Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة النِّساء
قوله تعالى: ((الذين يتخذون الكافرين أولياء)) الآية
الَّذِينَ يَخِذُونَ الْكَفِرِ ينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنَ أَيَبْتَغُونَ عِندَ هُمُ الْعِزَةَ فَإِنَّ الْعَةَ
لِلِّ جَمِيعًاً
١٣٩
يهد الكافر إلى الإيمان خلافاً للمعتزلة ، وهم أجابوا عنه بأنه محمول على المنع من زيادة
اللطف . أو على أنه تعالى لا يهديه في الآخرة إلى الجنة .
ثم قال تعالى ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذاباً ألياً ﴾
واعلم أن من حمل الآية المتقدمة على المنافقين قال إنه تعالى بين أنه لا يغفر لهم كفرهم
ولا يهديهم الى الجنة ، ثم قال : وكما لا يوصلهم الى دار الثواب فانه مع ذلك يوصلهم إلى
أعظم أنواع العقاب ، وهو المراد من قوله ( بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً) وقوله ( بشر)
تهكم بهم ، والعرب تقول : تحيتك الضرب ، وعتابك السيف .
ثم قال تعالى ﴿ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فان
العزة لله جميعاً﴾ الذين: نصب على الذم ، بمعنى أريد الذين ، أو رفع بمعنى هم الذين ،
واتفق المفسرون على أن المراد بالذين يتخذون : المنافقون ، وبالكافرين اليهود ، وكان
المنافقون يوالونهم ويقول بعضهم لبعض : إن أمر محمد لا يتم ، فيقول اليهود بأن العزة والمنعة
لهم .
ثم قال تعالى ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ قال الواحدي : أصل العزة في اللغة الشدة ،
ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة : عزاز، ويقال : قد استعز المرض على المريض إذا اشتد
مرضه وكاد أن يهلك ، وعز الهم اشتد ، ومنه عز على أن يكون كذا بمعنى اشتد ، وعز الشيء
إذا قل حتى لا يكاد يوجد لأنه اشتد مطلبه ، واعتز فلان بفلان إذا اشتد ظهره به ، وشاة عزوز
التي يشتد حلبها ويصعب والعزة القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما ، والعزيز القوي
المنيع بخلاف الذليل .
إذا عرفت هذا فنقول : إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود ،
ثم إنه تعالى أبطل عليهم هذا الرأي بقوله ( فان العزة لله جميعاً ) .
فان قيل : هذا كالمناقض لقوله ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) .
قلنا : القدرة الكاملة لله ، وكل من سواه فبأقداره صار قادراً، وباعزازه صار عزيزاً ،
الفخر الرازي ج١١ م٦

٨٢
قوله تعالى: ((وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم)) الآية سورة النّساء
وَقَدْ نَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ،َ آَيَّتِ اللَهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَِهَا فَلَا
تَفْعُدُواْ مَعَهُمْ خَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِةٍ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ
الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جِيْعًا
١٤٠
فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله تعالى ، فكان
الأمر عند التحقيق أن العزة جميعاً لله
ثم قال تعالى ﴿ وقد نزل علیکم في الکتاب أن إذا سمعتم آيات الله یکفر بها ویستھزا بها
فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾
قال المفسرون : إن المشركين كانوا في مجالسهم يخوضون في ذكر القرآن ويستهزؤن به ،
فأنزل الله تعالى ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث
غيره ) وهذه الآية نزلت بمكة ، ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين ،
والقاعدون معهم والموافقون لهم على ذلك الكلام هم المنافقون ، فقال تعالى مخاطباً للمنافقين
إنه ( قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها) والمعنى إذا
سمعتم الكفر بآيات الله والإستهزاء بها ، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد به سماع
الإِستهزاء . قال الكسائي : وهو كما يقال : سمعت عبد الله يلام . وعندي فيه وجه آخر وهو
أن يكون المعنى : إذا سمعتم آيات الله حال ما يكفر بها ويستهزأ بها ، وعلى هذا التقدير فلا
حاجة إلى ما قال الكسائي ، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غير الكفر والإستهزاء .
ثم قال ﴿ إنكم إذاً مثلهم ﴾
والمعنى : أيها المنافقون أنتم مثل أولئك الأحبار في الكفر . قال أهل العلم : هذا يدل
على أن من رضي بالكفر فهو كافر ، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان في الإِثم
بمنزلة المباشر بدليل أنه تعالى ذكر لفظ المثل ههنا ، هذا إذا كان الجالس راضياً بذلك الجلوس ،
فأما إذا كان ساخطاً لقولهم وإنما جلس على سبيل التقية والخوف فالأمر ليس كذلك ، ولهذه
الدقيقة قلنا بأن المنافقين الذين كانوا يجالسون اليهود ، وكانوا يطعنون في القرآن والرسول كانوا
كافرين مثل أولئك اليهود ، والمسلمون الذين كانوا بالمدينة كانوا بمكة يجالسون الكفار الذين
كانوا يطعنون في القرآن فانهم كانوا باقين على الإيمان ، والفرق أن المنافقين كانوا يجالسون

