Indexed OCR Text
Pages 161-180
قوله تعالى ((هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا)) الآية سورة الأنعام ١٦١ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَ أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عندَهْ، ثُمََّنُمْ تَمْتَّرُونَ ( قوله تعالى ﴿هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون ﴾ . اعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل إثبات الصانع تعالى ، ويحتمل أن يكون المراد منه ذكر الدليل على صحة المعاد ، وصحة الحشر . أما الوجه الأول ﴾ فتقريره : أن الله تعالى لما استدل بخلقه السموات والأرض وتعاقب الظلمات والنور على وجود الصانع الحكيم أتبعه بالاستدلال بخلقه الانسان ، على إثبات هذا المطلوب فقال ( هو الذي خلقكم من طين ) والمشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وآدم كان مخلوقاً من طين . فلهذا السبب قال ( هو الذي خلقكم من طين ) وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الانسان مخلوق من المنى ومن دم الطمث ، وهما يتولدان من الدم ، والدم إنما يتولد من الأغذية ، والأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، فإن كانت حيوانية كان الحال في كيفية تولد الإنسان ، فبقي أن تكون نباتية ، فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية ، ولا شك أنها متولدة من الطين ، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين . وهذا الوجه عندي أقرب إلى الصواب . إذا عرفت هذا فنقول : هنا الطين قد تولدت النطفة منه بهذا الطريق المذكور ، ثم تولد من النطفة أنواع الأعضاء المختلفة في الصفة والصورة واللون والشكل مثل القلب والدماغ والكبد ، وأنواع الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها ، وتولد الصفات المختلفة في المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدیر مقدر حكيم ومدبر رحيم وذلك هو المطلوب . ﴿ وأما الوجه الثاني ﴾ وهو أن يكون المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد ، فنقول لما ثبت أن تخليق بدن الانسان إنما حصل ، لأن الفاعل الحكيم والمقدر الرحيم ، رتب حلقة هذه الأعضاء على هذه الصفات المختلفة بحكمته وقدرته ، وتلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها ، وذلك يدل على صحة القول بالمعاد . أما قوله تعالى ﴿ ثم قضى أجلاً﴾ ففيه مباحث : المبحث الأول ﴾ لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر . قال تعالى ( وقضى ربك الفخر الرازي ج١٢ م١١ ١٦٢ قوله تعالى ((ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده)) الأنعام الآية سورة الأنعام ألا تعبدوا إلا إياه ) وبمعنى الخبر والاعلام . قال تعالى (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) وبمعنى صفة الفعل إذا تم . قال تعالى ( فقضاهن سبع سموات في يومين ) ومنه قولهم قضى فلان حاجة فلان . وأما الأجل فهو في اللغة . عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الانسان هو الوقت المضروب لانقضاء عمره ، وأجل الدين محله لانقضاء التأخير فيه وأصله من التأخير يقال أجل الشيء يأجل أجولاً ، وهو آجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل . إذا عرفت هذا فقوله ( ثم قضى أجلاً) معناه أنه تعالى خصص موت كل واحد بوقت معين وذلك التخصيص عبارة عن تعلق مشيئته بايقاع ذلك الموت في ذلك الوقت . ونظير هذه الآية قوله تعالى ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ) . وأما قوله تعالى ﴿وأجل مسمى عنده ﴾ . فاعلم أن صريح هذه الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان . واختلف المفسرون في تفسيرهما على وجوه : الأول : قال أبو مسلم قوله ( ثم قضى أجلاً) المراد منه آجال الماضين من الخلق وقوله ( وأجل مسمى عنده) المراد منه آجال الباقين من الخلق فهو خص هذا الأجل . الثاني : بكونه مسمى عنده ، لأن الماضين لما ماتوا صارت آجالهم معلومة ، أما الباقون فهم بعد لم يموتوا فلم تصراجالهم معلومة ، فلهذا المعنى قال ( وأجل مسمى عنده ) والثاني : أن الأجل الأول هو أجل الموت والأجل المسمى عند الله هو أجل القيامة"، لأن مدة حياتهم في الآخرة لا آخرة لها ولا انقضاء ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله سبحانه وتعالى. والثالث : الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت . والثاني : ما بين الموت والبعث وهو البرزخ . والرابع : أن الأول : هو النوم والثاني: الموت. والخامس : أن الأجل الأول مقدار ما انقضى من عمر كل أحد ، والأجل الثاني : مقدار ما بقي من عمر كل أحد . والسادس : وهو قول حكماء الإِسلام أن لكل إنسان أجلين : أحدهما : الآجال الطبيعية . والثاني : الآجال الاخترامية . أما الآجال الطبيعية : فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصوناً من العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني ، وأما الآجال الاخترامية : فهي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية : كالغرق والحرق ولدغ الحشرات ولا غيرها من الأمور المعضلة ، وقوله ( مسمى عنده ) أي معلوم عنده أو مذكور اسمه في اللوح المحفوظ ، ومعنى عنده شبيه بما يقول : الرجل في المسألة عندي أن الأمر كذا وكذا أي هذا اعتقادي وقولي . ١٦٣ سورة الأَنْعام قوله تعالى ((وهو الله في السموات وفي الأرض)) الآية وَهُوَ اللهُ فِ السَّمَنَتِ وَفِ الْأَرْضِ يَعْلَمُ سَرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَتْسِبُونَ فإن قيل : المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفاً . وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في قوله ( وأجل مسمى عنده ) . قلنا : لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة كقوله ولعبد مؤمن خير من مشرك . وأما قوله ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ فنقول: المرية والامتراء هو الشك. واعلم أنا إن قلنا المقصود من ذكر هذا الكلام الاستدلال على وجود الصانع كان معناه أن بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة أنتم تمترون في صحة التوحيد ، وإن كان المقصود تصحيح القول بالمعاد فكذلك والله أعلم . قوله تعالى ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ﴾ . واعلم أنا إن قلنا : أن المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدليل على وجود الصانع القادر المختار . قلنا : المقصود من هذه الآية بيان كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، فإن