Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
قوله تعالى ((فكفارته اطعام عشرة مساكين)) الآية سورة المائدة
الواجب في الاطعام هو التمليك .
حجة أبي حنيفة : أن الآية دلت على أن الواجب هو الاطعام ، والتغذية والتعشية هما
إطعام بدليل قوله تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه ) وقال ( من أوسط ما تطعمون أهليكم )
وإطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك ، ويقال في العرف : فلان يطعم الفقراء إذا كان
يقدم الطعام إليهم ويمكنهم من أكله . وإذا ثبت أنه أمر بالاطعام وجب أن يكون كافياً .
أجاب الشافعي رضي الله عنه : أن الواجب إما المد أوالا زيد ، والتغدية والتعشية قد
تكون أقل من ذلك فلا يخرج عن العهدة إلا باليقين والله أعلم .
المسألة الرابعة﴾ قال الشافعي رحمه الله: لا يجزئه إلا طعام عشرة وقال أبو حنيفة رحمه
الله لو أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام جاز .
حجة الشافعي رحمه الله : أن مدار هذا الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه ، وما كان
كذلك فإنه يجب الاعتماد فيه على مورد النص .
﴿ المسألة الخامسة﴾ الكسوة في اللغة معناها اللباس، وهو كل ما يكتسي به ، فأما التي
تجزي في الكفارة فهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة
أو مقنعة ثوب واحد لكل مسكين ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وهو مذهب الشافعي
رحمه الله .
المسألة السادسة﴾ المراد بالرقبة الجملة ، وقيل الأصل في هذا المجاز أن الأسير في
العرب كان يجمع يده إلى رقبته بحبل ، فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الاطلاق من الرقبة
فك الرقبة، ثم جرى ذلك على العتق. ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقبات تجزيه. وقال
الشافعي رحمه الله: الرقبة المجزية في الكفارة كل رقبة سليمة من عيب يمنع من العمل ، صغيرة
كانت أو كبيرة، ذكراً أو أنثى ، بعد أن تكون مؤمنة، ولا يجوز إعتاق الكافرة في شيء من
الكفارات، ولا إعتاق المكاتب ، ولا شراء القريب ، وهذه المسائل قد ذكرناها في آية الظهار .
﴿ المسألة السابعة﴾ لقائل أن يقول: أي فائدة لتقديم الاطعام على العتق مع أن العتق
أفضل لا محالة .
قلنا له وجوه : أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير
الفخر الرازي ج١٢ م٦

٨٢
قوله تعالى (( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)) الآية
سورة المائدة
لا على الترتيب لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ ، وثانيها : قدم الاطعام
لأنه أسهل لكون الطعام أعم وجوداً ، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف
والتسهيل في التكاليف، وثالثها: أن الاطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ولا
يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر، أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته .
ثم قال تعالى ﴿ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال الشافعي رحمه الله : إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته
ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالاطعام ، وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز
له للصيام وعند أبي حنيفة رحمه الله ، يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا يجب فيه
الزكاة ، فجعل من لا زكاة عليه عادماً .
حجة الشافعي رحمه الله ، أنه تعالى علق جواز الصيام على عدم وجدان هذه الثلاثة ،
والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط، فعند عدم وجدان هذه الثلاثة وجب أن لا يجوز
الصوم ، تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك كالأمر المضطر
إليه ، وقد رأينا في الشرع أنه متى وقع التعارض في حق النفس وحق الغير كان تقديم حق
النفس واجباً ، فوجب أن تبقى الآية معمولاً بها في غير هذه الصورة .
المسألة الثانية﴾ قال الشافعي رحمه الله في أصح قوليه: أنه يصوم ثلاثة أيام إن شاء
متتابعة وإن شاء متفرقة .
وقال أبو حنيفة : يجب التتابع .
حجة الشافعي : أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام ، والآتي يصوم ثلاثة أيام على
التفرق آت بصوم ثلاثة أيام ، فوجب أن يخرج عن العهدة .
حجة أبي حنيفة رحمه الله ، ما روى في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود : فصوم ثلاثة
أيام متتابعات ، وقراءتهما لا تتخلف عن روايتهما .
والجواب أن القراءة الشاذة مردودة لأنها لو كانت قرآناً لنقلت نقلاً متواتراً، إذا لو
جوزنا في القرآن أن لا ينقل على التواتر لزم طعن الروافض والملاحدة في القرآن وذلك باطل ،
فعلمنا أن القراءة الشاذة مردودة ، فلا تصلح لأن تكون حجة . وأيضاً نقل في قراءة أبي بن
كعب أنه قرأ ( فعدة من أيام أخر متتابعات ) مع أن التتابع هناك ما كان شرطاً ، وأجابوا عنه

٨٣
قوله تعالى ((كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون)) الآية سورة المائدة
بأنه روى عن النبي صلىَّ الله عليه وسلم أن رجلاً قال له علي أيام من رمضان أفأقضيها
متفرقات؟ فقال عليه الصلاة والسلام (( أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم
أما كان يجزبك قال بلى، قال فالله أحق أن يعفو وأن يصفح)).
قلنا : فهذا الحديث وإن وقع جواباً عن هذا السؤال في صوم رمضان إلا أن لفظه عام ،
وتعليله عام في جميع الصيامات ، وقد ثبت في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب ، فكان ذلك من أقوى الدلائل على جواز التفريق ههنا أيضاً .
المسألة الثالثة ﴾ من صام ستة أيام عن يمينين أجزأه سواء عين إحدى الثلاثتين
لاحدى اليمينين أولاً والدليل عليه أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام عليه ، وقد أتى بها ،
فوجب أن يخرج عن العهدة .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ قوله ( ذلك ) إشارة إلى ما تقدم ذكره من
الطعام والكسوة وتحرير الرقبة، أي ذلك المذكور كفارة ايمانكم إذا حلفتم وجنئتم لأن الكفارة لا
تجب بمجرد الحلف، إلا أنه حذف ذكر الحنث لكونه معلوماً ، كما قال (فمن كان منكم مريضاً
أو على سفر فعدة من أيام أخر) أي فافطر .
احتج الشافعي : بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز فقال : الآية دلت على أن
كل واحد من الأشياء الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف ، فإذا أداها بعد الحلف قبل الحنث
فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين ، وإذا كان كذلك وجب أن يخرج عن العهدة . قال : وقوله
( إذا حلفتم ) فيه دقيقة وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز ، وأما بعد
اليمين وقبل الحنث فانه يجوز .
ثم قال تعالى ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ وفيه وجهان: الأول: المراد منه قللوا الأيمان ولا
تكثروا منها قال كثير :
قلیل الألا یا حافظ ليمينه
وإن سبقت منه الألية برت
فدل قوله ((وإن سبقت منه الألية)) على أن قوله ((حافظ ليمينه )) وصف منه له بأنه لا
يحلف . الثاني : واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم عن الحنث لئلا تحتاجوا إلى التكفير ، واللفظ
محتمل للوجهين ، إلا أن على هذا التقدير يكون مخصوصاً بقوله عليه السلام ((من حلف على
يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه)).