٨٣
سورة النّساء
قوله تعالى: ((الذين يتربصون بكم)) الآية
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ سَعَكُمْ وَإِن كَانَ
لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ تَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَمْنَعْكُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَّ فَلَهُ نَحُْ
بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَّْمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِ ينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (٤) إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ
اليهود مع الإختيار ، والمسلمين كانوا يجالسون الكفار عند الضرورة .
ثم إنه تعالى حقق كون المنافقين مثل الكافرين في الكفر فقال ﴿ إن الله جامع المنافقين
والكافرين في جهنم جميعاً ﴾
يريد كما أنهم اجتمعوا على الإستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب
جهنم يوم القيامة ، وأراد جامع بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين استخفافاً من
اللفظ وهو مراد في الحقيقة .
قوله تعالى ﴿ الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان
للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ومنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن
يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾
اعلم أن قوله ( الذين يتربصون بكم ) إما بدل من الذين يتخذون ، وإما صفة
للمنافقين ، وإما نصب على الذم ، وقوله ( يتربصون ) أي ينتظرون ما يحدث من خير أو شر،
فان كان لكم فتح أي ظهور على اليهود قالوا للمؤمنين ألم نكن معكم ، أي فأعطونا قسماً من
الغنيمة ، وإن كان للكافرين يعني اليهود نصيب ، أي ظفر على المسلمين قالوا ألم نستحوذ
عليكم ، يقال : استحوذ على فلان ، أي غلب عليه وفي تفسير هذه الآية وجهان : الأول :
أن يكون بمعنى ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ونمنعكم من
المسلمين بان ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا
لنا نصيباً مما أصبتم . الثاني : أن يكون المعنى أن أولئك الكفار واليهود كانوا قد هموا
بالدخول في الإِسلام ، ثم ان المنافقين حذروهم عن ذلك وبالغوا في تنفيرهم عنه وأطمعوهم
أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم ، فاذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون :

٨٤
قوله تعالى: ((وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)) الآية
سورة النِّساء
وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى
ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإِسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره
ويقوي أمركم ، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا الينا نصيباً مما وجدتم . والحاصل أن
المنافقين يمنون على الكافرين بأنا نحن الذين أرشدناكم الى هذه المصالح ، فادفعوا إلينا نصيباً
مما وجدتم .
فان قيل : لم سمي ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكفار نصيباً ؟
قلنا : تعظيماً لشأن المؤمنين واحتقاراً لحظ الكافرين ، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له
أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله ، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ
دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة في العاقبة .
ثم قال تعالى ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمنين والمنافقين: والمعنى أنه
تعالى ما وضع السيف في الدنيا عن المنافقين ، بل أخر عقابهم الى يوم القيامة .
ثم قال ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ وفيه قولان . الأول : وهو قول
علي عليه السلام وابن عباس رضي الله عنهما : أن المراد به في القيامة بدليل أنه عطف على قوله
( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ) الثاني : أن المراد به في الدنيا ولكنه مخصوص بالحجة ، والمعنى
أن حجة المسلمين غالبة على حجة الكل، وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة والدليل . الثالث :
هو أنه عام في الكل إلا ما خصه الدليل ، وللشافعي رحمه الله مسائل : منها أن الكافر إذا
استولى على مال المسلم وأحرزه بدار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية ، ومنها أن الكافر ليس
له أن يشتري عبداً مسلماً بدلالة هذه الآية ، ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمى بدلالة هذه
الآية .
قوله تعالى ﴿ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ قد مر تفسير الخداع في سورة البقرة
في قوله ( يخادعون الله والذين آمنوا) قال الزجاج في تفسير هذه الآية ( يخادعون الله ) أي
يخادعون رسول الله ، أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كما قال ( إن الذين يبايعونك إنما
يبايعون الله) وقوله ( وهو خادعهم ) أي مجازيهم بالعقاب على خداعهم . قال ابن عباس
رضي الله عنهما : إنه تعالى خادعهم في الآخرة ، وذلك أنه تعالى يعطيهم نوراً كما يعطي
المؤمنين ، فاذا وصلوا الى الصراط انطفأ نورهم وبقوا في الظلمة ، ودليله قوله تعالى ( مثلهم
كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا
يبصرون ) .

