Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة المائدة
قوله تعالى (( اثنان ذوا عدل منكم)) الآية
ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَانَرَانٍ مِنْ غَيِْكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِ اَلْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُ مُصِيبَهُ
الْمَوْتِ تَحْنُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ فَيُفْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَّا
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَ نَكْتُ شَدَةَ اللَّهِ إِنََّ إِذَّا لَّمِنَ الْلَئِمِينَ ﴿ـ
خرجوا للتجارة فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وألقاه فيما بين
الأقمشة ولم يخبر صاحبه بذلك ، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى
أهله ، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشاً بالذهب ثلثمائة مثقال ، ودفعا باقي
المتاع إلى أهله لما قدما ، ففتشوا فوجدوا الصحيفة ، وفيها ذكر الاناء ، فقالوا لتميم وعدي :
أين الاناء؟ فقالا لا ندري، والذي رفع إلينا دفعناه إليكم، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله وله
فأنزل الله تعالى هذه الآية ،
﴿ المسألة الثانية ﴿قوله (شهادة بينكم ) يعني شهادة ما بينكم وما بينكم كناية عن
التنازع والتشاجر، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند وقوع
التنازع ، وحذف ما من قوله ( شهادة بينكم ) جائز لظهوره ، ونظيره قوله ( هذا فراق بيني
وبينك ) أي ما بيني وبينك)، وقوله ( لقد تقطع بينكم ) في قراءة من نصب ، وقوله
( إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ) يعني الشهادة المحتاج إليها عند حضور الموت ، وحين
الوصية بدل من قوله ( إذا حضر أحدكم ) لأن زمان حضور الموت هو زمان حضور الوصية ،
فعرف ذلك الزمان بهذين الأمرين الواقعين فيه ، كما يقال : أثتني إذا زالت الشمس حين
صلاة الظهر ، والمراد بحضور الموت مشارفته وظهور أمارات وقوعه ، كقوله ( كتب عليكم إذا
حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية ) قالوا وقوله ( إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية )
دليل على وجوب الوصية ، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان الوصية ، وهذا إنما
يكون إذا كانا متلازمين ، وإنما تحصل هذه الملازمة عند وجوب الوصية .
ثم قال تعالى ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية حذف، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم ، وتقدير الآية:
شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف، هي أن يشهد إثنان ذوا عدل منكم ، وإنما حسن هذا
الحذف لكونه معلوماً .

١٢٢
قوله تعالى (( اثنان ذوا عدل منكم)) الآية
سورة المائدة
المسألة الثانية﴾ اختلف المفسرون في قوله ((منكم)) على قولين: الأول: وهو قول
عامة المفسرين أن المراد : اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين ، أي من أهل دينكم
وملتكم، وقوله (أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض) يعني أو شهادة آخرين من غير
أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر، فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر،
وهذا قول ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب،
وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج . قالوا : إذا كان الانسان في الغربة ، ولم يجد مسلماً
يشهده على وصيته ، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي
كافر كان وشهادتهم مقبولة ، ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة قال
الشعبي رحمه الله : مرض رجل من المسلمين في الغربة ، فلم يجد أحداً من المسلمين يشهده
على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري ، وكان
والياً عليها فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته . فقال أبوموسى : هذا أمر لم يكن بعد
الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر،
بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما ، ثم إن القائلين بهذا القول ، منهم من قال هذا
الحكم بقي محكماً ومنهم من قال صار منسوخاً .
﴿ القول الثاني ﴾ وهو قول الحسن والزهري وجمهور الفقهاء : أن قوله ( ذواعدل
منكم ) أي من أقاربكم وقوله ( أو آخران من غيركم ) أي من الأجانب إن أنتم ضريتم في
الأرض أي ان توقع الموت في السفر ، ولم يكن معكم أحد من أقاربكم ، فاستشهدوا
أجنبيين على الوصية . وجعل الأقارب أولاً لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق ،
وبورثته أرحم وأرأف. واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بوجوه .
﴿ الحجة الأولى﴾ أنه تعالى قال في أول الآية ( يا أيها الذين آمنوا) فعمهم بهذا
الخطاب جميع المؤمنين ، فلما قال بعده ( أو آخران من غيركم ) كان المراد أو آخران من جميع
المؤمنين لا محالة .
﴿ الحجة الثانية) أنه تعالى قال ( أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض)
وهذا يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد في السفر ، فلو
كان هذان الشاهدان مسلمين ، لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر ، لأن استشهاد
المسلم جائز في السفر والحضر.
﴿ الحجة الثالثة) الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد الصلاة،