٨٤
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر)) الآية سورة المائدة
103
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَمْرُ وَالْمَبْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَئِمُ رِجْسٌ مِّنْ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
ثم قال تعالى ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ﴾ والمعنى ظاهر، والكلام في
لفظ لعل تقدم مراراً .
قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل
الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون
.
إعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع ، ووجه اتصاله بما
قبله أنه تعالى قال فيما تقدم ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) إلى قوله ( وكلوا مما رزقكم
الله حلالاً طيباً) ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسرلا جرم أنه تعالى بين أنهما
غير داخلين في المحلات، بل في المحرمات .
واعلم أنا قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في
أول هذه السورة عند قوله ( وما ذبح على النصب وأن تستقيموا بالأزلام ) فمن أراد
الاستقصاء فعليه بهذه المواضع .
وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمراً لأنها خامرت العقل ، أي
خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ريحها ، والميسر
هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب
عليها خير وشر .
واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله ( رجس )
والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل . يقال : رجس الرجل رجساً ورجس إذا عمل
عملاً قبيحاً، وأصله من الرجس بفتح الراء، وهو شدة الصوت. يقال : سحاب رجاس إذا
كان شديد الصوت بالرعد فكان الرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في
القبح .
﴿ الوصف الثاني﴾ قوله (من عمل الشيطان) وهذا أيضاً مكمل لكونه رجساً لأن
الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله ( إنما المشركون نجس ) والخبيث لا يدعو
إلا إلى الخبيث لقوله ( الخبيثات للخبيثين ) وأيضاً كل ما أضيف إلى الشيطان فالمراد من تلك

٨٥
قوله تعالى ((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة)) الآية سورة المائدة
إِنَّمَا يُرِدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُرُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِىِ الْحَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ
٠٠٠٠
مُنْتَهُونَ
٤ ٠
عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصّلَوْةِ فَهَلْ أَنْتَ
الاضافة المبالغة في كمال قبحه. قال تعالى ( فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل
الشيطان ) ثم إنه تعالى لما وصف هذه الأربعة بهذين الوصفين قال ( فاجتنبوه ) أي كونوا جانباً
منه ، والهاء عائدة إلى ماذا فيه وجهان : الأول : أنها عائدة إلى الرجس ، والرجس واقع على
الأربعة المذكورة . فكان الأمر بالاجتناب متناولا للكل . الثاني : أنها عائدة إلى المضاف
المحذوف ، كأنه قيل : إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ، ولذلك قال
( رجس من عمل الشيطان ) .
واعلم أنه تعالى لما أمر باجتناب هذه الأشياء ذكر فيها نوعين من المفسدة : فالأول : ما
يتعلق بالدنيا وهو قوله .
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ﴾
واعلم أنا نشرح وجه العداوة والبغضاء أولاً في الخمر ثم في الميسر:
أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب الخمر إنه يشربها مع جماعة ویکون غرضه من
ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم ، فكان غرضه من ذلك الاجتماع
تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد لأن الخمر يزيل العقل ، وإذا زال
العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل ، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين
أولئك الأصحاب ، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش ، وذلك
يورث أشد العداوة والبغضاء ، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة
والمحبة ، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء .
وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الأجحاف بأرباب الأموال ، لأن من صار
مغلوباً في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالباً فيه ، وقد يتفق أن
لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال ، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده ، ولا
شك أنه بعد ذلك يبقى فقيراً مسكيناً ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له
فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسرسببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس ، ولا

٨٦
قوله تعالى ((ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة)) الآية
سورة المائدة
شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك
مضاد لمصالح العالم .
فإن قيل : لم جمع الخمر والميسرمع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر الآية .
قلنا : لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال ( يا أيها الذين آمنوا إنما
الخمر والميسر) والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح
والمفسدة ، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب
والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيداً لقبح الخمر والميسر، لا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر .
أما النوع الثاني ﴾ من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر: المفاسد المتعلقة بالدين،
وهو قوله تعالى ﴿ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ﴾ فنقول: إما أن شرب الخمر يمنع عن
ذكر الله فظاهر ، لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت في
اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى ، وإما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة
فكذلك ، لأنه إن كان غالباً صاراً استغراقه في لذة الغلبة مانعاً من أن يخطر بباله شيء سواه ،
ولا شك أن هذه الحالة مما تصدعن ذكر الله وعن الصلاة.
فإن قيل : الآية صريحة في أن علة تحريم الخمر هي في هذه المعاني ، ثم إن هذه المعاني
كانت حاصلة قبل تحريم الخمر مع أن التحريم ما كان حاصلاً وهذا يقدح في صحة هذا
التعليل :
قلنا : هذا هو أحد الدلائل على أن تخلف الحكم عن العلة المنصوصة لا يقدح في كونها
علة .
ولما بين تعالى اشتمال شرب الخمر واللعب بالميسر على هذه المفاسد العظيمة في الدين .
قال تعالى ﴿﴿ فهل أنتم منتهون﴾ روى أنه لما نزل قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا
تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : اللهم بين لنا في الخمر
بياناً شافياً ، فلما نزلت هذه الآية . قال عمر : انتهينا يا رب .
واعلم أن هذا وإن كان استفهاماً في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة ،
وإنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها للمخاطب . فلما استفهم بعد
ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلا على الاقرار بالترك ، فكأنه قيل له : أتفعله بعدما قد

