Indexed OCR Text

Pages 141-160

قوله تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم)) الآية سورة المائدة ١٤١
فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة ، فالشرع أبداً كان كاملاً، إلا أن الأول
كمال إلى زمان مخصوص ، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلأجل هذا المعنى قال ( اليوم أكملت
لكم دينكم ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال نفاة القياس: دلت الآية على أن القياس باطل، وذلك لأن
الآية دلت على أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع ، إذ لو بقي بعضها غير مبين الحكم
لم يكن الدين كاملاً ، وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق ذلك النص
کان عبثاً ، وإن كان على خلافه كان باطلاً .
أجاب مثبتو القياس بان المراد باكمال الدين أنه تعالى بين حكم جميع الوقائع بعضها
بالنص وبعضها بأن بين طريق معرفة الحكم فيها على سبيل القياس ، فانه تعالى لما جعل الوقائع
قسمين أحدهما التي نص على أحكامها ، والقسم الثاني أنواع يمكن استنباط الحكم فيها
بواسطة قياسها على القسم الأول ، ثم انه تعالى لما أمر بالقياس وتعبد المكلفين به كان ذلك في
الحقيقة بياناً لكل الأحكام ، وإذا كان كذلك كان ذلك إكما لا للدين . قال نفاة القياس :
الطرق المقتضية لإِلحاق غير المنصوص بالمنصوص إما أن تكون دلائل قاطعة أو غير قاطعة ،
فان كان القسم الأول فلا نزاع في صحته ، فانا نسلم أن القياس المبني على المقدمات اليقينية
حجة ، إلا أن مثل هذا القياس يكون المصيب فيه واحداً ، والمخالف يكون مستحقاً
للعقاب ، وينقض قضاء القاضي فيه وأنتم لا تقولون بذلك ، وإن كان الحق هو القسم الثاني
كان ذلك تمكينًاً لكل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه من غير أن يعلم أنه هل هو دين الله أم
لا ، وهل هو الحكم الذي حكم به الله أم لا ، ومعلوم أن مثل هذا لا يكون إكمالاً للدين ، بل
يكون ذلك القاء للخلق في ورطة الظنون والجهالات ، قال مثبتو القياس : إذا كان تكليف كل
مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان ذلك إكما لا للدين ، ويكون كل مكلف قاطعاً بأنه عامل
بحكم الله فزال السؤال .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال أصحابنا : هذه الآية دالة على بطلان قول الرافضة ، وذلك لأنه
تعالى بين أن الذين كفروا يئسوا من تبديل الدين ، وأكد ذلك بقوله ( فلا تخشوهم واخشون )
فلو كانت إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه منصوصاً عليها من قبل الله تعالى وقبل رسوله
وَ﴿ نصاً واجب الطاعة لكان من أراد إخفاءه وتغييره آيسا من ذلك بمقتضى هذه الآية ، فكان
يلزم أن لا يقدر أحد من الصحابة على إنكار ذلك النص وعلى تغييره وإخفائه ، ولما لم يكن
الأمر كذلك ، بل لم يجر لهذا النص ذكر ، ولا ظهر منه خبر ولا أثر ، علمنا أن ادعاء هذا

١٤٢٠
قوله تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي)) الآية سورة المائدة
النص كذب ، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كان منصوصاً عليه بالإمامة .
المسألة الرابعة﴾ قال أصحاب الآثار: إنه لما نزلت هذه الآية على النبي بحث لم يعمر
بعد نزولها إلا أحدا وثمانين يوماً، أو اثنين وثمانين يوماً ، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة
ولا نسخ ولا تبديل البتة، وكان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي ◌ِّ عن قرب وفاته ، وذلك
إخبار عن الغيب فيكون معجزاً ، ومما يؤكد ذلك ما روى أنه ◌ّ لما قرأ هذه الآية على الصحابة
فرحوا جداً وأظهروا السرور العظيم إلا أبا بكر رضي الله عنه فانه بكى فسئل عنه فقال : هذه
الآية تدل على قرب وفاة رسول الله ◌َّ فانه ليس بعد الكمال إلا الزوال، فكان ذلك دليلاً على
كمال علم الصديق حيث وقف من هذه الآية على سرلم يقف عليه غيره .
المسألة الخامسة﴾ قال أصحابنا : دلت الآية على أن الدين لا يحصل إلا بخلق الله
تعالى وإيجاده ، والدليل عليه أنه أضاف إكمال الدين الى نفسه فقال ( اليوم أكملت لكم
دينكم ) ولن يكون إكمال الدين منه إلا وأصله أيضاً منه .
واعلم أنا سواء قلنا : الدين عبارة عن العمل ، أو قلنا إنه عبارة عن المعرفة ، أو قلنا
إنه عبارة عن مجموع الإعتقاد والإقرار والفعل فالإستدلال ظاهر .
وأما المعتزلة فانهم يحملون ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار شرائعه ، ولا شك أن
الذي ذكروه عدول عن الحقيقة إلى المجاز .
ثم قال تعالى ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ ومعنى أتممت عليكم نعمتي باكمال أمر الدين
والشريعة كأنه قال : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي بسبب ذلك إلا كمال لأنه
لا نعمة أتم من نعمة الإسلام .
واعلم أن هذه الآية أيضاً دالة على أن خالق الإيمان هو الله تعالى ، وذلك لأنا نقول :
الدين الذي هو الإِسلام نعمة ، وكل نعمة فمن الله ، فيلزم أن يكون دين الإِسلام من الله .
إنما قلنا : إن الإِسلام نعمة لوجهين : الأول : الكلمة المشهورة على لسان الأمة وهي
قولهم : الحمد لله على نعمة الإسلام .
والوجه الثاني ﴾ أنه تعالى قال في هذه الآية ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ) ذكر لفظ النعمة مبهمة ، والظاهر أن المراد بهذه النعمة ما تقدم ذكره وهو
الدين .