١٢٣
سورة المائدة
قوله تعالى (( اثنان ذوا عدل منكم)) الآية
وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا
من المسلمين .
﴿ الحجة الرابعة﴾ أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصرانيين على بديل
وكان مسلماً .
الحجة الخامسة ﴾ ما روينا أن أبا موسى الأشعري قضى بشهادة اليهوديين بعد أن
حلفهما ، وما أنكر عليه أحد من الصحابة ، فكان ذلك إجماعاً .
الحجة السادسة ﴾ أنا إنما نجيز إشهاد الكافرين إذا لم نجد أحداً من المسلمين ،
والضرورات قد تبيح المحظورات ، ألا ترى أنه تعالى أجاز التيمم والقصر في الصلاة ،
والافطار في رمضان ، وأكل الميتة في حال الضرورة ، والضرورة حاصلة في هذه المسألة ، لأن
المسلم إذا قرب أجله في الغربة ولم يجد مسلماً يشهده على نفسه ، ولم تكن شهادة الكفار
مقبولة فإنه يضيع أكثر مهماته ، فإنه ربما وجبت عليه زكوات وكفارات وما أداها . وربما كان
عنده ودائع أوديون كانت في ذمته ، وكما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء ،
كالحيض والحبل والولادة والاستهلال لأجل أنه لا يمكن وقوف الرجال على هذه الأحوال ،
فاكتفينا فيها بشهادة النساء لأجل الضرورة ، فكذا ههنا. وأما قول من يقول : بأن هذا الحكم
صار منسوخاً فبعيد ، لاتفاق أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن ،
وليس فيها منسوخ ، واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله ( وأشهدوا ذوي عدل منكم )
والكافر لا يكون عدلاً .
أجاب الأولون عنه : لم لا يجوز أن يكون المراد بالعدل من كان عدلاً في الاحتراز عن
الكذب ، لا من كان عدلاً في الدين والاعتقاد ، والدليل عليه : أنا أجمعنا على قبول شهادة
أهل الأهواء والبدع ، مع أنهم ليسوا عدولاً في مذاهبهم ، ولكنهم لما كانوا عدولاً في الاحتراز
عن الكذب قبلنا شهادتهم ، فكذا ههنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل ، إلا أن قوله ( وأشهدّوا
ذوي عدل منكم ) عام ، وقوله في هذه الآية ( اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن
أنتم ضربتم في الأرض ) خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منافي الحضر، واكتفى
بشهادة من لا يكون منافي السفر ، فهذه الآية خاصة ، والآية التي ذكرتموها عامة ، والخاص
مقدم على العام ، لا سيما إذا كان الخاص متأخراً في النزول ، ولا شك أن سورة المائدة
متأخرة ، فكان تقديم هذه الآية الخاصة على الآية العامة التي ذكرتموها واجباً بالاتفاق والله
أعلم .

١٢٤
قوله تعالى ((أو آخران من غيركم إن انتم ضربتم في الأرض)) الآية سورة المائدة
ثم قال تعالى ﴿ أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة
الموت ﴾ .
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ قوله (أو آخران) عطف على قوله ( اثنان) والتقدير : شهادة
بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم .
﴿ المسألة الثانية) قوله (إن انتم ضربتم في الأررض فأصابتكم مصيبة الموت) المقصود منه
بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيرهم مشروط بما إذا كان المستشهد مسافراً ضارباً في
الأرض وحضرت علامات نزول الموت به .
ثم قال تعالى ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ تحبسونهما ، أي توقفونهما كما يقول الرجل: مر بي فلان على فرس
فحبس على دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته .
فإن قيل : ما موقع تحبسونهما .
قلنا : هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل أن حصلت الريبة فيهما فقيل تحبسونهما .
المسألة الثانية ﴾ قوله ( من بعد الصلاة ) فيه أقوال : الأول قال ابن عباس من بعد
صلاة أهل دينهما ، والثاني : قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر.
فإن قيل : كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر، مع أن المذكور هو الصلاة المطلقة .
قلنا : إنما عرف هذا التعيين بوجوه ؛ أحدها : أن هذا الوقت كان معروفاً عندهم
بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ ، وثانيها : ما روى أنه لما
نزلت هذه الآية على النبي صلىَّ الله عليه وسلم صلاة العصر، ودعا بِعَدِيّ وتميم ،
فاستحلفهما عند المنبر، فصار فعل الرسول دليلاً على التقييد ، وثالثها : أن جميع أهل الأديان
يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب ، وأهل الكتاب
يصلون لطلوع الشمس وغروبها .
﴿ والقول الثالث﴾ قال الحسن: المراد بعد الظهر أو بعد العصر، لأن أهل الحجاز
كانوا يقعدون للحكومة بعدهما .

١٢٥
قوله تعالى ((فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به)) الآية سورة المائدة
والقول الرابع ﴾ أن المراد بعد أداء الصلاة أي صلاة كانت والغرض من التحليف
بعد إقامة الصلاة هو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فكان احتراز الحالف عن الكذب
في ذلك الوقت أتم وأكمل ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الشافعي رحمه الله: الإيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق،
والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان ، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام ،
وبالمدينة عند المنبر ، وفي بيت المقدس عند الصخرة ، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد ،
وقال أبو حنيفة رحمه الله : يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان أو مكان ، وهذا على خلاف
الآية ، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم ، ولا شك أن الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه
أقوى .
ثم قال تعالى ﴿ فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربا ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الفاء في قوله ( فيقسمان بالله) للجزاء يعني: تحبسونهما فيقدمان
لأجل ذلك الحبس على القسم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قوله (إن ارتبتم ) اعتراض بين القسم والمقسم عليه. إن ارتبتم في
شأنهما واتهمتموهما فخلفوهما ، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار ، لأن تحليف
الشاهد المسلم غير مشروع ، ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال انها منسوخة ، وعن علي
عليه السلام أنه كان يحلف الشاهد والراوي عند التهمة .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( لا نشتري به ثمناً) يعني يقسمان بالله أنا لا نبيع عهد الله
بشيء من الدنيا قائلين لا نشتري به ثمناً ، وهو كقوله ( إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم
ثمناً قليلاً) أي لا نأخذ ولا نستبدل ، ومن باع شيئاً فقداشتری ثمنه،وقوله ( ولو كان ذا
قربی) أي لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا ، ولو كان ذلك الشيء حبوة ذي قربى أو نفسه ،
وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بسببهم أعظم ، وهو كقوله ( كونوا
قوامين بالقسط شهداء الله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين .
ثم قال تعالى ﴿ولا نكتم شهادة الله ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ الأولى﴾ هذا عطف على قوله ( لا نشتري به ثمناً) يعني أنهما يقسمان حال ما يقولان
لا نشتري به ثمناً ولا نكتم شهادة الله أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وإظهارها .