قوله تعالى: ((يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)) الآية سورة النساء ٨٥
، مُذَبَّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءٍ
٤١
يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا
وَلَا إِلَى هَنَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُفَلَن تَجِدَلَهُ سَبِيلًا.
ثم قال تعالى ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع
المسلمين قاموا كسالى ، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة ، وسبب ذلك الكسل
أنهم يستثقلونها في الحال ولا يرجون بها ثواباً ولا من تركها عقاباً ، فكان الداعي للترك قوياً من
هذه الوجوه ، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس ، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك
وقع الفعل على وجه الكسل والفتور . قال صاحب الكشاف: قرىء ( كسالى ) بضم الكاف
وفتحها جمع كسلان کسکاری في سكران .
ثم قال تعالى ﴿يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ والمعنى أنهم لا يقومون إلى
الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة ، لا لأجل الدين .
فان قيل : ما معنى المراآة وهي مفاعلة من الرؤية .
قلنا : ان المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل ، وفي قوله ( ولا
يذكرون الله إلا قليلاً) وجوه : الأول : أن المراد بذكر الله الصلاة ، والمعنى أنهم لا يصلون
إلا قليلاً، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا ، وإذا كانوا مع الناس فعند
دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس . الثاني : أن المراد بذكر
الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات ، فأما
الذي يخفي مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها . الثالث : المراد أنهم لا يذكرون الله في
جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلاً نادراً ، قال
صاحب الكشاف: وهكذا نرى كثيراً من المتظاهرين بالإِسلام ، ولو صحبته الأيام والليالي لم
تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه .
الرابع : قال قتادة إنما قيل : إلا قليلاً ، لأن الله تعالى لم يقبله ، وما رده الله تعالى فكثيره
قليل ، وما قبله الله فقليله كثير .
ثم قال تعالى ﴿ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له

٨٦
قوله تعالى: ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)) الآية سورة النساء
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ مذبذبين. إما حال من قوله ( يراؤن) أو من قوله ( لا يذكرون الله
إلا قليلاً) ويحتمل أن يكون منصوباً على الذم .
المسألة الثانية ﴾ مذبذبين: أي متحيرين ، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا
الجانبين ، أي يرد ويدفع فلا يقر في جانب واحد ، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب ،
فكان المعنى كلما مال الى جانب ذب عنه .
واعلم أن السبب في ذلك أن الفعل يتوقف على الداعي ، فان كان الداعي الى الفعل هو
الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والإضطراب ، لأن منافع هذا العالم
وأسبابه متغيرة سريعة التبدل ، وإذا كان الفعل تبعاً للداعي ، والداعي تبعاً للمقصود ثم ان
المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع التغير في الميل والرغبة ، وربما تعارضت الدواعي
والصوارف فيبقى الانسان في الحيرة والتردد . أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات
الباقية ، واكتساب السعادات الروحانية ، وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير
والتبدل لا جرم كان هذا الإِنسان ثابتاً راسخاً ، فلهذا المعنى وصف الله تعالى أهل الإيمان
بالثبات فقال ( يثبت الله الذين آمنوا ) وقال ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) وقال ( يا أيتها
النفس المطمئنة ) .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قرأ ابن عباس (مذبذبين) بكسر الذال الثانية ، والمعنى يذبذبون
قلوبهم أودينهم أو رأيهم ، بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى ، وفي مصحف
عبد الله بن مسعود : متذبذبين ، وعن أبي جعفر : مدبدبين بالدال المهملة ، وكأن المعنى أنهم
تارة يكونون في دبة وتارة في أخرى ، فلا يبقون على دبة واحدة ، والدبة الطريقة وهي التي
تدب فيها الدواب .
المسألة الرابعة ﴾ قوله ( بين ذلك) أي بين الكفر والإيمان ، أو بين الكافرين
والمؤمنين، وكلمة ((ذلك)) يشار به إلى الجماعة ، وقد تقدم تقريره في تفسير قوله ( عوان بين
ذلك ) وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله ( الذين يتخذون الكافرين
أولياء من دون المؤمنين ) وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان قال قتادة :
معنى الآية ليسوا مؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك .

٨٧
سورة النّساء
قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء الآية
◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَتَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتْرِيِدُونَ
أَن تَجْعَلُواْلِلِّ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (2) إِنَّ الْمُنَفِقِينَ فِ الدَّرِْ الْأَسْفَلِ مِنَ
النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًاً
١٤٥
المسألة الخامسة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الحيرة في الدين إنما تحصل بإيجاد
الله تعالى وقالوا : إن قوله ( مذبذبين ) يقتضي فاعلاً قد ذبذبهم وصيرهم متحيرين مترددين ،
وذلك ليس باختيار العبد ، فان الإنسان إذا وقع في قلبه الدواعي المتعارضة الموجبة للتردد
والحيرة ، فلو أراد أن يدفع ذلك التردد عن نفسه لم يقدر عليه أصلاً، ومن رجع إلى نفسه
وتأمل في أحواله علم أن الأمر كما ذكرنا ، وإذا كانت تلك الذبذبة لا بد لها من فاعل ، وثبت
أن فاعلها ليس هو العبد ثبت أن فاعلها هو الله تعالى ، فثبت أن الكل من الله تعالى .
فان قيل : قوله تعالى ( لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) يقتضي ذمهم على ترك طريقة المؤمنين
وطريقة الكافرين ، وذلك يقتضي أنه تعالى ما ذمهم على طريقة الكفار وإنه غير جائز ،
قلنا : إن طريقة الكفار وإن كانت خبيثة إلا أن طريقة النفاق أخبث منها ، ولذلك فإنه
تعالى ذم الكفار في أول سورة البقرة في آيتين ، وذم المنافقين في بضع عشرة آية ، وما ذاك إلا
أن طريقة النفاق أخبث من طريقة الكفار ، فهو تعالى إنما ذمهم لا لأنهم تركوا الكفر ، بل
لأنهم عدوا عنه إلى ما هو أخبث منه .
ثم قال تعالى ﴿ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على قولهم
من وجهين : الأول : أن ذكر هذا الكلام عقيب قوله ( مذبذبين ) يدل على أن تلك الذبذبة
من الله تعالى ، وإلا لم يتصل هذا الكلام بما قبله . والثاني : أنه تصريح بأن الله تعالى أضله
عن الدين . قالت المعتزلة : معنى هذا الاضلال سلب الألطاف، أو هو عبارة عن حكم الله
عليه بالضلال ، أو هو عبارة عن أن الله تعالى يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ، وهذه الوجوه
قد تكلمنا عليها مراراً .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذم المنافقين بأنهم مرة إلى الكفرة ومرة إلى المسلمين من غير أن يستقروا
مع أحد الفريقين نهى المسلمين في هذه الآية أن يفعلوا مثل فعلهم فقال ( يا أيها الذين آمنوا لا

