Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ قوله تعالى (( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة)) الآية أن كل من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك . قال الزجاج : الملك من لا يدخل عليه أحد إلا باذنه . وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية ، وكانت لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ، ومن كان كذلك كان ملكاً . والنوع الثالث ﴾ من النعم التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله ( وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ) وذلك لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام : أحدها : أنه تعالى فلق البحر لهم ، وثانيها : أنه أهلك عدوهم وأورثهم أموالهم ، وثالثها : أنه أنزل عليهم المن والسلوى ، ورابعها : أنه أخرج لهم المياه العذبة من الحجر ، وخامسها : أنه تعالى أظل فوقهم الغمام ، وسادسها : أنه لم يجتمع لقوم الملك والنبوة كما جمع لهم ، وسابعها : أنهم في تلك الأيام كانوا هم العلماء بالله وهم أحباب الله وأنصار دينه . واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكرهم هذه النعمة وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بمجاهدة العدو فقال : ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ روى أن إبراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال له الله تعالى : انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس ، وهو ميراث لذريتك . وقيل : لما خرج قوم موسى عليه السلام من مصر وعدهم الله تعالى إسكان أرض الشام ، وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد ، ثم بعث موسى عليه السلام اثني عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي ، فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة . قال المفسرون : لما بعث موسى عليه السلام النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك . فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك : هؤلاء يريدون قتالنا ، فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم وأخبروه بما شاهدتم ، ثم انصرف أولئك النقباء الى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة . فأمرهم أن يكتموا ما عاهدوه فلم يقبلوا قوله ، إلا رجلان منهم ، وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ، فانهما سهلا الأمر وقالا : هي بلاد طيبة كثيرة النعم ، والأقوام وإن كانت أجسادهم عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة ، وأما العشرة الباقية فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا ٢٠٢ قوله تعالى ((يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة)» الآية سورة المائدة الإِمتناع من غزوهم ، فقالوا لموسى عليه السلام ( إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ) فدعا موسى عليه السلام عليهم فعاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم في التيه أربعين سنة . قالوا : وكانت مدة غيبة النقباء للتجسس أربعين يوماً فعوقبوا بالتيه أربعين سنة ، ومات أولئك العصاة في التيه ، وأهلك النقباء العشرة في التيه بعقوبات غليظة . ومن الناس من قال : إن موسى وهرون عليهما السلام ماتا أيضاً في التيه : ومنهم من قال : إن موسى عليه السلام بقي وخرج معه يوشع وكالب وقاتلوا الجبارين وغلبوهم ودخلوا تلك البلاد ، فهذه هي القصة والله أعلم بكيفية الأمور . ﴿ المسألة الثانية﴾ الأرض المقدسة هي الأرض المطهرة طهرت من الآفات . قال المفسرون : طهرت من الشرك وجعلت مسكناً وقراراً للأنبياء ، وهذا فيه نظر ، لأن تلك الأرض لما قال موسى عليه الصلاة والسلام ( ادخلوا الأرض المقدسة ) ما كانت مقدسة عن الشرك ، وما كانت مقراً للأنبياء ، ويمكن أن يجاب بأنها كانت كذلك فيما قبل . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في تلك الأرض، فقال عكرمة والسدى وابن زيد: هي أريحا وقال الكلبي : دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقيل الطور . المسألة الرابعة ﴾ في قوله ( كتب الله لكم) وجوه: أحدها : كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم وثانيها : وهبها الله لكم ، وثالثها : أمركم بدخولها . فان قيل : لم قال ( كتب الله لكم) ثم قال ( فانها محرمة عليهم ) . والجواب : قال ابن عباس : كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمرّدهم وعصيانهم . وقيل : اللفظ وان كان عاماً لكن المراد هو الخصوص ، فصار كأنه مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم . وقيل : إن الوعد بقوله ( كتب الله لكم ) مشروط بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط ، وقيل : إنها محرمة عليهم أربعين سنة ، فلما مضى الأربعون حصل ما كتب . المسألة الخامسة ﴾ في قوله ( كتب الله لكم ) فائدة عظيمة . وهي أن القوم وإن كانوا جبارين إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم ، فان كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعاً أن الله ينصرهم عليهم ويسلطهم عليهم فلا بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع ، فهذه هي الفائدة من هذه الكلمة . ثم قال ﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾ وفيه وجهان: الأول: لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسى عليه السلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما أخبر أن الله تعالى قوله تعالى ((قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين)) الآية سورة المائدة ٢٠٣ قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنَ نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَ فَإِ يَخْرُجُواْ مِنْهَاَ فَإِنَّا دَ خِلُونَ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَ اللهُ عَلَيْهِمَا أَدْ خُلُواْ ٣٣ ◌َلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُرْ غَلُونَ وَعَلَى الَّهِ فَتَوَّكُواْ إِن كُنْتُ مُؤْمِنِينَ (﴾ جعل تلك الأرض لهم كان هذا وعداً بأن الله تعالى ينصرهم عليهم ، فلولم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى عليه السلام فيصيروا كافرين بالألهية والنبوة . والوجه الثاني ﴾ المراد لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم عنها . يروى أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر، وقوله ( فتنقلبوا خاسرين) فيه وجوه : أحدها : خاسرين في الآخرة فانه يفوتكم الثواب ويلحقكم العقاب ، وثانيها : ترجعون إلى الذل وثالثها : تموتون في التيه ولا تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة . ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم ﴿ قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين ﴾ وفي تفسير الجبارين وجهان : الأول : الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه ، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ، وهذا هو اختيار الفراء والزجاج . قال الفراء : لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين وهما : جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، والثاني : أنه مأخوذ من قولهم نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها ، ويقال : رجل جبار إذا كان طويلاً عظيماً قوياً ، تشبيهاً بالجبار من النخل والقوم كانوا في غاية القوة وعظم الأجسام بحيث كانت أيدي قوم موسى ما كانت تصل إليهم ، فسموهم جبارين لهذا المعنى . ثم قال القوم ﴿ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون ﴾ وإنما قالوا هذا على سبيل الإبتعاد كقوله تعالى ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) . ثم قال تعالى ﴿ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ٢٠٤ قوله تعالى ((قالوا يا موسى انا لن ندخلها ما داموافيها )) الآية سورة المائدة قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّ لَنَ نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّادَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَدْتِلَا إِنَّا هَلُهُنَا ٢٢٤ فَعِدُونَ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ هذان الرجلان هما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا، وكانا من الذين يخافون الله وأنعم الله عليهما بالهداية والثقة بعون الله تعالى والإعتماد على نصرة الله. قال القفال : ويجوز أن يكون التقدير : قال رجلان من الذين يخافهم بنو اسرائيل وهم الجبارون ، وهما رجلان منهم أنعم الله عليهما بالإِيمان فآمنا ، وقالا هذا القول لقوم موسى تشجيعاً لهم على قتالهم ، وقراءة من قرأ ( يخافون ) بالضم شاهدة لهذا الوجه . المسألة الثانية ﴾ في قوله ( أنعم الله عليهما ) وجهان : الأول : أنه صفة لقوله ( رجلان ) ، والثاني : انه اعتراض وقع في البين يؤكد ما هو المقصود من الكلام . المسألة الثالثة ﴾ قوله ( ادخلوا عليهم الباب ) مبالغة في الوعد بالنصر والظفر ، كأنه قال : متى دخلتم باب بلدهم انهزموا ولا يبقى منهم نافخ نار ولا ساكن دار ، فلا تخافوهم . والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ إنما جزم هذان الرجلان في قولهما ( فاذا دخلتموه فانكم غالبون) لأنهما كانا جازمين بنبوة موسى عليه السلام ، فلما أخبرهم موسى عليه السلام بأن الله قال ( ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) لا جرم قطعاً بأن النصرة لهم والغلبة حاصلة في جانبهم ، ولذلك ختموا كلامهم بقولهم ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) يعني لما وعدكم الله تعالى النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من شدة قوتهم وعظم أجسامهم ، بل توكلوا على الله في حصول هذا النصرلكم إن كنتم مؤمنين مقرين بوجود الإله القادر ومؤمنين بصحة نبوة موسى عليه السلام . ثم قال تعالى ﴿ قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ﴾ وفي قوله ( اذهب أنت وربك ) وجوه : الأول : لعل القوم كانوا مجسمة ، وكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على الله تعالى . الثاني : يحتمل أن لا يكون المراد حقيقة الذهاب بل هو كما يقال : كلمته فذهب يجيبني ، يعني يريد أن يجيبني ، فكأنهم قالوا : كن أنت وربك مريدين لقتالهم ، والثالث : التقدير : اذهب أنت وربك معين لك بزعمك ٢٠٥ قوله تعالى ((قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة)) الآية سورة المائدة ٢٥ قَالَ رَبِّ إِ لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَنِى فَأَفْرُقْ بَيْنَنَ وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ فأضمر خبر الإبتداء . فان قيل : إذا أضمرنا الخبر فكيف يجعل قوله ( فقاتلا ) خبراً أيضاً؟ قلنا : لا يمتنع خبر بعد خبر ، والرابع : المراد بقوله ( وربك ) أخوه هرون ، وسموه ربا لأنه كان أكبر من موسى . قال المفسرون : قولهم ( اذهب أنت وربك ) إن قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر ، وإن قالوه على وجه التمرد عن الطاعة فهو فسق ، ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل قوله تعالى في هذه القصة ( فلا تأس على القوم الفاسقين) والمقصود من هذه القصة شرح خلاف هؤلاء اليهود وشدة بغضهم وغلوهم في المنازعة مع أنبياء الله تعالى منذ كانوا . ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه لما سمع منهم هذا الكلام ﴿ قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ ذكر الزجاج في إعراب قوله (وأخي ) وجهين: الرفع والنصب ، أما الرفع فمن وجهين: أحدهما: أن يكون نسقاً على موضع ((إني)) والمعنى أنا لا أملك إلا نفسي ، وأخي كذلك ومثله قوله ( أن الله بريء من المشركين ورسوله ) والثاني : أن يكون عطفاً على الضمير في ((أملك)) وهو ((أنا)) والمعنى: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا ، وأما النصب فمن وجهين : أحدهما أن يكون نسقاً على الياء ، والتقدير : إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا، والثاني: أن يكون ((أخي)) معطوفاً على ((نفسي)) فيكون المعنى لا أملك إلا نفسي ، ولا أملك إلا أخي ، لأن أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته . فان قيل : لم قال لا أملك إلا نفسي وأخي ، وكان معه الرجلان المذكوران ؟ قلنا : كأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما رأى من إطباق الأكثرين على التمرد ، وأيضاً لعله إنما قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه ، وأيضاً يجوز أن يكون المراد بالأخ من يواخيه في الدين ، وعلى هذا التقدير فكانا داخلين في قوله ( وأخي ) . ثم قال ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ يعني فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق وتحكم عليهم بما يستحقون ، وهو في معنى الدعاء عليهم ، ويحتمل أن يكون المراد خلصنا من صحبتهم ، وهو كقوله ( ونجني من القوم الظالمين ) . ٢٠٦ قوله تعالى ((قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة)) الآية سورة المائدة ٠٠٠٤٠٠٠٩/٥/١ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَّهُ يَقِيُونَ فِ الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَلِقِينَ ٢٦) . ثم إنه تعالى ﴿ قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قوله ( فانها) أي الأرض المقدسة محرمة عليهم ، وفي قوله ( أربعين سنة) قولان : أحدهما : أنها منصوبة بالتحريم ، أي الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ، ثم فتح الله تعالى تلك الأرض لهم من غير محاربة ، هكذا ذكره الربيع بن أنس . والقول الثاني ﴾ أنها منصوبة بقوله (يتيهون في الأرض ) أي بقوا في تلك الحالة أربعين سنة ، وأما الحرمة فقد بقيت عليهم وماتوا ، ثم إن أولادهم دخلوا تلك البلدة . المسألة الثانية ﴾ يحتمل أن موسى عليه السلام لما قال في دعائه على القوم ( فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) لم يقصد بدعائه هذا الجنس من العذاب ، بل أخف منه . فلما أخبره الله تعالى بالتيه علم أنه يحزن بسبب ذلك فعزاه وهون أمرهم عليه ، فقال ( فلا تأس على القوم الفاسقين ) قال مقاتل : أن موسى لما دعا عليهم أخبره الله تعالى بأحوال التيه ، ثم أن موسى عليه السلام أخبر قومه بذلك ، فقالوا له : لم دعوت علينا وندم موسى على ما عمل ، فأوحى الله تعالى اليه ( لا تأس على القوم الفاسقين) وجائز أن يكون ذلك خطاباً لمحمد ◌َّة، أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل والله أعلم . المسألة الثالثة ﴾ اختلف الناس في أن موسى وهرون عليهما السلام هل بقيا في التيه أم لا ؟ فقال قوم : انهما ما كانا في التيه ، قالوا : ويدل عليه وجوه : الأول : أنه عليه السلام دعا الله يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ، ودعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجابة ، وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان معهم في ذلك الموضع ، والثاني : أن ذلك التيه كان عذاباً والأنبياء لا يعذبون ، والثالث : أن القوم إنما عذبوا بسبب أنهم تمردوا وموسى وهرون ما كانا. كذلك ، فكيف يجوز أن يكونا مع أولئك الفاسقين في ذلك العذاب . وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه إلا أنه تعالى سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على ابراهيم فجعلها برداً وسلاماً ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنهما هل ماتا في التيه أو خرجا منه ؟ فقال قوم : أن هرون مات في التيه ثم مات موسى بعده بسنة ، وبقي يوشع بن نون وكان ابن قوله تعالى ((قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة)) الآية سورة المائدة ٢٠٧ أخت موسى ووصيه بعد موته ، وهو الذي فتح الأرض المقدسة . وقيل : إنه ملك الشام بعد ذلك . وقال آخرون : بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم . المسألة الرابعة ﴾ قوله ( فانها محرمة عليهم ) الأكثرون على أنه تحريم منع لا تحريم تعبد ، وقيل : يجوز أيضاً أن يكون تحريم تعبد ، فأمرهم بأن يمكثوا في تلك المفازة في الشدة والبلية عقاباً لهم على سوء صنيعهم . المسألة الخامسة ﴾ اختلفوا في التيه فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ، وقيل : تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً . وقيل : ستة في اثني عشر فرسخاً ، وقيل : كانوا ستمائة ألف فارس . فان قيل : كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر الصغير من المفازة أربعين سنة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يجد طريقاً إلى الخروج عنها ، ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة الشمس أو الكواكب لخرجوا منها ولو كانوا في البحر العظيم ، فكيف في المفازة الصغيرة ؟ قلنا : فيه وجهان : الأول : أن انخراق العادات فى زمان الأنبياء غير مستبعد ، إذ لو فتحنا باب الإِستبعاد لزم الطعن في جميع المعجزات ، وإنه باطل . الثاني : إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال لاحتمال أن الله تعالى حرم عليهم الرجوع إلى أوطانهم ، بل أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاء لهم على سوء صنيعهم ، وعلى هذا التقدير فقد زال الاشكال . المسألة السادسة ﴾ يقال: تاه يتيه تيهاً وتيهاً وتوهاً، والتيه أعمها، والتيهاء الأرض التي لا يهتدي فيها . قال الحسن : كانوا يصبحون حيث أمسوا ، ويمسون حيث أصبحوا ، وكانت حركتهم في تلك المفازة على سبيل الإستدارة ، وهذا مشكل فانهم إذا وضعوا أعينهم على مسير الشمس ولم ينعطفوا ولم يرجعوا فانهم لا بد وأن يخرجوا عن المفازة ، بل الأولى حمل الكلام على تحريم التعبد على ما قررناه والله أعلم . ٢٠٨ قوله تعالى ((واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق)) الآية سورة المائدة وَثْلُ عَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ أَلْأَرٍ قَالَ لَأُقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُشِقِينَ ﴿يَ لَِنْ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَّى مَ أَنَاْ بِبَاسِطِ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌّ إِ أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ( قوله تعالى ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ﴾ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى قال فيما تقدم ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذهم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ) فذكر تعالى أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم ، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصاً كثيرة في أن كل من خصّه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فان الناس ينازعونه حسداً وبغياً ، فذكر أولاً قصة النقباء الإثني عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم ، ثم أن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة ، وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث بعد ظهور الدلائل القاطعة لهم على فساد ما هم عليه ، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد ◌َّ فيما آتاه الله من الدين الحق ، ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان ، ثم ذكر بعده قصة ابني آدم وأن أحدهما قتل الآخر حسداً منه على أن الله تعالى قبل قربانه ، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود ، فلما كانت نعم الله على محمد هي أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه ، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله وكالات لما هم قوم من اليهود أن يمكر وابه وأن يوقعوا به آفة ومحنة . والثاني : أن هذا متعلق بقوله ( یا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ) وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة ، والثالث : أن هذه القصة متعلقة بما قبلها ، وهي قصة محاربة الجبارين ، أي اذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابنى آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر . والرابع : قيل هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبياً معظماً عند الله تعالى . الخامس : لما كفر أهل الكتاب ٢٠٩ سورة المائدة قوله تعالى ((واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق )) الآية بمحمد ◌ّ حسداً أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة ، والمقصود منه التحذير عن الحسد. المسألة الثانية ﴾ قوله (واتل عليهم ) فيه قولان: أحدهما : واتل على الناس . والثاني : واتل على أهل الكتاب ، وفي قوله ( ابني آدم) قولان : الأول : أنهما ابنا آدم من صلبه ، وهما هابيل وقابيل. وفي سبب وقوع المنازعة بينهما قولان : أحدهما : أن هابيل كان صاحب غنم ، وقابيل كان صاحب زرع ، فقرب كل واحد منهما قرباناً ، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في غنمه وجعلها قرباناً ، وطلب قابيل شرحنطة في زرعه فجعلها قرباناً ، ثم تقرب كل واحد بقربانه إلى الله فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم تحمل قربان قابيل ، فعلم قابيل أن الله تعالى قبل قربان أخيه ولم يقبل قربانه فحسده وقصد قتله ، وثانيهما : ما روى أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل بطن غلام وجارية وكان يزوج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر ، فولد له قابيل وتوأمته ، وبعدهما هابيل وتوأمته ، وكانت توأمة قابيل أحسن الناس وجهاً ، فأراد آدم أن يزوجها من هابيل ، فأبى قابيل ذلك وقال أنا أحق بها ، وهو أحق بأخته ، وليس هذا من الله تعالى ، وإنما هو رأيك ، فقال آدم عليه السلام لهما : قربا قرباناً، فأيكما قبل قربانه زوجتها منه، فقبل الله تعالى قربان هابيل بأن أنزل الله تعالى على قربانه ناراً ، فقتله قابيل حسداً له . والقول الثاني ﴾ وهو قول الحسن والضحاك: أن ابني آدم اللذين قربا قربانا ما كانا ابني آدم الصلبه ، وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل . قالا : والدليل عليه قوله تعالى في آخر القصة ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) إذ من الظاهر أن صدور هذا الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل ، أما لما أقدم رجل من بني إسرائيل على مثل هذه المعصية أمكن جعل ذلك سبباً لإِيجاب القصاص عليهم زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل هذا الذنب . ومما يدل على ذلك أيضاً أن المقصود من هذه القصة بيان إصرار اليهود أبداً من قديم الدهر على التمرد والحسد حتى بلغ بهم شدة الحسد إلى أن أحدهما لما قبل الله قربانه حسده الآخر وأقدم على قتله ، ولا شك أنها رتبة عظيمة في الحسد ، فانه لما شاهد أن قربان صاحبه مقبول عند الله تعالى فذلك مما يدعوه إلى حسن الإعتقاد فيه والمبالغة في تعظيمه، فلما أقدم على قتله وقتله مع هذه الحالة دل ذلك على أنه كان قد بلغ في الحسد إلى أقصى الغايات ، وإذا كان المراد من ذكر هذه القصة بيان أن الحسد دأب قديم في بني إسرائيل وجب أن يقال : هذان الرجلان كانا من بني إسرائيل . الفخر الرازي ج١١ م١٤ ٢١٠ قوله تعالى ((واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق)) الآية سورة المائدة واعلم أن القول الأول هو الذي اختاره أكثر أصحاب الأخبار ، وفي الآية أيضاً ما يدل عليه لأن الآية تدل على أن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الأمر ، وهو الحق والله أعلم . المسألة الثالثة ﴾ قوله ( بالحق ) فيه وجوه : الأول بالحق ، أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة من عند الله تعالى . الثاني : أي تلاوة متلبسة بالصدق والحقّ موافقة لما في التوراة والإِنجيل. الثالث : بالحق ، أي بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد ، لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله بّه ويبغون عليه. الرابع: بالحق ، أي ليعتبروا به لا ليحملوه على اللعب والباطل مثل كثير من الأقاصيص التي لا فائدة فيها ، وإنما هي لهو الحديث ، وهذا يدل على أن المقصود بالذكر من الأقاصيص والقصص في القرآن العبرة لا مجرد الحكاية ، ونظيره قوله تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ) . ثم قال تعالى ﴿ إذ قربا قربانا ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ إذ : نصب بماذا؟ فيه قولان الأول : أنه نصب بالنبأ ، أي قصتهم في ذلك الوقت . الثاني : يجوز أن يكون بدلاً من «النبأ)) أي واتل عليهم من النبأ نبأ ذلك الوقت ، على تقدير حذف المضاف . ﴿ المسألة الثانية ﴾ القربان: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة، ومضى الكلام على القربان في سورة آل عمران . ﴿ المسألة الثالثة﴾ تقدير الكلام وهو قوله (إذ قربا قرباناً) قرب كل واحد منهما قرباناً إلا أنه جمعهما في الفعل وأفرد الاسم ، لأنه يستدل بفعلهما على أن لكل واحد قرباناً . وقيل : إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد والعدد ، وأيضاً فالقربان مصدر كالرجحان والعدوان والكفران والمصدر لا يثني ولا يجمع . ثم قال تعالى ﴿ فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قيل: كانت علامة القبول أن تأكله النار وهو قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد : علامة الرد أن تأكله النار ، والأول أولى لاتفاق أكثر المفسرين عليه . وقيل : ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرب به إلى الله تعالى ، فكانت النار تنزل من السماء فتأكله . ٢١١ سورة المائدة قوله تعالى (( فتقبل من أحدهما ولم يتقبل )) الآية المسألة الثانية﴾ إنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال . قال تعالى ههنا حكاية عن المحق ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وقال فيما أمرنا به من القربان بالبدن ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) فأخبر أن الذي يصل إلى حضرة الله ليس إلا التقوى . والتقوى من صفات القلوب . قال عليه الصلاة والسلام ((التقوى ههنا)) وأشار إلى القلب، وحقيقة التقوى أمور: أحدها : أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك الطاعة فيتقي بأقصى ما يقدر عليه عن جهات التقصير ، وثانيها : أن يكون في غاية الإِتقاء من أن يأتي بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله تعالى . وثالثها : أن يتقي أن يكون لغير الله فيه شركة، وما أصعب رعاية هذه الشرائط! وقيل في هذه القصة : إن أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه ، والآخر جعل قربانه أردأ ما كان معه . وقيل : إنه أضمر أنه لا يبالي سواء قبل أو لم يقبل ولا يزوج أخته من هابيل . وقيل : كان قابيل ليس من أهل التقوى والطاعة ، فلذلك لم يقبل الله قربانه . ثم حكى الله تعالى عن قابيل أنه قال لهابيل ﴿ لأقتلنك ﴾ فقال هابيل (إنما يتقبل الله من المتقين ) وفي الكلام حذف ، والتقدير : كأن هابيل قال : لم تقتلني ؟ قال لأن قربانك صار مقبولاً ، فقال هابيل : وما ذنبي ؟ إنما يتقبل الله من المتقين . وقيل : هذا من كلام الله تعالى لنبيه محمد ◌ّ اعتراضاً بين القصة؛ كأنه تعالى بين لمحمد أنه إنما لم يقبل قربانه لأنه لم يكن متقياً . ثم حكى تعالى عن الأخ المظلوم أنه قال ﴿ لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين وفي الآية سؤالان : ﴿ السؤال الأول﴾ وهو أنه لم لم يدفع القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن النفس واجب ؟ وهب أنه ليس بواجب فلا أقل من أنه ليس بحامِ ، فلم قال ( إني أخاف الله رب العالمين ) والجواب من وجوه : الأول : يحتمل أن يقال : لاح للمقتول بأمارات تغلب على الظن أنه يريد قتله ، فذكر له هذا الكلام على سبيل الوعظ والنصيحة ، يعني أنا لا أجوز من نفسي أن أبدأك بالقتل الظلم العدوان ، وإنما لا أفعله خوفاً من الله تعالى ، وإنما ذكر له هذا الكلام قبل إقدام القاتل على قتله وكان غرضه منه تقبيح القتل العمد في قلبه ، ولهذا يروى أن قابيل صبر حتى نام هابيل فضرب رأسه بحجر كبير فقتله . ٢١٢ قوله تعالى ((إني أريد أن تبوء بائمى وإثمك)) الآية سورة المائدة إِّ أُرِيدُ أَن تَبُواْ بِئِى وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَعَْبِ النَّارِ وَالِكَ جَآءُ الَّلِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِ ينَ (٣) والوجه الثاني في الجواب ﴾ أن المذكور في الآية قوله ( ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) يعني لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك، وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع . وقال أهل العلم : الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع ، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك . الوجه الثالث﴾ قال بعضهم: المقصود بالقتل إن أراد أن يستسلم جاز له ذلك، وهكذا فعل عثمان رضي الله تعالى عنه . وقال النبي عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة ((ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)). الوجه الرابع ﴾ وجوب الدفع عن النفس أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع . وقال مجاهد : إن الدفع عن النفس ما كان مباحاً في ذلك الوقت. السؤال الثاني ﴾ لم جاء الشرط بلفظ الفعل، والجزاء بلفظ اسم الفاعل ، وهو قوله ( لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط) . والجواب : ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ، ولذلك أكده بالباء المؤكد للنفي . ثم قال تعالى ﴿ إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ﴾ وفيه سؤالان : الأول : كيف يعقل أن يبوء القاتل باثم المقتول مع أنه تعالى قال ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) والجواب من وجهين : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود والحسن وقتادة رضي الله عنهم : معناه تحمل إثم قتلى وإثمك الذي كان منك قبل قتلي ، وهذا بحذف المضاف، والثاني قال الزجاج : معناه ترجع إلى الله باثم قتلى وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك . سورة المائدة ٢١٣ قوله تعالى (( فطوعت له نفس قتل أخيه )) الآية السؤال الثاني ﴾ كما لا يجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن يعصى الله تعالى فكذلك لا يجوز أن يريد من غيره أن يعصي الله ، فلم قال ( إني أريد أن تبوء باثمي واثمك ) . والجواب من وجوه : الأول : قد ذكرنا أن هذا الكلام إنما دار بينهما عند ما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله ، وكان ذلك قبل اقدام القاتل على إيقاع القتل به ، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له : وان كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد وأن تترصد قتلى في وقت أکون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك ، فحينئذ لا يمكنني أن ادفعك عن قتلي إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان ، وهذا مني كبيرة ومعصية ، وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن يكون أنت ، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لالى ، ومن المعلوم ان ارادة صدور الذنب من الغير في هذه الحالة وعلى هذا الشرط لا يكون حراما ، بل هو عين الطاعة ومحض الاخلاص . والوجه الثاني في الجواب ﴾ أن المراد : اني أريد أن تبوء بعقوبة قتلى، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه ، والثالث : روى أن الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم ، فعلى هذا يجوز أن يقال : إني أريد أن تبوأ باثمي في أنه يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني ، وباثمك في قتلك إياي ، وهذا يصلح جوابا عن السؤال الأول والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ﴾ قال المفسرون : سهلت له نفسه قتل أخيه . ومنهم من قال شجعته ، وتحقيق الكلام أن الانسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم الكبائر ، فهذا الاعتقاد يصير صارفاً له عن فعله ، فيكون هذا الفعل كالشيء العاصي المتمرد عليه الذي لا يطيعه بوجه البتة ، فاذا أوردت النفس أنواع وساوسها صار هذا الفعل سهلا عليه ، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه . فهذا هو المراد بقوله ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ) قالت المعتزلة : لو كان خالق الكل هو الله تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع. مضافا إلى الله تعالى لا إلى النفس . وجوابه : أنه لما أسندت الأفعال الى الدواعي ، وكان فاعل تلك الدواعي هو الله تعالى فكان فاعل الافعال كلها هو الله تعالى . ثم قال تعالى ﴿ فقتله ﴾ قيل: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل ، فظهر له إبليس وأخذ طيرا وضرب رأسه بحجر ، فتعلم قابيل ذلك منه ، ثم إنه وجد هابيل نائما يوما فضرب رأسه ٢١٤ قوله تعالى ((فبعث الله غرابا يبحث من الأرض )) الآية سورة المائدة فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَرِى سَوْءَةَ أَخِهِ قَالَ يَنَوَيْلَنَّ أَجَرْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَنِىِ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ (! ٣١ بحجر فمات. وعن عبد الله عن النبي ◌َّير أنه قال (( لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها )) وذلك أنه أول من سن القتل . ثم قال تعالى ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ قال ابن عباس : خسر دنياه وآخرته ، أما الدنيا فهو أنه أسخط والديه وبقي مذموما إلى يوم القيامة ، وأما الآخرة فهو العقاب العظيم . قيل : ان قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه ابليس وقال : إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها ، فان عبدت النار أيضا حصل مقصودك ، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار . وروى ان هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة ، وكان قتله عند عقبة حراء ، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ، وروى أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه ، فقال ما كنت عليه وكيلا ، فقال بل قتلته ، ولذلك اسود جسدك ، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط . قال صاحب الكشاف : يروي أنه رثاه بشعر . قال وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا منحول ملحون ، والأنبياء معصومون عن الشعر ، وصدق صاحب الكشاف فيما قال ، فان ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين ، فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة . ثم قال تعالى ﴿ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قيل: لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ، ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغير فبعث الله غراباً ، وفيه وجوه : الأول : بعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر . فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاء في الحفرة . فتعلم قابيل ذلك من الغراب . الثاني : قال الاصم : لما قتله وتركه بعث الله غرابا يحثو التراب على المقتول ، فلما رأى القاتل أن الله كيف يكرمه بعد موته ندم وقال : يا ويلتي . الثالث : قال أبو مسلم : عادة الغراب دفن الاشياء فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه . ﴿ المسألة الثانية ﴾ ((ليريه)) فيه وجهان: الأول: ليريه الله أو ليريه الغراب ، أي ليعلمه ، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز . سورة المائدة ٢١٥ قوله تعالى ((فبعث الله غرابا يبحث في)) الآية المسألة الثالثة﴾ ((سوأة أخيه)) عورة أخيه ، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده ، والسوأة الفضيحة لقبحها . وقيل سوأة أخيه ، أي جيفة أخيه . ثم قال تعالى ﴿ قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين ﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ لا شك أن قوله (يا ويلتي ) كلمة تحسر وتلهف، وفي الآية احتمالان : الأول أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول ، فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علما منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة معرفته ، فندم وتلهف وتحسر على فعله . الثاني : أنه كان عالما بكيفيه دفنه ، فانه يبعد في الانسان أن لا يهتدى إلى هذا القدر من العمل ، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافا به ، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال : إنه هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض ، أفأكون أقل شفقة من هذا الغراب ، وقيل : إن الغراب جاء وكان يحثي التراب على المقتول ، فلما رأى أن الله أكرمه حال حياته بقبول قربانه . وأكرمه بعد مماته بأن بعث هذا الغراب ليدفنه تحت الأرض علم أنه عظيم الدرجة عند الله فتلهف على فعله ، وعلم أنه لا قدرة له على التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه في الأرض ، فلا جرم قال : يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب . ﴿ المسألة الثانية ) قوله ( يا ويلتي) اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب ، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة ، ولفظها لفظ النداء ، كأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره ، أي أيها الويل احضر، فهذا أو ان حضورك، وذكر ((يا)) زيادة بيان كما في قوله ( يا ويلتي أألد) والله أعلم . المسألة الثالثة ﴾ لفظ الندم وضع للزوم ، ومنه سمى النديم نديما لأنه يلازم المجلس. وفيه سؤال: وهو أنه تمّ قال ((الندم توبة)) فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم لم تقبل توبته ؟ أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة ، والثاني : أنه صار من النادمين على قتل أخيه ؛ لأنه لم ينتفع بقتله ، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته ، فكان ندمه لأجل هذه الاسباب لا لكونه معصية ، ٢١٦ قوله تعالى (( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل )) الآية سورة المائدة مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَّنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَاءِ يلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادِ فِى الْأَرْضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَِيعًا وَمَنْ أَحْيَهَا فَكَأَمَآ أَحْيَا النَّاسَ مِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُنَا بِالْبَيِنَتِ ثُمَّإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِ اْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ والثالث : أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافا به بعد قتله ، فلما رأى أن الغراب لما قتل الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه وقال : هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي ، فاذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب ، لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم . ثم قال تعالى ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قوله ( من اجل ذلك ) أي بسبب فعلته . فان قيل عليه سؤالان : الأول : أن قوله ( من أجل ذلك ) أي من أجل ما مر من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص ، وذاك مشكل فانه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل . الثاني : أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل ؟ والجواب عن الأول من وجهين : أحدهما : قال الحسن : هذا القتل انما وقع في بني اسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه ، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ، والثاني : انا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه ، ولكن قوله ( من أجل ذلك ) ليس اشارة الى قصة قابيل وهابيل ، بل هو اشارة الى ما مر ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام ، منها قوله ( فأصبح من الخاسرين ) ومنها قوله ( فأصبح من النادمين ) فقوله ( فأصبح من الخاسرين ) اشارة الى أنه حصلت له خسارة الدين والدنيا ، وقوله ( فأصبح من ٢١٧ سورة المائدة قوله تعالى ((من أجل ذلك كتبنا على)) الآية النادمين ) اشارة الى أنه حصل في قلبه أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له البتة ، فقوله ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ) أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص في حق القاتل ، وهذا جواب حسن والله أعلم . ﴿ وأما السؤال الثاني ﴾ فالجواب عنه ان وجوب القصاص في حق القاتل وان كان عاما في جميع الاديان والملل ، إلا أن التشديد المذكور ههنا في حق بني اسرائيل غير ثابت في جميع الاديان لأنه تعالى حكم ههنا بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس ، ولا شك في أن المقصود منه المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان ، والمقصود من شرح هذه المبالغة ان اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل . وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى ، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله اله وبأكابر أصحابه ، كان تخصيص بني اسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسبا للكلام ومؤكدا للمقصود . المسألة الثانية ) قرىء ( من أجل ذلك ) بحذف الهمزة وفتح النون لالقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر ( من أجل ذلك ) بكسر الهمزة ، وهي لغة ، فاذا خفف كسر النون ملقيا لكسر الهزة عليها . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال القائلون بالقياس: دلت الآية على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل ، وذلك لأنه تعالى قال ( من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل ) كذا وكذا ، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار اليها بقوله ( من أجل ذلك ) والمعتزلة أيضا قالوا : دلت هذه الآية على ان أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد ، ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقا للكفر والقبائح فيهم مريدا وقوعها منهم ، لأن خلق القبائح وارادتها تمنع من كونه تعالى مراعيا للمصالح ، وذلك يبطل التعليل المذكور في هذه الآية . قال أصحابنا : القول بتعليل أحكام الله تعالى محال لوجوه : أحدها : ان العلة ان كانت قديمة لزم قدم المعلول ، وان كانت محدثة وجب تعليلها بعلة أخرى ولزم التسلسل وثانيها : لو كان معللا بعلة فوجود تلك العلة وعدمها بالنسبة الى الله تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة ، وإن لم يكن على السوية فأحدهما به أولى ، وذلك يقتضى كونه مستفيداً تلك الأولية من ذلك الفعل، فيكون ناقصاً لذاته مستكملا بغيره وهو محال. وثالثها: أنه قد ثبت ٢١٨ من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل . الآية سورة المائدة توقف الفعل على الدواعي ، ويمتنع وقوع التسلسل في الدواعي ، بل يجب انتهاؤها الى الداعية الأولى التي حدثت في العبد لا من العبد بل من الله ، وثبت أن عند حدوث الداعية يجب الفعل ، وعلى هذا التقدير فالكل من الله ، وهذا يمنع من تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه . فثبت أن ظاهر هذه الآية من المتشابهات لا من المحكمات ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى (قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً) وذلك نص صريح في أنه يحسن من الله كل شيء ولا يتوقف خلقه وحكمه على رعاية المصالح . المسألة الرابعة ) قوله ( أو فساد في الأرض ) قال الزجاج : إنه معطوف على قوله ( نفس ) والتقدير من قتل نفساً بغير نفس أو بغير فساد في الأرض ، وانما قال تعالى ذلك لأن القتل يحل لأسباب كثيرة ، منها القصاص وهو المراد بقوله ( من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض ) ومنها الكفر مع الحراب ، ومنها الكفر بعد الايمان ، ومنها قطع الطريق وهو المراد بقوله تعالى بعد هذه الآية ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) فجمع تعالى كل هذه الوجوه في قوله ( أو فساد في الأرض ) . المسألة الخامسة ﴾ قوله ( فكأنما قتل الناس