١٢٦
قوله تعالى ((فان عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان)) الآية سورة المائدة
فَإِنْ مُثَ عَلَ أَّهُمَا أَسْتَحَقًّاَ إِنَا فَعَانِ يَقُومَنِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أَسْتَخَّ عَلَيْهِمُ
اُلْأَوْلَيَانِ فَيُفْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآ إِنَّ إِذَا لَمِنَ
الظَّالِينَ ﴿5﴾ ذَلِكَ أَدْفَ أَن يَأْتُواْ بِالشََّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيْمٌَ بَعْدَ
أَْمَنِهِمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَاسْمَعُواْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ
١٠٨
المسألة الثانية ﴾ نقل عن الشعبي أنه وقف على قوله ( شهادة ) ثم ابتدأ الله بالمد على
طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه ، وروى عنه بغير مد على ما ذكره سيبويه أن
منهم من يقول الله لقد كان كذا ، والمعنى تالله .
ثم قال تعالى ﴿ أنا إذاً لمن الآثمين ﴾ يعني إذا كتمناها كنا من الآثمين .
ثم قال تعالى ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ قال الليث رحمه الله: عثر الرجل يعثر
عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره . وأعثرت فلاناً على أمري أي أطلعته عليه ،
وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء ، قال أهل اللغة : وأصل عثر بمعنى أطلع من العثرة
التي هي الوقوع ، وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه ، فلما عثر به اطلع عليه ونظر
ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفياً عليه قد عثر عليه ، وأعثر غيره إذا أطلعه
عليه ، ومنه قوله تعالى ( وكذلك أعثرنا عليهم ) أي أطلعنا ، ومعنى الآية فإن حصل العثور
والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الاثم بسبب اليمين الكاذبة .
ثم قال تعالى ﴿ فآخر ان يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ إعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثماً
أي حنثاً في اليمين بكذب في قول أو خيانة في مال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت
فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا
وروي انه لما انزلت الآية الأولى على رسول الله صلىَّ الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي
فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منه خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى

١٢٧
قوله تعالى ((فان عثر على انهما استحقااثما فاخران يقومان)) الآية سورة المائدة
رسول الله صلىَّ الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الاناء مدة ثم ظهروا واختلفوا فقيل : وجد بمكة .
وقيل : لما طالت المدة أظهرا الاناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه
منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتما لا ؟ فقالا لم يكن عندنا بينة فكر هنا أن
نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلىَّ الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ( فإن عثر)
الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع
الرسول صلىَّ الله عليه وسلم الإِناء إليهما وإلى أولياء الميت . وكان تميم الداري يقول بعدما
أسلم : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه بقيت
تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال : حلفت كاذباً وأنا
وصاحبي بعنا الآناء بألف وقسمنا الثمن . ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه
خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت .
المسألة الثانية ﴾ قوله ( فآخران يقومان مقامهما ) أي مقام الشاهدين اللذين هما من
غير ملتهما وقوله ( من الذين استحق عليهم الأوليان ) المراد به موالي الميت ، وقد أكثر الناس
في أنه لم وصف موالي الميت بهذا الوصف، والأصح عندي فيه وجه واحد، وهو أنهم ائمًّا وصفوا
بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم ما لهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون
تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف
المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.
﴿ المسألة الثالثة) أما قوله ( الأوليان) ففيه وجوه : الأول : أن يكون خبر المبتدأ
محذوف والتقدير : هما الأوليان وذلك لأنه لما قال فآخران يقومان مقامهما ، فكأنه قيل . ومن
هما فقيل الأوليان ، والثاني : أن يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم
الأوليان ، والثالث : أجاز الأخفش أن يكون قوله ( الأوليان ) صفة لقوله ( فآخران ) وذلك
لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة ، كقول تعالى ( كمشكاة فيها
مصباح ) فمصباح نكرة ثم قال المصباح ثم قال في زجاجة ثم قال الزجاجة ، وهذا مثل قولك
رأيت رجلاً ، ثم يقول إنسان من الرجل ، فصار بالعود إلى ذكره معرفة . الرابع : يجوز أن
يكون قوله ( الأوليان ) بدلاً من قول آخران ، وإبدال المعرفة من النكرة كثير .
المسألة الرابعة ﴾ إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين : الأول: معنى الأوليان
الأقربان إلى الميت . الثاني : يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين ، والسبب فيه أن
الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الاناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت ، لأن الوصيين قد
٠

١٢٨
قوله تعالى ((فان عثر على أنهما استحقا اثما فآخران يقومان)) الآية سورة المائدة
ادعيا أن مورثهما باع الاناء وهما أنكرا ذلك ، فكان اليمين حقاً لهما ، وهذا كما أن إنساناً أقر
لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولاً لأنه صار مدعى
عليه أنه قد استوفاه .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء،
والأوليان تثنية الأولى، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين
بالجمع ، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله من الذين استحق عليهم وتقديره من
الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ، ألا
ترى أنه قد تقدم ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) وكذلك ( اثنان ذوا عدل ) ذكرا في اللفظ
قبل قوله ( أو آخران من غيركم) وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية ،
ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما
للوصاية . ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان . أي
خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ، ووجهه ظاهر مما تقدم .
ثم قال تعالى ﴿ فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذاً لمن
الظالمين ﴾ .
والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال ، وفي نسبتهم إلى الخيانة ، وقوله ( إنا
إذاً لمن الظالمين ) أي أنا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد إيمان بعد
إيمانهم ﴾ .
والمعنى ذلك الحكم الذي ذكرناه والطريق الذي شرعناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على
وجهها ، وأن يأتوا بالشهادة لا على وجهها . ولكنهم يخافون أن يحلفوا على ما ذكروه لخوفهم
من أن ترد إيمان على الورثة بعد إيمانهم ، فيظهر كذبهم ويفتضحون فيما بين الناس .
ثم قال تعالى ﴿واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾.
والمعنى اتقوا الله أن تخونوا في الأمانات واسمعوا مواعظ الله أي اعملوا بها وأطيعوا الله
فيها والله لا يهدي القوم الفاسقين ، وهو تهديد لمن خالف حكم الله وأوامره فهذا هو القول في
تفسير هذه الآية التي اتفق المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً ، وروى
الواحدي رحمه الله في البسيط عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : هذه الآية أعضل ما

١٢٩
سورة المائدة
قوله تعالى (( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم)) الآية
١٠٠٠٠ داد
يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرَّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُحِبُمْ
في هذه السورة من الأحكام . والحكم الذي ذكرناه في هذه الآية منسوخ عند أكثر الفقهاء والله
أعلم بأسرار كلامه ◌ُ
قوله تعالى ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾.
إعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعاً كثيرة من
الشرائع والتكاليف والأحكام ، أتبعها إما بالالهيات ، وإما بشرح أحوال الأنبياء ، أو بشرح
أحوال القيامة ليصير ذلك مؤكداً لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر فيما تقدم
أنواعاً كثيرة من الشرائع أتبعها بوصف أحوال القيامة أولاً ، ثم ذكر أحوال عيسى ، أما
وصف أحوال القيامة فهو قوله ( يوم يجمع الله الرسل ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في هذه الآية قولان: أحدهما : أنها متصلة بما قبلها وعلى هذا
التقدير ففيه وجهان : الأول : قال الزجاج تقديره : واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل، ولا
يجوز أن ينصب على الظرف لهذا الفعل لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم ، ولكن على
المفعول له . الثاني : قال القفال رحمه الله : يجوز أن يكون التقدير : والله لا يهدي القوم
الفاسقين يوم يجمع الله الرسل ، أي لا يهديهم إلى الجنة كما قال ( ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق
جهنم ) .
والقول الثاني ﴾ أنها منقطعة عما قبلها، وعلى هذا التقدير ففيه أيضاً
وجهان : الأول : أن التقدير : اذكر يوم يجمع الله الرسل . والثاني : أن يكون التقدير : يوم
يجمع الله الرسل کان كيت وكيت .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف قوله ماذا منتصب بأجبتم انتصاب مصدره على
معنى أي أجابه أجبتم إجابة إنكار أم إجابة إقرار . ولو أريد الجواب لقيل بماذا أجبتم فإن
قيل : وأي فائدة في هذا السؤال ؟ قلنا : توبيخ قومهم كما أن قوله ( وإذا الموؤدة سئلت بأي
ذنب قتلت ) المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل .
الفخر الرازي ج١٢ م٩

١٣٠
قوله تعالى ((قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب)) الآية سورة المائدة
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ
قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ عَُّمُ الْغُيُوبِ ه
نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ إِذْ أَيَدَتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا
وَ إِذْ عَلَمْتُكَ اَلْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالثَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ
المسألة الثالثة﴾ ظاهر قوله تعالى ﴿ قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ﴾ يدل
على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم ، والجمع بين هذا وبين قوله تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل
أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) مشكل . وأيضاً قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة
وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر
الناس فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم بذلك .
والجواب عنه من وجوه : الأول . قال جمع من المفسرين إن للقيامة زلازل وأهوالاً بحيث
تزول القلوب عن مواضعها عند مشاهدتها . فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند مشاهدة
تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور ، فهنالك يقولون لا علم لنا ، فإذا عادت قلوبهم إليهم فعند
ذلك يشهدون للأمم . وهذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم من الأكابر فهو عندي ضعيف .
لأنه تعالى قال في صفة أهل الثواب ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) وقال أيضاً (وجوه يومئذ مسفرة
ضاحكة مستبشرة ) بل إنه تعالى قال ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من
آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
فكيف يكون حال الأنبياء والرسل أقل من ذلك . ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل منزلة من
هؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يخافون البتة . والوجه الثاني : أن المراد منه المبالغة في
تحقيق فضيحتهم كمن يقول لغيره ما تقول في فلان؟ فيقول: أنت أعلم به مني . كأنه قيل : لا
يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره ،. وهذا أيضاً ليس بقوي لأن السؤال إنما وقع عن كل الأمة .
وكل الأمة ما كانوا كافرين حتى تريد الرسل بالنفي تبكيتهم وفضيحتهم .
والوجه الثالث ﴾ في الجواب وهو الأصح . وهو الذي اختاره ابن عباس إنهم إنما
قالوا لا علم لنا لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا . ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا .
فعلمك فيهم أنفذ من علمنا . فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم لأن علمهم عند الله
کلاعلم
والوجه الرابع ﴾ في الجواب أنهم قالوا : لا علم لنا ، إلا أن علمنا جوابهم لنا وقت

١
قوله تعالى ((إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي)) الآية سورة المائدة
حياتنا ، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا ، والجزاء والثواب إنما يحصلان على الخاتمة وذلك غير
معلوم لنا ، فلهذا المعنى قالوا لا علم لنا وقوله ( إنك أنت علام الغيوب ) يشهد بصحة هذين
الجوابين .
﴿ الوجه الخامس﴾ وهو الذي خطر ببالي وقت الكتابة، أنه قد ثبت في علم الأصول
أن العلم غير . والظن غير . والحاصل عند كل أحد من حال الغير . إنما هو الظن لا العلم ،
ولهذا قال: عليه الصلاة والسلام ((نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)) وقال عليه
الصلاة والسلام ( إنكم لتختصمون لدي ولعل بعضكم الحن بحجته فمن حکمت له بغير حقه
فكأنما قطعت له قطعة من النار)) أو لفظ هذا معناه . فالأنبياء قالوا : لا علم لنا البتة
بأحوالهم ، إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن، والظن كان معتبراً في الدنيا ، لأن الأحكام
في الدنيا كانت مبنية على الظن ، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن . لأن الأحكام في
الآخرة مبنية على حقائق الأشياء ، وبواطن الأمور . فلهذا السبب قالوا ( لا علم لنا إلا ما
علمتنا ) ولم يذكروا البتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة .
الوجه السادس﴾ أنهم لما علموا أنه سبحانه وتعالى عالم لا يجهل ، حكيم لا يسفه ،
عادل لا يظلم، علموا أن قولهم لا يفيد خيراً ، ولا يدفع شراً. فرأوا أن الأدب في السكوت ،
وفي تفويض الأمر إلى عدل الحي القيوم الذي لا يموت .
﴿ المسألة الرابعة) قرىء علام الغيوب بالنصب . قال صاحب الكشاف: والتقدير
أن الكلام قد تم بقوله ( إنك أنت ) أي أنت الموصوف بأوصافك المعروفة ، من العلم
وغيره ، ثم نصب علام الغيوب على الاختصاص ، أو على النداء ، أو وصفاً لاسم إن .
المسألة الخامسة ﴾ دلت الآية على جواز إطلاق لفظ العلام عليه، كما جاز إطلاق لفظ الخلاق
عليه . أما العلامة ، فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقها في حقه ولعل السبب ما فيه من لفظ
التأنيث .
قوله تعالى ﴿ إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ﴾ في الآية
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ إعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل ( ماذا أجبتم ) توبيخ
من تمرد من اممهم وأشد الأمم افتقاراً إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع

١٣٢
قوله تعالى ((إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي)) الآية
:سورة المائدة
عيسى عليه السلام لأن طعن سائر الأمم كان مقصوراً على الأنبياء وطعن هؤلاء الملاعين تعدى
إلى جلال الله وكبريائه حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الاله به ، وهو اتخاذ الزوجة
والولد فلا جرم ذكر الله تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة
والمقصود منه توبيخ النصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم . فإن كل واحدة من تلك النعم
المعدودة على عيسى تدل على أنه عبد وليس باله . والفائدة في هذه الحكاية تنبيه النصارى الذين
كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم .
المسألة الثانية﴾ موضع ((إذ)) يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء على معنى، ذاك إذ قال
الله ، ويجوز أن يكون المعنى ، اذكر إذا قال الله ﴿ المسألة الثالثة) خرج قوله (إذ قال الله)
على لفظ الماضي دون المستقبل وفيه وجوه :
الأول : الدلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت وكل آت قريب
ويقال : الجيش قد أتى، إذا قرب إتيانهم. قال الله تعالى ( أتى أمر الله ) الثاني: أنه ورد على
حكاية الحال ونظيره قول الرجل لصاحبه كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا فيها كذا إذ صاح
صائح فتركتني وأجبته. ونظيره من القرآن قوله تعالى (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت. ولو ترى إذ
يتوفى الذين كفروا الملائكة) (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ) والوجه في كل هذه
الآيات ما ذكرناه، من أنه خرج على سبيل الحكاية عن الحال .
﴿ المسألة الرابعة﴾ (يا عيسى ابن مريم) يجوز أن يكون ((عيسى)) في محل الرفع لأنه
منادى مفرد وصف بمضاف ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في نية الاضافة ثم جعل الابن
توکیداً وکل ما کان مثل هذا جاز فیه وجهان نحو یا زید بن عمرو ، ويا زيد بن عمرو ، وأنشد
النحويون :
يا حكم بن المنذر بن الجارود
برفع الأول ونصبه على ما بيناه .
المسألة الخامسة) قوله ( نعمتي عليك) أراد الجمع كقوله (وإن تعدوا نعمة الله لا
تحصوها ) وإنما جاز ذلك لأنه مضاف يصلح للجنس .
واعلم أن الله تعالى فسر نعمته عليه بأمور : أولها : قوله ﴿ إذ أيدتك بروح القدس ﴾

١٣٣
سورة المائدة
قوله تعالى ((وإذا تخلق من الطين كهيئة)) الآية
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيَهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ
وفيه وجهان : الأول : روح القدس هو جبريل عليه السلام . الروح جبريل والقدس هو الله
تعالى . كأنه إضافة إلى نفسه تعظيماً له . الثاني : أن الأرواح مختلفة بالماهية فمنها طاهرة
نورانية ومنها خبيثة ظلمانية ، ومنها مشرقة ، ومنها كدرة ، ومنها خيرة ، ومنها نذلة . ولهذا
قال عليه الصلاة والسلام ((الأرواح جنود مجندة)) فالله تعالى خص عيسى بالروح الطاهرة
النورانية المشرقة العلوية الخيرة . ولقائل أن يقول : لما دلت هذه الآية على أن تأييد عيسى إنما
حصل من جبريل أو بسبب روحه المختص به ، قدح هذا في دلالة المعجزات على صدق
الرسل . لأنا قبل العلم بعصمة جبريل نجوز أنه أعان عيسى عليه السلام على ذلك ، على
سبيل إغواء الخلق وإضلالهم . فما لم تعرف عصمة جبريل لا يندفع هذا . وما لم تعرف نبوة
عيسى عليه السلام لا تعرف عصمة جبريل ، فيلزم الدور وجوابه : ما ثبت من أصلنا أن
الخالق ليس إلا الله . وبه يندفع هذا السؤال .
وثانيها : قوله تعالى ﴿ تكلم الناس في المهد وكهلا﴾ أما كلام عيسى في المهد فهو قوله
( إني عبدالله آتاني الكتاب ) وقوله ( تكلم الناس في المهد وكهلا ) في موضع الحال .
والمعنى : يكلمهم طفلاً وكهلاً من غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين . وهذه خاصية
شريفة كانت حاصلة له . وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده .
وثالثها : قوله تعالى ﴿ وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل ﴾ .
وفي ( الكتاب ) قولان : أحدهما : المراد به الكتابة وهي الخط . والثاني : المراد منه
جنس الكتب . فإن الانسان يتعلم أولاً كتباً سهلة مختصرة . ثم يترقى منها إلى الكتب
الشريفة . وأما ( الحكمة ) فهي عبارة عن العلوم النظرية ، والعلوم العملية . ثم ذكر بعده
( التوراة والانجيل ) وفيه وجهان: الأول : أنهما خصا بالذكر بعد ذكر الكتب على سبيل
التشريف كقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) وقوله ( وإذا أخذنا من النبيين
ميثاقهم ومنك ومن نوحٍ ) والثاني : وهو الأقوى أن الاطلاع على أسرار الكتب الالهية ، لا
يحصل إلا لمن صار بانياً في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء.
فقوله ( والتوراة والانجيل ) إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام .
ورابعها : قوله تعالى ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإِذنى فتنفخ فيها فتكون طيراً

١٣٤
قوله تعالى ((وتبرىء الاكمه والأبرص باذنىٍ )) الآية
سورة المائدة
وَتُبْرِئُّ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ وَإِذْتُخْرِجُ الْمَوْنَى بِإِذْنِ
٠
بإذني
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ نافع ( فتكون طائراً) والباقون ( طيراً) بغير ألف وطير جمع
طائر كضأن وضائن وركب وراكب .
المسألة الثانية﴾ أنه تعالى ذكرههنا ( فتنفخ فيها) وذكر في آل عمران ( فأنفخ
فيه ) .
والجواب : أن قوله ( كهيئة الطير ) أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله ( فتنفخ ) فيها الضمير
للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها
ليست من خلقه ولا نفخه في شيء .
إذا عرفت هذا فنقول : الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي مثل
هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر . وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير عنها تارة على وجه
التذكير وأخرى على وجه التأنيث .
المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى اعتبر الأذن في خلق الطين كهيئة الطير ، وفي صيرورته
ذلك الشيء طيراً . وإنما أعاد قوله (بإذني) تأكيداً لكون ذلك واقعاً بقدرة الله تعالى وتخليقه لا
بقدرة عيسى وإيجاده.
٠
وخامسها : قوله تعالى ﴿وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني﴾ وإبراء الأكمه والأبرص
معروف وقال الخليلي الأكمه ولد أعمى والأعمى من ولد بصيراً ثم عمى .
وسادسها : قوله تعالى ﴿وإذ تخرج الموتى بإذني ﴾ أي وإذ تخرج الموتى من قبورهم
أحياء بإذني أي بفعلي ذلك عند دعائك ، وعند قولك للميت أخرج بإذن الله من قبرك . وذكر
الأذن في هذه الأفاعيل إنما هو على معنى إضافة حقيقة الفعل إلى الله تعالى كقوله ( وما كان
لنفس أن تموت إلا بإذن الله) أي إلا بخلق الله الموت فيها .

١٣٥
قوله تعالى ((وإذ كففت بنى إسرائيل عنك)) الآية : سورة المائدة
وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيّ إِسْرَآءِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ
إِنْ هَذَآ إِلَّ ◌ِرٌ مُّبِينٌ ﴾ وَ إِذْأَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِ إِنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَيَرَسُولِ
قَالُوَاْءَامَنًا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
وسابعها : قوله تعالى ﴿ وإذا كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات ﴾ وفيه
مسألتان :
﴿ المسألة الأولى) قوله (إذ جئتهم بالبينات ) يحتمل أن يكون المراد منه هذه البينات
التي تقدم ذكرها وعلى هذا التقدير فالألف واللام للعهد . ويحتمل أن يكون المراد منه جنس
البينات .
المسألة الثانية ) روى أنه عليه الصلاة والسلام لما أظهر هذه المعجزات العجيبة
قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء .
ثم قال تعالى ﴿ فقال الذين كفروا منهم إن هذا إِلا سحر مبين ﴾.
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي (ساحر ) بالألف وكذلك
وفيه مسألتان :
في يونس وهودوالصف، وقرأابن عامر وعاصم في يونس بالألف فقط والباقون ( سحر ) فمن قرأ
( ساحر ) أشار إلى الرجل ومن قرأ ( سحر ) أشار به إلى ما جاء به . وكلاهما حسن لأن كل
واحد منهما قد تقدم ذكره . قال الواحدي رحمه الله : والاختيار ( سحر ) لجواز وقوعه على
الحدث والشخص ، أما وقوعه على الحدث فظاهر وأما وقوعه على الشخص ، فتقول : هذا
سحر وتريد به ذو سحر كما قال تعالى ( ولكن البر من آمن ) أي ذا البر قال الشاعر :
فإنما هي إقبال وإدبار
المسألة الثانية) فإن قيل : إنه تعالى شرع ههنا في تعديد نعمه على عيسى عليه
السلام وقول الكفار في حقه ( إن هذا الاسحر مبين) ليس من النعم ، فكيف ذكره
ههنا؟ والجواب : أن من الأمثال المشهورة - أن كل ذي نعمة محسود - وطعن الكفار في عيسى

١٣٦
قوله تعالى ((إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم)) الآية سورة المائدة
إِذْ قَالَ الْحَوَارِ بُونَ يَنْعِيسَى أَبْنَ مَرْبَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَبِدَّةً مِّنَ
و
و
السَّمَآءِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتَ مُؤْمِنِينَ
١٢
عليه السلام بهذا الكلام ، يدل على أن نعم الله في حقه كانت عظيمة . فحسن ذكره عند
تعديد النعم للوجه الذي ذكرناه .
وثامنها : قوله تعالى ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ وقد تقدم
تفسير الوحي . فمن قال إنهم كانوا أنبياء قال ذلك الوحي هو الوحي الذي يوحي إلى الأنبياء .
ومن قال إنهم ما كانوا أنبياء قال المراد بذلك الوحي الالهام والالقاء في القلب كما في قوله تعالى
﴿ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) وقوله (وأوحى ربك إلى النحل) وإنما ذكر هذا في
معرض تعديد النعم لأن صيرورة الانسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من
أعظم نعم الله على الانسان . وذكر تعالى أنه لما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم ؛ آمنوا
وأسلمو وإنما قدم ذكر الإِيمان على الإِسلام، لأن الإيمان صفة القلب والإسلام ، عبارة عن
الانقياد والخضوع في الظاهر ، يعني آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم .
فإن قيل : إنه تعالى قال في أول الآية ( اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ) ثم إن جميع ما
ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه السلام ، وليس لأمه بشيء منها تعلق .
قلنا : كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل
الضمن والتبع للام . ولذلك قال تعالى (وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) فجعلهما معاً آية واحدة
لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر . وروى أنه تعالى لما قال لعيسى ( اذكر نعمتي عليك )
كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ، ولا يدخر شيئاً لغدو يقول مع كل يوم رزقه ، ومن لم يكن
له بيت فيخرب ، ولا ولد فيموت ، أينما أمسى بات .
قوله تعالى ﴿ إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة
من السماء ﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ في قوله (إذ قال) وجهان: الأول (أوحيت إلى الحواريين، إذقال
الحواريون ) الثاني : اذكر إذ قال الحواريون .
﴿ المسألة الثانية﴾ (هل يستطيع ربك) قرأ الكسائي ( هل تستطيع) بالتاء ( ربك)