٨٧
قوله تعالى ((وأطيعوا الله واطيعوا الرسول واحذروا)) الآية سورة المائدة
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَُّمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ
و
الْمُبِينُ
ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله ( فهل أنتم منتهون ) جارياً مجرى تنصيص الله تعالى على
وجوب الانتهاء مقروناً بإقرار المكلف بوجوب الانتهاء .
واعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه : أحدها : تصدير الجملة
بإنما ، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى قال : لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان
إلا هذه الأربعة وثانيها : أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان ، ومنه قوله صلى الله عليه
وسلم (( شارب الخمر كعابد الوثن)) وثالثها: أنه تعالى أمر بالاجتناب ، وظاهر الأمر
للوجوب ، ورابعها : أنه قال ( لعلكم تفلحون ) جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان
الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبة ، وخامسها : أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في
الدنيا والدين، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الاعراض عن ذكر الله تعالى
وعن الصلاة . وسادسها : قوله ( فهل أنتم منتهون ) وهو من أبلغ ما ينتهي به كأنه قيل : قد
تلى عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف؟ أم أنتم
على ما كنتم عليه حين لم توعظوا بهذه المواعظ . وسابعها : أنه تعالى قال بعد ذلك .
﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا﴾ فظاهره أن المراد وأطيعوا الله وأطيعوا
الرسول فيما تقدم ذكره من أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر، وقوله ( واحذروا ) أي
احذروا عن مخالفتها في هذه التكاليف . وثامنها : قوله .
﴿ فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين ﴾ وهذا تهديد عظیم ووعيد شديد
في حق من خالف في هذا التكليف وأعرض فيه عن حكم الله ، وبيانه ، يعني أنكم إن توليتم
فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ، والا عذار والانذار فاما ما وراء
ذلك من عقاب من خالف هذا التكليف وأعرض عنه فذاك إلى الله تعالى، ولا شك أنه تهديد
شديد، فصار كل واحد من هذه الوجوه الثمانية دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً في تحريم الخمر .
واعلم أن من أنصف وترك الاعتساف علم أن هذه الآية نص صريح في أن كل مسكر
حرام ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر قوله ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في
الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) قال بعده (فهل أنتم منتهون) فرتب

٨٨
قوله تعالى (( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح)) الآية سورة المائدة
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ ثُمَ اتَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
١٣
النهي عن شرب الخمر على كون الخمر مشتملة على تلك المفاسد ، ومن المعلوم في بدائة
العقول أن تلك المفاسد إنما تولدت من كونها مؤثرة في السكر وهذا يفيد القطع بأن علة قوله
( فهل أنتم منتهون ) هي كون الخمر مؤثراً في الاسكار ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن كل
مسكر حرام ، ومن أحاط عقله بهذا التقدير وبقي مصراً على قوله فليس لعناده علاج ، والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا
وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ﴾.
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ روى أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة: إن إخواننا كانوا
قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم ، فنزلت هذه الآية والمعنى : لا إثم عليهم في
ذلك لأنهم شربوها حال ما كانت محللة ، وهذه الآية مشابهة لقوله تعالى في نسخ القبلة من بيت
المقدس إلى الكعبة ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أي إنكم حين استقبلتم بيت المقدس فقد
استقبلتموه بأمري فلا أضيع ذلك ، كما قال ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل
منكم من ذكر أو أنثى ) .
المسألة الثانية ﴾ الطعام في الأغلب من اللغة خلاف الشراب ، فكذلك يجبّ أن
يكون الطعم خلاف الشرب ، إلا أن اسم الطعام قد يقع على المشروبات ، كما قال تعالى ( ومن
لم يطعمه فإنه مني ) وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ( جناح فيما طعموا ) أي شربوا الخمر ،
ويجوز أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب ، وقد تقول العرب : تطعم
تطعم أي ذق حتى تشتهي وإذا كان معنى الكلمة راجعاً إلى الذوق صلح للمأكول والمشروب
معاً .
المسألة الثالثة ﴾ زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بين في الخمر أنها محرمة عندما تكون

٨٩
قوله تعالى ((ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح)) الآية . سورة المائدة
موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة ، بين في هذه الآية أنه لا جناح على
من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد ، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة
والتقوى ، والاحسان إلى الخلق . قالوا : ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل
: نزول آية التحريم ، لأنه لو كان المراد ذلك لقال: ما كان جناح على الذين طعموا ، كما ذكر
مثل ذلك في آية تحويل القبلة فقال ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) ولكنه لم يقل ذلك ، بل
قال ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ) إلى قوله ( إذا ما اتقوا وآمنوا ) ولا شك
أن إذا للمستقبل لاللما ضي.
واعلم أن هذا القول مردود بإجماع كل الأمة ، وقولهم : إن كلمة إذا للمستقبل لا
للماضي .
فجوابه ما روى أبو بكر الأصم : أنه لما نزل تحريم الخمر ، قال أبو بكر : يا رسول
الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا
يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها ، فأنزل الله هذه الآيات ، وعلى هذا التقدير فالحل
قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم
هذا النص .
﴿ المسألة الرابعة﴾ أنه تعالى شرط لنفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين وفي المرة
الثالثة حصول التقوى والاحسان واختلفوا في تفسير هذه المراتب الثلاث على وجوه : الأول :
قال الأكثرون : الأول : عمل الاتقاء ،، والثاني : دوام الاتقاء والثبات عليه : والثالث :
اتقاء ظلم العباد مع ضم الاحسان إليه .
القول الثاني ﴾ أن الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول هذه الآية : والثاني : اتقاء
الخمر والميسر وما في هذه الآية . والثالث : اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول
الأصم : القول الثالث : اتقاء الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر : القول الرابع : ما ذكره القفال
رحمه الله تعالى قال: التقوى الأولى عبارة عن الاتقاء من القدح في صحة النسخ وذلك.
لأن اليهود يقولون النسخ يدل على البداء فأوجب على المؤمنين عند سماع تحريم الخمر بعد أن
كانت مباحة أن يتقوا عن هذه الشبهة الفاسدة والتقوى الثانية الاتيان بالعمل المطابق لهذه الآية
وهي الاحتراز عن شرب الخمر والتقوى الثالثة عبارة عن المداومة على التقوى المذكورة في الأولى
والثانية ثم يضم إلى هذه التقوى الاحسان إلى الخلق .