الآيتين المتقدمتين يدلان على كمال القدرة ، وهذه الآية تدل على كمال العلم وحينئذ يكمل العلم بالصفات المعتبرة في حصول الإلهية ، وإن قلنا : المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدلالة على صحة المعاد ، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان ، وذلك لأن منكري المعاد إنما أنكروه لأمرين. أحدهما : أنهم يعتقدون أن المؤثر في حدوث بدن الإنسان هو امتزاج الطبائع وينكرون أن يكون المؤثر فيه قادراً مختاراً. والثاني: أنهم يسلمون ذلك إلا أنهم يقولون إنه غير عالم بالجزئيات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي، ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو. ثم أنه تعالى أثبت بالآيتين المتقدمتين كونه تعالى قادراً ومختاراً لا علة موجبة ، وأثبت فهذه الآية كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، وحينئذ تبطل جميع الشبهات التي عليها مدار القول بإنكار المعاد، وصحة الحشر والنشر فهذا هو الكلام في نظم الآية وههنا مسائل ﴿المسألة الأولى﴾ القائلون بأن الله تعالى مختص بالمكان تمسكوا بهذه الآية وهو قوله (وهو الله في السموات) وذلك يدل على أن الاله مستقر في السماء قالوا : ويتأكد هذا أيضاً بقوله تعالى ١٦٤ قوله تعالى ((وهو الله في السموات وفي الأرض)) الآية سورة الأنعام ( أأمنتم من في السماء أن يخسف) قالوا : ولا يلزمنا أن يقال فيلزم أن يكون في الأرض لقوله تعالى في هذه الآية (وهو الله في السموات وفي الأرض) وذلك يقتضي حصوله تعالى في المكانین- معاً وهو محال لأنا نقول أجمعنا على أنه ليس بموجود في الأرض، ولا يلزم من ترك العمل بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من غير دليل، فوجب أن يبقى ظاهر قوله (وهو الله في السموات) على ذلك الظاهر، ولأن من القراء من وقف عند قوله (وهو الله في السموات) ثم يبتدىء فيقول ( وفي الأرض يعلم سركم ) والمعنى أنه سبحانه يعلم سرائركم الموجودة في الأرض فيكون قوله ( في الأرض ) صلة لقوله ( سركم ) هذا تمام كلامهم . واعلم أنا نقيم الدلالة أولاً على أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، وذلك من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه السورة ( قل لمن ما في السموات والأرض قل الله ) فبين بهذه الآية أن كل ما في السموات والأرض فهو ملك الله تعالى ومملوك له ، فلو كان الله أحد الأشياء الموجودة في السموات لزم كونه ملكاً لنفسه ، وذلك محال ، ونظير هذه الآية قوله فى سورة طه ( له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما ) فإن قالوا قوله (قل لمن ما في السموات والأرض ) هذا يقتضي أن كل ما في السموات فهو الله إلا أن كلمة ما مختصة بمن لا يعقل فلا يدخل فيها ذات الله تعالى . قلنا : لا نسلم والدليل عليه قوله ( والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها ) ونظيره ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) ولا شك أن المراد بكلمة ما ههنا هو الله سبحانه . والثاني : أن قوله ( وهو الله في السموات ) أما أن يكون المراد منه أنه موجود في جميع السموات ، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة . والثاني : ترك للظاهر والأول : على قسمين لأنه إما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السموات عين ما حصل منه في سائر السموات أو ، غيره، والأول: يقتضي حصول المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل والثاني: يقتضي كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض وهو محال. والثالث: أنه لو كان موجوداً في السموات لكان محد وداً متناهياً وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكناً، وكل ما كان کذلك کان اختصاصه بالمقدار المعین لتخصیص مخصص وتقدیر مقدر وکل ما کان کذلك فهو محدث. والرابع: أنه لو كان في السموات فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق هذه السموات أو لا يقدر، والثاني : يوجب تعجيزه والأول : يقتضي أنه تعالى لو فعل ذلك لحصل تحت هذا العالم ، والقوم ينكرون كونه تحت العالم والخامس: أنه تعالى قال (وهو معكم اينما كنتم)، وقال (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وقال (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) وقال (فأينما تولوا فثم وجه الله) وكل ذلك يبطل القول بالمكان والجهة للّه تعالى ، فثبت بهذه الدلائل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره . ١٦٥ سورة الأنعام قوله تعالى ((وهو الله في السموات وفي الأرض )) الآية فوجب التأويل وهو من وجوه : الأول: أن قوله ( وهو الله في السموات وفي الأرض ) يعني وهو الله في تدبیر السموات والأرض کما يقال: فلان في أمر کذا أي في تدبيره وإصلاح مهماته، ونظيره قوله تعالى (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) والثاني: أن قوله (وهو الله) كلام تام، ثم ابتدأ وقال (في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ) والمعنى الله سبحانه وتعالى يعلم في السموات سرائر الملائكة، وفي الأرض يعلم سرائر الأنس والجن . والثالث : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير والتقدير : وهو الله يعلم في السموات وفي الأرض سركم وجهركم ، ومما يقوي هذه التأويلات أو قولنا: وهو الله نظير قولنا هو الفاضل العالم، وكلمة هو إنما تذكر ههنا لا فائدة الحصر، وهذه الفائدة إنما تحصل إذا جعلنا لفظ الله إسماً مشتقاً فأما لو جعلناه إسم علم شخص قائم مقام التعيين لم يصح إدخال هذه اللفظة عليه، وإذا جعلنا قولنا: الله لفظاً ميداً صار معناه وهو المعبود في السماء وفي الأرض، وعلى هذا التقدير يزول السؤال والله أعلم . المسألة الثانية﴾ المراد بالسرصفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والمراد بالجهر أعمال الجوارح ، وإنما قدم ذكر السرعلى ذكر الجهر لأن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي ، فالداعية التي هي من باب السرهي المؤثرة في أعمال الجوارح المسماة بالجهر ، وقد ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، والعلة متقدمة على المعلول ، والمتقدم بالذات يجب تقديمه بحسب اللفظ . - --- المسألة الثالثة﴾ قوله (ويعلم ما تكسبون ) فيه سؤال : وهو أن الأفعال إما أفعال القلوب وهي المسماة بالسر، وإما أعمال الجوارح وهي المسماة بالجهر . فالأفعال لا تخرج عن السر والجهر فكان قوله ( ويعلم ما تكسبون ) يقتضي عطف الشيء على نفسه ، وأنه