١٤٣
سورة المائدة
قوله تعالى: ((فمن اضطر في مخمضة غير)) الآية
فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد باتمام النعمة جعلهم قاهرين لأعدائهم ، أو المراد
به جعل هذا الشرع بحيث لا يتطرق إليه نسخ ؟
قلنا : أما الأول فقد عرف بقوله ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) فحمل هذه الآية
عليه أيضاً يكون تكريراً .
وأما الثاني فلأن إبقاء هذا الدين لما كان إتماماً للنعمة وجب أن يكون أصل هذا الدين
نعمة لا محالة ، فثبت أن دين الإِسلام نعمة .
وإذا ثبت هذا فنقول : كل نعمة فهي من الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى ( وما بكم
من نعمة فمن الله ) وإذا ثبت هاتان المقدمتان لزم القطع بأن دين الإِسلام إنما حصل بتخليق الله
تعالى وتكوينه وإيجاده .
ثم قال تعالى ﴿ ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ والمعنى أن هذا هو الدين المرضى عند الله
تعالى ويؤكده قوله تعالى ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ) .
ثم قال تعالى ﴿ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم ﴾
وهذا من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى ، يعني أنها وإن كانت محرمة
إلا أنها تحل في حالة الإِضطرار ، ومن قوله ( ذلكم فسق ) إلى ههنا اعتراض وقع في البين ،
والغرض منه تأكيد ما ذكر من معنى التحريم ، فان تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل
والنعمة التامة والإِسلام الذي هو الدين المرضى عند الله تعالى ، ومعنى اضطر أصيب بالضر
الذي لا يمكنه الإمتناع معه من الميتة ، والمخمصة المجاعة . قال أهل اللغة : الخمص
والمخمصة خلو البطن من الطعام عند الجوع ، وأصله من الخمص الذي هو ضمور البطن .
يقال : رجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة والجمع خمائص وخمصانات ، وقوله ( غیر
متجانف لاثم ) أي غير متعمد ، وأصله في اللغة من الجنف الذي هو الميل ، قال تعالى ( فمن
خاف من موص جنفاً أو إثماً) أي ميلا ، فقوله غير ( متجانف) أي غير مائل وغير منحرف ،
ويجوز أن ينتصب ((غير)) بمحذوف مقدر على معنى فتناول غير متجانف، ويجوز أن ينصب
بقوله ( اضطر ) ويكون المقدر متأخراً على معنى : فمن اضطر غير متجانف لاثم فتناول فان
الله غفور رحيم ، ومعنى الأثم ههنا في قول أهل العراق أن يأكل فوق الشبع تلذذاً ، وفي
قول أهل الحجاز أن يكون عاصياً بسفره ، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في تفسير سورة
البقرة في قوله ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) وقوله ( فان الله غفور رحيم ) يعني يغفر لهم

١٤٤
قوله تعالى: ((يسألونك ماذا أحل لهم)) الآية
سورة المائدة
يَسْعَلُونَكَ مَاذَا أَحِلَّ لَهُمْ قُلْ أَحِلَّ لَكُ الطَِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ
تُعَلِمُونَهُنَّ بِمَّ عَلََّكُمُ اللهُ فَكُلُوْ مِمَّا أَمْسَكُنَّ ◌َيْكُمْ وَأَذْكُرُوْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ
وَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
أكل المحرم عندما اضطر الى أكله ، ورحيم بعباده حيث أحل لهم ذلك المحرم عند احتياجهم
الى أكله .
قوله تعالى ﴿ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ﴾ وهذا أيضاً متصل بما تقدم
من ذكر المطاعم والمآكل ، وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف: في السؤال معنى القول ، فلذلك وقع بعده
((ماذا أحل لهم)) كأنه قيل : يقولون لك ماذا أحل لهم ، وإنما لم يقل ماذا أحل لنا حكاية لما
قالوه .
واعلم أن هذا ضعيف لأنه لو كان هذا حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا ماذا أحل لهم ،
ومعلوم أن هذا باطل لأنهم لا يقولون ذلك ، بل إنما يقولون ماذا أحل لنا ، بل الصحيح أن
هذا ليس حكاية لكلامهم بعبارتهم ، بل هو بيان لكيفية الواقعة .
المسألة الثانية﴾ قال الواحدي: ((ماذا)) ان جعلته اسماً واحداً فهو رفع بالإبتداء ،
وخبره ((أحل)) وإن شئت جعلت ((ما)) وحدها اسماً، ويكون خبرها ((ذا)) و((أحل)) من
صلة ((ذا)) لأنه بمعنى : ما الذي أحل لهم .
المسألة الثالثة ﴾ أن العرب في الجاهلية كانوا يحرمون أشياء من الطيبات كالبحيرة
والسائبة والوصيلة والحام . فهم كانوا يحكمون بكونها طيبة إلا أنهم كانوا يحرمون أكلها
لشبهات ضعيفة ، فذكر تعالى أن كل ما يستطاب فهو حلال ، وأكد هذه الآية بقوله ( قل من
حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) وبقوله ( ويحل لهم الطيبات ويحرم
عليهم الخبائث ).
واعلم أن الطيب في اللغة هو المستلذ ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضاً طيباً تشبيهاً بما
هو مستلذ ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة ، فلا يمكن أن يكون المراد بالطيبات ههنا

١٤٥
قوله تعالى: ((وما علمتم من الجوارح مكلبين)) الآية سورة المائدة
المحللات ، وإلا لصار تقدير الآية : قد أحل لكم المحللات ، ومعلوم أن هذا ركيك ،
فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهى ، فصار التقدير : أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى .
ثم اعلم أن العبرة في الإستلذاذ والإستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة ، فان أهل
البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات ، ويتأكد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى ( خلق لكم ما في
الأرض جميعاً) فهذا يقتضى التمكن من الإنتفاع بكل ما في الأرض ، إلا أنه أدخل التخصيص
في ذلك العموم فقال ( ويحرم عليهم الخبائث ) ونص في هذه الآيات الكثيرة على إباحة
المستلذات والطيبات فصار هذا أصلاً كبيراً ، وقانوناً مرجوعاً إليه في معرفة ما يحل ويحرم من
الأطعمة ، منها أن لحم الخيل مباح عند الشافعي رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ليس
بمباح . حجة الشافعي رحمه الله انه مستلذ مستطاب ، والعلم به ضروري ، وإذا كان كذلك
وجب أن يكون حلالاً لقوله ( أحل لكم الطيبات ) منها أن متروك التسمية عند الشافعي رحمه
الله مباح ، وعند أبي حنيفة حرام ، حجة الشافعي رحمه الله أنه مستطاب مستلذ ، فوجب أن
يحل لقوله ( أحل لكم الطيبات) ويدل أيضاً على صحة قول الشافعي رحمه الله في هاتين
المسألتين قوله تعالى ( إلا ما ذكيتم ) استثنى المذكاة ثم فسر الذكاة بما بين اللبة والصدر ، وقد
حصل ذلك في الخيل ، فوجب أن تكون مذكاة ، فوجب أن تحل لعموم قوله ( إلا ما ذكيتم .
وأما في متروك التسمية فالذكاة أيضاً حاصلة لأنا أجمعنا على أنه لو ترك التسمية ناسياً فهي
مذكاة ، وذلك يدل على أن ذكر الله تعالى باللسان ليس جزءاً من ماهية الذكاة ، وإذا كان
كذلك كان الإتيان بالذكاة بدون الإتيان بالتسمية ممكناً ، فنحن مثلكم فيما إذا وجد ذلك ،
وإذا كان كذلك كان الإتيان بالذكاة بدون الإتيان بالتسمية ممكناً ، فنحن مثلكم فيما إذا وجد
ذلك ، وإذا حصلت الذكاة دخل تحت قوله ( إلا ماذكيتم ) ومنها أن لحم الحمر الأهلية مباح
عند مالك وعند بشر المريسي وقد احتجا بهاتين الآيتين ، إلا أنا نعتمد في تحريم ذلك على ما
روى عن الرسول # أنه حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر .
ثم قال تعالى ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في هذه الآية قولان: الأول: ان فيها إضماراً، والتقدير أحل لكم
الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين ، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام لدلالة
الباقي عليه ، وهو قوله ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) . الثاني : أن يقال إن قوله ( وما علمتم
من الجوارح مكلبين) ابتداء كلام ، وخبره هو قوله ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) وعلى هذا
الفخر الرازي ج١١ م١٠