٩٠
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم بشيء من الصيد » الآية. سورة المائدة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَيَبْلُوَنَّكُ اللهُبِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ ◌ٍ أَيْدِيَكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِبَعْلَمَ
اللَّهُ مَن يَخَافُّهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ, عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
والقول الخامس﴾ أن المقصود من هذا التكرير التأكيد والمبالغة في الحث على الإيمان
والتقوى . فإن قيل : لم شرط؟ رفع الجناح عن تناول المطعومات بشرط الإيمان والتقوى مع أن
المعلوم أن من لم يؤمن ومن لم يتق ثم تناول شيئاً من المباحات فإنه لا جناح عليه في ذلك
التناول ، بل عليه جناح في ترك الإيمان وفي ترك التقوى ، إلا أن ذلك لا تعلق له بتناول ذلك
المباح فذكر هذا الشرط في هذا المعرض غير جائز .
قلنا : ليس هذا للاشتراط بل لبيان أن أولئك الأقوام الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا
على هذه الصفة ثناء عليهم وحمداً لأحوالهم في الإيمان والتقوى والاحسان ، ومثاله أن يقال
لك : هل على زيد فيما فعل جناح ، وقد علمت أن ذلك الأمر مباح فتقول : ليس على أحد
جناح في المباح إذا اتقى المحارم . وكان مؤمناً محسناً تريد أن زيداً إن بقي مؤمناً محسناً فإنه غير
مؤاخذ بما فعل .
ثم قال تعالى ﴿ والله يحب المحسنين) والمعنى أنه تعالى لما جعل الاحسان شرطاً في
الجناح بين أن تأثير الاحسان ليس في نفي الجناح فقط ، بل وفي أن يحبه الله ، ولا شك أن هذه
الدرجة أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، وقد تقدم تفسير محبة الله تعالى لعباده .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم
ورماحكم ﴾ .
اعلم أن هذا نوع آخر من الأحكام ، ووجه النظم أنه تعالی کما قال ( لا تحرموا طيبات
ما أحل الله لكم ) ثم استثنى الخمر والميسر عن ذلك ، فكذلك استثنى هذا النوع من الصيد
عن المحللات، وبين دخوله في المحرمات .
وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اللام في قوله ( ليبلونكم) لام القسم ، لأن اللام والنون قد يكونان
جواباً للقسم ، وإذا ترك القسم جيء بهما دليلاً على القسم .
المسألة الثانية ﴾ الواو في قوله ( ليبلونكم ) مفتوحة لالتقاء الساكنين .

٩١
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء)) الآية سورة المائدة
المسألة الثالثة ﴾ ليبلونكم أي ليختبرن طاعتكم من معصيتكم أي ليعاملنكم معاملة
المختبر .
المسألة الرابعة ﴾ قال مقاتل بن حيان : ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون عام الحديبية
حتى كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم ، فيقدرون على أخذها بالأيدي ، وصيدها
بالرماح ، وما رأ وامثل ذلك قط ، فنهاهم الله عنها ابتلاء . قال الواحدي : الذي تناله الأيدي
من الصيد ، الفراخ والبيض وصغار الوحش ، والذي تناله الرماح الكبار ، وقال بعضهم :
هذا غير جائز ، لأن الصيد اسم للمتوحش الممتنع دون ما لم يمتنع .
﴿ المسألة الخامسة) معنى التقليل والتصغير في قوله ( بشيء من الصيد) أن يعلم أنه
ليس بفتنة من الفتن العظام التي يكون التكليف فيها صعباً شاقاً ، كالابتلاء ببذل الأرواح
والأموال ، وإنما هو ابتلاء سهل ، فإن الله تعالى امتحن أمة محمد صلىَّ الله عليه وسلم بصيد
البركما امتحن بني إسرائيل بصيد البحر ، وهو صيد السمك .
المسألة السادسة ﴾ من في قوله ( من الصيد) للتبعيض من وجهين: أحدهما : المراد
صيد البردون البحر . والثاني : صيد الإحرام دون صيد الاحلال ، وقال الزجاج : يحتمل
أن تكون للتبيين كقوله ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) .
المسألة السابعة ﴾ أراد بالصيد المفعول ، بدليل قوله تعالى ( تناله أيديكم
ورماحكم ) والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثاً ، وإنما يوصف بنيل اليد والرماح وما
كان عيناً .
ثم قال تعالى ﴿ ليعلم الله من يخافه بالغيب ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أن هذا مجاز لأنه تعالى عالم لم يزل ولا يزال واختلفوا في معناه فقيل
نعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم وقيل ليظهر المعلوم وهو خوف الخائف وقيل هذاعلى حذف
المضاف والتقدير : ليعلم أولياء الله من يخافه بالغيب .
المسألة الثانية ) قوله بالغيب فيه وجهان : الأول : من يخافه حال ايمانه بالغيب كما
ذكر ذلك في أول كتابه وهو قوله يؤمنون بالغيب . الثاني : من يخاف بالغيب أي يخافه
بإخلاص وتحقيق ولا يختلف الحال بسبب حضور أحد أو غيبته كما في حق المنافقين الذين إذا
لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم .

٩٢
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم)) الآية
سورة المائدة
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُمٌ وَمَن قَتَلَهُ، مِنْكُمْ مُتَعَمِدًا فَزَاءُ مِثْلُ مَا
قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُ بِهِ ذَوَاَ عَدْلٍ مِنْكُرْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ
مَسَكِيْنَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ
◌َادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُمِنْهُ وَاللهُ عَيِزُذُو أَنِقَامِ
المسألة الثالثة ﴾ الباء في قوله بالغيب في محل النصب بالحال والمعنى من يخافه حال
كونه غائباً عن رؤيته ومثل هذا قوله ( من خشي الرحمن بالغيب . ويخشون ربهم بالغيب )
وأما معنى الغيب فقد ذكرناه في قوله الذين يؤمنون بالغيب .
ثم قال تعالى ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) والمراد عذاب الآخرة والتعذيب
والتعزير في الدنيا قال ابن عباس : هذا العذاب هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع
ثيابه . قال القفال : وهذا جائز لأن اسم العذاب قد يقع على الضرب كما سمى جلد الزانيين
عذاباً فقال ( وليشهد عذابهما طائفة) وقال ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب )
وقال حاكياً عن سليمان في الهدهد : لأعذبنه عذاباً شديداً .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد بالصيد قولان: الأول : انه الذي توحش سواء كان مأكولا او
لم يكن . فعلى هذا المحرم إذا قتل سبعا لا يؤكل لحمه ضمر ولا يجاور به قيمة شاة ، وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله، وقال زفر، يجب بالغاً ما بلغ .
﴿ والقول الثاني ﴾ أن الصيد هو ما يؤكل لحمه ، فعلى هذا لا يجب الضمان البتة في
قتل السبع ، وهو قول الشافعي رحمه الله وسلم أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يجب الضمان في قتل
الفواسق الخمس وفي قتل الذئب حجة الشافعي رحمه الله القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أن
الذي يحرم أكله ليس بصيد ، فوجب أن لا يضمن ، إنما قلنا إنه ليس بصيد لأن الصيد ما يحل
أكله لقوله تعالى بعد هذه الآية ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم
عليكم صيد البر ما دمتم حرماً) فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية ، وحل صيد البر
خارج وقت الاحرام ، فثبت أن الصيد ما يحل أكله والسبع لا يحل أكله ، فوجب أن لا يكون

٩٣
سورة المائدة
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم)) الآية
صيداً ، وإذا ثبت أنه ليس بصيد وجب أن لا يكون مضموناً ، لأن الأصل عدم الضمان ،
تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية . فبقي فيما ليس بصيد على وفق الأصل ،
وأما الخبر فهو الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام ((خمس فواسق لا جناح على المحرم أن
يقتلهن في الحل والحرم الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب العقور)) وفي رواية أخرى:
والسبع الضاري ، والاستدلال به من وجوه : أحدها : أن قوله : والسبع الضاري نص في
المسألة ، وثانيها: أنه عليه السلام وصفها بكونها فواسق ثم حكى بحل قتلها ، والحكم
المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف، وهذا يدل على أن
كونها فواسق علة لحل قتلها ، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية ، وصفة الإيذاء فى
السباع أقوى فوجب جواز قتلها ، وثالثها : أن الشارع خصها بإباحة القتل ، وإنما خصها
بهذا الحكم لأختصاصها بمزيد الايذاء ، وصفة الايذاء في السباع أتم ، فوجب القول بجواز
قتلها . وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة لما بيناه في الدليل الأول .
حجة أبي حنيفة رحمه الله : أن السبع صيد فيدخل تحت قوله ( لا تقتلوا الصيد وأنتم
حرم ) وإنما قلنا إنه صيد لقول الشاعر :
ليث تربى ربية فاصطيدا
ولقول علي عليه السلام :
وإذا ركبت فصيدى الأبطال
صيد الملوك أرانب وثعالب
والجواب : قد بينا بدلالة الآية أن ما يحرم أكله ليس بصيد ، وذلك لا يعارضه
شعر مجهول ، وأما شعر علي عليه السلام فغير وارد ، لأن عندنا الثعلب حلال .
المسألة الثانية ﴾ حرم جمع حرام ، وفيه ثلاثة أقوال : الأول : قيل حرم أي محرمون
بالحج . وقيل : وقد دخلتم الحرم ، وقيل : هما مرادان بالآية ، وهل يدخل فيه المحرم بالعمرة
فيه خلاف .
المسألة الثالثة) قوله ( لا تقتلوا ) يفيد المنع من القتل ابتداء ، والمنع منه تسبباً ،
فليس له أن يتعرض إلى الصيد ما دام محرماً لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء
كان الصيد صيداً لحل أوصيد الحرم ، وأما الحلال فله أن يتصيد في الحل وليس له أن يتصيد
في الحرم ، وإذا قلنا وأنتم حرم يتناول الأمرين أعني من كان محرماً ومن كان داخلاً في الحرم
كانت الآية دالة على كل هذه الاحكام .

٩٤
قوله تعالى ((من قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل)) الآية سورة المائدة
ثم قال تعالى ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي فجزاء بالتنوين، ومثل بالرفع والمعنى
فعليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد فمثل مرفوع لأنه صفة لقوله ( فجزاء) قال ولا ينبغي
إضافة جزاء إلى المثل . ألا ترى أنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل ، في الحقيقة إنما عليه جزاء
المقتول لا جزاء مثل المقتول الذي لم يقتله وقوله تعالى ( من النعم ) يجوز أن يكون صفة
للنكرة التي هي جزاء ، والمعنى فجزاء من النعم مثل ما قتل ، وأما سائر القراء فهم قرؤا
فجزاء مثل على إضافة الجزاء إلى المثل وقالوا : إنه وإن كان الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء
مثله فإنهم يقولون : أنا أکرم مثلك یریدون أنا أكرمك ونظيره قوله ( ليس كمثله شيء )
والتقدير : ليس هو کشيء ، وقال ( أو من کان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً بمشي به في الناس
كمن مثله في الظلمات ) والتقدير : كمن هو في الظلمات وفيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى
فجزاء مثل ما قتل من النعم كقولك خاتم فضة أي خاتم من فضة .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء وهو
قول داود وقال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ حجة داود أن قوله تعالى
( ومن قتله منكم متعمداً) مذكور في معرض الشرط، وعند عدم الشرط يلزم عدم المشروط
فوجب أن لا يجب الجزاء عند فقدان العمدية قال : والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال في آخر
الآية ( ومن عاد فينتقم الله منه) والانتقام إنما يكون في العمد دون الخطأ وقوله ( ومن عاد )
المراد منه ومن عاد إلى ما تقدم ذكره ، وهذا يقتضي أن الذي تقدم ذكره من القتل الموجب
للجزاء هو العمد لا الخطأ وحجة الجمهور قوله تعالى ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً )
ولما كان ذلك حراماً بالإحرام صار فعله محظوراً بالاحرام فلا يسقط حكمه بالخطأ والجهل كما في
حلق الرأس وكما في ضمان مال المسلم فإنه لما ثبت الحرمة لحق المالك لم يتبدل ذلك بكونه خطأ
أو عمداً فكذا ههنا وأيضاً يحتجون بقوله عليه السلام في الضبع كبش إذا قتله المحرم ، وقول
الصحابة في الظبي شاة ، وليس فيه ذكر العمد .
أجاب داود بأن نص القرآن خير من خبر الواحد . وقول الصحابي والقياس .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول،
إلا أنهم اختلفوا في المثل ، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن : الصيد ضربان : منه ما له مثل ،
ومنه ما لا مثل له ، فما له مثل يضمن بمثله من النعم ، وما لا مثل له يضمن بالقيمة . وقال أبو
حنيفة وأبو يوسف : المثل الواجب هو القيمة .