فاسد . والجواب : يجب حمل قوله ( ما تكسبون) على ما يستحقه الانسان على فعله من ثواب وعقاب والحاصل أنه محمول على المكتسب كما يقال : هذا المال كسب فلان أي مكتسبة ، ولا يجوز حمله على نفس الكسب ، وإلا لزم عطف الشيء على نفسه على ما ذكرتموه في السؤال . المسألة الرابعة ) الآية تدل على كون الانسان مكتسباً للفعل والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر، ولهذا السبب لا يوصف فعل الله بأنه كسب لكونه تعالى منزهاً عن جلب النفع ودفع الضرر والله أعلم . - د. ١٦٦ قوله تعالى «وماتأتیھم من آية من آيات ربهم إلا كانوا » سورة الأنعام. الآية وَمَا تَأْتِيِهِم مِّنْ ءَالٍَّ مِّنْ ءَايَنْتِ رَبِهِمْ إِلَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (﴾ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَكُاْ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْءُونَ ( قوله تعالى ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين إعلم أنه تعالى لما تكلم ، أولاً : في التوحيد ، وثانياً : فى المعاد ، وثالثاً: فيما يقرر هذين المطلوبين ذكر بعده ما يتعلق بتقرير النبوة وبدأ فيه بأن بين كون هؤلاء الكفار معرضين عن تأمل الدلائل ، غير ملتفتين إليها وهذه الآية تدل على أن التقليد باطل . والتأمل في الدلائل واجب. ولولا ذلك لماذم الله المعرضين عن الدلائل . قال الواحدي رحمه الله؛ من في قوله ( من آية ) الاستغراق الجنس الذي يقع في النفي كقولك ما أتاني من أحد والثانية وهي قوله ( من آيات ربهم ) للتبعيض والمعنى وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا كانوا عنه معرضين . قوله تعالى ﴿ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ . إعلم أنه تعالى : رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب ، فالمرتبة الأولى : كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر في البينات ، والمرتبة الثانية : كونهم مكذبين بها وهذه المرتبة أزيد مما قبلها ، لأن المعرض عن الشيء قد لا یکون مكذباً به ، بل یکون غافلاً عنه غیر متعرض له ، فإذا صار مكذباً به فقد زاد على الاعراض ، والمرتبة الثالثة : كونهم مستهزئين بها لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء ، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الانكار ، فبين تعالى أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب . واختلفوا في المرادد بالحق فقيل إنه المعجزات : قال ابن مسعود : انشق القمر بمكة وانفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة ، وقيل إنه القرآن ، وقيل : إنه محمد صلىَّ الله عليه وسلم وقيل إنه الشرع الذي أتى به محمد صلىَّ الله عليه وسلم والأحكام التي جاء بها محمد صلىَّ اللّه عليه وسلم وقيل إنه الوعد والوعيد ، الذي يرغبهم به تارة ويحذرهم بسببه أخرى ، والأولى دخول الكل فيه . وأما قوله تعالى ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن﴾ المراد منه الوعيد والزجر. عن ذلك الاستهزاء ، فيجب أن يكون المراد بالأنباء الأنباء لا نفس الأنباء بل العداب الذي أنبأ الله تعالى به ونظيره قوله تعالى ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) والحكيم إذا توعد فربما قال ٠٠ قوله تعالى ((ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن)) الآية سورة الأنعام ١٦٧ الَّ يَوْ كُمْ أَهْلَكْثَ مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنِ مَّكَّنَّثُهُمْ فِ الْأَرْضِ مَالَمْ تُمَِّ لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَ نَجْرِى مِن تَحْنِمْ فَأَهْلَكْنَهُم ◌ِذُنُوِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًّا ءَ اخَرِينَ ﴾ ٦ ستعرف نبأ هذا الأمر إذا نزل بك ما تحذره ، وإنما كان كذلك لأن الغرض بالخبر الذي هو الوعيد حصول العلم بالعقاب الذي ينزل فنفس العقاب إذا نزل يحقق ذلك الخبر ، حتى تزول عنه الشبهة . ثم المراد من هذا العذاب يحتمل أن يكون عذاب الدنيا ، وهو الذي ظهر يوم بدر ويحتمل أن يكون عذاب الآخرة . قوله تعالى ﴿ الم یرواکم أهلکنا من قبلهم من قرن مکناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ . إعلم أن الله تعالى لما منعهم عن ذلك الاعراض والتكذيب والاستهزاء بالتهديد والوعيد أتبعه بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب فوعظهم بسائر القرون الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم . فإن قيل : ما القرن ؟ قلنا قال الواحدي : القرن القوم المقترنون في زمان من الدهر فالمدة التي يجتمع فيها قوم ثم يفترقون بالموت فهي قرن ، لأن الذي يأتون بعدهم أقوام آخرون اقترنوا فهم قرن آخر، والدليل عليه قوله عليه السلام ((خير القرون قرني)) واشتقاقه من الأقران ، ولما كان أعمار الناس في الأكثر الستين والسبعين والثمانين لا جرم . قال بعضهم : القرن هو الستون ، وقال آخرون : هو السبعون ، وقال قوم هو الثمانون والأقرب أنه غير مقدر بزمان معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان ، بل المراد أهل كل عصر فإذا انقضى منهم الأكثر قيل قد انقضى القرن . واعلم أن الله تعالى وصف القرون الماضية بثلاثة أنواع من الصفات : الصفة الأولى ﴾ قوله (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) قال صاحب الكشاف مکن له في الأرض جعل له مكاناً ونحوه في أرض له ومنه قوله تعالى ( أنا مکنا له في الأرض أو لم يمكن لهم) وأما مكنته في الأرض ، فمعناه أثبته فيها ومنه قوله تعالى (ولقد مكناهم فيما إنْ مكناكم فيه ) ولتقارب المعنيين جمع الله بينهما في قوله ( مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) ١٦٨ قوله تعالى ((ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن )) الآية سورة الأنعام والمعنى لم نعط أهل مكة مثل ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا . والصفة الثانية ﴾ قوله ( وأرسلنا السماء عليهم مدراراً) يريد الغيث والمطر ، فالسماء معناه المطرههنا ، والمدرار الكثير الدر وأصله من قولهم در اللبن إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير فالمدرار يصلح أن يكون من نعت السحاب ، ويجوز أن يكون من نعت المطر يقال سحاب مدرار إذا تتابع أمطاره . ومفعال يجيء في نعت يراد المبالغة فيه . قال مقاتل ( مدراراً) متتابعاً مرة بعد أخرى ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث . والصفة الثالثة﴾ قوله (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ) والمراد