١٣٧
قوله تعالى ((إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم)) الآية سورة المائدة
بالنصب وبإدغام اللام في التاء ، وسبب الادغام أن اللام قريب المخرج من التاء لأنهما من
حروف طرف اللسان وأصول الثنايا وبحسب قرب الحرف من الحرف يحسن الادغام ، وهذه
القراءة مروية عن علي وابن عباس : وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كانوا أعلم بالله
من أن يقولوا ههل يستطيع وإنما قالوا هل تستطيع أن تسأل ربك . وعن معاذ بن جبل :
اقرأني رسول الله صلىَّ الله عليه وسلم (هل تستطيع) بالتاء (ربك) بالنصب والباقون يستطيع
بالياء ربك برفع الباء بالإظهار فأما القراءة الأولى فمعناها: هل تستطيع سؤال ربك؟ قالوا
وهذه القراءة أولى من الثانية لأن هذه القرءاة توجب شكهم في استطاعة عيسى، والثانية توجب
شكهم في استطاعة الله، ولا شك أن الأولى أولى، وأما القراءة الثانية فيها إشكال، وهو أنه
تعالى حكى عنهم (أنهم قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) وبعد الإيمان كيف يجوز أن يقال إنهم
بقوا شاكين في اقتدار الله تعالى على ذلك .
والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى ما وصفهم بالإيمان والإِسلام بل حكى
عنهم إدعاءهم لهما ثم أتبع ذلك بقوله حكاية عنهم ( هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة
من السماء) فدل ذلك على أنهم كانواشاكين متوقفين فإن هذا القول لا يصدر عمن كان كاملاً في
الإيمان وقالوا : ونعلم أن قد صدقتنا وهذا يدل على مرض في القلب وكذلك قول عيسى عليه
السلام لهم اتقوا الله إن كنتم مؤمنين يدل على أنهم ما كانوا كاملين في الإيمان .
والوجه الثاني ﴾ في الجواب أنهم كانوا مؤمنين إلا أنهم طلبوا هذه الآية ليحصل لهم مزيد
الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام ( ولكن ليطمئن قلبي ) فإن مشاهدة مثل هذه الآية لا
شك أنها تورث الطمأنينة ولهذا السبب قالوا وتطمئن قلوبنا .
﴿ والوجه الثالث ﴾ في الجواب أن المراد من هذا الكلام استفهام أن ذلك هل هو جائز
في الحكمة أم لا وذلك لأن أفعال الله تعالى لما كانت موقوفة على رعاية وجوه الحكمة ففي
الموضع الذي لا يحصل فيه شيء من وجوه الحكمة يكون الفعل ممتنعاً فإن المنافي من جهة
الحكمة كالمنافي من جهة القدرة ، وهذا الجواب يتمشى على قول المعتزلة ، وأما على قولنا فهو
محمول على أن الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه
كان ذلك محالاً غير مقدور لأن خلاف المعلوم غير مقدور .
﴿ الوجه الرابع ﴾ قال السدي: هل يستطيع ربك أي هل يطيعك ربك أن سألته ،
وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة .
الوجه الخامس﴾ لعل المراد بالرب: هو جبريل عليه السلام، لأنه كان يربيه ويخصه

١٣٨
قوله تعالى ((قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا)) الآية
سورة المائدة
وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ
قَالُواْ فُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَبِنَّ قُلُوبُنَا
الشَّهِدِينَ ﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبََّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآَبِدَّةً مِنَ السَّمَآء تَكُونُ
لَنَا عِيدًا لَّأَوَّلِنَا وَءَ احِنَا وَءَايَةُ مِّنكَ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ اٌلَّرِقِينَ
بأنواع الاعانة ، ولذلك قال تعالى : في أول الآية (إذ أيدتك بروح القدس) يعني أنك
تدعي أنه يريبك ويخصك بأنواع الكرامة ، فهل يقدر على إنزال مائدة من السماء عليك .
﴿ والوجه السادس﴾ أنه ليس المقصود من هذا السؤال كونهم شاكين فيه بل المقصود تقرير
أن ذلك في غاية الظهور كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول هل يقدر السلطان على إشباع هذا
ويكون غرضه منه أن ذلك أمر جلي واضح ، لا يجوز لعاقل أن يشك فيه ، فكذا ههنا .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد ، إذا تحرك فكأنها تميد بما
عليها وقال ابن الأنباري سميت مائدة لأنها عطية من قول العرب : ماد فلان فلاناً يميده ميداً
إذا أحسن إليه ، فالمائدة على هذا القول ، فاعلة من الميد بمعنى معطية ، وقال أبو عبيدة :
المائدة فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية ، وأصلها مميدة ميد بها صاحبها ، أي أعطيها
وتفضل عليه بها ، والعرب تقول مادني فلان يميدني إذا أحسن إليه .
ثم قال تعالى ﴿قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) وفيه وجهان: الاول: قال عيسى اتقوا الله
في تعيين المعجزة، فإنه جار مجرى التعنت والتحكم، وهذا من العبد في حضرة الرب جرم
عظيم، ولأنه أيضاً اقتراح معجزة بعد تقدم معجزات كثيرة، وهو جرم عظيم. الثاني: أنه
أمرهم بالتقوى لتصير التقوى سبباً لحصول هذا المطلوب، كما قال (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً
ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقال (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) وقوله (إن
كنتم مؤمنين) يعني إن كنتم مؤمنين بكونه سبحانه وتعالى قادراً على إنزال المائدة فاتقوا الله لتصير
تقواكم وسيلة إلى حصول هذا المطلوب .
ثم قال تعالى ﴿ قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها
من الشاهدين ﴾ .
والمعنى كأنهم لما طلبوا ذلك . قال عيسى لهم : إنه قد تقدمت المعجزات الكثيرة فاتقوا الله