٩٥
قوله تعالى ((من قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل)) الاية سورة المائدة
وحجة الشافعي : القرآن ، والخبر ، والاجماع ، والقياس . أما القرآن فقوله تعالى
( ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم ) والاستدلال به من وجوه أربعة :
الأول : أن جماعة من القراء قرؤا ( فجزاء) بالتنوين ، ومعناه : فجزاء من النعم مماثل لما
قتل ، فمن قال إنه مثله في القيمة فقد خالف النص ، وثانيها : أن قوماً آخرين قرؤا ( فجزاء
مثل ما قتل ) بالاضافة ، والتقدير : فجزاء ما قتل من النعم ، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن
يكون من النعم ، فمن لم يوجبه فقد خالف النص ، وثالثها : قراءة ابن مسعود ( فجزاؤه مثل
ما قتل من النعم ) وذلك صريح فيما قلناه ، ورابعها : أن قوله تعالى ( يحكم به ذوا عدل منكم
هدياً بالغ الكعبة ) صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم ، يجب أن يكون
هدياً بالغ الكعبة .
فإن قيل : إنه يشري بتلك القيمة هذا الهدي .
قلنا : النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا أعدل يجب أن يكون هدياً
وأنتم تقولون : الواجب هو القيمة ، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها هدياً يهدي إلى
الكعبة وإن شاء لم يفعل ، فكان ذلك على خلاف النص ، وأما الخبر : فما روى جابر بن
عبدالله أنه سأل رسول الله وَ لقول عن الضبع، أصيد هو؟ فقال نعم، وفيه كبش إذا أخذه
المحرم ، وهذا نص صريح . وأما الاجماع : فهو أن الشافعي رحمه الله قال : تظاهرت
الروايات عن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة
وأزمان شتى : أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم ، فحكموا في النعامة ببدنة ، وفي
حمار الوحش ببقرة ، وفي الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة ، وفي الأرنب
بحفرة ، وفي رواية بعناق ، وفي الضب بسخلة ، وفي اليربوع بجفرة وهذا يدل على أنهم
نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم لا بالقيمة ولو حكموا بالقيمة .. لاختلف
باختلاف الأسعار والظبي هو الغزال الكبير الذكر والغزال هو الأنثى واليربوع هو الفأرة الكبيرة
تكون في الصحراء ، ولجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها والذكر جفر والعناق
الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول ، وأما القياس فهو أن المقصود من الضمان
جزاء الهالك ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان الجزاء أتم فكان الإيجاب أولى . حجة
أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة
فكان المراد بالمثل في قوله ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) هو القيمة في هذه الصورة ، فوجب
أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد .

٩٦
قوله تعالى ((من قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل)) الآية سورة المائدة
والجواب : أن حقيقة المماثلة أمر معلوم والشارع أوجب رعاية المماثلة فوجب رعايتها
بأقصى الامكان فإن أمكنت رعايتها في الصورة وجب ذلك وإن لم يكن رعايتها إلا بالقيمة
وجب الاكتفاء بها للضرورة .
المسألة الرابعة ﴾ جماعة محرمون قتلوا صيداً . قال الشافعي رحمه الله : لا يجب
عليهم الاجزاء واحداً ، وهو قول أحمد واسحق ، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري رحمهم
الله: يجب على كل واحد منهم جزاء واحد . حجة الشافعي رحمه الله : أن الآية دلت على
وجوب المثل ، ومثل الواحد واحد وأكد هذا بما روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال بمثل
قولنا : حجة أبي حنيفة رحمه الله أن كل واحد منهم قاتل فوجب أن يجب على كل واحد منهم
جزاء كامل ، بيان الأول أن جماعة لو حلف كل واحد منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً
واحداً لزم كل واحد منهم كفارة ، وكذلك القصاص المتعلق بالقتل يجب على جماعة يقتلون
واحداً ، وإذا ثبت أن كل واحد منهم قاتل وجب أن يجب على كل واحد منهم جزاء كامل لقوله
تعالى (ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم ) فقوله ( ومن قتله منكم متعمداً )
صيغة عموم فيتناول كل القاتلين . أجاب الشافعي رحمه الله : بأن القتل شيء واحد فيمتنع
حصوله بتمامه بأكثر من فاعل واحد فإذا اجتمعوا حصل بمجموع أفعالهم قتل واحد وإذا كان
كذلك امتنع كون كل واحد منهم قاتلاً في الحقيقة وإذا ثبت أن كل واحد منهم ليس بقاتل لم
يدخل تحت هذه الآية وأما قتل الجماعة بالواحد فذاك ثبت على سبيل التعبد وكذا القول في
إيجاب الكفارات المتعددة .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الشافعي رحمه الله: المحرم إذا دل غيره على صيد، فقتله
المدلول عليه لم يضمن الدال الجزاء ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يضمن حجة الشافعي أن
وجوب الجزاء معلق بالقتل في هذه الآية والدلالة ليست بقتل فوجب أن لا يجب الضمان ولأنه
بدل المتلف فلا يجب بالدلالة ككفارة القتل والدية ، وكالدلالة على مال المسلم . حجة أبي
حنيفة رحمه الله . أنه سئل عمر عن هذه المسألة فشاور عبد الرحمن بن عوف فأجمعا على أن عليه
الجزاء وعن ابن عباس أنه أوجب الجزاء على الدال ، أجاب الشافعي رحمه الله : بأن نص
القرآن خير من أثر بعض الصحابة .
المسألة السادسة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : أن جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر
فعليه عشرقيمة الشاة ، وقال داود لا يضمن البتة سوى القتل ، وقال المزني عليه شاة . حجة
داود أن الآية دالة على أن شرط وجوب الجزاء هو القتل ، فإذا لم يوجد القتل : وجب أن لا