منه كثرة البساتين . واعلم أن المقصود من هذه الأوصاف أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر مما وجده أهل مكة ، ثم بين تعالى أنهم مع مزيد العز في الدنيا بهذه الوجوه ومع كثرة العدد والبسطة في المال والجسم جرى عليهم عند الكفر ما سمعتم وهذا المعنى يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة بقي ههنا سؤالات : السؤال الأول﴾ ليس في هذا الكلام إلا أنهم هلكوا إلا أن هذا الهلاك غير مختص بهم بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضاً قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا الكلام في معرض الزجر عن الكفر مع أنه مشترك فيه بين الكافر وبين غيره . والجواب : ليس المقصود منه الزجر بمجرد الموت والهلاك ، بل المقصود أنهم باعوا الدين بالدنيا ففاتهم وبقوا في العذاب الشديد بسبب الحرمان عن الدين . وهذا المعنى غير مشترك فيه بين الكافر والمؤمن . السؤال الثاني ﴾ كيف قال ( ألم يروا) مع أن القوم ما كانوا مقرين بصدق محمد عليه السلام فيما يخبر عنه وهم أيضاً ما شاهدوا وقائع الأمم السالفة . والجواب : أن أقاصيص المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا هذه الحكايات ولمجرد سماعها يكفي في الاعتبار . والسؤال الثالث ﴾ ما الفائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم . والجواب : أن الفائدة هي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلكهم ويخلي بلادهم منهم ، فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم قوماً آخرين يعمر بهم بلادهم كقوله ( ولا يخاف قوله تعالى ((ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم)) الآية سورة الأنعام ١٦٩ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَبًا فِىِ قِرْطَاسِ فَكَسُوُهُ بِأَيْدِ يِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِرٌ مُبِينٌ ٧ عقباها ) والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ﴾ . إعلم أن الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف كثيرة ، فالطائفة الأولى الذين بالغوا في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها إلى أن استغرقوا فيها واغتنموا وجدانها ، فصار ذلك مانعاً لهم عن قبول دعوة الأنبياء ، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة وبين أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باق ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات المنقرضة الخسيسة ، والطائفة الثانية الذين يحملون معجزات الأنبياء عليهم السلام ، على أنها من باب السحر لا من باب المعجزة ، هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية وههنا مسائل . ﴿ المسألة الأولى﴾ بين الله تعالى في هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به ، بل حملوه على أنه سحر ومخرقة ، والمراد من قوله ( في قرطاس ) أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة ، فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا أنه سحر . فإن قيل : ظهور الكتاب ونزوله من السماء هل هو من باب المعجزات أم لا ، فإن لم يكن من باب المعجزات لم يكن إنكارهم لدلالته على النبوة منكراً ، ولا يجوز أن يقال : أنه من باب المعجزات لأن الملك يقدر على إنزاله من السماء ، وقبل الإيمان بصدق الأنبياء والرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة ، وقبل الإيمان بالرسل ، لا شك أنا نجوز أن يكون نزول ذلك الكتاب من السماء من قبل بعض الجن والشياطين ، أو من قبل بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم ، وإذا كان هذا التجويز قائماً فقد خرج نزول الكتاب من السماء عن كونه دليلاً على الصدق . قلنا : ليس المقصود ما ذكرتم ، بل المقصود أنهم إذا رأوه بقوا شاكين فيه ، وقالوا : إنما سكرت أبصارنا ، فإذا لمسوه بأيديهم فقد يقوى الادراك البصري بالادراك اللمسي ، وبلغ ١٧٠ قوله تعالى ((وقالوا لولا أنزل عليه ملك)) الآية سورة الأنعام وقالُواْلَوْلَ أَنْزِلَ عَلَيْهِ مَكَّ وَلَوْأَزَ لْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَلَا يُنْظَرُونَ (*) وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكَا لَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّ يَلْيُونَ الغاية في الظهور والقوة ، ثم هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا ، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة ، فهذا هو المقصود من الآية لا ما ذكرتم والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال القاضي: دلت هذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يمنع العبد لطفاً. علم أنه لو فعله لآمن عنده لأنه بين أنه إنما لا ينزل هذا الكتاب من حيث أنه لو أنزله لقالوا هذا القول ، ولا يجوز أن يخبر بذلك إلا والمعلوم أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة . فثبت بهذا وجوب اللطف، ولقائل أن يقول: إن قوله لو أنزل الله عليهم هذا الكتاب لقالوا هذا القول لا يدل على أنه تعالى ينزله عليهم ، لو لم يقولوا هذا القول إلا على سبيل دليل الخطاب ، وهو عنده ليس بحجة ، وأيضاً فليس كل ما فعله اللّه وجب عليه ذلك ، وهذه الآية إن دلت فإنما تدل على الوقوع لا على وجوب الوقوع والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر ثم لا ينظرون ، ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ . إعلم أن هذا النوع الثالث من شبه منكري النبوات . فإنهم يقولون : لو بعث الله إلى الخلق رسولاً لوجب أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة . فإنهم إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر ، وقدرتهم أشد ، ومهابتهم أعظم ، وامتيازهم عن الخلق أكمل ، والشبهات والشكوك في نبوتهم ورسالتهم أقل . والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكل شيء كان أشد إفضاء إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى . فلما كان وقوع الشبهات في نبوة الملائكة أقل ، وجب لو بعث الله رسولاً إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة . هذا هو المراد من قوله تعالى ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين : أما الأول : فقوله ( ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر ) ومعنى القضاء الاتمام والالزام . وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة . ثم ههنا وجوه : الأول : أن إنزال