جميعا) فيه إشكال . وهو أن قتل النفس الواحدة كيف يكون مساويا لقتل جميع الناس ، فان من الممتنع أن يكون الجزء مساوياً للكل . وذكر المفسرون بسبب هذا السؤال وجوها من الجواب وهي بأسرها مبنية على مقدمة واحدة وهي أن تشبيه أحد الشيئين بالآخر لا يقتضى الحكم بمشابهتهما من كل الوجوه ، لأن قولنا : هذا يشبه ذاك أعم من قولنا : إنه يشبهه من كل الوجوه ، أو من بعض الوجوه ، وإذا ظهرت صحة هذه المقدمة فنقول : الجواب من وجوه : الأول : المقصود من تشبيه قتل النفس الواحدة بقتل النفوس المبالغة في تعظيم أمر القتل العمد العدوان وتفخيم شأنه، يعني كما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم عند كل أحمد ، فكذلك يجب أن يكون قتل الانسان الواحد مستعظما مهيبا فالمقصود مشاركتهما في الاستعظام ، لا بيان مشاركتهما في مقدار الاستعظام ، وكيف لا يكون مستعظما وقد قال تعالى ( ومن يقتل مؤمناً متعمدا فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما ) ﴿ الوجه الثاني في الجواب ﴾ هو أن جميع الناس لو علموا من انسان واحد أنه يقصد قتلهم بأجمعهم فلا شك أنهم يدفعونه دفعا لا يمكنه تحصيل مقصوده ، فكذلك إذا علموا منه أنه يقصد قتل انسان واحد معين يجب أن يكون جدهم واجتهادهم في منعه عن قتل ذلك الانسان مثل جدهم واجتهادهم في الصورة الأولى . ٢١٩ سورة المائدة قوله تعالى ((إنما جزاء الذين يحاربون الله)) الآية إِنَّمَاجَزَو ◌ْ اَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلْبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْيُنْقَوْ مِنَ الْأَرْضِ الوجه الثالث في الجواب ﴾ وهو أنه لما أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان هذا الترجيح حاصلا بالنسبة إلى كل واحد ، فكان في قلبه أن كل أحد نازعه في شيء من مطالبه فانه لو قدر عليه لقتله ، ونية المؤمن في الخيرات خير من عمله ، فكذلك نية المؤمن في الشرور شرمن عمله ، فيصير المعنى : ومن يقتل انسانا قتلا عمدا عدوانا فكأنما قتل جميع الناس ، وهذه الأجوبة الثلاثة حسنة . المسألة السادسة ﴾ قوله ﴿ ومن أحياها فكانما أحيا الناس جميعا﴾ المراد من احياء النفس تخليصها عن المهلكات : مثل الحرق والغرق والجوع المفرط والبرد والحر المفرطين ، والكلام في أن إحياء النفس الواحدة مثل إحياء النفوس على قياس ما قررناه في أن قتل النفس الواحدة مثل قتل النفوس . ثم قال تعالى ﴿ ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم ان كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ﴾ والمعنى أن كثيرا من اليهود بعد ذلك ، أي بعد مجيء الرسل ، وبعدما كتبنا عليهم تحريم القتل لمسرفون ، يعني في القتل لا يبالون بعظمته . قوله تعالى ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى تغليظ الأثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولافساد في الأرض أتبعه ببيان ان الفساد في الأرض الذي يوجب القتل ما هو، فان بعض ما يكون فسادا في الأرض لا يوجب القتل فقال ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ في أول الآية سؤال، وهو أن المحاربة مع الله تعالى غير ممكنة فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله ، والمحاربة مع الرسل ممكنة فلفظة المحاربة إذا نسبت الى الله تعالى كان مجازاً ، لأن المراد منه المحاربة مع أولياء الله ، وإذا نسبت الى الرسول كانت حقيقة ٢ ٢٢٠ قوله تعالى ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله)) الآية . سورة المائدة فلفظ يحاربون في قوله ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) يلزم أن يكون محمولا على المجاز والحقيقة معاً ، وذلك ممتنع ، فهذا تقرير السؤال . وجوابه من وجهين : الأول : أنا نحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف، والتقدير : إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا ، والثاني : تقدير الكلام إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا . وفي الخبر أن الله تعالى قال ((من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)). ﴿ المسألة الثانية﴾ من الناس من قال: هذا الوعيد مختص بالكفار، ومنهم من قال: إنه في فساق المؤمنين ، أما الأولون فقد ذكروا وجوها : الأول : أنها نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين ، للاسلام، فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم، فبعثهم رسول الله وَلا الى إبل الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحوا ، فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحوا قتلوا الرعاة وساقوا الابل وارتدوا ، فبعث النبي ◌ّله في أثرهم وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا ، فنزلت هذه الآية نسخاً لما فعله الرسول ، فصارت تلك السنة منسوخة بهذا القرآن ، وعند الشافعي رحمه الله لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاً للسنة الناسخة ، والثاني : أن الآية نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي ، وكان قد عاهد رسول الله وَله ، فمر قوم من كنانة يريدون الاسلام وأبو برزة غائب ، فقتلوهم وأخذوا أموالهم . الثالث : أن هذه الآية في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من بني إسرائيل أنهم بعد أن غلظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان فهم مسرفون في القتل مفسدون في الأرض ، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض فجزاؤهم كذا وكذا . والوجه الرابع ﴾ أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء ، قالوا : والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين وجوه : أحدها: أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الاسلام ، والآية تقتضي ذلك . وثانيها : لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد ولا على النفي ، والآية تقتضي ذلك : وثالثها : أن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قوله ( الا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) والمرتد يسقط حده بالتوبة قبل القدرة وبعدها ، فدل ذلك على أن الآية لا تعلق لها بالمرتدين . ورابعها : أن الصلب غير مشروع في حق المرتد وهو مشروع ههنا ، فوجب أن لا تكون الآية مختصة بالمرتد . وخامسها : أن قوله ( الذين يحاربون الله ورسوله