٩٧
قوله تعالى ((من قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل)) الآية سورة المائدة
يجب الجزاء البتة ، وجوابه أن المعلق على القتل ، وجوب مثل المقتول ، وعندنا أن هذا لا يجب
عند عدم القتل : فسقط قوله .
﴿ المسألة السابعة﴾ إذا رمى من الحل: والصيد في الحل، فمر في السهم طائفة من
الحرم ، قال الشافعي رحمه الله : يحرم وعليه والجزاء، وقال أبو حنيفة : لا يحرم . حجة
الشافعي : أن سبب الذبح مركب من أجزاء ، بعضها مباح وبعضها محرم ، وهو المرور في
الحرم ، وما اجتمع الحرم والحلال إلا وغلب الحرام الحلال ، لا سيما في الذبح الذي الأصل فيه
الحرمة . وحجة أبي حنيفة رضي الله عنه : أن قوله تعالى ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) نهى له
عن الاصطياد حال كونه في الحرم ، فلما لم يوجد واحد من هذين الأمرين وجب أن لا تحصل
الحرمة .
المسألة الثامنة ﴾ الحلال إذا اصطاد صيداً وأدخله الحرم لزمه الارسال وإن ذبحه حرم
ولزمه الجزاء وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال الشافعي رحمه الله يحل ، وليس عليه
ضمان . حجة الشافعي : قوله تعالى ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي
الصيد وأنتم حرم ) وحجة أبي حنيفة قوله تعالى ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) نهي عن قتل
الصيد حال كونه محرماً ، وهذا يتناول الصيد الذي اصطاده في الحل ، والذي اصطاده في
الحرم .
المسألة التاسعة ) إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه، ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء
آخر ، وقال داود : لا يجب حجة الجمهور : أن قوله تعالى ( ومن قتله منكم متعمداً فجزاء ما
قتل من النعم ) ظاهره يقتضي أن علة وجوب الجزاء هو القتل ، فوجب أن يتكرر الحكم عند
تكرر العلة .
فإن قيل : إذا قال الرجل لنسائه ، من دخل منكن الدار فهي طالق . فدخلت واحدة مرتين
لم يقع إلا طلاق واحد .
قلنا : الفرق أن القتل عله لوجوب الجزاء ، فيلزم تكرر الحكم عند تكرر العلة . أما
ههنا : دخول الدار شرط لوقوع الطلاق ، فلم يلزم تكرر الحكم عند تكرر الشرط . حجة
داود : قوله تعالى ( ومن عاد فينتقم الله منه ) جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة .
﴿ المسألة العاشرة﴾ قال الشافعي رحمه الله: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسر اليد أو
الرجل فداه بمثله ، والصحيح أحب إلى ، وعلى هذا الكبير أولى من الصغير ، ويفدي الذكر
الفخر الرازي ج١٢ م٧

٩٨
قوله تعالى ((يحكم به ذوا عدل منكم)) الآية سورة المائدة
بالذكر ، والأنثى بالأنثى ، والأولى أن لا يغير ، لأن نص القرآن إيجاب المثل ، والأنثى وإن
كانت أفضل من الذكر من حيث أنها تلد ، فالذكر أفضل من الأنثى لأن لحمه أطيب وصورته
أحسن ثم قال تعالى ﴿ یحکم به ذوا عدل منكم﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس: يريد يحكم في جزاء الصيد رجلان صالحان ذوا
عدل منكم أي من أهل ملتكم ودينكم فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشباه به من النعم
فيحكمان به ، واحتج به من نصرقول أبي حنيفة رحمه الله في إيجاب القيمة ، فقال : التقويم
هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد ، وأما الخلقة والصورة ، فظاهرة مشاهدة لا يحتاج فيها إلى
الاجتهاد .
وجوابه : أن وجوه المشابهة بين النعم وبين الصيد مختلفة وكثيرة ، فلا بد من الاجتهاد في
تمييز الأقوى من الأضعف، والذي يدل على صحة ما ذكرنا ، أنه قال سيمون بن
مهران : جاء أعرابي إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : إني أصبت من الصيد كذا وكذا ،
فسأل أبو بكر رضي الله عنه أبي ابن كعب ، فقال الأعرابي : أتيتك أسألك ، وأنت تسأل
غيرك ، فقال أبو بكر رضي الله عنه وما أنکرت من ذلك، قال الله تعالى ( يحكم به ذوا عدل
منكم : فشاورت صاحبي ، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به ، وعن قبيصة بن جابر : أنه حين
كان محرماً ضرب ظبياً فمات ، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكان بجنبه عبد الرحمن
بن عوف، فقال عمر لعبد الرحمن : ما ترى ؟ قال : عليه شاة قال: وأنا أرى ذلك، فقال :
إذهب فاهد شاة . قال قبيصة : فخرجت إلى صاحبي وقلت له أن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول
حتى سأل غيره . قال : ففاجأني عمر وعلاني بالدرة ، وقال : أتقتل في الحرم وتسفه الحكم ،
قال الله تعالى ( يحكم به ذوا عدل منكم ) فأنا عمر ، وهذا عبد الرحمن بن عوف .
المسألة الثانية ﴾ قال الشافعي رحمه الله : الذي له مثل ضربان فما حكمت فيه
الصحابة بحكم لا يعدل عنه إلى غيره ، لأنهم شاهدوا التنزيل ، وحضروا التأويل ، وما لم
يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين ، فينظران إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام فكل
ما كان أقرب شبهاً به يوجبانه وقال مالك : يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة ، وفيما لم
تحكم به ، وحجة الشافعي رحمه الله . الآية دلت على أنه يجب أن يحكم به ذوا عدل ، فإذا
حكم به اثنان من الصحابة ، فقد دخل تحت الآية ، ثم ذاك أولى لما ذكرنا أنهم شاهدوا
التنزيل ، وحضروا التأويل .

