : أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيرا في القلب ، أما التغليظ فانه يوجب التنفير والبعد عن القبول . ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام (وجادلهم بالتي هي أحسن ) فكيف يليق بابراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة ؟ الرابع : أنه تعالى حكى عن ابراهيم عليه السلام الحلم ، فقال ( ان ابراهيم لحليم أواه ) وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الأب ؟ فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد ابراهيم عليه السلام بل كان عما له ، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا اسمعيل بكونه أبا ليعقوب مع أنه كان عما له. وقال عليه السلام ((ردوا على أبي)) يعني العم العباس وأيضا حتمل أن آزر كان والد أم ابراهيم عليه السلام وهذا قد يقال له الأب . والدليل عليه قوله تعالى ( ومن ذريته داود وسليمان ) إلى قوله ( وعيسى ) فجعل عيسى من ذرية ابراهيم مع أن ابراهيم عليه السلام كان جدا لعيسى من قبل الأم . وأما أصحابنا فقد زعموا ان والد رسول الله كان كافرا وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية يدل على أن آزر كان كافرا وكان والد ابراهيم عليه السلام . وأيضا قوله تعالى ( وما كان استغفار ابراهيم لأبيه ) الى قوله ( فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه ) وذلك يدل على قولنا ، وأما قوله ( وتقلبك في الساجدين ) قلنا : قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل ، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز، وأيضا حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا لا يجوز، وأما قوله عليه السلام ((لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات )) فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبة ما كان سفاحا ، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بابراهيم عليه السلام . قلنا : لعله أصر على كفره فلأجل الاصرار استحق ذلك التغليظ . والله أعلم ﴿ المسألة الخامسة) قرىء (آزر) بالنصب وهو عطف بيان لقوله (لأبيه) وبالضم على النداء ، وسألني واحد فقال : قرىء ( آزر ) بهاتين القراءتين ، وأما قوله ( وإذ قال موسى ٤٣ قوله تعالى: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات)) الآية سورة الأنعام وَكَذَلِكَ نُرِىَ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ لأخيه هرون ) قرىء ( هرون ) بالنصب ما قرىء البتة بالضم فما الفرق ؟ قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالأسم استخفاف بالمنادى . وذلك لائق بقصة ابراهيم عليه السلام لأنه كان مصرا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرا له عن ذلك القبيح ، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هرون على قومه فما كان الاستخفاف لائقا بذلك الموضع ، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة . ﴿المسألة السادسة﴾ اختلف الناس في تفسير لفظ ((الاله)) والأصح أنه هو المعبود ، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة ، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه : ( أتتخذ أصناما آلهة) وذلك يدل على أن تفسير لفظ ((الاله)) هو المعبود . ﴿ المسألة السابعة﴾ اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين : الأول : أن قوله ( أتتخذ أصناما آلهة ) يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة ؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلى الذى فهم من قوله تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) والثاني : أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشرلكان الصنم الواحد كافيا ، فلما لم يكن الواحد كافيا دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها البتة . ﴿ المسألة الثامنة﴾ أحتج بعضهم بهذه الآية على ان وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع . قال لأن ابراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال ، ولولا الوجوب العقلى لما حكم عليهم بالضلال . لأن ذلك المذهب كان متقدما على دعوة إبراهيم . ولقائل أن يقول : إنه كان ضلالا بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على ابراهيم عليه السلام . قوله تعالى ﴿ وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ((الكاف)) في كذلك للتشبيه ، وذلك إشارة الى غائب جرى ذكره ٤٤ قوله تعالى: ((كذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات)» الآية سورة الأنعام والمذكور ههنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام ، وهو قوله ( إني أراك وقومك في ضلال مبين ) والمعنى : ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض . وههنا دقيقة عقلية ، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائل البتة ، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب ، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى ، فاذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي فقول ابراهيم عليه السلام ( أتتخذ أصناما آلهة ) إشارة الى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى ، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى ، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات بالتمام ، فقوله ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات ) معناه : وبعد زوال الاشتغال بغیر الله حصل له نور تجلی جلال الله تعالی ، فکان قوله ( وکذلك ) منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية . ﴿ المسألة الثانية﴾ لقائل أن يقول هذه الاراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان ، فكان الأولى أن يقال : وكذلك أرينا ابراهيم ملكوت السموات والأرض ، فلم عدل عن هذه اللفظة الى قوله ( وكذلك نرى ) قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون تقدير الآية ، وكذلك كنا نرى ابراهيم ملكوت السموات والأرض ، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي . والمعنى انه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصبا للدين الحق فكأنه قيل : وكيف بلغ ابراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين ، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السموات والأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه . والوجه الثاني في الجواب ) وهو أعلى وأشرف مما تقدم ، وهو أنا نقول : إنه ليس المقصود من إراءة الله إبراهيم ملكوت السموات والأرض هو مجرد ان يرى ابراهيم هذا الملكوت ، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها الى معرفة جلال الله تعالى وقدسه وعلوه وعظمته . ومعلوم أن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات وفي الصفات ، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية . وسمعت الشيخ الأمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه الله تعالى قال : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصارى يقول : سمعت إمام الحرمين يقول : معلومات الله تعالى غير متناهية ، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضا غير متناهية ، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل ، ويمكن اتصافه بصفات لا ٤٥ قوله تعالى: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات)) الآية سورة الأنعام نهاية لها على البدل ، وكل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله تعالى وقدرته أيضا ، واذا كان الجوهر الفرد والجزء الذى لا يتجزأ كذلك ؛ فكيف القول في كل ملكوت الله تعالى ، فثبت أن دلالة ملك الله تعالى ، وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية ، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال ، فاذن لا طريق الى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا الى نهاية ولا الى آخر في المستقبل ، فلهذا السبب والله أعلم لم يقل ، وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض ، بل قال ( وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والأرض ) وهذا هو المراد من قول المحققين السفر الى الله له نهاية ، وأما السفر في الله فانه لا نهاية له والله أعلم . المسألة الثالثة﴾ (الملكوت) هو الملك، و((التاء)) للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت من الرهبة . واعلم أن في تفسير هذه الاراءة قولين : الأول : أن الله أراه الملكوت بالعين ، قالوا إن الله تعالى شق له السموات حتى رأى العرش والكرسي والى حيث ينتهي اليه فوقية العالم الجسماني ، وشق له الأرض الى حيث ينتهي الى السطح الآخر من العالم الجسماني ، ورأى ما في السموات من العجائب والبدائع ، ورأى ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع . وعن ابن عباس أنه قال : لما أسرى بابراهيم الى السماء ورأى ما في السموات وما في الأرض فأبصر عبدا على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك ، فقال الله تعالى له : كف عن عبادى فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم أو النار من ورائهم ، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه : الأول : أن أهل السماء هم الملائكة المقربون وهم لا يعصون الله ، فلا يليق أن يقال : إنه لما رفع الى السماء أبصر عبدا على فاحشة . الثاني : أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر الله تعالى ، واذا أذن الله تعالى فيه لم يجز أن يمنعه من إجابة دعائه . الثالث : أن ذلك الدعاء إما أن يكون صوابا أو خطأ ، فان كان صوابا فلم رده في المرة الثانية ، وإن كان خطأ فلم قبله في المرة الأولى . ثم قال : وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول وجب التوقف فيها . ﴿ والقول الثاني﴾ أن هذه الاراءة كانت بعين البصيرة والعقل، لا بالبصر الظاهر والحس الظاهر . واحتج القائلون بهذا القول بوجوه : الحجة الأولى ﴾ أن ملكوت السموات عبارة عن ملك السماء ، والملك عبارة عن ٤٦ قوله تعالى: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات)) الآية سورة الأنعام القدرة ، وقدرة الله لا ترى ، وانما تعرف بالعقل ، وهذا كلام قاطع ، إلا أن يقال المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض ، إلا أن على هذا التقدير يضيع لفظ الملكوت ولا يحصل منه فائدة . والحجة الثانية ) أنه تعالى ذكر هذه الاراءة في أول الآية على سبيل الاجمال وهو قوله ( وكذلك نرى ابراهيم ) ثم فسرها بعد ذلك بقوله ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ) فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح والتفسير لتلك الاراءة فوجب أن يقال إن تلك الاراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال . ﴿ والحجة الثالثة ) أنه تعالى قال في آخر الآية ( وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه ) والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا غائبين عنها وكانوا يكذبون ابراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق ابراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة ، وإنما كانت الحجة التي أوردها ابراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذى نطق به القرآن . فان تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لابراهيم . والحجة الرابعة ﴾ أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضرورى بأن للعالم إلها قادرا على كل الممكنات . ومثل هذه الحالة لا يحصل للانسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم . ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب . وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذى يفيد المدح والتعظيم . ﴿ والحجة الخامسة ﴾ أنه تعالى كما قال في حق ابراهيم عليه السلام (وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والأرض ) فكذلك قال في حق هذه الأمة ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) فكما كانت هذه الاراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق ابراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك . ﴿ الحجة السادسة ﴾ أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس قال بعده ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ) فحكم على السموات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذى ذكره في النجم والقمر والشمس . وذلك الدليل لولم يكن عاما في كل السموات والأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وأنه خطأ ، فثبت أن ذلك ٤٧ قوله تعالى: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات)) الآية سورة الأنعام الدليل كان عاما فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لاراءة الملكوت . فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها وإمكانها وحدوثها على وجود الاله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الاراءة بالقلب لا بالعين . ﴿ الحجة السابعة ﴾ أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل اذا كان مسبوقا بالشك وقوله تعالى ( وليكون من الموقنين ) كالغرض من تلك الاراءة فيصير تقدير الآية نرى ابراهيم ملكوت السموات والأرض لأجل أن يصير من الموقنين . فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل ، وجب أن تكون تلك الاراءة عبارة عن الاستدلال . الحجة الثامنة ) أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد وهو أنها محدثة ممكنة وكل محدث ممكن فهو محتاج الى الصانع . واذا عرف الانسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال على الصانع وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار وهذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة البتة . ثم إنها غير شاغلة عن الله تعالى بل هي شاغلة للقلب والروح بالله . أما رؤية العين فالانسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال . ألا ترى أن من نظر الى صحيفة مكتوبة فانه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفا واحدا فان حدق نظره الى حرف آخر وشغل بصره به صار محروما عن إدراك الحرف الأول ، أو عن إبصاره . فثبت أن رؤية الأشياء الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة . وبتقدير أن تكون ممكنة هي غير باقية وبتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى مدح محمداً عليه الصلاة والسلام في ترك هذه الرؤية فقال ( ما زاغ البصر وما طغى ) فثبت بجملة هذه الدلائل أن تلك الاراءة كانت إراءة بحسب بصيرة العقل ، لا بحسب البصر الظاهر . فان قيل : فرؤية القلب على هذا التفسير حاصلة لجميع الموحدين فأى فضيلة تحصل لا براهیم بسببها قلنا : جميع الموحدين وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع على آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وأحوالها مما لا يحصل إلا للأكابر من الأنبياء عليهم السلام . ولهذا المعنى كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه ((اللهم أرنا الأشياء كما هي)) فزال هذا الاشكال . والله أعلم . ٤٨ قوله تعالى: ((وكذلك نرى ملكوت السموات والأرض)) الآية سورة الأنعام ﴿ المسألة الرابعة﴾ اختلفوا في ((الواو)) في قوله (وليكون من الموقنين) وذكروا فيه وجوها : الأول : الواو زائدة والتقدير : نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليستدل بها ليكون من الموقنين . الثاني : أن يكون هذا كلاما مستأنفا لبيان علة الاراءة والتقدير وليكون من الموقنين نريه ملكوت السموات والأرض . الثالث : أن الاراءة قد تحصل وتصير سببا لمزيد الضلال كما في حق فرعون قال تعالى ( ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ) وقد تصير سببا لمزيد الهداية واليقين . فلما احتملت الاراءة هذين الاحتمالين قال تعالى في حق ابراهيم عليه السلام : إنا أريناه هذه الآيات ليراها ولأجل أن يكون من الموقنين لا من الجاحدين والله أعلم . ﴿ المسألة الخامسة﴾ اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل ولهذا المعنى لا يوصف علم الله تعالى بكونه يقينا لأن علمه غير مسبوق بالشبهة وغير مستفاد من الفكر والتأمل . واعلم أن الانسان في أول ما يستدل فانه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه فاذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت صارت سببا بحصول اليقين وذلك لوجوه : الأول : أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر وقوة فلا تزال القوة تتزايد حتى ننتهي الى الجزم . الثاني : أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد ، فكما أن كثرة التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذى لا يزول عن القلب ، فكذا ههنا . الثالث : أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدا فاذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد من الدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب ، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة ، فاذا حصل الاستدلال الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى ، فيصير الاشراق واللمعان أتم . وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر وهو الصبح . فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح ، ثم كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب الشمس من سمت الرأس ، فاذا وصلت الى سمت الرأس حصل النور التام ، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى . الا ان الفرق بين شمس العلم وبين شمس العالم أن شمس العالم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حد معين لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود ، وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد ، فلا نهاية لتصاعدها ولا غاية لازديادها فقوله (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض) إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات وقوله ( وليكون والله أعلم من المؤمنين ) اشارة الى درجات أنوار التجلي وشروق شمس المعرفة والتوحيد . ٤٩ قوله تعالى: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً) الآية سورة الأنعام فَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَ كَوْكَبًّا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَّا أَفَلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ فَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِنَّ قَالَ هَنْذَا رَبِّ قَّا أَقَلَ قَالَ لَبِن ◌َّمْ يَهْدِنِى رَبِ لَأَكُونَنَّ مِنَ ٧٦ اَلْقَوْمِ الضَّالِينَ ﴿ه فَمَا رَءَ الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَئِذَا رَبِى هَذَا أَكْبُّ فَلَّا أَفَلَتْ قَالَ يَدَقَّوْمِ إِنَّىِ بَرِىُّ تِمَا تُشْرِكُونَ (٨ه إِنِّى وَجَهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَنَّتِ: وَالْأَرْضَ حَنِفًا وَمَا أَنَأْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ٧٩ قوله تعالى ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم اني برىء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ﴾ في هذه الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف ( فلما جن عليه الليل) عطف على قوله ( قال إبراهيم لأبيه آزر ) وقوله ( وكذلك نرى ) جملة وقعت اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الواحدى رحمه الله: يقال جن عليه الليل وأجنه الليل، ويقال : لكل ما سترته جن وأجن ، ويقال ايضا جنه الليل ، ولكن الاختيار جن عليه الليل ، وأجنه الليل . هذا قول جميع أهل اللغة ، ومعنى ( جن ) ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن ، وهو المقبور . والمجنة كل هذا يعود أصله الى الستر والاستتار، وقال بعض النحويين ( جن عليه الليل ) إذا أظلم عليه الليل . ولهذا دخلت ((على )) عليه كما تقول في أظلم . فاما جنه فستره من غير تضمين معنى (أظلم ) ﴿ المسألة الثالثة ) اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه ، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد فحبلت أم ابراهيم به وما أظهرت حبلها للناس ، فلما جاءها الطلق ذهبت الى كهف في جبل ووضعت الفخر الرازي ج١٣ م٤ ٥٠ قوله تعالى: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكبً) الآية سورة الأنعام ابراهيم وسدت الباب بحجر ، فجاء جبريل عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام، فكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له ربا ، فسأل الأم فقال لها : من ربي ؟ فقالت أنا ، فقال : ومن ربك ؟ قالت أبوك ، فقال الأب : ومن ربك؟ فقال: ملك البلد . فعرف ابراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئاً يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء فقال: هذا ربي الى آخر القصة . ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال: ان هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه ، ومنهم من قال : ان هذا كان قبل البلوغ . واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوه عليه بوجوه : ﴿ الحجة الأولى﴾ أن القول بربوبية النجم كفر بالاجماع والكفر غير جائز بالاجماع على الأنبياء ﴿ الحجة الثانية﴾ أن ابراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل. والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر ( أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ) ﴿ الحجة الثالثة﴾ أنه تعالى حكى عنه انه دعا أباه الى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه الى التوحيد وترك عبادة الاصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش . ومن المعلوم أن من دعا غيره الى الله تعالى فانه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليظ الا بعد المدة المديدة واليأس التام . فدل هذا على أن هذه الواقعة انما وقعت بعد أن دعا أباه الى التوحيدمرارا واطوارا ، ولا شك أنه اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه . فثبت أن هذه الواقعة انما وقعت بعد أن عرف الله بمدة ﴿ الحجة الرابعة) أن هذه الواقعة انما وقعت بعد أن أراه أن الله ملكوت السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما الى ما تحت الثرى ، ومن كان منصبه في الدين كذلك ، وعلمه بالله كذلك ، كيف يليق به ان يعتقد الهية الكواكب ؟ ﴿ الحجة الخامسة﴾ أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجها وأكثر ٥١ قوله تعالى: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً) الآية سورة الأنعام ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيبا من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلا عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء ؟ ﴿ الحجة السادسة) أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام (إذ جاء ربه بقلب سليم ) وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليما عن الكفر ، وأيضا مدحه فقال ( ولقد آتينا ابراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) أى آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة . وقوله ( وكنا به عالمين ) أى بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) ﴿ الحجة السابعة ) قوله (وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين ) أى وليكون بسبب تلك الاراءة من الموقنين ثم قال بعده ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ والفاء تقتضي الترتيب ، فثبت أن هذه الواقعة انما وقعت بعد أن صار ابراهيم من الموقنين العارفين بربه ﴿ الحجة الثامنة) أن هذه الواقعة انما حصلت بسبب مناظرة ابراهيم عليه السلام مع قومه ، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال ( وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه ) ولم يقل على نفسه ، فعلم أن هذه المباحثة انما جرت مع قومه لاجل أن يرشدهم الى الايمان والتوحيد . لا لأجل أن ابراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه ﴿ الحجة التاسعة﴾ أن القوم يقولون ان ابراهيم عليه السلام انما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس حال ما كان في الغار ، وهذا باطل . لأنه لو كان الأمر كذلك ، فكيف يقول ( يا قوم اني بريء مما تشركون ) مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم الحجة العاشرة ﴾ قال تعالى (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله ) وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم ، وهذا يدل على أنه عليه السلام انما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه الى عبادتها فذکر قوله ( لا أحب الآفلين ) ردا عليهم وتنبيها لهم على فساد قولهم . ﴿ الحجة الحادية عشر) أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ) وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام ، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له ( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار ٥٢ قوله تعالى: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً» الآية سورة الأنعام ﴿ الحجة الثانية عشرة) أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ، ثم غربت ، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية ، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للالهية بطل ذلك أيضا في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا : إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه . اما إذا قلنا المقصود منها الزام القوم والجاؤهم ، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن ان يقال انه انما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلائع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير فالسؤال غير وارد، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة انه لا يجوز أن يقال إن ابراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم : هذا ربي . وإذا بطل هذا بقى ههنا احتمالان: الأول : أن يقال هذا كلام ابراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه اثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة . الأول : أن يقال إن ابراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي . على سبيل الاخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم ، فذكر ابراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله ، ومثاله : أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم ، فيقول : الجسم قديم ؟ فاذا كان كذلك ، فلم نراه ونشاهده مركبا متغيرا ؟ فهو انما قال الجسم قديم اعادة لكلام الخصم حتى يلزم المجال عليه ، فكذا ههنا قال ( هذا ربي) والمقصود منه حكاية قول الخصم ، ثم ذكر عقيبة ما يدل على فساده وهو قوله ( لا أحب الآفلين ) وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب ، والدليل عليه: أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى ( وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه ) . ﴿ والوجه الثاني في التأويل ﴾ أن نقول قوله ( هذا ربي ) معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء : أن إلهه جسم محدود أى في زعمه واعتقاده قال تعالى ( وانظر الى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا ) وقال تعالى ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ) وكان صلوات الله عليه يقول : يا إله الآلهة. والمراد أنه تعالى اله الآلهة في زعمهم وقال ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) أى عند نفسك . والوجه الثالث في الجواب ﴾ أن المراد منه الاستفهام على سبيل الانكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه . والوجه الرابع ﴾ أن يكون القول مضمرا فيه، والتقدير: قال يقولون هذا ربي. ٥٣ قوله تعالى: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً)) الآية سورة الأنعام واضمار القول كثير ، كقوله تعالى ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسمعيل ربنا ) أى يقولون ربنا وقوله ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم الى ليقربونا الى الله زلفى ) أى يقولون ما نعبدهم ، فكذا ههنا التقدير : ان ابراهيم عليه السلام قال لقومه : يقولون هذا ربي . أی هذا هو الذى يدبرني وير بيني . ﴿ والوجه الخامس ﴾ أن يكون ابراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوما هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء . الوجه السادس ﴾ أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة الى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا اليه ، فمال الى طريق به يستدرجهم الى استماع الحجة . وذلك بأن ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئنا بالايمان ، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على أبطاله وافساده وأن يقبلوا قوله وتمام التقرير أنه لما يجد الى الدعوة طريقا سوى هذا الطريق ، وكان عليه السلام مأمورا بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر ، ومعلوم أن عند الاكراه يجوز اجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) فاذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد فبأن يجوز اظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى وأيضا المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر العظيم ، ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الاسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال . حتى لو صلى وترك القتال أثم ولو ترك الصلاة وقاتل استحق الثواب ، بل نقول : أن من كان في الصلاة فرأى طفلا أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لانقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء . فكذا ههنا أن ابراهيم عليه السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى اذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل ، ومما يقوى هذا الوجه : أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله ( فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين ) وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث المستقبلية فوافقهم ابراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ، ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق الى كسر الأصنام ، فاذا جازت الموافقة في الظاهر ههنا . مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ، فلم لا يجوز أن يكون في ٥٤ قوله تعالى: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً)) الآية سورة الأنعام ١ مسئلتنا كذلك ؟ وأيضا المتكلمون قالوا : أنه يصح من الله تعالى اظهار خوارق العادات على يد من يدعي الالهية لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده ، ولكن لا يجوز اظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا ههنا . وقوله ( هذا ربي ) لا يوجب الضلال ، لأن دلائل بطلانه جلية وفي اظهارها هذه الكلمة منفعة عظيمة وهي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزا والله أعلم . ﴿ الوجه السابع﴾ أن القوم لما دعوه الى عبادة النجوم فكانوا في تلك المناظرة الى أن طلع النجم الدری فقال ابراهيم عليه السلام ( هذا ربي ) أی هذا هو الرب الذی تدعونني الیه ثم سكت زمانا حتى أفل ثم قال ( لا أحب الآفلين ) فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول وهو أنه صلوات الله عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ . أما الاحتمال الثاني ﴾ وهو أنه ذكره قبل البلوغ وعند القرب منه فتقريره أنه تعالى كان قد خص ابراهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية ، فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفکر فرأی النجم ، فقال ( هذا ربي ) فلما شاهد حرکته قال ( لا أحب الآفلين ) ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا البحث فقال في الحال ( إني بريء مما تشركون ) فهذا الاحتمال لا بأس به ، وإن كان الاحتمال الاول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل الكثيرة ، على أن هذه المناظرة إنما جرت لابراهيم عليه السلام وقت اشتغاله بدعوة القوم الى التوحيد والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ أبو عمرو. وورش عن نافع (رثى) بفتح الراء وكسر الهمزة حیث کان ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما فاذا كان بعد الألف کاف أو هاء نحو : رآك ورآها فحينئذ يكسرها حمزة والكسائي ويفتحها ابن عامر . وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم مثل حمزة والكسائي فاذا تلته ألف وصل نحو : رأى الشمس ، ورأى القمر . فان حمزة ويحيى عن أبي بكر ونصر عن الكسائي يكسرون الراء ويفتحون الهمزة والباقون يقرؤن جميع ذلك بفتح الراء والهمزة ، واتفقوا في رأوك ، ورأوه أنه بالفتح . قال الواحدى : أما من فتح الراء والهمزة فعلته واضحة وهي ترك الألف على الأصل نحو : رعى ورمى . وأما من فتح الراء وكسر الهمزة فانه أمال الهمزة نحو الكسر ليميل الألف التي في رأى نحو الياء وترك الراء مفتوحة على الأصل . وأما من كسرهما جميعا فلأجل أن تصير حركة الراء مشابهة لحركة الهمزة .. ٥٥ قوله تعالى: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً)) الآية (سورة الأنعام والواحدى طول في هذا الباب في كتاب البسيط فليرجع اليه . والله أعلم . ﴿ المسألة الخامسة﴾ القصة التي ذكرناها من أن ابراهيم عليه السلام ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل عليه السلام يربيه كل ذلك محتمل في الجملة . وقال القاضي : كل ما يجرى مجرى المعجزات فانه لا يجوز لأن تقديم المعجز على وقت الدعوى غير جائز عندهم ، فهذا هو المسمى بالارهاص إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله فتجعل تلك الخوارق معجزة لذلك النبي. وأما عند اصحابنا فالارهاص جائز فزالت الشبهة والله أعلم . ﴿ المسألة السادسة ﴾ أن ابراهيم عليه السلام استدل أفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون رباً له وخالقاً له . ويجب علينا ههنا أن نبحث عن أمرين: أحدهما : أن الأفول ما هو؟ والثاني : أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب ؟ فنقول : الأفول عبارة عن غيبوبة الشىء بعد ظهوره . وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل ، فيقول : الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث أنه حركة وعلى هذا التقدير ، فيكون الطلوع أيضا دليلا على الحدوث ، فلم ترك ابراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول ؟ والجواب : لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذى يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم الى الله لا بد وأن يكون ظاهراً جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل . ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق . أما دلالة الأفول فانها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد ، فان الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم . وأيضا قال بعض المحققين : الهوى في خطرة الامكان أفول ، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الاوساط وحصة العوام ، فالخواص يفهمون من الافول الامكان ، وكل ممكن محتاج ، والمحتاج: لا يكون مقطوع الحاجة ، فلا بد من الانتهاء الى من يكون منزها عن الامكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال ( وأن الى ربك المنتهى ) وأما الأوساط فانهم يفهمون من الافول مطلق الحركة ، فكل متحرك محدث ، وكل محدث فهو محتاج الى القديم القادر . فلا يكون الآفل إلها بل الاله هو الذى احتاج اليه ذلك الآفل . وأما العوام ٥٦ قوله تعالى: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً)) الآية سورة الأنعام فانهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فانه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح الالهية ، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله ( لا أحب الآفلين ) كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين وفيه دقيقة أخرى : وهو أنه عليه السلام انما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين . ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدا الى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير . أما إذا كان غريبا وقريبا من الأفول فانه يكون ضعيف التأثير قليل القوة . فنبه بهذه الدقيقة على أن الآلهة هو الذى لا تتغير قدرته الى العجز وكماله الى النقصان ، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي ، يكون ضعيف القوة ، ناقص التأثير ، عاجزا عن التدبير ، وذلك يدل على القدح في إلهيته ، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في الهيته والله أعلم . ﴿ أما المقام الثاني﴾ وهو بيان أن كون الكوكب آفلا يمنع من ربوبيته . فلقائل أيضا أن يقول : أقصى ما في الباب أن یکون أفوله دالا على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من کونه ربا لا براهيم ومعبودا له ، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الاله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها ، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل ، فثبت أن أفول الكواكب وان دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها اربابا للانسان وآلهة لهذا العالم . والجواب : لنا ههنا مقامان : المقام الأول ﴾ أن يكون المراد من الرب والاله الموجود الذى عنده تنقطع الحاجات ، ومتی ثبت بأفول الکواکب حدوثها ، وثبت في بداهة العقول أن کل ما کان محدثا ، فانه يكون في وجوده محتاجا إلى الغير . وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها الى غيرها ، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أربابا وآلهة . بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها ، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أربابا وآلهة بهذا التفسير ﴿ المقام الثاني﴾ أن يكون المراد من الرب والاله. من يكون خالقا لنا وموجدا لذواتنا وصفاتنا . فنقول : أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والايجاد وعلى انه لا يجوز ٥٧ قوله تعالى ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً)) الآية سورة الأنعام : عبادتها وبيانه من وجوه : الأول : ان أفولها يدل على حدوثها . وحدوثها يدل على افتقارها الى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية . والا لافتقرت قادريته الى قادر آخر ، ولزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن قادريته أزلية وإذا ثبت هذا فنقول : الشيء الذى هو مقدور له إنما صح كونه مقدورا له باعتبار إمكانه والامكان واحد في كل الممكنات . فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدورا لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات ، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدورة لله تعالى .وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول فالحاصل أنه ثبت بالدليل ان كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة ، وان كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة ، وأيضا فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الايجاد والابداع ، وان كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة . ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات ، فأما التفريع والتفصيل ، فذاك إنما يليق بعلم الجدل . فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الايجاد والابداع ، فلهذا السبب استدل ابراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أربابا وآلهة لحوادث هذا العالم الوجه الثاني ﴾ ان أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها الى القادر المختار ، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للافلاك والكواكب ، ومن كان قادرا على خلق الكواكب والافلاك من دون واسطة أى شيء كان فبأن يكون قادرا على خلق الانسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الاعظم لا بد وأن يكون قادرا على خلق الشيء الاضعف ، واليه الاشارة بقوله تعالى ( لخلق السموات والارض أكبر من خلق الناس ) وبقوله ( أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) فثبت بهذا الطريق أن الاله الأكبر يجب أن يكون قادرا على خلق البشر، وعلى تدبير العالم الاسفل بدون واسطة الاجرام الفلكية وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الاله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس والنجوم والقمر ﴿ الوجه الثالث ﴾ أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة ، لبقى هذا ٥٨ قوله تعالى ((فلما جن عليه الليل رأى كوكباً) الآية! سورة الأنعام الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الانسان أن خالقه هذا الكوكب . أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكا في معرفة خالقه . أما لو عرفنا الكل وأسندنا الخلق والايجاد والتدبير الى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره ، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم وأربابا للحيوان والإنسان . والله أعلم . فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل . فان قيل : لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل ، وكان أفول الكواكب والقمر والشمس حاصلا في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم الى التوحيد . فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالسا مع اولئك الاقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء . فلما أفل قال ابراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلها لما انتقل من الصعود الى الأفول ومن القوة إلى الضعف . ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر وأفل . فأعاد عليهم ذلك الكلام ، وكذا القول في الشمس ، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل ابراهيم صلوات الله وسلامه عليه ﴿ المسألة السادسة) تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب ، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك ، والشمس على العقل المجرد الذى لكل ذلك ، وكان أبو على بن سيناء يفسر الأفول بالامكان ، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها امكانها في نفسها ، وزعم أن المراد من قوله ( لا أحب الآفلين ) أن هذه الاشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها ، وكل ممكن فلا بد له من مؤثر، ولا بد له من الانتهاء الى واجب الوجود . واعلم أن هذا الكلام لا بأس به . إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه ، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم ، والشمس على العقل ، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثلا قاصرة متناهية ، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها والله أعلم . ﴿ المسألة السابعة ﴾ دل قوله ( لا أحب الآفلين ) على أحكام : ٥٩ قوله تعالى: ((فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي)) الآية سورة الأنعام الحكم الأول هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا أبدا فكان آفلا أهدا ، وأيضا يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى ، وإلا لحصل معنى الأفول . الحكم الثاني هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلا للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية ، وإلا لكان متغيرا ، وحينئذ يحصل معنى الأفول ، وذلك محال . الحكم الثالث تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل لا على التقليد ، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة البتة . الحكم الرابع تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية ، وإلا لما احتاج ابراهيم إلى الاستدلال . الحكم الخامس تدل هذه الآية على أنه لا طريق الى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته ، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل ابراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم أما قوله تعالى ﴿ فلما رأی القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأکونن من القوم الضالين ﴾ ففيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ يقال : بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، وبزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع . ونجوم بوازغ . قال الأزهرى : كأنه مأخوذ من البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق .*- ٦٠ قوله تعالى: ((فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي)) الآية سورة الأَنَّعام الظلمة شقا ، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب . ﴿ المسألة الثانية) دل قوله ( لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى . ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وازاحة الأعذار ونصب الدلائل . لأن كل ذلك كان حاصلا ، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد وأن تكون زائدة عليها . واعلم أن كون ابراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية الى الله تعالى ، وكذا في قوله ( الذى خلقني فهو يهدين ) وكذا في قوله ( واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام ) اما قوله ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ انما قال في الشمس هذا مع انها مؤنثة، ولم يقل هذه لوجوه : أحدها : أن الشمس بمعنى الضياء والنور ، فحمل اللفظ على التأويل فذكر . وثانيها : أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث ، فلما أشبه لفظها لفظ المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين ، وثالثها : أراد هذا الطالع أو هذا الذى أراه ، ورابعها : المقصود منه رعاية الأدب ، وهو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية ﴿ المسألة الثانية ) قوله (هذا أكبر) المراد منه أكبر الكواكب جرما وأقواها قوة ، فكان أولى بالآلهية فان قيل : لما كان الأفول حاصلا في الشمس والأفول يمنع من صفة الربوبية ، واذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر ولسائر الكواكب أولى . وبهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره في القمر والكواكب . فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للايجاز والاختصار ؟ قلنا : ان الأخذ من الأدون فالأدون ، مترقيا الى الأعلى فالأعلى ، له نوع تأثير في التقرير والبيان والتأكيد لا يحصل من غيره ، فكان ذكره على هذا الوجه أولى أما قوله ﴿ قال يا قوم إني بريء مما تشركون﴾ فالمعنى أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية والالهية ، لا جرم تبرأ من الشرك ولقائل أن يقول : هب أنه ثبت بالدليل ان الكواكب والشمس والقمر لا تصلح