١٣٩
قوله تعالى ((قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة )) الآية سورة المائدة
في طلب هذه المعجزة بعد تقدم تلك المعجزات القاهرة ، فأجابوا وقالوا إنا لا نطلب هذه المائدة لمجرد
أن تكون معجزة بل لمجموع أمور كثيرة: أحدها : أنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلبنا ولا
نجد طعاماً آخر، وثانيها : أنا وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل ، ولكنا إذا شاهدنا نزول هذه
المائدة ازداد اليقين وقويت الطمأنينة، وثالثها : أنا وإن علمنا بسائر المعجزات صدقك، ولكن
إذا شاهدنا هذه المعجزة ازداد اليقين والعرفان وتأكدت الطمأنينة . ورابعها : أن جميع تلك
المعجزات التي أوردتها كانت معجزات أرضية ، وهذه معجزة سماوية وهي أعجب وأعظم ، فإذا
شاهدناها كنا عليها من الشاهدين ، نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ،
ونكون عليها من الشاهدين لله بكمال القدرة ، ولك بالنبوة .
ثم قال تعالى ﴿ قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً
لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أما الكلام في ( اللهم ) فقد تقدم بالاستقصاء في سورة آل عمران
في قوله ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء ) فقوله ( اللهم ) نداء ، وقوله ( ربنا )
نداء ثان وأما قوله ( تكون لنا ) صفة للمائدة وليس بجواب للأمر ، وفي قراءة عبدالله ( تكن )
لأنه جعله جواب الأمر . قال الفراء : وما كان من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده
الجزم والرفع ، ومثاله قوله تعالى ( فهب لي من لدنك ولياً يرثني ) بالجزم والرفع ( فأرسله معي
ردءاً يصدقني ) بالجزم والرفع ، وأما قوله ( عيداً لأولنا وآخرنا ) أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه
المائدة عيداً نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا ، ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيداً ، والعيد في
اللغة اسم لما عاد إليك في وقت معلوم ، واشتقاقه من عاد يعود فأصله هو العود ، فسمي العيد
عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ، وقوله ( وآية منك ) أي دلالة على توحيدك وصحة نبوة
رسولك ( وارزقنا ) أي وار زقنا طعاماً نأكله وأنت خير الرازقين .
المسألة الثانية ﴾ تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها
أغراضاً، فقدموا ذكر الأكل فقالوا ( نريد أن نأكل منها) وأخروا الأغراض الدينية
الروحانية ، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر
غرض الأكل حيث قال ( وارزقنا ) وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها
روحانية وبعضها جسمانية ، ثم إن عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لما ذكر

١٤٠
قوله تعالى ((قال الله انى منزلها عليكم)) الآية
سورة المائدة
٤٠٠١١٠٨= بان
قَالَ اللهُ إِنِّى مُتَزِّهَا عَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنَكُمْ فَإٍِّ أُعَذِبُهُ عَذَابًا لََّ أَعِبُهُ أَحَدًا مِنَ
اٌلْعَلَمِينَ
الرزق بقوله (وارزقنا) لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرزاق فقال ( وأنت خير
الرازقين ) فقوله ( ربنا ) ابتداء منه بذكر الحق سبحانه وتعالى ، وقوله و( أنزل علينا ) انتقال
من الذات إلى الصفات ، وقوله ( تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا ) إشارة إلى ابتهاج الروح
بالنعمة لا من حيث أنها نعمة ، بل من حيث إنها صادرة عن المنعم وقوله ( وآية منك ) إشارة
إلى كون هذه المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله (وارزقنا ) إشارة إلى حصة
النفس وكل ذلك نزول من حضرة الجلال . فانظر كيف ابتدأ بالاشرف فالأشرف نازلاً إلى
الأدون فالادون. ثم قال (وأنت خير الرازقين) وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق
ومن غير الله إلى الله ومن الأخس إلى الأشرف، وعند ذلك تلوح لك شمة من كيفية عروج
الأرواح المشرقة النورانية الإلهية ونزولها اللهم اجعلنا من أهله.
﴿ المسألة الثالثة) في قراءة زيد يكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا والتأنيث بمعنى الآية.
ثم قال تعالى ﴿قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه
أحداً من العالمين ﴾ .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن عامر وعاصم ونافع منزلها بالتشديد ، والباقون بالتخفيف
وهما لغتان نزل وأنزل وقيل : بالتشديد أي منزلها مرة بعد أخرى ، وبالتخفيف مرة واحدة . .
المسألة الثانية ) قوله ( فمن يكفر بعد منكم ) أي بعد إنزال المائدة ( فإني أعذبه
عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ) قال ابن عباس : يعني مسخهم خنازير وقيل : قردة
وقيل : جنساً من العذاب لا يعذب به غيرهم . قال الزجاج : ويجوز أن يكون ذلك العذاب
معجلاً لهم في الدنيا ، ويجوز أن يكون مؤخراً إلى الآخرة ، وقوله ( من العالمين ) يعني عالمي
زمانهم .
المسألة الثالثة ﴾ قيل : إنهم سألوا عيسى عليه السلام هذا السؤال عند نزولهم في
مفازة على غيرماء ولا طعام ولذلك قالوا نريد أن نأكل منها .