١٤٦
قوله تعالى: ((وما علمتم من الجوارح مكلبين)) الآية سورة المائدة
التقدير يصح الكلام من غير حذف وإضمار .
المسألة الثانية ﴾ في الجوارح قولان : أحدهما : انها الكواسب من الطير والسباع ،
واحدها جارحة ، سميت جوارح لأنها كواسب من جرح واجترح إذا اكتسب ، قال تعالى
( والذين اجترحوا السيئات ) أي اكتسبوا ، وقال ( ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أي ما كسبتم .
والثاني : أن الجوارح هي التي تجرح ، وقالوا : ان ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم
يحل .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ نقل عن ابن عمر والضحاك والسدى ، أن ما صاده غير الكلاب
فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله ، وتمسكوا بقوله تعالى ( مكلبين ) قالوا : لأن التخصيص يدل على
كون هذا الحكم مخصوصاً به ، وزعم الجمهور أن قوله ( وما علمتم من الجوارح ) يدخل فيه
كل ما يمكن الإصطياد به ، كالفهد والسباع من الطير : مثل الشاهين والباشق والعقاب ، قال
الليث : سئل مجاهد عن الصقر والبازي والعقاب والفهد وما يصطاد به من السباع ، فقال :
هذه كلها جوارح . وأجابوا عن التمسك بقوله تعالى ( مكلبين ) من وجوه : الأول : أن
المكلب هو مؤدب الجوارح ومعلمها أن تصطاد لصاحبها ، وإنما اشتق هذا الإسم من الكلب
لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب ، فاشتق منه هذا اللفظ لكثرته في جنسه . الثاني : أن
كل سبع فانه يسمى كلباً ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك
فأكله الأسد)). الثالث : أنه مأخوذ من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال فلان : كلب
بكذا إذا كان حريصاً عليه . والرابع : هب أن المذكور في هذه الآية إباحة الصيد بالكلب ،
لكن تخصيصه بالذكر لا ينفى حل غيره ، بدليل أن الإصطياد بالرمي ووضع الشبكة جائز ،
وهو غير مذكور في الآية والله أعلم .
المسألة الرابعة﴾ دلت الآية على أن الإصطياد بالجوارح إنما يحل إذا كانت الجوارح
معلمة، لأنه تعالى قال (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله) وقال له
لعدي بن حاتم : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ، قال الشافعي رحمه الله :
والكلب لا يصير معلماً إلا عند أمور ، وهي إذا أرسل استرسل ، وإذا أخذ حبس ولا يأكل ،
وإذا دعاه أجابه ، وإذا أراده لم يفر منه ، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم ، ولم يذكر رحمه الله
فيه حداً معيناً ، بل قال : انه متى غلب على الظن أنه تعلم حكم به قال لأن الإِسم إذا لم يكن
معلوماً من النص أو الإجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله في
أظهر الروايات . وقال الحسن البصري رحمه الله : يصير معلماً بمرة واحدة ، وعن أبي حنيفة

١٤٧
سورة المائدة
قوله تعالى: ((فكلوا مما أمسكن عليكم)) الآية
رحمه الله في رواية أخرى أنه يصير معلماً بتكرير ذلك مرتين ، وهو قول أحمد رحمه الله ، وعن
أبي يوسف ومحمد رحمهما الله : أنه يصير معلماً بثلاث مرات .
المسألة الخامسة ﴾ الكلاب والمكلب هو الذي يعلم الكلاب الصيد ، فمكلب
صاحب التكليب كمعلم صاحب التعليم ، ومؤدب صاحب التأديب . قال صاحب
الكشاف: وقرىء مكلبين بالتخفيف ، وأفعل وفعل يشتركان كثيراً .
المسألة السادسة ﴾ انتصاب مكلبين على الحال من (علمتم ).
فان قيل : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ .
قلنا : فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح تحريراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب
( وتعلمونهن ) حال ثانية أو استئناف، والمقصود منه المبالغة في اشتراط التعليم .
ثم قال تعالى ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه إذا كان الكلب معلماً ثم صاد صيدا وجرحه وقتله وأدركه
الصائد ميتاً فهو حلال ، وجرح الجارحة كالذبح ، وكذا الحكم في سائر الجوارح المعلمة .
وكذا في السهم والرمح ، أما إذا صاده الكلب فجثم عليه وقتله بالفم من غير جرح فقال
بعضهم : لا يجوز أكله لأنه ميتة . وقال آخرون : يحل لدخوله تحت قوله ( فكلوا مما أمسكن
عليكم ) وهذا كله إذا لم يأكل ، فان أكل منه فقد اختلف فيه العلماء ، فعند ابن عباس
وطاوس والشعبي وعطاء والسدى ، أنه لا يحل ، وهو أظهر أقوال الشافعي ، قالوا : لأنه
أمسك الصيد على نفسه ، والآية دلت على أنه إنما يحل إذا أمسكه على صاحبه ، ويدل عليه
أيضاً ما روى أن النبي ◌ّ قال لعدي ابن حاتم ((إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فان أدركته
ولم يقتل فاذبح واذكر اسم الله عليه ، وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك ،
وإن وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئاً فانما أمسك على نفسه )) وقال سلمان الفارسي وسعد بن
أبي وقاص وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم : إنه يحل وإن أكل ، وهو القول الثاني
للشافعي رحمه الله. واختلفوا في البازي إذا أكل ، فقال قائلون : إنه لا فرق بينه وبين
الكلب ، فان أكل شيئاً من الصيد لم يؤكل ذلك الصيد وهو مروي عن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه: وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا
يؤكل ما بقي من الكلب ، الفرق أنه يمكن أن يؤدب الكلب على الأكل بالضرب ، ولا يمكن أن
يؤدب البازي على الأكل .

١٤٨
قوله تعالى: ((اليوم أحل لكم الطيبات)) الآية
سورة المائدة
اَلْيَوْمَ أَمِلَّ لَكُ الطَّيِّبَنتُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُرْ
◌ٌِّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الّذِينَ أَوُوا الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكُمْ إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِنَ غَيْرَ مُسَفِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ
المسألة الثانية ﴾ ((من)) في قوله ( مما أمسكن) فيه وجهان: الأول : أنه صلة زائدة
كقوله (كلوا من ثمره إذا أثمر ) والثاني : أنه للتبعيض ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان :
الأول : أن الصيد كله لا يؤكل فان لحمه يؤكل ، أما عظمه ودمه وريشه فلا يؤكل . الثاني :
أن المعنى كلوا مما تبقى لكم الجوارح بعد أكلها منه ، قالوا : فالآية دالة على أن الكلب إذا
أكل من الصيد كانت البقية حلالاً ، قالوا وإن أكله من الصيد لا يقدح في أنه أمسكه على
صاحبه لأن صفة الإمساك هو أن يأخذ الصيد ولا يتركه حتى يذهب ، وهذا المعنى حاصل
سواء أکل منه أو لم یأکل منه .
ثم قال تعالى ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ وفيه أقوال: الأول: أن المعنى: سم الله إذا
أرسلت كلبك. وروى أن النبي ◌َ ل# قال ((إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل)) وعلى
هذا التقدير فالضمير في قوله ( عليه ) عائد إلى ( ما علمتم من الجوارح ) أي سموا عليه عند
إرساله .
القول الثاني ﴾ الضمير عائد الى ما أمسكن ، يعني سموا عليه إذا أدركتم ذكاته.
الثالث: أن يكون الضمير عائداً إلى الأكل، يعني واذكروا اسم الله على الأكل. روى أنه ◌َ ثّل
قال لعمر ابن أبي سلمة (( سم الله وكل مما يليك)).
واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن متروك التسمية عامداً يحل أكله ، فان حملنا هذه
الآية على الوجه الثالث فلا كلام ، وإن حملناه على الأول والثاني كان المراد من الأمر الندب
توفيقاً بينه وبين النصوص الدالة على حله ، وسنذكر هذه المسألة إن شاء الله تعالى في تفسير
قوله ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) .
ثم قال تعالى ﴿ واتقوا الله إن الله سريع الحساب﴾ أي واحذروا مخالفة أمر الله في تحليل ما
أحله وتحريم ما حرمه .
قوله تعالى ﴿ اليوم أحل لكم الطيبات ﴾

٠٠
سورة المائدة
١٤٩
قوله تعالى: ((والمحصنات من المؤمنات)) الآية
اعلم أنه تعالى أخبر في هذه الآية المتقدمة أنه أحل الطيبات ، وكان المقصود من ذكره
الأخبار عن هذا الحكم ، ثم أعاد ذكره في هذه الآية ، والغرض من ذكره أنه قال ( اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) فبين أنه كما أكمل الدين وأتم النعمة في كل ما
يتعلق بالدين، فكذلك أتم النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا ، ومنها إحلال الطيبات ، والغرض
من الإعادة رعاية هذه النكتة .
ثم قال تعالى ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ وفي المراد بالطعام ههنا وجوه
ثلاثة : الأول : أنه الذبائح ، يعني أنه يحل لنا أكل ذبائح أهل الكتاب ، وأما المجوس فقد
سن فيهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وعن علي
رضي الله عنه أنه استثنى نصارى بني تغلب ، وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا
شرب الخمر ، وبه أخذ الشافعي رحمه الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن
ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس به ، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله .
﴿والوجه الثاني﴾ أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه الى الذكاة، وهو منقول
عن بعض أئمة الزيدية ، والثالث : أن المراد جميع المطعومات ، والأكثرون على القول الأول
ورجحوا ذلك من وجوه : أحدها : أن الذبائح هي التي تصير طعاماً بفعل الذابح ، فحمل
قوله ( وطعام الذين أوتوا الكتاب ) على الذبائح أولى ، وثانيها : أن ما سوى الذبائح فهي
محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم ، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب
فائدة ، وثالثها : ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح ، فحمل هذه الآية على الذبائح
أولى .
ثم قال تعالى ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع
أن يحرم الله أن نطعمهم من ذبائحنا ، وأيضاً فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير
حاصلة في الجانبين ، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك
تنبيهاً على التمييز بين النوعين .
ثم قال تعالى ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ وفي المحصنات قولان : أحدهما أنها
الحرائر ، والثاني : أنها العفائف، وعلى التقدير الثاني يدخل فيه نكاح الأمة ، والقول الأول
أولى لوجوه : أحدها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية (إذا آتيتموهن أجورهن ) ومهر الأمة لا
يدفع إليها بل إلى سيدها ، وثانيها : أنا بينا في تفسير قوله تعالى ( ومن لم يستطع منكم طولا:
أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) أن نكاح الأمة إنما

١٥٠
قوله تعالى: ((والمحصنات من المؤمنات)) الآية
سورة المائدة
يحل بشرطين : عدم طول الحرة ، وحصول الخوف من العنت ، وثالثها : أن تخصيص العفائف
بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية ، وقد ثبت أنه غير محرم ، أما لو حملنا المحصنات
على الحرائر يلزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات ، ورابعها : أنا بينا
أن اشتقاق الإِحصان من التحصن ، ووصف التحصن في حق الحرة أكثر ثبوتاً منه في حق الأمة
لما بينا أن الأمة وإن كانت عفيفة إلا أنها لا تخلو من الخروج والبروز والمخالطة مع الناس
بخلاف الحرة ، فثبت أن تفسير المحصنات بالحرائر أولى من تفسيرها بغيرها .
ثم قال تعالى ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ وفي الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من اليهود والنصارى
وتمسكوا فيه بهذه الآية ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى ذلك ويحتج بقوله ( ولا تنكحوا
المشركات حتى يؤمن ) ويقول : لا أعلم شركاً أعظم من قولها : إن ربها عيسى ، ومن قال بهذا
القول أجابوا عن التمسك بقوله تعالى ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) بوجوه :
الأول : أن المراد الذين آمنوا منهم ، فانه كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم أن اليهودية إذا
آمنت فهل يجوز للمسلم أن يتزوج بها أم لا ؟ فبين تعالى بهذه الآية جواز ذلك ، والثاني :
روى عن عطاء أنه قال : إنما رخص الله تعالى في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في
المسلمات قلة ، وأما الآن ففيهن الكثرة العظيمة ، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة ،
والثالث : الآيات الدالة على وجوب المباعدة عن الكفار ، كقوله ( لا تتخذوا عدوى وعدوكم
أولياء ) وقوله ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) ولأن عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة
ويصير ذلك سبباً لميل الزوج إلى دينها ، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها ، وكل
ذلك إلقاء للنفس في الضرر من غير حاجة . الرابع : قوله تعالى في خاتمة هذه الآية ( ومن يكفر
بالإِيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) وهذا من أعظم المنفرات عن التزوج
بالكافرة ، فلو كان المراد بقوله تعالى ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) إباحة
التزوج بالكتابية لكان ذكر هذه الآية عقيبها كالتناقض وهو غير جائز .
المسألة الثانية﴾ ان قلنا : المراد بالمحصنات: الحرائر، لم تدخل الأمة الكتابية.
تحت الآية ، وان قلنا : المراد بالمحصنات : العفائف دخلت ، وعلى هذا البحث وقع الخلاف
بين الشافعي وأبي حنيفة فعند الشافعي لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية . قال : لأنه اجتمع في
حقها نوعان من النقصان : الكفر والرق ، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز ، وتمسك بهذه الآية
بناء على أن المراد بالمحصنات العفائف وقد سبق الكلام فيه .

سورة المائدة ١٥١
قوله تعالى: (ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله» الآية
المسألة الثالثة ﴾ قال سعيد بن المسيب والحسن (والمحصنات من الذين أوتوا
الكتاب ) يدخل فيه الذميات والحربيات ، فيجوز التزوج بكلهن ، وأكثر الفقهاء على أن
ذلك مخصوص بالذمية فقط، وهذا قول ابن عباس ، فانه قال : من نساء أهل الكتاب من
يحل لنا ، ومنهن من لا يحل لنا ، وقرأ ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) إلى قوله ( حتى يعطوا
الجزية عن يد) فمن أعطى الجزية حل ، ومن لم يعط لم يحل .
المسألة الرابعة ﴾ اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية
منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وروى عن ابن المسيب انه قال : إذا كان المسلم
مريضاً فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس ، وقال أبو ثور : وان أمره بذلك في الصحة
فلا بأس .
المسألة الخامسة ﴾ قال الكثير من الفقهاء : إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة
والإِنجيل قبل نزول القرآن ، قالوا : والدليل عليه قوله ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب
من قبلكم ) فقوله ( من قبلكم ) يدل على أن من دان بالكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن
حكم الكتاب .
ثم قال تعالى ﴿ إذا أتيتموهن أجورهن ﴾ وتقييد التحليل بايتاء الأجور يدل على تأكد
وجوبها وان من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني ، وتسمية
المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر ، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الاجارات .
ثم قال تعالى ﴿ محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ﴾ قال الشعبي : الزنا ضربان :
السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان ، واتخاذ الخدن وهو الزنا في السر، والله تعالى حرمهما
في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإِحصان وهو التزوج .
ثم قال تعالى ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أن المقصود منه
الترغيب فيما تقدم من التكاليف والأحكام ، يعني ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه قد خاب
وخسر في الدنيا والآخرة ، والثاني : قال القفال ، المعنى أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في
الدنيا فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلا أن ذلك لا يفرق بينهم وبين المشركين في
أحوال الآخرة وفي الثواب والعقاب ، بل كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل
إلى شيء من السعادات في الآخرة البتة .

١٥٢
قوله تعالى: ((وهو في الآخرة من الخاسرين)) الآية
سورة المائدة
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآلْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِىِ الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِينَ ﴾ يَأَيّهَا
الَّذِينَ ءَ امَنُواْ إِذَاتُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
وَمْسَحُواْ بِرُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
﴿ المسألة الثانية ﴾ قوله (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) فيه إشكال، وهو أن
الكفر إنما يعقل بالله ورسوله ، فأما الكفر بالإيمان فهو محال ، فلهذا السبب اختلف المفسرون
على وجوه : الأول : قال ابن عباس ومجاهد ( ومن يكفر بالإِيمان ) أي ومن يكفر بالله ، وإنما
حسن هذا المجاز لأنه تعالى رب الإيمان ، ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل
المجاز ، والثاني : قال الكلبي (ومن يكفر بالإِيمان ) أي بشهادة أن لا إله إلا الله، فجعل كلمة
. التوحيد إيماناً ، فان الإيمان بها لما كان واجباً كان الإيمان من لوازمها بحسب أمر الشرع ،
وإطلاق اسم الشيء على لازمه مجاز مشهور ، والثالث : قال قتادة : إن ناسا من المسلمين
قالوا : كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا ! فأنزل الله تعالى هذه الآية أي ، ومن
يكفر بما نزل في القرآن فهو كذا وكذا ، فسمى القرآن إيماناً لأنه هو المشتمل على بيان كل ما لا
بد منه في الإيمان .
المسألة الثالثة﴾ القائلون بالإحباط قالوا: المراد بقوله ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط
عمله ) أي عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب إيمانه ، والذين ينكرون القول
بالإحباط قالوا : معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هلك وضاع ؛ فانه إنما يأتي
بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده أنها خير من الإيمان ، فاذا لم يكن الأمر كذلك بل كان
ضائعاً باطلاً كانت تلك الأعمال باطلة في أنفسها ، فهذا هو المراد من قوله ( فقد حبط عمله) .
المسألة الرابعة ﴾ قوله تعالى ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ مشروط بشرط غير مذكور
في الآية ، وهو أن يموت على ذلك الكفر ؛ إذ لو تاب عن الكفر لم يكن في الآخرة من
الخاسرین ، والدليل على أنه لا بد من هذا الشرط قوله تعالى ( ومن یرتدد منکم عن دينه فیمت
وهو كافر ) الآية
ثم قال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى
المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴾
اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) وذلك لأنه

١٥٣
سورة المائدة
قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة)) الآية
حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية ، فقوله ( أوفوا بالعقود ) طلب تعالى
من عباده أن يفوا بعهد العبودية ، فكأنه قيل : إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك ، وعهد
العبودية منا ، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان . فقال تعالى : نعم أنا
أو فى أولا بعهد الربوبية والكرم ، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ،
ولذات المنكح ، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح ، ولما كانت
الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح ، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح ، وعند تمام
هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات ،
فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة ،
وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة ، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء فقال ( يا
أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) وفي الآية
مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن المراد بقوله (إذا قمتم إلى الصلاة ) ليس نفس القيام ،
ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وانه باطل
بالإجماع. الثاني : أنهم أجمعوا على أنه لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لكان
قد خرجٍ عن العهدة ، بل المراد منه : إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ، وهذا وإن
كان مجازاً إلا أنه مشهور متعارف، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الإرادة الجازمة سبب
لحصول الفعل ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور . الثاني : قوله تعالى ( الرجال
قوامون على النساء) وليس المراد منه القيام الذي هو الإنتصاب ، يقال : فلان قائم بذلك
الأمر ، قال تعالى ( قائماً بالقسط) وليس المراد منه البتة الإنتصاب ، بل المراد كونه مريداً لذلك
الفعل متهيئاً له مستعداً لأدخاله في الوجود ، فكذا ههنا قوله ( إذا قمتم إلى الصلاة ) معناه إذا
أردتم أداء الصلاة والإِشتغال باقامتها .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال قوم: الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة، وليس ذلك تكليفاً
مستقلاً بنفسه ، واحتجوا بأن قوله ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) جملة شرطية ، الشرط فيها
القيام إلى الصلاة ، والجزاء الأمر بالغسل ، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم
الشرط ، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة . وقال آخرون : المقصود من
الوضوء الطهارة ، والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى في
آخر الآية (ولكن يريد ليطهركم) وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام ((بني الدين على
النظافة)) وقال ((أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة )) ولأن الأخبار الكثيرة واردة في

سورة المائدة
١٥٤ قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة)) الآية
كون الوضوء سبباً لغفران الذنوب والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ قال داود : يجب الوضوء لكل صلاة ، وقال أكثر الفقهاء : لا
يجب . احتج داود بهذه الآية من وجهين : الأول : أن ظاهر لفظ الآية يدل على ذلك ، فان
قوله ( إذا قمتم الى الصلاة ) أما أن يكون المراد منه قياماً واحداً وصلاة واحدة ، فيكون المراد
منه الخصوص ، أو يكون المراد منه العموم ، والأول باطل لوجوه : الأول : أن على هذا
التقدير تصير الآية مجملة لأن تعيين تلك المرة غير مذكور في الآية ، وحمل الآية على الإجمال
إخراج لها عن الفائدة ، وذلك خلاف الأصل ، وثانيها : أنه يصح إدخال الإستثناء عليه ،
ومن شأنه إخراج ما لولاه لدخل ، وذلك يوجب العموم ، وثالثها : أن الأمة مجمعة على أن
الأمر بالوضوء غير مقصور في هذه الآية على مرة واحدة ولا على شخص واحد ، وإذا بطل هذا
وجب حمله على العموم عند كل قيام الى الصلاة ، إذ لولم تحمل هذه الآية على هذا المحمل لزم
احتياج هذه الآية في دلالتها على ما هو مراد الله تعالى الى سائر الدلائل ، فتصير هذه الآية
وحدها مجملة ، وقد بينّا أنه خلاف الأصل ، فثبت بما ذكرنا أن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب
الوضوء عند كل قيام الى الصلاة.
الوجه الثاني ﴾ انا نستفيد هذا العموم من إيماء اللفظ، وذلك لأن الصلاة اشتغال
بخدمة المعبود ، والإِشتغال بالخدمة يجب أن يكون مقروناً بأقصى ما يقدر العبد عليه من
التعظيم ، ومن وجوه التعظيم كونه آتياً بالخدمة حال كونه في غاية النظافة ، ولا شك أن تجديد
الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة مبالغة في النظافة ، ومعلوم أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل
على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف المناسب ، وذلك يقتضي عموم الحكم لعمومه ،
فيلزم وجوب الوضوء عند كل قيام الى الصلاة . ثم قال داود : ولا يجوز أن يقال ورد في القراءة
الشاذة : إذا قمتم الى الصلاة وأنتم محدثون، أو يقال : إنا نترك ظاهر هذه الآية لورود خبر
الواحد على خلافه ، قال ؛ أما القراءة الشاذة فمردودة قطعاً ، لأنا إن جوزنا ثبوت قرآن غير
منقول بالتواتر لزم الطعن في كل القرآن ، وهو أن يقال : إن القرآن كان أكثر مما هو الآن بكثير
إلا أنه لم ينقل ، وأيضاً فلأن معرفة أحوال الوضوء من أعظم ما عم به البلوى ، ومن أشد
الأمور التي يحتاج كل أحد الى معرفتها ، فلو كان ذلك قرآناً لامتنع بقاؤه في حيز الشذوذ ، وأما
لتمسك بخبر الواحد فقال : هذا يقتضي نسخ القرآن بالخبر ، وذلك لا يجوز . قال الفقهاء :
ان كلمة ((إذا)) لا تفيد العموم بدليل أنه لو قال لامرأته : إذا دخلت الدار فانت طالق
فدخلت مرة طلقت، ثم لو دخلت ثانياً لم تطلق ثانياً ، وذلك يدل على أن كلمة ((إذا)) لا تفيد
العموم ، وأيضاً أن السيد إذا قال لعبده : إذا دخلت السوق فادخل على فلان وقل له كذا

١٥٥
سورة المائدة
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة)) الآية
وكذا ، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة .
واعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم : فلعله يلتزم العموم ، وأيضاً فله أن
يقول: انا قد دللنا على أن كلمة ((إذا)) في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في
القرآن مبناها على التكرير ، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم ، فان القرائن الظاهرة
دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير ، وأما الفقهاء فانهم استدلوا على صحة قولهم
بما روى أن النبي ◌َّ كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فانه صلى الصلوات كلها بوضوء
واحد . قال عمر رضي الله عنه : فقلت له في ذلك فقال : عمدا فعلت ذلك يا عمر .
أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ، وأيضاً فهذا الخبر يدل على أنه
وَ ال﴿ كان مواظباً على تجديد الوضوء لكل صلاة ، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى
( فاتبعوه ) بقي أن يقال : قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح ، فنقول : لما وقع
التعارض فالترجيح معنا من وجوه : الأول : هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه
مندوب ، والظاهر أن الرسول ◌َ لو كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها ، لأن
ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه ، وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا
نقصانها . والثاني : أن الإحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحاً لقوله عليه الصلاة
والسلام ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) الثالث: أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد ،
والرابع : أن دلالة القرآن على قولنا لفظية ، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية ،
والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية ، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس ،
فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم .
والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال : لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب
للوضوء هو القيام الى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء ، لكن ذلك باطل لأنه تعالى
قال في آخر هذه الآية ( أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا )
أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء ، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سبباً
لوجوب الطهارة عند وجود الماء ، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر
سوى القيام الى الصلاة ، وذلك يدل على ما قلناه .
المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطاً لصحة
الصلاة ؟ والأصح أنها تدل عليه من وجهين : الأول : أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور
بالماء ، ثم بين أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم ، ولو لم يكن شرطاً لما صح ذلك . الثاني :