الملك على البشرآية باهرة ، فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء الكفار فربما لم يؤمنوا كما قال ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ) إلى قوله ( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ١٧١ سورة الأنعام قوله تعالى ((وقالوا لولا أنزل عليه ملك )) الآية يشاء الله) وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال ، فإن سنة الله جارية بأن عند ظهور الآية الباهرة إن لم يؤمنوا جاءهم عذاب الاستئصال ، فههنا ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب . والوجه الثاني : أنهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم من هول ما يشهدون ، وتقريره : أن الآدمي إذا رأى الملك فأما أن يراه على صورته الأصلية أو على صورة البشر. فإن كان الأول لم يبق الآدمي حياً، ألا ترى أن رسول الله صلىَّ الله. عليه وسلم لما رأى جبريل عليه السلام على صورته الأصلية غشي عليه ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون المرئي شخصاً على صورة البشر، وذلك لا يتفاوت الحال فيه سواء كان هو في نفسه ملكاً أو بشراً. ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم ، وأضياف لوط، وكالذين تسوروا المحراب ، وكجبريل حيث تمثل لمريم بشراً سوياً . والوجه الثالث : إن إنزال الملك آية باهرة جارية مجرى الالجاء ، وإزالة الاختيار ، وذلك مخل بصحة التكليف. الوجه الرابع : أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهات المذكورة إلا أنه يقوي الشبهات من وجه آخر ، وذلك لأن أي معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك ، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته أنت ، فعلمنا أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهة من الوجوه المذكورة لكنه يقوي الشبهة من هذه الوجوه . وأما قوله ﴿ ثم لا ينظرون﴾ فالفائدة في كلمة ((ثم)) التنبيه على أن عدم الانظار أشد من قضاء الأمر ، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة . وأما الثاني : فقوله ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً) أي لجعلناه في سورة البشر. والحكمة فيه أمور: أحدها : أن الجنس إلى الجنس أميل . وثانيها ؛ أن البشرلا يطيق رؤية الملك ، وثالثها : أن طاعات الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر، وربما لا يعذرونهم في الاقدام على المعاصي . ورابعها : أن النبوة فضل من الله فيختص بها من يشاء من عباده ، سواء كان ملكاً أو بشراً . ثم قال ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) قال الواحدي : يقال لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ، وأصله من التستر بالثوب ، ومنه لبس الثوب لأنه يفيد ستر النفس والمعنى أنا إذا جعلنا الملك في صورة البشرفهم يظنون كون ذلك الملك بشراً فيعود سؤالهم أنا لا نرضى برسالة هذا الشخص . وتحقيق الكلام أن الله لو فعل ذلك لصار فعل الله نظيراً لفعلهم في التلبيس ، وإنما كان ذلك تلبيساً لأن الناس يظنون أنه بشرمع أنه ليس كذلك ، وإنما كان فعلهم تلبيساً لأنهم يقولون لقومهم أنه بشر مثلكم والبشر لا يكون رسولاً من عند الله تعالى . ١٧٢ قوله تعالى ((ولقد استهزىء برسل من قبلك)) الاية سورة الأنعام وَلَقَدِ أَسْتُهْزِئَّ ◌ِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ لَقَ بِلَّذِينَ سَخِرُواْمِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْءُونَ (يَ قُلْ سِبُرُواْ فِ الْأَرْضِ ثُمَّأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قوله تعالى ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ﴾ . إعلم أن بعض الأقوام الذين كانوا يقولون إن رسول الله يجب أن يكون ملكاً من الملائكة كانوا يقولون هذا الكلام على سبيل الاستهزاء ، وكان يضيق قلب الرسول عند سماعه فذكر ذلك ليصير سبباً للتخفيف عن القلب لأن أحداً ما يخفف عن القلب المشاركة في سبب المحنة والغم . فكأنه قيل له إن هذه الأنواع الكثيرة من سوء الأدب التي يعاملونك بها قد كانت موجودة في سائر القرون مع أنبيائهم ، فلست أنت فريداً في هذا الطريق . وقوله ( فحاق بالذين سخروا منهم ) الآية ونظيره قوله ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) وفي تفسيره وجوه كثيرة لأهل اللغة . وهي بأسرها متقاربة . قال النضر: وجب عليهم . قال الليث ((الحيق)) ما حاق بالانسان من مكر أو سوء يعمله فنزل ذلك به ، يقول أحاق الله بهم مكرهم وحاق بهم مكرهم ، وقال الفراء ((حاق بهم)) عاد عليهم ، وقيل ((حاق بهم )) حل بهم ذلك. وقال الزجاج ((حاق)) أي أحاط. قال الأزهري: فسر الزجاج ((حاق)) بمعنى أحاط وكان مأخذه من الحوق وهو ما استدار بالكمرة . وفي الآية بحث آخر وهو أن لفظة ((ما)) في قوله ( ما كانوا به يستهزؤن ) فيها قولان : الأول : أن المراد به القرآن والشرع وهو ما جاء به محمد عليه السلام . وعلى هذا التقدير فتصير هذه الآية من باب حذف المضاف، والتقدير فحاق بهم عقاب ما کانوا به يستهزؤن . والقول الثاني ﴾ أن المراد به أنهم كانوا يستهزؤن بالعذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى هذا الاضمار . قوله تعالى ( قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) . إعلم أنه تعالى كما صبر رسوله بالآية الأولى ، فكذلك حذر القوم بهذه الآية ، وقال لرسوله قل لهم لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم إليه من لذاتها وشهواتها ، بل ١٧٣ سورة الأنعام قوله تعالى ((قل لمن ما في السموات والأرض ، الآية قُل لِمَن مَّا فِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ قُل ◌ِلَِّّ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَأُيُؤْمِنُونَ ج سيروا في الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة ، فإنكم عند السير في الأرض والسفر في البلاد لا بد وأن تشاهدوا تلك الآثار ، فيكمل الاعتبار ، ويقوي الاستبصار . فإن قيل : ما الفرق بين قوله ( فانظروا) وبين قوله ( ثم انظروا ) . قلنا : قوله ( فانظروا) يدل على أنه تعالى جعل النظر سبباً عن السير ، فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين . وأما قوله ﴿ سيروا في الأرض ثم انظروا﴾ فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع ، وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ثم نبه الله تعالى على هذا الفرق بكلمة ( ثم ) لتباعد ما بين الواجب والمباح . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل الله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ إعلم أن المقصود من تقرير هذه الآية تقرير إثبات الصانع، وتقرير المعاد وتقرير النبوة . وبيانه أن أحوال العالم العلوي والسفلي يدل على أن جميع هذه الأجسام موصوفة بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها ومقابلاتها ، ومتى كان كذلك ، فاختصاص كل جزء من الأجزاء الجسمانية بصفته المعينة لا بد وأن يكون لأجل الصانع الحكيم القادر المختار خصه بتلك الصفة المعينة . فهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله تعالى . وإذا ثبت هذا ، ثبت كونه قادراً على الاعادة والحشر والنشر، لأن التركيب الأول إنما حصل لكونه تعالى قادراً على كل الممكنات ، عالماً بكل المعلومات ، وهذه القدرة والعلم يمتنع زوالهما ، فوجب صحة الاعادة ثانياً . وأيضاً ثبت أنه تعالى ملك مطاع ، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده ، ولا بد من مبلغ ، وذلك يدل على أن بعثة الأنبياء والرسل من الله ١٧٤ قوله تعالى ((ليجمعنكم الى يوم القيامة لا ريب فيه)) الآية سورة الأنعام تعالى إلى الخلق غير ممتنع . فثبت أن هذه الآية وافية بإثبات هذه المطالب الثلاثة . ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة ، ذكر الله بعدها هذه الآية لتكون مقررة لمجموع تلك المطالب من الوجه الذي شرحناه والله أعلم . المسألة الثانية﴾ قوله تعالى (قل لمن ما في السموات والأرض) سؤال . وقوله ( قل لله ) جواب فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولاً ثم بالجواب ثانياً . وهذا . إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع . ولما بينا أن آثار الحدوث والامكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام وفي جميع صفاتها ، لا جرم كان الاعتراف بأنها بأسرها ملك الله تعالى وملك له ومحل تصرفه وقدرته . لا جرم أمره بالسؤال أولاً ثم بالجواب ثانياً ، ليدل ذلك على أن الاقرار بهذا المعنى مما لا سبيل إلى دفعه البتة . وأيضاً فالقوم كانوا معترفين بأن كل العالم ملك الله ، وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته بهذا المعنى كما قال ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) ثم إنه تعالى لما بين بهذا الطريق كمال إلهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية ، أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال ( كتب على نفسه الرحمة ) فكأنه تعالى قال : إنه لم يرض من نفسه بأن لا ينعم ولا بأن يعد بالأنعام ، بل أبداً ينعم وأبداً يعد في المستقبل بالأنعام ، ومع ذلك فقد كتب على نفسه ذلك وأوجبه إيجاب الفضل والكرم . واختلفوا في المراد بهذه الرحمة فقال بعضهم : تلك الرحمة هي أنه تعالى يمهلهم مدة عمرهم ويرفع عنهم عذاب الاستئصال ولا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا . وقيل إن المراد أنه كتب على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدقهم وقبل شريعتهم . واعلم أنه جاءت الأخبار الكثيرة في سعة رحمة الله تعالى ، عن النبي صلىَّ الله عليه وسلم أنه قال (( لما فرغ الله من الخلق كتب كتاباً إن رحمتي سبقت غضبي)). فإن قيل: الرحمة هي إرادة الخير، والغضب هو إرادة الانتقام ، وظاهر هذا الخبر يقتضي كون إحدى الارادتين سابقة على الأخرى ، والمسبوق بالغير محدث ، فهذا يقتضي كون إرادة الله تعالى محدثة . قلنا : المراد بهذا السبق سبق الكثرة لا سبق الزمان . وعن سلمان أنه تعالى لما خلق السماء والأرض خلق مائة رحمة ، كل رحمة ملء ما بين السماء والأرض ، فعنده تسع وتسعون رحمة ، وقسم رحمة واحدة بين الخلائق ، فيها يتعاطفون ويتراحمون ، فإذا كان آخر الأمر قصرها على المتقين . ١٧٥ قوله تعالى ((الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون)) الآية سورة الأنعام أما قوله ﴿ ليجمعنكم إلى يوم القيامة﴾ ففيه أبحاث: الأول: ((اللام)) في قوله ( ليجمعنكم ) لام قسم مضمر ، والتقدير : والله ليجمعنكم . البحث الثاني ﴾ اختلفوا في أن هذا الكلام مبتدأ أو متعلق بما قبله . فقال بعضهم أنه كلام مبتدأ ، وذلك لأنه تعالى بين كمال إلهيته بقوله ( قل لمن ما في السموات والأرض قل الله ) ثم بين تعالى أنه يرحمهم في الدنيا بالامهال ودفع عذاب الاستئصال ، وبين أنه يجمعهم إلى يوم القيامة ، فقوله ( كتب على نفسه الرحمة ) أنه يمهلهم وقوله ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة ) أنه لا يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم على كل ما فعلوا . ﴿والقول الثاني﴾ أنه متعلق بما قبله والتقدير: كتب ربكم على نفسه الرحمة. وكتب ربكم على نفسه ليجمعنكم إلى يوم القيامة . وقيل : أنه لما قال ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) فكأنه قيل : وما تلك الرحمة ؟ فقيل : إنه تعالى ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة ) وذلك لأنه لولا خوف العذاب يوم القيامة لحصل الهرج والمرج ولارتفع الضبط وكثر الخبط ، فصار التهديد بيوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة في الدنيا ، فكان قوله ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة ) كالتفسير لقوله ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) . البحث الثالث ﴾ أن قوله ( قل لمن ما في السموات والأرض قل الله) كلام ورد على لفظ الغيبة . وقوله ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة ) كلام ورد على سبيل المخاطبة . والمقصود منه التأكيد في التهديد ، كأنه قيل : لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله وملكه ، وقد علمتم أن الملك الحكيم لا يهمل أمر رعيته ولا يجوز في حكمته أن يسوي بين المطيع والعاصي وبين المشتغل بالخدمة والمعرض عنها ، فهلا علمتم أنه يقيم القيامة ويحضر الخلائق ويحاسبهم فى الكل ؟ ﴿ البحث الرابع﴾ أن كلمة ((إلى)) في قوله ( إلى يوم القيامة ) فيها أقوال: الأول : أنها صلة والتقدير: ليجمعنكم يوم القيامة. وقيل: ((إلى)) بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة . وقيل : فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة ، لأن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان . وقيل : ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة . أما قوله ﴿ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون﴾ ففيه أبحاث: الأول: في هذه الآية تے ١٧٦ قوله تعالى ((وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم)) الآية سورة الأنعام وَلَهُ مَا سَكَّنَ فِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُظْعَمُ قُلْ إِنّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَّ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِ كِينَ ﴿ قُلْ إِعْ أَخَفُ إِنَّ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ قولان : الأول : أن قوله ( الذين ) موضعه نصب على البدل من الضمير في قوله ( ليجمعنكم ) والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم وهو قول الأخفش . والثاني : وهو قول الزجاج ، أن قوله ( الذين خسروا أنفسهم ) رفع بالابتداء ، وقوله (فهم لا يؤمنون) خبره ، لأن قوله ( ليجمعنكم ) مشتمل على الكل ، على الذين خسروا أنفسهم وعلى غيرهم ((والفاء)) في قوله ( فهم ) يفيد معنى الشرط والجزاء ، كقولهم : الذي يكرمني فله درهم ، لأن الدرهم وجب بالاكرام فكان الاكرام شرطاً والدرهم جزاء . فإن قيل : ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم ، والأمر على العكس . قلنا : هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران والخذلان ، هو الذي حملهم على الامتناع من الإِيمان ، وذلك عين مذهب أهل السنة . قوله تعالى ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم . قل أغير الله اتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهؤ يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم .﴾ . في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ إعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلم رحمه الله تعالى . فقال : ذكر في الآية الأولى السموات والأرض ، إذ لا مكان سواهما . وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما ، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات ، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات ، ومالك للزمان والزمانيات ، وهذا بيان في غاية الجلالة . قوله تعالى ((وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم)) الآية سورة الأنعام ١٧٧ وأقول ههنا دقيقة أخرى ، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات ، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات ، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات ، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة ، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى ،، فهذا ما يتعلق بوجه النظم . المسألة الثانية ﴾ قوله ( وله ما سكن في الليل والنهار ) يفيد الحصر والتقدير: هذه الأشياء له لا لغيره ، وهذا هو الحق لأن كل موجود فهو إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، فالواجب لذاته ليس إلا الواحد . وما سوى ذلك الواحد ممكن . والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وكل ما حصل بإيجاده وتكوينه كان ملكاً له ، فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال (وله ما سكن في الليل والنهار). ﴿ المسألة الثالثة﴾ في تفسير هذا السكون قولان: الأول: أن المراد منه الشيء الذي سكن بعد أن تحرك، فعلى هذا، المراد كل ما استقر في الليل والنهار من الدواب، وجملة الحيوانات في البر والبحر وعلى هذا التقدير : قالوا في الآية محذوف والتقدير : وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار كقوله تعالى ( سرابيل تقيكم الحر ) أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة ، كذلك هنا حذف ذكر الحركة ، لأن ذکر السكون يدل عليه . والقول الثاني ﴾ أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة ، بل المراد منه السكون بمعنى الحلول . كما يقال : فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله فيه ، ومنه تعالى ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) وعلى هذا التقدير : كان المراد ، وله كل ما حصل في الليل والنهار . والتقدير : كل ما حصل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً ، وهذا التفسير أولى وأكمل . والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصد في الزمان فقد صدق عليه أنه انقضى الماضي وسيجيء المستقبل ، وذلك مشعر بالتغير وهو الحدوث ، والحدوث ينافي الأزلية والدوام ، فكل ما مر به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث . وكل حادث فلا بد له من محدث ، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه . والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدماً على الوقت والزمان . فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أنه كان وسيكون . واعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أنه ملك للمكان وجملة المكانيات ومالك للزمان وجملة الزمانيات ، بين أنه سميع عليم . يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين . الفخر الرازي ج١٢ م١٢ ١٧٨ قوله تعالى ((قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السموات والأرض)) الآية سورة الأنعام والمقصود منه الرد على من يقول الله تعالى موجب بالذات ، فنبه على أنه وإن كان مالكاً لكل المحدثات . لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ويعلم السر وأخفى ، ولما قرر هذه المعاني قال، ( قل أغير الله اتخذ ولياً ) . واعلم أنه فرق بين أن يقال ( أغير الله اتخذ ولياً) وبين أن يقال : اتخذ غير الله ولياً . لأن الإنكار إنما حصل على اتخاذ غير الله ولياً ، لا على اتخاذ الولي ، وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعني فكان قوله ( قل أغير الله اتخذ ولياً) أولى من العبارة الثانية ، ونظيره قوله تعالى ( أفغير الله تأمروني أعبد ) وقوله تعالى ( الله أذن لكم ) . ثم قال ﴿ فاطر السموات والأرض﴾ وقرىء (فاطر السموات ) بالجر صفة لله وبالرفع على إضمار ((هو)) والنصب على المدح. وقرأ الزهري (فطر السموات ) وعن ابن عباس : ما عرفت ( فاطر السموات ) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر. فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدأتها . وقال ابن الأنباري : أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه ، فقوله ( فاطر السموات والأرض ) يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض ، فلما كان الأصل الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح . وفي حال أخرى شق إفساد . ففاطر السموات من الاصلاح لا غير . وقوله ( هل ترى من فطور ) و( إذا السماء انفطرت) من الافساد ، وأصلهما واحد . ثم قال تعالى ( وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي وهو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد. فإن قيل : کیف فسرت الاطعام بالرزق ؟ وقد قال تعالى ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) والعطف يوجب المغايرة . قلنا : لا شك في حصول المغايرة بينهما ، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة . والمقصود من الآية : أن المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع . وقرىء ( ولا يطعم ) بفتح الياء ، وروى ابن المأمون عن يعقوب ( وهو يطعم ولا يطعم) على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل ، وعلى هذا التقدير: فالضمير عائد إلى المذكور في قوله ( أغير الله ) وقرأ الأشهب (وهو يطعم ولا يطعم ) على بنائهما للفاعل . وفسر بأن معناه: وهو يطعم ولا يستطعم . وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت . ويجوز أن يكون المعنى : وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب المصالح كقوله : وهو يعطي ويمنع ، ويبسط ويقدر ، ويغني ويفقر . ١٧٩٠ قوله تعالى ((قل إني أمرت أن اكون اول من أسلم)) الآية سورة الأنعام واعلم أن المذكور في صدرالآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى وليا . واحتج عليه بأنه فاطر السموات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم . ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره ولياً . أما بيان أنه فاطر السموات والأرض ، فلأنا بينا أن ما سوى الواحد ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يقع موجوداً إلا بإيجاد غيره ، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه . فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات . وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم فظاهره لأن الاطعام عبارة عن إيصال المنافع ، وعدم الاستطعام عبارة عن عدم الانتفاع . ولما كان هو المبدىء تعالى وتقدس لكل ما سواه ، كان لا محالة هو المبدىء لحصول جميع المنافع . ولما كان واجباً لذاته كان لا محالة غنياً ومتعالياً عن الانتفاع بشيء آخر . فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السموات والأرض ، وصحة أنه يطعم ولا يطعم ، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره ولياً . لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده . والحق سبحانه هو الغني لذاته . الجواد لذاته ، وترك الغني الجواد ، والذهاب إلى الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل . وإذا عرفت هذا فنقول : قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي في اللغة : هو القريب . وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه . فقوله ( قل أغير الله اتخذ ولياً ) يمنع من القرب من غير الله تعالى . فهذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى ، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى . ثم قال تعالى ﴿ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾ والسبب أن النبي صلىَّ الله عليه وسلم سابق أمته في الاسلام لقوله ( وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) ولقول موسى ( سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) . ثم قال ﴿ ولا تكونن من المشركين﴾ ومعناه أمرت بالاسلام ونهيت عن الشرك. ثم إنه تعالى لما بین کون رسوله مأمورا بالاسلام ثم عقبه بكونه منھیا عن الشرك قال بعده ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) والمقصود أني إن خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقا للعذاب العظيم . فان قيل : قوله ﴿ قل إني أخاف إن عصیت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ يدل على أنه علیه السلام كان يخاف على نفسه من الكفر والعصيان ، ولولا أن ذلك جائز عليه لما كان خائفا . والجواب : أن الآية لا تدل على أنه خاف على نفسه ، بل الآية تدل على أنه لوصدر عنه ١٨٠ قوله تعالى (( من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه)) الآية سورة الأنعام مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحَهُ، وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ 13 الكفر والمعصية فانه يخاف. وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف ، ومثاله قولنا : إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج . ولا على كونها منقسمة بمتساويين والله أعلم . وقوله تعالى ﴿ إني أخاف ﴾ قرأ ابن كثير ونافع ( إني ) بفتح الياء . وقرأ أبو عمرو والباقون بالأرسال . قوله تعالى ﴿ من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ﴾ وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي (يصرف) بفتح الياء وكسر الراء . وفاعل الصرف على هذه القراءة والضمير العائد إلى ربي من قوله ( إني أخاف إن عصيت ربي ) والتقدير : من يصرف هو عنه يومئذ العذاب . وحجة هذه القراءة قوله ( فقد رحمه) فلما كان هذا فعلا مسندا إلى ضمير اسم الله تعالى وجب أن يكون الأمر في تلك اللفظة الأخرى على هذا الوجه ليتفق الفعلان ، وعلى هذا التقدير : صرف العذاب مسندا إلى الله تعالى ، وتكون الرحمة بعد ذلك مسندة إلى الله تعالى ، وأما الباقون فانهم قرؤا ( من يصرف عنه) على فعل ما لم يسم فاعله ، والتقدير من يصرف عنه عذاب يومئذ وإنما حسن ذلك لأنه تعالى أضاف العذاب إلى اليوم في قوله ( عذاب يوم عظيم ) فلذلك أضاف الصرف اليه . والتقدير : من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم . ﴿ المسألة الثانية) ظاهر الآية يقتضي كون ذلك اليوم مصروفا وذلك محال ، بل المراد عذاب ذلك اليوم ، وحسن هذا الحذف لكونه معلوما . المسألة الثالثة﴾ دلت الآية على أن الطاعة لا توجب الثواب ، والمعصية لا توجب العقاب . لأنه تعالى قال ( من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ) أي كل من صرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه . وهذا انما يحسن لو كان ذلك الصرف واقعا على سبيل التفضل . أما لو كان واجبا مستحقا لم يحسن أن يقال فيه أنه رحمه ألا ترى ان الذي يقبح منه أن يضرب العبد ، فاذا لم يضربه لا يقال انه رحمه . أما إذا حسن منه أن يضر به ولم يضر به فانه يقال انه رحمه ، فهذه الآية تدل على أن كل عقاب انصرف . وكل ثواب حصل ، فهو ابتداء فضل واحسان من الله تعالى . وهو موافق لما یروی أن النبي ێ قال ( والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل