Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
قوله تعالى ((فمن يكفر بعد منكم فإنى اعذبه)) الآية سورة المائدة
المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أن عيسى عليه السلام هل سأل المائدة لنفسه أو سألها
لقومه وإن كان قد أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل والله أعلم .
المسألة الخامسة ﴾ اختلفوا في أنه هل نزلت المائدة . فقال الحسن ومجاهد : ما نزلت
واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أن القوم لما سمعوا قوله ( أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من
العالمين) استغفروا وقالوا لا نريدها . والثاني : أنه وصف المائدة بكونها عيداً .
لبقي ذلك العيد إلى يوم القيامة . وقال الجمهور الأعظم من المفسرين : أنها نزلت ( إني
منزلها عليكم ) وهذا وعد بالإنزال جزماً من غير تعليق على شرط، فوجب حصول هذا
النزول .
والجواب عن الأول : أن قوله ( فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه ) شرط وجزاء لا تعلق
له بقوله ( إني منزلها عليكم ) .
والجواب عن الثاني : أن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم .
﴿ المسألة السادسة﴾ روى أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً، ثم قال
(اللهم أنزل علينا) فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون
إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عليه السلام وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم
اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة. وقال لهم ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم
الله ويأكل منها. فقال شمعون رأس الحوارسسن: أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلى
وبكى ثم كشف المنديل: وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا شوك ولا
فلوس تسيل دسماً . وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل ، وحولها من ألوان البقول ما خلا
الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ،
وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد ، فقال شمعون : يا روح الله : أمن طعام الدنيا أمن
طعام الآخرة ؟ فقال : ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم
واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله ، فقال الحواريون : يا روح الله لو أريتنا من هذه
الآية آية أخرى فقال يا سمكة أحيي بإذن الله فاضطربت ، ثم قال لها عودي كما كنت فعادت
مشوية ، ثم طارت المائدة ثم عصوا من بعدها ، فمسخوا قردة وخنازير .

١٤٢
قوله تعالى ((وَاذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس)) الآية سورة المائدة
وَإِذْ قَالَ اللهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَ ، أَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِى وَأَمِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَهِ
قَالَ سُبْحَتَكَ مَا يَكُونُ لِ أَنْ أَقُولَ مَالَيْسَ لِ يٍَّ إِن كُنْتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلْتَهْ تَعْلَمُ
١١٦
مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَافِى نَفْسِكَّ إِنَّكَ أَنتَ عَلَُّمُ الْغُوبِ
مبـ
قوله تعالى ﴿ وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من
دون الله ﴾
.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ هذا معطوف على قوله ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر نعمتي
عليك ) وعلى هذا القول فهذا الكلام إنما يذكره لعيسى يوم القيامة ، ومنهم من قال : أنه تعالى
قال هذا الكلام لعيسى عليه السلام حين رفعه إليه وتعلق بظاهر قوله ( وإذ قال الله ) وإذ
تستعمل للماضي ، والقول الأول أصح ، لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله ( هذا يوم ينفع
الصادقين صدقهم ) والمراد به يوم القيامة ، وأما التمسك بكلمة إذ فقد سبق الجواب عنه .
﴿ المسألة الثانية) في قوله ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله)
سؤالان : أحدهما : أن الاستفهام كيف يليق بعلام الغيوب . وثانيهما : أنه كان عالماً بأن
عيسى عليه السلام لم يقل ذلك فلم خاطبه به ؟ فإن قلتم الغرض منه توبيخ النصارى
وتقريعهم فنقول : إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى ومريم مع القول
بنفي إلهية الله تعالى فكيف يجوز أن ينسب هذا القول إليهم مع أن أحداً منهم لم يقل به .
والجواب : عن السؤال الأول أنه استفهام على سبيل الانكار .
والجواب : عن السؤال الثاني أن الإله هو الخالق والنصارى يعتقدون أن خالق
المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى عليه السلام ومريم والله تعالى ما خلُقُها
البتة وإذا كان كذلك فالنصارى قد قالوا إن خالق تلك المعجزات هو عيسى ومريم ، والله
تعالى ليس خالقها ، فصح أنهم أثبتوا في حق بعض الأشياء كون عيسى ومريم إلهين له مع أن
الله تعالى ليس إلهاً له فصح بهذا التأويل هذه الحكاية والرواية .
ثم قال تعالى ﴿ قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق ﴾ أما قوله
( سبحانك). فقد فسرناه في قوله ( سبحانك لا علم لنا ) .

١٤٣
سورة المائدة
قوله تعالى ((ماقلت لهم إلا ما أمرتني به)) الآية
مَاقُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهَِ أَنِ أَعْبُدُواْلَهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا
دُعْتُ فِهِمَّ فَلَّا تَوَفَيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيَبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَ كُلِّ شَىْءٍ شَِدُ
ـمد
١١٧
واعلم أن الله تعالى لما سأل عيسى إنك هل قلت كذا لم يقل عيسى بأني قلت أو ما قلت
بل قال ما يكون لي أن اقول ما ليس لي بحق، وهذا ليس بحق ينتج أنه ما يكون لي أن أقول
هذا الكلام ولما بين أنه ليس له أن يقول هذا الكلام شرع في بيان أنه هل وقع هذا القول منه أم
لا فلم يقل بأبي ما قلت هذا الكلام لأن هذا يجري مجرى دعوى الطهارة والنزاهة، والمقام مقام
الخضوع والتواضع، ولم يقل بأني قلته بل فوض ذلك إلى علمه المحيط بالكل .
فقال ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل والمسكنة في
حضرة الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الحق سبحانه .
ثم قال تعالى ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ فيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المفسرون ذكروا فيه عبارات تعلم ما أخفى ولا أعلم ما تخفي
وقيل : تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك ، وقيل : تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك ،
وقيل : تعلم ما كان مني في الدنيا ولا أعلم ما كان منك في الآخرة ، وقيل : تعلم ما أقول
وأفعل ، ولا أعلم ما تقول وتفعل .
المسألة الثانية ﴾ تمسكت المجسمة بهذه الآية وقالوا : النفس هو الشخص وذلك
يقتضي كونه تعالى جسماً .
والجواب من وجهين : الأول : أن النفس عبارة عن الذات ، يقال نفس الشيء وذاته
بمعنى واحد ، والثاني : أن المراد تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ولكنه ذكر هذا الكلام على
طريق المطابقة والمشاكلة وهو من فصيح الكلام .
ثم قال تعالى ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ وهذا تأكيد للجملتين المتقدمتين أعني قوله
( إن كنت قلته فقد علمته) وقوله ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) .
ثم قال تعالى حكاية عن عيسى ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي

١٤٤
قوله تعالى ((إن تعذبهم فإنهم عبادك)) الآية
سورة المائدة
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَ إِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
وربكم ﴾ أن مفسرة والمفسر هو الهاء في به الراجع إلى القول المأمور به والمعني ما قلت لهم إلا
قولاً أمرتني به وذلك القول هو أن أقول لهم : اعبدوا الله ربي وربكم . واعلم أنه كان
الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر ، نزولاً على
موجب الأدب الحسن ، لئلا يجعل نفسه وربه أمرين معاً ، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة .
ثم قال تعالى ﴿ وکنت علیھم شهيداً ما دمت فيهم ﴾ أي كنت أشهد على ما يفعلون ما
دمت مقيماً فيهم .
﴿ فلما توفيتني﴾ والمراد منه، وفاة الرفع إلى السماء ، من قوله ( إني متوفيك ورافعك
إلي) .
﴿ كنت أنت الرقيب عليهم ﴾ قال الزجاج : الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم .
وأنت على كل شيء شهيد ﴾ يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم (وأنت الشهيد
عليهم) بعد مفارقتي لهم ، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية ، ويجوز حمله على العلم ،
ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع
التقديرات .
ثم قال تعالى ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ .
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ معنى الآية ظاهر، وفيه سؤال : وهو أنه كيف جاز لعيسى عليه
السلام أن يقول (وإن تغفر لهم ) والله لا يغفر الشرك.
والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال لعيسى عليه السلام ( أأنت كلت
للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) علم أن قوماً من النصارى حكوا هذا الكلام عنه ،
والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً حيث كذب في هذه الحكاية وغفران
الذنب جائز ، فلهذا المعنى : طلب المغفرة من الله تعالى ، والثاني : أنه يجوز على مذهبنا من
الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزهاد والعباد النار ، لأن الملك ملکه ولا اعتراض
لأحد عليه ، فذكر عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى الله ، وترك
التعرض والاعتراض بالكلية ، ولذلك ختم الكلام بقوله ( فإنك أنت العزيز الحكيم ) يعني

١٤٥
سورة المائدة
قوله تعالى ((إن تعذبهم فإنهم عبادك)) الاية
أنت قادر على ما تريد ، حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك ، فمن أنا والخوض في
أحوال الربوبية ، وقوله إن الله لا يغفر الشرك فنقول : إن غفرانه جائز عندنا ، وعند جمهور
البصريين من المعتزلة قالوا : لأن العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب ،
وليس في اسقاطه على الله مضرة ، فوجب أن يكون حسناً بل دل الدليل السمعى في شرعنا على
أنه لا يقع ، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجوداً في شرع عيسى عليه السلام .
﴿ الوجه الثالث﴾ في الجواب أن القوم لما قالوا هذا الكفر فعيسى عليه السلام جوز أن
يكون بعضهم قد تاب عنه ، فقال ( أن تعذبهم ) علمت أن أولئك المعذبين ماتوا على الكفر
فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك ، وأنت قد حكمت على كل من كفر من عبادك بالعقوبة ،
وأن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر ، وأنت حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة .
الوجه الرابع ﴾ أنا ذكرنا أن من الناس من قال : أن قول الله تعالى لعيسى (أأنت
قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة ،
وعلى هذا القول فالجواب سهل لأن قوله ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) يعني أن توفيتهم على هذا
الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك ، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور
الإيمان ، وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضاً ذاك . وعلى هذا التقدير فلا إشكال .
المسألة الثانية﴾ احتج بعض الأصحاب بهذه الآية على شفاعة محمد صلىَّ الله عليه
وسلم في حق الفساق قالوا : لأن قول عيسى عليه السلام ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) ليس في
حق أهل الثواب لأن التعذيب لا يليق بهم ، وليس أيضاً في حق الكفار لأن قوله ( وإن تغفر
لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) لا يليق بهم فدل على أن ذلك ليس إلا في حق الفساق من
أهل الإيمان . وإذا ثبت شفاعة الفساق في حق عيسى عليه السلام ثبت في حق محمد صلىَّ الله
عليه وسلم بطريق الأولى لأنه لا قائل بالفصل .
﴿ المسألة الثالثة) روى الواحدي رحمه الله أن في مصحف عبد الله (وإن تغفر لهم فإنك أنت
الغفور الرحيم ) سمعت شيخي ووالدي رحمه الله يقول ( العزيز الحكيم ) ههنا أولى من
الغفور الرحيم ، لأن كونه غفورا رحيماً يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة لكل محتاج ، وأما
العزة والحكمة فهما لا يوجبان المغفرة ، فإن كونه عزيزاً يقتضي أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما
يريد ، وأنه لا اعتراض عليه لأحد . فإذا كان عزيزاً متعالياً عن جميع جهات الاستحقاق ، ثم
حكم بالمغفرة كان الكرم ههنا أتم مما إذا كان كونه غفوراً رحيماً يوجب المغفرة والرحمة ، فكانت
عبارته رحمه الله أن يقول : عز عن الكل . ثم حكم بالرحمة فكان هذا أكمل . وقال قوم
الفخر الرازي ج١٢ م١٠

١٤٦
قوله تعالى ((قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم)) الآية سورة المائدة
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهُرُ خَلِدِينَ
فِيهَ أَبَدًّا رَضِىَ اللهُعَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٦) لِلَّ مُلْكُ السَّمَتِ
وَاْأَرْضِ وَمَافِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (﴾
آخرون : أنه لو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم ، أشعر ذلك بكونه شفيعاً لهم ، فلما قال
( فإنك أنت العزيز الحكيم ) دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى ،
وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه .
ثم قال تعالى ﴿ قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أجمعوا على أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة، والمعنى أن صدقهم في
الدنيا ينفعهم في القيامة ، والدليل على أن المراد ما ذكرنا : أن صدق الكفار في القيامة لا
ينفعهم ، ألا ترى أن إبليس قال (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ) فلم
ينفعه هذا الصدق ، وهذا الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله ( ما قلت لهم إلا ما
أمرتني به ).
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ جمهور القراء ( يوم ) بالرفع ، وقرأ نافع بالنصب ، واختاره أبو
عبيدة . فمن قرأ بالرفع ، قال الزجاج : التقدير هذا اليوم يوم منفعة الصادقين ، وأما النصب
ففيه وجوه : الأول : على أنه ظرف لقال والتقدير : قال الله هذا القول لعيسى يوم ينفع .
الثاني : أن يكون التقدير : هذا الصدق واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم ، ويجوز أن تجعل
ظروف الزمان أخباراً عن الأحداث بهذا التأويل كقولك : القتال يوم السبت ، والحج يوم
عرفة ، أي واقع في ذلك اليوم ، والثالث : قال القراء : ( يوم ) أضيف إلى ما ليس باسم فبنى
على الفتح كما في يومئذ. قال البصريون هذا خطأ لأن الظرف إنما يبنى إذا أضيف إلى المبنى كقول
النابغة .
على حين عاتبت المشيب على الصبا
بنى ((حين)) لاضافته إلى المبنى وهو الفعل الماضي وكذلك قوله ( يوم لا تملك ) بني
لاضافته إلى ((لا)) وهي مبينة ، أما هنا فالاضافة إلى معرب لأن ينفع فعل مستقبل ، والفعل
المستقبل معرب فالاضافة إليه لا توجب البناء والله أعلم .