١٥٦ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة)) الآية
سورة المائدة
أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء ، فالآتي بالصلاة بدون الوضوء تارك للمأمور به ،
وتارك المأمور به يستحق العقاب ، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك ، فاذا ثبت هذا
ظهر كون الوضوء شرطاً لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية .
المسألة الخامسة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : النية شرط لصحة الوضوء والغسل . وقال
أبو حنيفة رحمه الله : ليس كذلك .
واعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية .
أما الشافعي رحمه الله فانه قال : الوضوء مأمور به ، وکل مأمور به فانه يجب أن يكون
منوياً فالوضوء يجب أن يكون منوياً ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطاً لأنه لا قائل
بالفرق ، وإنما قلنا: إن الوضوء مأمور به لقوله ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) ولا شك أن قوله ( فاغسلوا وامسحوا ) أمر ، وإنما
قلنا : إن كل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له
الدين ) واللام في قوله ( ليعبدوا) ظاهر للتعليل ، لكن تعليل أحكام الله تعالى محال ، فوجب
حمله على الباء لما عرف من جواز إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض ، فيصير التقدير : وما
أمروا إلا بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين ، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ، ومتى كانت
النية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبراً . وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله
تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) فليرجع اليه في طلب زيادة الإتقان ، فثبت
بما ذكرنا أن كل وضوء مأمور به ، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منوياً ، فلزم القطع
بأن كل وضوء يجب أن يكون منوياً أقصى ما في الباب أن قولنا : كل مأمور به يجب أن يكون
منوياً مخصوص في بعض الصور ، لكنا إنما أثبتنا هذه المقدمة بعموم النص ، والعام حجة في غير
محل التخصيص .
وأما أبو حنيفة رحمه الله فانه احتج بهذه الآية على أن النية ليست شرطاً لصحة الوضوء ،
فقال : إنه تعالى أوجب غسل الاعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النية فيها ، فايجاب
النية زيادة على النص ، والزيادة على النص نسخ ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا
يجوز .
وجوابنا : انا بينا أنه إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن .
﴿المسألة السادسة﴾ قال الشافعي رحمه الله: الترتيب شرط لصحة الوضوء، وقال

١٥٧
سورة المائدة
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة)) الآية
مالك وأبو حنيفة رحمهما الله : ليس كذلك ، احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على قوله من
وجوه : الأول : أن قوله ( إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) يقتضي وجوب الإبتداء
بغسل الوجه لأن الفاء للتعقيب ، وإذا وجب الترتيب في هذا العضو وجب في غيره لأنه لا قائل
بالفرق .
فان قالوا : فاء التعقيب إنما دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى أن يقال :
إذا قمتم الى الصلاة فأتوا بمجموع هذه الأفعال .
قلنا : فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لأن هذه الفاء ملتصقة بذكر الوجه ، ثم إن هذه
الفاء بواسطة دخولها على الوجه دخلت على سائر الأعمال ، وعلى هذا دخول الفاء في غسل
الوجه أصل ، ودخولها على مجموع هذه الأفعال تبع لدخولها على غسل الوجه ، ولا منافاة بين
إيجاب تقديم غسل الوجه وبين إيجاب مجموع هذه الأفعال ، فنحن اعتبرنا دلالة هذه الفاء في
الأصل والتبع ، وأنتم ألغيتموها في الأصل واعتبرتموها في التبع ، فكان قولنا أولى .
والوجه الثاني ﴾ أن نقول: وقعت البداءة في الذكر بالوجه، فوجب أن تقع البداءة
به في العمل لقوله ( فاستقم كما أمرت) ولقوله عليه الصلاة والسلام ((ابدؤا بما بدأ الله به))
وهذا لخبر وإن ورد في قصة الصفا والمروة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ،
أقصى ما في الباب أنه مخصوص في بعض الصور لكن العام حجة في غير محل التخصيص ،
والثالث : أنه تعالى ذكر هذه الأعضاء لا على وفق الترتيب المعتبر في الحس ، ولا على وفق .
الترتيب المعتبر في الشرع ، وذلك يدل على أن الترتيب واجب . بيان المقدمة الأولى أن الترتيب
المعتبر في الحس أن يبدأ من الرأس نازلاً الى القدم، أو من القدم صاعداً الى الرأس، والترتيب
المذكور في الآية ليس كذلك ، وأما الترتيب المعتبر في الشرع فهو أن يجمع بين الأعضاء
المغسولة ، ويفرد الممسوحة عنها ، والآية ليست كذلك، فانه تعالى أدرج الممسوح في أثناء
المغسولات ، إذا ثبت هذا فنقول : هذا يدل على أن الترتيب واجب ، والدليل عليه أن إهمال
الترتيب في الكلام مستقبح ، فوجب تنزيه كلام الله تعالى عنه ، ترك العمل به فيما إذا صار ذلك
محتملاً للتنبيه على أن ذلك الترتيب واجب ، فيبقى في غير هذه الصورة على وفق الأصل .
الرابع : أن إيجاب الوضوء غير معقول المعنى ، وذلك يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي
ورد في النص ، بيان المقام الأول من وجوه : أحدها : أن الحدث يخرج من موضع والغسل
يجب من موضع آخر وهو خلاف المعقول ، وثانيها : أن أعضاء المحدث طاهرة لقوله تعالى
(إنما المشركون نجس ) وكلمة إنما للحصر، وقوله عليه الصلاة والسلام ((المؤمن لا ينجس حياً
ولا ميتاً)) وتطهير الطاهر محال . وثالثها : أن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء ، ولا شك أنه

مــ
١٥٨ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)) الآية
سورة المائدة
ضد النظافة والوضاءة ، ورابعها : أن الشرع أقام المسح على الخفين مقام الغسل ، ومعلوم أنه
لا يفيد البتة في نفس العضو نظافة ، وخامسها : أن الماء الكدر العفن يفيد الطهارة ، وماء
الورد لا يفيدها ، فثبت بهذا أن الوضوء غير معقول المعنى ، وإذا ثبت هذا وجب الإعتماد فيه
على مورد النص ، لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور معتبراً إما لمحض التعبد أو لحكم خفية لا
نعرفها ، فلهذا السبب أوجبنا رعاية الترتيب المعتبر المذكور في أركان الصلاة ، بل ههنا
أولى ، لأنه تعالى لما ذكر أركان الصلاة في كتابه مرتبة وذكر أعضاء الوضوء في هذه الآية مرتبة
فلما وجب الترتيب هناك فههنا أولى .
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على قوله فقال : الواو لا توجب الترتيب ، فكانت
الآية خالية عن إيجاب الترتيب ، فلو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص ، وهو
نسخ وهو غير جائز .
وجوابنا : أنا بينا دلالة الآية على وجوب الترتيب من جهات أخر غير التمسك بأن الواو
هو توجب الترتيب والله أعلم
.
المسألة السابعة ﴾ موالاة أفعال الوضوء ليست شرطاً لصحته في القول الجديد
للشافعي رحمه الله ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال مالك رحمه الله : إنه شرط . لنا أنه
تعالى أوجب هذه الأعمال ، ولا شك أن إيجابها قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة
وإيجابها على سبيل التراخي ثم إنه تعالى حكم في آخر هذه الآية بأن هذا القدر يفيد حصول
الطهارة ، وهو قوله ( ولكن يريد ليطهركم ) فثبت أن الوضوء بدون الموالاة يفيد حصول
الطهارة ، فوجب أن نقول بجواز الصلاة بها لقوله عليه الصلاة والسلام ((مفتاح الصلاة
الطهارة )) .
﴿ المسألة الثامنة ﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء،
وقال الشافعي رحمه الله لا ينقض ، احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فقال : ظاهرها يقتضي
اتٍيان بالوضوء لكل صلاة على ما بينا ذلك فيما تقدم ، ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج
النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس ، والشافعي رحمه الله عول على
ما روى أن النبي ◌َّليل احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه.
المسألة التاسعة ﴾ قال مالك رحمه الله: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير
معتاد وسلم في دم الإستحاضة ، وقال ربيعة : لا وضوء أيضاً في دم الإستحاضة ، لنا التمسك
بعموم الآية .