٩٩
سورة المائدة
قوله تعالى ((هدياً بالغ الكعبة)) الآية .
المسألة الثالثة ﴾ قال الشافعي رحمه الله: يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين إذا كان
أخطأ فيه ، فإن تعمد لا يجوز ، لأنه يفسق به ، وقال مالك : لا يجوز كما في تقويم المتلفات .
حجة الشافعي رحمه الله : أنه تعالى أوجب أن يحكم به ذوا عدل ، وإذا صدر عنه القتل خطأ
كان عدلاً ، فإذا حكم به هو وغيره فقد حكم به ذوا عدل ، وأيضاً روى أن بعض الصحابة
أوطأ فرسه ظبياً ، فسأل عمر عنه، فقال عمر : أحكم ، فقال : أنت عدل يا أمير المؤمنين
فاحكم ، فقال عمر رضي الله عنه : إنما أمرتك أن تحكم . وما أمرتك أن تزكيني ، فقال :
أرى فيه جدياً جمع الماء والشجر ، فقال : افعل ما ترى ، وعلى هذا التقدير قال أصحابنا :
يجوز أن يكونا قاتلين .
المسألة الرابعة﴾ لوحكم عدلان بمثل، وحكم عدلان آخران بمثل آخر . فيه
وجهان : أحدهما : يتخير ، والثاني : يأخذ بالأغلظ .
المسألة الخامسة ﴾ قال بعض مثبتي القياس : دلت الآية على أن العمل بالقياس
والاجتهاد جائز لأنه تعالى فوض تعيين المثل إلى اجتهاد الناس وظنونهم وهذا ضعيف لأنه لا شك
أن الشارع تعبدنا بالعمل بالظن في صور كثيرة . منها : الاجتهاد في القبلة ، ومنها : العمل
بشهادة الشاهدين ومنها : العمل بتقويم المقومين في قيم المتلفات وأروش الجنايات ، ومنها :
العمل بتحكيم الحكام في تعيين مثل المصيد المقتول ، كما في هذه الآية ، ومنها : عمل
العامي بالفتوى ، ومنها : العمل بالظن في مصالح الدنيا. إلا أنا نقول : إن ادعيتم أن
تشبيه صورة شرعية بصورة شرعية في الحكم الشرعي هو عين هذه المسائل التي عددناها فذلك
باطل في بديهة العقل ، وإن سلمتم المغايرة لم يلزم ، من كون الظن حجة في تلك الصور ،
كونه حجة في مسألة القياس ، إلا إذا قسنا هذه المسألة على تلك المسائل وذلك يقتضى إثبات
القياس بالقياس ، وهو باطل". وأيضاً فالفرق بين البابين ، لأن في جميع الصور المذكورة
الحكم إنما ثبت في حق شخص واحد في زمان واحد في واقعة واحدة . وأما الحكم الثابت
بالقياس فإنه شرع عام في حق جميع عام المكلفين باق على وجه الدهر والتنصيص على أحكام
الأشخاص الجزئية متعذر . وأما التنصيص على الأحكام الكلية والشرائع العامة الباقية إلى آخر
الدهر غير متعذر ، فظهر الفرق والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية وجهان: الأول: أن المعنى يحكمان به هدياً يساق إلى الكعبة
فينحر هناك ، وهذا يؤكد قول من أوجب المثل من طريق الخلقة لأنه تعالى ، لم يقل يحكمان

١٠٠
قوله تعالى ((أو كفارة طعام مساكين)) الآية
سورة المائدة
به شيئاً يشتري به هدي وإنما قال يحكمان به هدياً وهذا صريح في أنهما يحكمان بالهدي لا غير .
الثاني : أن يكون المعنى يحكمان به شيئاً يشتري به ما يكون هدياً، وهذا بعيد عن ظاهر
اللفظ ، والحق هو الأول . وقوله هدياً نصب على الحال من الكناية في قوله به والتقدير يحكم
بذلك المثل شاة أو بقرة أو بدنة فالضمير في قوله به عائد إلى المثل والهدى حال منه ، وعند
التفطن لهذين الاعتبارين فمن الذي يرتاب في أن الواجب هو المثل من طريق الخلقة والله
أعلم .
المسألة الثانية ) قوله ( بالغ الكعبة ) صفة لقوله ( هدياً) لأن إضافته غير حقيقية،
تقديره بالغاً الكعبة لكن التنوين قد حذف استخفافاً ومثله عارض ممطرنا .
المسألة الثالثة ﴾ سميت الكعبة كعبة لارتفاعها وتربعها ، والعرب تسمي كل بيت
مربع كعبة والكعبة إنما أريد بها كل الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في الكعبة ولا عندها
ملازقاً لها ونظير هذه الآية قوله ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) .
المسألة الرابعة ) معنى بلوغه الكعبة ، أن يذبح بالحرم فان دفع مثل الصيد المقتول
إلى الفقراء حيا لم يجز بل يجب عليه ذبحه في الحرم ، واذا ذبحه في الحرم ، قال الشافعي رحمه
الله : يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضا . وقال أبو حنيفة رحمه الله : له أن يتصدق به
حيث شاء ، وسلم الشافعي أن له أن يصوم حيث شاء ، لأنه لا منفعة فيه لمساكين الحرم .
حجة الشافعي : أن نفس الذبح إيلام ، فلا يجوز أن يكون قربة ، بل القربة هي
ايصال اللحم إلى الفقراء ، فقوله ( هديا بالغ الكعبة ) يوجب إيصال تلك الهدية إلى أهل الحرم
والكعبة .
وحجة أبي حنيفة رحمه الله : أنها لما وصلت إلى الكعبة فقد صارت هدياً بالغ الكعبة ،
فوجب أن يخرج عن العهدة .
ثم قال تعالى ﴿ أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر أو كفارة طعام على إضافة الكفارة إلى الطعام،
والباقون أوكفارة بالرفع والتنوين طعام بالرفع من غير التنوين ، أما وجه القراءة الأولى : فهي
أنه تعالى لما خير المكلف بين ثلاثة أشياء : الهدي ، والصيام . والطعام ، حسنت الاضافة ،
فكأنه قيل ( كفارة طعام ) لا كفارة هدي ، ولا كفارة صيام ، فاستقامت الاضافة لكون الكفارة
من هذه الأشياء ، وأما وجه قراءة من قرأ (او كفارة) بالتنوين ، فهو أنه عطف على قوله فجزاء