١٤٧
سورة المائدة
قوله تعالى ((لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار)) الآية
ثم قال تعالى ﴿ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا
عنه ذلك الفوز العظيم ﴾ .
إعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة ، شرح كيفية ذلك النفع وهو
الثواب ، وحقيقة الثواب : أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم . فقوله ( لهم جنات تجري
من تحتها الأنهار ) إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم، وقوله ( خالدين فيها أبداً )
إشارة إلى الدوام واعتبر هذه الدقيقة ، فإنه أينما ذكر الثواب قال ( خالدين فيها أبداً) وأينما ذكر
عقاب الفساق من أهل الإيمان ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأييد ، وأما قوله تعالى ( رضي الله
عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ) فهو إشارة إلى التعظيم . هذا ظاهر قول المتكلمين ، وأما
عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى، فتحت قوله ( رضي الله عنهم ورضوا عنه )
أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها ، وقوله ( ذلك الفوز العظيم ) الجمهور
على أن قوله ( ذلك ) عائد إلى جملة ما تقدم من قوله (لهم جنات تجري) إلى قوله ( ورضوا عنه )
وعندي أنه يحتمل أن يكون ذلك مختصاً بقوله ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) فإنه ثبت عند
أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود، وكيف
والجنة مرغوب الشهوة ، والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما ، وهذا الكلام يشمئز منه طبع
المتكلم الظاهري ، ولكن كل ميسر لما خلق له .
ثم قال تعالى ﴿ لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير﴾.
قيل : إن هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : من يعطيهم ذلك الفوز العظيم ؟
فقيل : الذي له ملك السموات والأرض . وفي هذه الخاتمة الشريفة أسرار كثيرة ونحن نذكر
القليل منها . فالأول : أنه تعالى قال ( لله ملك السموات والأرض وما فيهن ) ولم يقل ومن
فيهن فغلب غير العقلاء على العقلاء ، والسبب فيه التنبيه على أن كل المخلوقات مسخرون في
قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره ، وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها وكالبهائم
التي لا عقل لها ، فعلم الكل بالنسبة إلى علمه كلا علم ، وقدرة الكل بالنسبة إلى قدرته كلا
قدرة . والثاني : أن مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية والعبودية فقال ( یا
أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) وكمال حال المؤمن في أن يشرع في العبودية وينتهي إلى الفناء
المحض عن نفسه بالكلية . فالأول هو الشريعة وهو البداية والآخر هو الحقيقة وهو النهاية .
فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وعزته وقدرته وعلوه ، وذلك هو
الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن المناسبة بين ذلك المفتتح ، وهذا المختتم ! والثالث : أن
السورة اشتملت على أنواع كثيرة من العلوم . فمنها : بيان الشرائع والأحكام والتكاليف .

١٤٨
قوله تعالى ((لله ملك السموات والأرض وما فيهن)) الآية سورة المائدة
ومنها المناظرة مع اليهود في إنكارهم شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، ومنها المناظرة مع
النصارى في قولهم بالتثليث فختم السورة بهذه النكتة الوافية بإثبات كل هذه المطالب . فإنه
قال ( لله ملك السموات والأرض وما فيهن ) ومعناه أن كل ما سوى الحق سبحانه فإنه ممكن
لذاته موجود بايجاده تعالى. وإذا كان الأمر كذلك كان مالكاً لجميع الممكنات والكائنات موجداً
لجميع الأرواح والأجساد ، وإذا ثبت هذا لزم منه ثبوت كل المطاب المذكورة في هذه السورة .
وأما حسن التكليف كيف شاء وأراد ، فذاك ثابت ، لأنه سبحانه لما كان مالكاً للكل ، كان له
أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف شاء وأراد . فصح القول بالتكليف
على أي وجه أراده الحق سبحانه وتعالى . وأما الرد على اليهود فلأنه سبحانه لما كان مالك الملك.
فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع شرع محمد عليهما الصلاة والسلام وأما الرد على
النصارى فلأن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله لأنا بينا أن الموجد إما أن يكون هو الله تعالى
أو غيره ، وعيسى ومريم لا شك في كونهما داخلين في هذا القسم . فإذا دللنا على أن كل ما
سوى الله تعالى ممكن لذاته موجود بإيجاد الله كائن بتكوين الله كان عيسى ومريم عليهما السلام
كذلك . ولا معنى للعبودية إلا ذلك . فثبت كونهما عبدين مخلوقين فظهر بالتقرير الذي ذكرناه
أن هذه الآية التي جعلها الله خاتمة لهذه السورة برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي
اشتملت هذه السورة عليها . والله أعلم بأسرار كلامه .
تم تفسير هذه السورة بحمد الله ومنه وصلاته على خير خلقه سيدنا محمد النبي الأمي
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

١٤٩
(٦) سُوْرَةِ الْأَنْغَامِ لِكِيَّة
وآياتها خسُرُوَسَنُونَ وَمَانة
مكية . إلا الآيات : ٢٠ و٢٣ و٩١ ٩٣ و١١٤ و١٤١ و١٥١ و١٥٢ و١٥٣ فمدنية
وآياتها ١٦٥ نزلت بعد سورة الحجر
بِسْـ
◌ِلَّهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ
قال ابن عباس رضي الله عنه : أنها مكية نزلت جملة واحدة ، فامتلأ منها الوادي ،
وشيعها سبعون ألف ملك ، ونزلت الملائكة فملؤا ما بين الأخشبين ، فدعا الرسول صلىَّ الله
عليه وسلم الكتاب وكتبوها من ليلتهم إلا ست آيات فإنها مدنيات ( قل تعالوا أتل ما حرم
ربكم عليكم ) إلى آخر الآيات الثلاث وقوله ( وما قدروا الله حق قدره) الآية وقوله ( ومن
أظلم ممن افترى على الله كذباً) وعن أنس قال: قال رسول الله صلىَّ الله عليه وسلم ((ما نزل
على سورة من القرآن جملة غير سورة الأنعام ، وما اجتمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها
لها ، وقد بعث بها إلى مع جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك يزفونها ويحفونها حتى
أقروها في صدري كما أقر الماء في الحوض ، ولقد أعزني الله وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعده
أبداً . فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه)) وعن ابن المنكدر : لما نزلت سورة
الأنعام سبح رسول الله صلىَّ الله عليه وسلم وقال ((لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد
الأفق )» .
قال الأصوليون : هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة . أحدهما : أنها نزلت
دفعة واحدة ، والثاني : أنها شيعها سبعون ألفاً من الملائكة ، والسبب فيه أنها مشتملة على
دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين ، وذلك يدل على أن
علم الأصول في غاية الجلالة والرفعة ، وأيضاً . فإنزال ما يدل على الأحكام قد تكون المصلحة
أن ينزله الله تعالى قدر حاجتهم ، وبحسب الحوادث والنوازل . وأما ما يدل على علم
الأصول فقد أنزله الله تعالى جملة واحدة ، وذلك يدل على أن تعلم علم الأصول واجب على
الفور لا على التراخي .

١٥٠
قوله تعالى ((الحمدلله الذي خلق السموات والأرض)) الأنعام الآية
(٦) سُوْرَة الأَنْعَامِ لِكِيَّة
وآياتها خسر وَسَّتُونَ وَقَانة
٩-١
بِسْـ
الْحَمْدُ لِلِّالَّذِى خَلَقَ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُلُمَنْتِ وَالنُّورَ ثُمَّالَّذِينَ
كَفَرُ واْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ
١
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم
يعدلون ﴾ .
إعلم أن الكلام المستقصي في قوله( الحمد لله )قد سبق فيتفسیر سورةالفاتحة ، ولا بأس
بأن نعيد بعض تلك الفوائد ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الفرق بين المدح والحمد والشكر.
إعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر .
أما بيان أن المدح أعم من الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل ، ألا ترى
أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله ، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله
ولطافة خلقته ، ويمدح الياقوت على نهاية صفاته وصقالته ! فيقال : ما أحسنه وما أصفاه ،
وأما الحمد : فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الأنعام والاحسان ، فثبت
أن المدح أعم من الحمد .
وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما
صدر عنه من الأنعام سواء كان ذلك الأنعام واصلاً إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو عبارة

١٥١
سورة الأنعام
قوله تعالى ((الحمدلله الذي خلق السموات والأرض)) الآية
عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك . فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد ،
وهو أعم من الشكر .
إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل المدح لله لأنا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل
المختار ، فقد يحصل لغيره . أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار . فكان قوله ( الحمد
لله ) تصريحاً بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة . وليس علة
موجبة له إيجاب العلة لمعلولها ، ولا شك أن هذه الفائدة عظيمة في الدين وإنما لم يقل الشكر
الله، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك . وهذا مشعر
بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فحينئذ يكون المطلوب الأصلي به
وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة ، فاما إذا قال : الحمد لله ، فهذا يدل على أن العبد
حمده لأجل كونه مستحقاً للحمد لا لخصوص أنه تعالى أوصل النعمة إليه ، فيكون الاخلاص
أكمل ، واستغراق القلب في مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى
وأثبت .
المسألة الثانية ﴾ الحمد : لفظ مفرد محلى بالألف واللام فيفيد أصل الماهية.
إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( الحمد لله ) يفيد أن هذه الماهية لله ، وذلك يمنع من ثبوت
الحمد لغير الله ، فهذا يقتضي جميع أقسام الحمد والثناء والتعظيم ليس إلا لله سبحانه .
فإن قيل : إن شكر المنعم واجب ، مثل شكر الاستاذ على تعليمه ، وشكر السلطان على
عدله ، وشكر المحسن على إحسانه ، كما قال عليه السلام ((من لم يشكر الناس لم يشكر
الله )).
قلنا : المحمود والمشكور في الحقيقة ليس إلا الله ، وبيانه من وجوه : الأول : صدور
الاحسان من العبد يتوقف على حصول داعية الاحسان في قلب العبد ، وحصول تلك الداعية
في القلب ليس من العبد ، وإلا لافتقر في حصولها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل ، بل
حصولها ليس إلا من الله سبحانه . فتلك الداعية عند حصولها يجب الفعل ، وعند زوالها يمتنع
الفعل فيكون المحسن في الحقيقة ليس إلا الله ، فيكون المستحق لكل حمد في الحقيقة هو الله
تعالى . وثانيها أن كل من أحسن من المخلوقين إلى الغير ، فإنه إنما يقدم على ذلك الاحسان
إما لجلب منفعة أو دفع مضرة . أما جلب المنفعة : فإنه يطمع بواسطة ذلك الاحسان بما يصير
سبباً لحصول السرور في قلبه أو مكافأة بقليل أو كثير في الدنيا أو وجدان ثواب في الآخرة .
وأما دفع المضرة ، فهو أن الانسان إذارأى حيواناً في ضرأو بلية فإنه يرق قلبه عليه ، وتلك

١٥٢
قوله تعالى ((الحمد لله الذي خلق السموات والأرض» الاية
سورة الأنعام
الرقة ألم مخصوص يحصل في القلب عند مشاهدة وقوع ذلك الحيوان في تلك المضرة . فإذا
حاول انقاذ ذلك الحيوان من تلك المضرة زالت تلك الرقة عن القلب وصار فارغ القلب طيب
الوقت ، فذلك الاحسان كأنه سبب أفاد تخليص القلب عن ألم الرقة الحسية ، فثبت أن كل
من سوى الحق فإنه يستفيد بفعل الاحسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة ، أما الحق سبحانه
وتعالى ، فإنه يحسن ولا يستفيد منه جلب منفعة ولا دفع مضرة ، وكان المحسن الحقيقي ليس إلا
الله تعالى ، فبهذا السبب كان المستحق لكل أقسام الحمد هو الله ، فقال ( الحمد لله ) وثالثها :
أن كل إحسان يقدم عليه أحد من الخلق فالانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله ، ألا
ترى أنه لولا أن الله تعالى خلق أنواع النعمة وإلا لم يقدر الانسان على إيصال تلك الحنطة
والفواكه إلى الغير ، وأيضاً فلولا أنه سبحانه أعطى الانسان الحواس الخمس التي بها يمكنه
الانتفاع بتلك النعم وإلا لعجز عن الانتفاع بها . ولولا أنه سبحانه أعطاه المزاج الصحيح
والبنية السليمة وإلا لما أمكنه الانتفاع بها ، فثبت أن كل إحسان يصدر عن محسن سوى
اللّه تعالى فإن الانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله تعالى. وعند هذا يظهر أنه لا محسن في
الحقيقة إلا الله، ولا مستحق للحمد إلا الله. فلهذا قال (الحمدلله) ورابعها: أن
الانتفاع بجميع النعم لا يمكن إلا بعد وجود المنتفع بعد كونه حياً قادراً عالماً ، ونعمة الوجود
والحياة والقدرة والعلم ليست إلا من الله سبحانه . والتربية الأصلية والأرزاق المختلفة لا
تحصل إلا من الله سبحانه من أول الطفولية إلى آخر العمر . ثم إذا تأمل الانسان في آثار حكمة
الرحمن في خلق الانسان ووصل إلى ما أودع الله تعالى في أعضائه من أنواع المنافع والمصالح
علم أنها بحر لا ساحل له ، كما قال تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فبتقدير : أن
نسلم أن العبد يمكنه أن ينعم على الغير إلا أن نعم العبد كالقطرة ، ونعم الله لا نهاية لها أولاً
وآخراً وظاهراً وباطناً . فلهذا السبب كان المستحق للحمد المطلق والثناء المطلق ليس إلا الله
سبحانه . فلهذا قال ( الحمد لله ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما قال (الحمد لله) ولم يقل: أحمد الله، لوجوه: أحدها : أن
الحمد صفة القلب وربما احتاج الانسان إلى أن يذكر هذه اللفظة حال كونه غافلاً بقلبه عن
استحضار معنى الحمد والثناء ، فلوقال في ذلك الوقت أحمد الله ، كان كاذباً واستحق عليه الذم
والعقاب ، حيث أخبر عن دعوى شيء مع أنه ما كان موجوداً . أما إذا قال : الحمد لله ،
فمعناه : أن ماهية الحمد وحقيقته مسلمة لله تعالى . وهذا الكلام حق وصدق سواء كان معنى
الحمد والثناء حاضراً في قلبه أولم يكن ، وكان تكلمه بهذا الكلام عبادة شريفة وطاعة رفيعة
فظهر الفرق بين هذين اللفظين . وثانيها . روى أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يأمره

١٥٣
قوله تعالى ((الحمدلله الذي خلق السموات والأرض)) الآية سورة الأنعام
بالشكر ، فقال داود : يا رب وكيف أشكرك ؟ وشكري لك لا يحصل إلا أن توفقني لشكرك
وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب الشكر لى أيضاً وذلك يجر إلى ما لا نهاية له ولا طاقة لي
بفعل ما لا نهاية له . فأوحى الله تعالى إلى داود : لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني .
إذا عرفت هذا فنقول : لو قال العبد أحمد الله كان دعوى أنه أتى بالحمد والشكر
فيتوجه عليه ذلك السؤال . أما لوقال: الحمد لله فليس فيه ادعاء إن العبد أتى بالحمد والثناء،
بل ليس فيه إلا أنه سبحانه مستحق للحمد والثناء سواء قدر على الاتيان بذلك الحمد أو لم
يقدر عليه فظهر التفاوت بين هذين اللفظين من هذا الوجه ، وثالثها : أنه لوقال أحمد الله كان
ذلك مشعراً بأنه ذكر حمد نفسه ولم يذكر حمد غيره . أما إذا قال : الحمد لله ، فقد دخل فيه
حمده وحمد غيره من أول خلق العالم إلى آخر استقرار المكلفين في درجات الجنان ودركات
النيران ، كما قال تعالى ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) فكان هذا الكلام أفضل
وأكمل .
المسألة الرابعة﴾ اعلم أن هذه الكلمة مذكورة في أول سور خمسة . أولها :
الفاتحة ، فقال ( الحمد لله رب العالمين) وثانيها : في أول هذه السورة ، فقال ( الحمد لله
الذي خلق السموات والأرض ) والأول أعم لأن العالم عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى ،
فقوله ( الحمد لله رب العالمين ) يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . أما قوله ( الحمد لله
الذي خلق السموات والأرض) لا يدخل فيه إلا خلق السموات والأرض والظلمات والنور ،
ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات ، فكان التحميد المذكور في أول هذه السورة كأنه
قسم من الأقسام الداخلة تحت التحميد المذكور في سورة الفاتحة وتفصيل لتلك الجملة .
وثالثها سورة الكهف، فقال ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) وذلك أيضاً تحميد
مخصوص بنوع خاص من النعمة وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن ، وبالجملة النعم
الحاصلة بواسطة بعثة الرسل ، ورابعها : سورة سبأ وهي قوله ( الحمد لله الذي له ما في
السموات وما في الأرض) وهو أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله ( الحمد لله رب
العالمين ) وخامسها : سورة فاطر، فقال ( الحمد لله فاطر السموات والأرض ) وظاهر أيضاً
أنه قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله ( الحمد لله رب العالمين ) فظهر أن الكلام الكلي التام
هو التحميد المذكور في أول الفاتحة وهو قوله ( الحمد لله رب العالمين ) وذلك لأن كل موجود
فهو إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته . وواجب الوجود لذاته واحد وهو الله
سبحانه وتعالى وما سواه ممكن وكل ممكن فلا يمكن دخوله في الوجود إلا بإيجاد الله تعالى وتكوينه
والوجود نعمة فالايجاد إنعام وتربية . فلهذا السبب قال ( الحمد لله رب العالمين ) وأنه تعالى

١٥٤
قوله تعالى ((الحمد لله الذي خلق السموات والأرض)) الآية
سورة الأنعام
المربي لكل ما سواه والمحسن إلى كل ما سواه ، فذلك الكلام هو الكلام الكلي الوافي
بالمقصود . أما التحميدات المذكورة في أوائل هذه السورة فكان كل واحد منها قسم من أقسام
ذلك التحميد ونوع من أنواعه .
فإن قيل : ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب ؟ وأيضاً لم قال ههنا ( خلق
السموات والأرض ) بصيغة فعل الماضي ؟ وقال في سورة فاطر ( الحمد لله فاطر السموات
والأرض ) بصيغة اسم الفاعل .
فنقول في الجواب عن الأول : الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الحق سبحانه عبارة
عن علمه النافذ في جميع الكليات والجزئيات الواصل إلى جميع ذوات الكائنات والممكنات وأما
كونه فاطراً فهو عبارة عن الايجاد والابداع ، فكونه تعالى خالقاً إشارة إلى صفة العلم ،
وكونه فاطراً إشارة إلى صفة القدرة ، وكونه تعالى ربا ومربياً مشتمل على الأمرين ، فكان ذلك
أكمل .
والجواب عن الثاني : أن الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى عبارة عن علمه
بالمعلومات ، والعلم بالشيء يصح تقدمه على وجود المعلوم . ألا ترى أنه يمكننا أن نعلم الشيء
قبل دخوله في الوجود . أما إيجاد الشيء ، فإنه لا يحصل إلا حال وجود الأثر بناء على مذهبنا أن
القدرة إنما تؤثر في وجود المقدور حال وجود المقدور. فلهذا السبب قال: خلق السموات،
والمراد أنه كان عالماً بها قبل وجودها، وقال (فاطر السموات والأرض) والمراد أنه تعالى إنما يكون
فاطراً لها وموجداً لها عند وجودها .
﴿ المسألة الخامسة﴾ في قوله ( الحمد لله) قولان: الأول : المراد منه احمدوا الله تعالى،
وإنما جاء على صيغة الخبر لفوائد : إحداها : أن قوله ( الحمد لله ) يفيد تعليم اللفظ
والمعنى ، ولوقال : احمدوا . لم يحصل مجموع هاتين الفائدتين . وثانيها : أنه يفيد أنه تعالى
مستحق الحمد سواء حمده حامد أولم يحمده . وثالثها : أن المقصود منه ذكر الحجة فذكره
بصيغة الخبر أولى .
والقول الثاني﴾ وهو قول أكثر المفسرين معناه قولوا الحمد لله. والدليل على أن
المراد منه تعلم العباد أنه تعالى قال في أثناء السورة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وهذا الكلام
لا يليق ذكره إلا بالعباد . والمقصود أنه سبحانه لما أمر بالحمد وقد تقرر في العقول أن الحمد
لا يحسن إلا على الانعام ، فحينئذ يصير هذا الأمر حاملاً للمكلف على أن يتفكر في أقسام نعم
الله تعالى عليه . ثم إن تلك النعم يستدل بذكرها على مقصودين شريفين : أحدهما : أن هذه

سورة الأنعام ١٥٥
قوله تعالى ((الحمدلله الذى خلق السموات والأرض)) الآية
النعم قد حدثت بعد أن كانت معدومة فلا بد لها من محدث ومحصل وليس ذلك هو العبد لأن
كل أحد يريد تحصيل جميع أنواع النعم لنفسه ، فلو كان حصول النعم للعبد بواسطة قدرة
العبد واختياره ، لوجب أن يكون كل واحد واصلاً إلى جميع أقسام النعم إذ لا أحد إلا وهو
يريد تحصيل كل النعم لنفسه ، ولما ثبت أنه لا بد لحدوث هذه النعم من محدث وثبت أن ذلك
المحدث ليس هو العبد فوجب الإقرار بمحدث قاهر قادر ، وهو الله سبحانه وتعالى .
والنوع الثاني ﴾ من مقاصد هذه الكلمة أن القلوب مجبولة على حب من أحسن
إليها وبغض من أساء إليها فإذا أمر الله تعالى العبد بالتحميد ، وكان الأمر بالتحميد مما يحمله
على تذكر أنواع نعم الله تعالى ، صار ذلك التكليف حاملاً للعبد على تذكر أنواع نعم الله
عليه ، ولما كانت تلك النعم كثيرة خارجة عن الحد والاحصاء ، صار تذكر تلك النعم موجبة
رسوخ حب الله تعالى في قلب العبد . فثبت أن تذكير النعم يفيد هاتين الفائدتين الشريفتين .
إحداهما : الاستدلال بحدوثها عن الاقرار بوجود الله تعالى . وثانيهما : أن الشعور بكونها نعما
بوجب ظهور حب الله في القلب ، ولا مقصور من جميع العبادات إلا هذان الأمران . فلهذا
السبب وقع الابتداء في هذا الكتاب الكريم بهذه الكلمة ، فقال ( الحمد لله رب العالمين ) .
واعلم أن هذه الكلمة بحر لا ساحل له ، لأن العالم اسم لكل ما سوى الله تعالى ، وما
سوى الله إما جسم أو حال فيه أولا جسم ولا حال فيه ، وهو الأرواح . ثم الأجسام إما
فلكية ، وإما عنصرية . أما الفلكيات فأولها العرش المجيد، ثم الكرسي الرفيع . ويجب على
العاقل أن يعرف أن العرش ما هو، وأن الكرسي ما هو، وأن يعرف صفاتهما وأحوالهما ، ثم
يتأمل أن اللوح المحفوظ، والقلم ، والرفرف، والبيت المعمور . وسدرة المنتهى ما هي ، وأن
يعرف حقائقها ، ثم يتفكر في طبقات السموات وكيفية اتساعها وأجرامها وأبعادها ، ثم يتأمل
في الكواكب الثابتة والسيارة . ثم يتأمل في عالم العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وهي المعادن
والنبات والحيوان ، ثم يتأمل في كيفية حكمة الله تعالى في خلقه الأشياء الحقيرة والضعيفة
كالبق والبعوض ، ثم ينتقل منها إلى معرفة أجناس الأعراض وأنواعها القريبة والبعيدة ،
وكيفية المنافع الحاصلة من كل نوع من أنواعها ، ثم ينتقل منها إلى تعرف مراتب الأرواح
السفلية والعلوية والعرشية والفلكية ، ومراتب الأرواح المقدسة عن علائق الأجسام المشار
إليها بقوله ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء بقدر
القدرة والطاقة ، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة العالم ، وهو كل ما سوى الله تعالى . ثم
عند هذا يعرف أن كل ما حصل لها من الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها
وعلائقها ، فمن إيجاد الحق ومن جوده ووجوده ، فعند هذا يعرف من معنى قوله ( الحمد لله

١٥٦
قوله تعالى ((الحمد لله الذي خلق السموات والأرض)) الآية
سورة الأنعام
رب العالمين) ذرة ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلام لا آخر له . والله أعلم .
المسألة السادسة﴾ إنا وإن ذكرنا أن قوله ( الحمد لله رب العالمين ) أجرى مجرى قوله
قولوا : الحمد لله رب العالمين . فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء السورة (إياك نعبد وإياك
نستعين) لا يليق إلا بالعبد . فلهذا السبب افتقرنا هناك إلى هذا الاضمار . أما هذه السورة
وهي قوله ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء الله تعالى
به على نفسه .
وإذا ثبت هذا فنقول : إن هذا يدل من بعض الوجوه ، على أنه تعالى منزه عن الشبيه
في اللذات والصفات والأفعال . وذلك لأن قوله ( الحمد لله) جار مجرى مدح النفس وذلك
قبيح في الشاهد ، فلما أمرنا بذلك دل هذا على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق ، فكما أن
هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق، فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن
يقبح من الحق. وبهذا الطريق وجب أن يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح
من الله .
إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق ، فكذلك صفاته لا تشبه
صفات الخلق ، وذاته لا تشبه ذوات الخلق ، وعند هذا يحصل التنزيه المطلق والتقديس
الكامل عن كونه تعالى مشابهاً لغيره في الذات والصفات والأفعال . فهو الله سبحانه واحد في
ذاته ، لا شريك له في صفاته ، ولا نظير له واحد في أفعاله لا شبيه له تعالى . وتقدس . والله
أعلم .
أما قوله سبحانه ﴿ الذي خلق السموات والأرض﴾ ففيه مسألتان: الأولى: في
السؤالات المتوجهة على هذه الآية وهي ثلاثة :
السؤال الأول ﴾ أن قوله ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) جار مجری ما
يقال : جاءني الرجل الفقيه . فإن هذا يدل على وجود رجل آخر ليس بـ فقيه، وإلا لم يكن إلى
ذكر هذه الصفة حاجة كذا ههنا قوله ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) يوهم أن
هناك إلهاً لم يخلق السموات والأرض ، وإلا فأي فائدة في هذه الصفة ؟
والجواب: أنا بينا أن قوله ((الله)) جار مجرى اسم العلم . فإذا ذكر الوصف لاسم
العلم لم يكن المقصود من ذكر الوصف التمييز ، بل تعريف كون ذلك المعنى المسمى ،
موصوفاً بتلك الصفة. مثاله إذا قلنا ((الرجل)) العالم، فقولنا: الرجل اسم الماهية، والماهية

١٥٧
سورة الأنعام
قوله تعالى ((الحمد لله الذي خلق السموات والأرض)) الآية
تتناول الاشخاص المذكورين الكثيرين. فكان المقصود ههنا من ذكر الوصف تمييز هذا الرجل
بهذا الاعتبار عن سائر الرجال بهذه الصفة. اما إذا قلنا: زيد العالم، فلفظ زيد اسم علم، وهو
لا يفيد الا هذه الذات المعينة، لأن أسماء الأعلام قائمة مقام الاشارات . فإذا وصفناه بالعلمية
امتنع أن يكون المقصود منه تمييز ذلك الشخص عن غيره، بل المقصود منه تعريف كون ذلك
المسمى موصوفاً بهذه الصفة. ولما كان لفظ ((الله)) من باب اسماء الاعلام، لا جرم كان الأمر على
ما ذكرناه والله أعلم .
﴿ السؤال الثاني﴾ لم قدم ذكر السماء على الأرض، مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن
خلق الأرض مقدم على خلق السماء ؟
والجواب : السماء كالدائرة ، والأرض كالمركز ، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز
ولا ينعكس ، فإن حصول المركز لا يوجب تعين الدائرة لأمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر
لا نهاية لها ، فلما كانت السماء متقدمة على الأرض بهذا الاعتبار وجب تقديم ذكر السماء على
الأرض بهذا الاعتبار .
السؤال الثالث﴾ لم ذكر السماء بصيغة الجمع ، والأرض بصيغة الواحد مع أن
الأرضين أيضاً كثيرة . بدليل قوله تعالى ( ومن الأرض مثلهن ) .
والجواب : أن السماء جارية مجرى الفاعل . والأرض مجرى القابل . فلو كانت السماء
واحدة لتشابه الأثر، وذلك يخل بمصالح هذا العالم . أما لو كانت كثيرة اختلفت الاتصالات
الكوكبية فحصل بسببها الفصول الأربعة ، وسائر الأحوال المختلفة ، وحصل بسبب تلك
الاختلافات مصالح هذا العالم . أما الأرض فهي قابلة للأثر والقابل الواحد كاف في
القبول ، وأما دلالة الآية المذكورة على تعدد الأرضين فقد بينا في تفسير تلك الآية كيفية الحال
فيها والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر الدلالة على وجود الصانع.
وتقريره أن أجرام السموات والأرض تقدرت في أمور مخصوصة بمقادير مخصوصة ، وذلك لا
يمكن حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار . أما بيان المقام الأول فمن وجوه : الأول : أن
كل فلك مخصوص اختص بمقدار معين مع جواز أن يكون الذي كان حاصلاً مقداراً أزيد منه
أو أنقص منه. والثاني أن كل فلك بمقدار مركب من أجزاء ، والجزء الداخل يمكن وقوعه
خارجاً وبالعكس . فوقوع كل واحد منها في حيزه الخاص أمر جائز . والثالث : أن الحركة
والسكون جائزان على كل الأجسام بدليل أن الطبيعة الجسمية واحدة . ولوازم الأمور الواحدة

١٥٨
قوله تعالى ((الحمد لله الذي خلق السموات والأرض)) الاية
سورة الأنعام
واحدة . فإذا صح السكون والحركة على بعض الأجسام ، وجب أن يصحا على كلها .
فاختصاص الجسم الفلكي بالحركة دون السكون اختصاص بأمر ممكن . والرابع : أن كل
حركة ، فإنه يمكن وقوعها أسرع مما وقع وأبطأ مما وقع ، فاختصاص تلك الحركة المعينة
بذلك القدر المعين من السرعة والبطء اختصاص بأمر ممكن . والخامس : أن كل حركة ،
وقعت متوجهة إلى جهة ، فإنه يمكن وقوعها متوجهة إلى سائر الجهات ، فاختصاصها بالوقوع
على ذلك الوجه الخاص اختصاص بأمر ممكن . والسادس : أن كل فلك . فإنه يوجد جسم
آخر أما أعلى منه وأما أسفل منه ، وقد كان وقوعه على خلاف ذلك الترتيب أمراً ممكناً ،
بدليل أن الأجسام لما كانت متساوية في الطبيعة الجسمية ، فكل ما صح على بعضها صح على
كلها ، فكان اختصاصه بذلك الحيز والترتيب أمراً ممكناً . والسابع : وهو أن لحركة كل
فلك أولاً ، لأن وجود حركة لاأول لها محال . لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة .
وهذا الانتقال يقتضي كونها مسبوقة . والأول ينافي المسبوقية بالغير، والجمع بينهما محال .
فثبت أن لكل حركة أولا ، واختصاص ابتداء حدوثه بذلك الوقت ، دون ما قبله ، وما بعده
اختصاص بأمر ممكن . والثامن : هو أن الاجسام ، لما كانت متساوية في تمام الماهية كان
اتصاف بعضها بالفلكية وبعضها بالعنصرية دون العكس ، اختصاصاً بأمر ممكن . والتاسع :
وهو أن حركاتها فعل لفاعل مختار ، ومتى كان كذلك فلها أول . بيان المقام الأول أن المؤثر
فيها لو كان علة موجبة بالذات لزم من دوام تلك العلة دوام آثارها، فيلزم من دوام تلك العلة،
دوام كل واحد من الأجزاء المتقومة في هذه الحركة . ولما كان ذلك محالاً ثبت أن المؤثر فيها
ليس علة موجبة بالذات ، بل فاعلاً مختاراً . وإذا كان كذلك ، وجب كون ذلك الفاعل
متقدماً على هذه الحركات ، وذلك يوجب أن يكون لها بداية . العاشر: أنه ثبت بالدليل أنه
حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له بدليل أنا نعلم بالضرورة أنا لو فرضنا أنفسنا واقفين على
طرف الفلك الأعلى فإنا نميز بين الجهة التي تلي قدامنا وبين الجهة التي تلي خلفنا ، وثبوت هذا
الامتياز معلوم بالضرورة . وإذا كان كذلك ثبت أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له ،
وإذا كان كذلك ، فحصول هذا العالم في هذا الحيز الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر
ممكن ، فثبت بهذه الوجوه العشرة : ان اجرام السموات والأرضين مختلفة بصفات وأحوال ،
فكان يجوز في العقل حصول أضدادها ومقابلاتها ، فوجب أن لا يحصل هذا الاختصاص
الخاص إلا لمرجح ومقدر وإلا فقد ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال .
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه لا معنى للخلق إلا التقدير . فلما دل العقل على حصول
التقدير من هذه الوجوه العشرة ، وجب حصول الخلق من هذه الوجوه العشرة . فلهذا المعنى .

١٥٩
سورة الأنعام
قوله تعالى ((وجعل الظلمات والنور)) الاية
قال ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) والله أعلم ، ومن الناس من قال المقصود من
ذكر السموات والأرض والظلمات والنور التنبيه على ما فيها من المنافع .
واعلم أن منافع السموات أكثر من أن تحيط بجزء من أجزائها المجلدات ، وذلك لأن
السموات بالنسبة إلى مواليد هذا العالم جارية مجرى الأب والأرض بالنسبة إليها جارية مجرى
الأم فالعلل الفاعلة سماوية والعلل القابلة أرضية . وبها يتم أمر المواليد الثلاثة . والاستقصاء
في شرح ذلك لا سبيل إليه .
أما قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ ففيه مسائل :
والمسألة الأولى﴾ لفظ ((جعل)) يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ
كقوله تعالى ( وجعل الظلمات والنور ) وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله ( وجعلوا
الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير ،
وفي الجعل معنى التضمين والتصيير كإنشاء شيء من شيء ، وتصيبير شيء شيئاً ، ومنه : قوله
تعالى (وجعل منها زوجها) وقوله (وجعلناكم أزواجاً) وقوله ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً)
وإنما حسن لفظ الجعل ههنا لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كان كل واحد منهما إنما تولد من
الآخر .
﴿ المسألة الثانية﴾ فى لفظ ( الظلمات والنور) قولان: الأول: أن المراد منهما
الأمران المحسوسان بحس البصر والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما . وأيضاً هذان
الأمران إذ جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض ، فإنه لا يفهم منهما إلا
هاتان الكيفيتان المحسوستان. والثاني : نقل الواحدي عن ابن عباس . أنه قال ( وجعل الظلمات
والنور ) أي ظلمة الشرك والنفاق والكفر . والنور يريد نور الاسلام والإيمان والنبوة واليقين.
ونقل عن الحسن أنه قال : يعني الكفر والإيمان ، ولاتفاوت بين هذين القولين ، فكان قول
الحسن كالتلخيص لقول ابن عباس . ولقائل أن يقول حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ، لما
ذكرنا أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ، ولأن الظلمات والنور إذا كان ذكرهما مقروناً
بالسموات والأرض لم يفهم منه إلا ما ذكرناه . قال الواحدي : والأولى حمل اللفظ عليهما
معاً . وأقول هذا مشكل لأنه حمل اللفظ على مجازه ، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن
حمله على حقيقته ومجازه معاً .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما قدم ذكر الظلمات على ذكر النور لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم
النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور ، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضادة للنور ،

١٦٠
قوله تعالى (( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)) الأنعام الآية سورة الأنعام
والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج ، وجلس إنسان آخر بالبعد منه ، فإن البعيد
يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافياً مضيئاً ، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد . ويرى ذلك
الهواء مظلماً ، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين
المذكورين ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية .
وإذا ثبت هذا فنقول : عدم المحدثات متقدم على وجودها ، فالظلمة متقدمة في التقدير
والتحقق على النور ، فوجب تقديمها في اللفظ ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الاخبار الالهية أنه
تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره .
المسألة الرابعة ﴾ لقائل أن يقول: لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع ، والنور بصيغة
الواحد ؟ فنقول : أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان ، فكلامه ههنا ظاهر ،
لأن الحق واحدوالباطل كثير ، وأما من حملها على الكيفية المحسوسة ، فالجواب : أن النور
عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية ، ثم إنها تقبل التناقض قليلاً قليلاً . وتلك المراتب
كثيرة . فلهذا السبب عبر عن الظلمات بصيغة الجمع .
أما قوله تعالى ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ .
فاعلم أن العدل هو التسوية . يقال : عدل الشيء بالشيء إذا سواه به، ومعنى ( يعدلون)
يشركون به غيره .
فإن قيل : على أي شيء عطف قوله ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) .
قلنا : يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله ( الحمد لله) على معنى أن الله حقيق بالحمد على
كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) فيكفرون بنعمته ، ويحتمل أن
يكون معطوفاً على قوله ( خلق السموات والأرض ) على معنى أنه خلق هذه الأشياء العظيمة
التي لا يقدر عليها أحد سواه، ثم إنهم يعدلون به جماداً لا يقدر على شيء أصلاً .
فإن قيل : فما معنى ثم ؟
قلنا : الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته والله أعلم .