١٥٩
سورة المائدة
قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة)) الآية
﴿ المسألة العاشرة﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع
والسجود تنقض الوضوء ، وقال الباقون : لا تنقض ، ولأبي حنيفة رحمه الله التمسك
بعموم الآية على ما قررناه .
﴿ المسألة الحادية عشرة﴾ قال الشافعي رحمه الله: لمس المرأة ينقض الوضوء، وقال أبو
حنيفة رحمه الله لا ينقضه . للشافعي أن يتمسك بعموم الآية ، قال : وهذا العموم متأكد بظاهر
قوله تعالى ( أولا مستم النساء) وحجة الخصم خبر واحد ، أو قياس ، فلا يصير معارضاً له .
﴿ المسألة الثانية عشرة﴾ مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله، وقال أبو
حنيفة رحمه الله لا ينقضه ، للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم الآية ، وهذا العموم متأكد
بقوله عليه الصلاة والسلام (( من مس ذكره فليتوضأ)) والخبر الذي يتمسك به الخصم على
خلاف عموم الآية فكان الترجيح معنا .
﴿ المسألة الثالثة عشرة ﴾ لو كان على بدنه أو وجهه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة عن
الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوؤه ؟ ما رأيت هذه المسألة موضوعة في كتب أصحابنا .
والذي أقوله : إنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله ( فاغسلوا ) وقد أتى به فيخرج عن العهدة
لأنه عند احتياجه إلى التبرد والتنظف لو نوى فانه يصح وضوؤه ، كذا ههنا . وأيضاً قال عليه
الصلاة والسلام ((لكل امرئ ما نوى)) وهذا الإنسان نوى فيجب أن يحصل له المنوى والله
أعلم .
﴿ المسألة الرابعة عشرة﴾ لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث
هل يصح وضوؤه أم لا؟ يمكن أن يقال : لا يصح ، لأنه أمر بالغسل ، والغسل عمل وهو لم
يأت بالعمل ، ويمكن أن يقال : يصح لأن الغسل عبارة عن الفعل المفضى إلى الإنغسال ،
والوقوف تحت الميزاب يفضي إلى الإنغسال فكان ذلك الوقوف غسلاً .
المسألة الخامسة عشرة﴾ إذا غسل هذه الأعضاء ثم بعد ذلك تقشرت الجلدة عنها فلا
شك أن ما ظهر تحت الجلدة غير مغسول ، إنما المغسول هو تلك الجلدة وقد تقلصت
وسقطت .
المسألة السادسة عشرة ﴾ الغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو ، فلو رطب هذه
الأعضاء ولكن ما سال الماء عليها لم يكف ، لأن الله تعالى أمر بامرار الماء على العضو ، وفي
غسل الجنابة احتمال أن يكفي ذلك ، والفرق أن المأمور به في الوضوء الغسل ، وذلك لا

سورة المائدة
١٦٠ قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة)) الآية
يحصل إلا عند إمرار الماء ، وفي الجنابة المأمور به الطهر ، وهو قوله ( ولكن يريد ليطهركم )
وذلك حاصل بمجرد الترطيب .
المسألة السابعة عشرة ﴾ لو أخذ الثلج وأمره على وجهه ، فان كان الهواء حاراً يذيب
الثلج ويسيل جاز، وإن كان بخلافه لم يجز خلافاً لمالك والأوزاعي . لنا أن قوله ( فاغسلوا )
يقتضي كونه مأموراً بالغسل ، وهذا لا يسمى غسلا ، فوجب أن لا يجزي .
المسألة الثامنة عشرة ﴾ التثليث في أعمال الوضوء سنة لا واجب، إنما الواجب هو المرة
الواحدة ، والدليل عليه أنه تعالى أمر بالغسل فقال ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) وماهية
الغسل تدخل في الوجود بالمرة الواحدة ، ثم إنه تعالى رتب على هذا القدر حصول الطهارة فقال
( ولكن يريد ليطهركم ) فثبت أن المرة الواحدة كافية في صحة الوضوء ثم تأكد هذا بما روى أنه
وَالر توضأ مرة مرة ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به.
﴿ المسألة التاسعة عشرة﴾ السواك سنة، وقال داود: واجب ولكن تركه لا يقدح في
الصلاة . لنا أن السواك غير مذكور في الآية ، ثم حكم بحصول الطهارة بقوله ( ولكن يريد
ليطهركم) وإذا حصلت الطهارة حصل جواز الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام ((مفتاح
الصلاة الطهارة)).
﴿ المسألة العشرون ﴾ التسمية في أول الوضوء سنة، وقال أحمد وإسحق : واجبة،
وإن تركها عامداً بطلت الطهارة . لنا أن التسمية غير مذكورة في الآية ، ثم حكم بحصول
الطهارة وقد سبق تقرير هذه الدلالة ، ثم تأكد هذا بما روى أنه ◌َيّ قال (( من توضأ فذكر اسم
الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لأعضاء
وضوئه )) .
﴿ المسألة الحادية والعشرون ﴾ قال بعض الفقهاء : تقديم غسل اليدين على الوضوء
واجب ، وعندنا أنه سنة وليس بواجب ، والإستدلال بالآية كما قررناه في السواك وفي
التسمية .
﴿ المسألة الثانية والعشرون﴾ حد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا،
ومن الأذن إلى الأذن عرضاً ، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل كل ذلك .
المسألة الثالثة والعشرون﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : يجب إيصال الماء إلى
داخل العين ، وقال الباقون لا يجب ، حجة ابن عباس أنه وجب غسل كل الوجه لقوله
٠