٨٨
قوله تعالى: ((ولن تجد لهم نصيراً)) الآية
سورة النِّساء
تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) والسبب فيه أن الأنصار بالمدينة كان لهم في بني
قريظة رضاع وحِلف ومودة، فقالوا لرسول اللّه ◌َله: من نتولى؟ فقال : المهاجرين، فنزلت
هذه الآية .
والوجه الثاني ﴾ ما قاله القفال رحمه الله: وهو أن هذا نهي للمؤمنين عن موالاة
المنافقين يقول : قد بينت لكم أخلاق المنافقين ومذاهبهم فلا تتخذوا منهم أولياء .
ثم قال تعالى ﴿ أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً ﴾
فان حملنا الآية الأولى على أنه تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار كان معنى الآية
أتريدون أن تجعلوا لله سلطاناً مبيناً على كونكم منافقين ، والمراد أتريدن أن تجعلوا
لأهل دين الله وهم الرسول وأمته ، وان حملنا الآية الأولى على المنافقين كان المعنى : أتريدون
أن تجعلوا لله عليكم في عقابكم حجة بسبب موالاتكم للمنافقين .
ثم قال تعالى ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قال الليث: الدرك أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه، فعلى هذا
المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم ، وأصل هذا من الإدراك بمعنى اللحوق ، ومنه إدراك
الطعام وإدراك الغلام ، فالدرك ما يلحق به من الطبقة ، وظاهره أن جهنم طبقات ، والظاهر
أن أشدها أسفلها . قال الضحاك : الدرج إذا كان بعضها فوق بعض ، والدرك إذا كان
بعضها أسفل من بعض .
المسألة الثانية ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (في الدرك ) بسكون
الراء ، والباقون بفتحها ، قال الزجاج : هما لغتان مثل الشمع والشمع ، إلا أن الإختيار فتح
الراء لأنه أكثر استعمالاً قال أبو حاتم : جمع الدرك أدراك كقولهم : جمل وأجمال ، وفرس
وأفرس ، وجمع الدرك أدرك مثل. فلس وأفلس وكلب وأكلب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال ابن الأنباري: انه تعالى قال في صفة المنافقين إنهم في الدرك
الأسفل ، وقال في آل فرعون ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) فأيهما أشد عذاباً ،
المنافقون أم آل فرعون ؟ وأجاب بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل ،
وقد اجتمع فيه الفريقان .
المسألة الرابعة ﴾ لما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه مثله في الكفر ، وضم إليه
نوع آخر من الكفر ، وهو الإستهزاء بالإِسلام وبأهله ، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون

٨٩
سورة النِّساء
قوله تعالى: ((الا الذين تابوا وأصلحوا)) الآية
إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْبِلّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلِّ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُالْمُؤْمِنِينَ أَبْرًّاً عَظِيماً (٨) مَّ يَفْعَلُ اللهُبِعَذَا بِكُمْ إِن شَكُمْ وَءَامَنْتُمْ
وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرّا عَلِيماً (3)
الإِسلام يمكنهم الإطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة
من هؤلاء المنافقين ، فلهذا الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار .
ثم قال تعالى ﴿ ولن تجد لهم نصيراً ﴾ وهذا تهديد لهم. واحتج أصحابنا بهذا على إثبات
الشفاعة في حق الفساق من أهل الصلاة ، قالوا : انه تعالى خص المنافقين بهذا التهديد ، ولو
كان ذلك حاصلاً في حق غير المنافقين لم يكن ذلك زجراً عن النفاق من حيث أنه نفاق ، وليس
هذا استدلالاً بدليل الخطاب ، بل وجه الإستدلال فيه أنه تعالى ذكره في معرض الزجر عن
النفاق ، فلو حصل ذلك مع عدمه لم يبق زجراً عنه من حيث أنه نفاق .
ثم قال تعالى ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع
المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ .
واعلم أن هذه الآية فيها تغليظات عظيمة على المنافقين ، وذلك لأنه تعالى شرط في إزالة
العقاب عنهم أموراً أربعة : أولها : التوبة ، وثانيها : إصلاح العمل ، فالتوبة عن القبيح ،
وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن ، وثالثها : الإعتصام بالله ؛ وهو أن يكون
غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت ، لأنه لو كان
مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً ، أما إذا كان مطلوبه
مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والإعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها .
ورابعها : الإِخلاص ، والسبب فيه أنه تعالى أمرهم أولا بترك القبيح ، وثانياً بفعل الحسن ،
وثالثاً أن يكون غرضهم في ذلك الترك والفعل طلب مرضاة الله تعالى . ورابعاً : أن يكون
ذلك الغرض وهو طلب مرضاة الله تعالى خالصاً وأن لا يمتزج به غرض آخر ، فاذا حصلت هذه
الشرائط الأربعة فعند ذلك قال ( فأولئك مع المؤمنين ) ولم يقل فأولئك مؤمنون ، ثم أوقع أجر
المؤمنين في التشريف لانضمام المنافقين اليهم ، فقال ( وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً )
وهذه القرائن دالة على أن حال المنافق شديد عند الله تعالى .

٩٠
قوله تعالى: ((لا يحب الله الجهر بالسوءمن القول)) الآية
سورة النِّساء
قوله تعالى ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً علياً ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أيعذبكم لأجل التشفي، أم لطلب النفع، أم لدفع الضرر ، كل
ذلك محال في حقه لأنه تعالى غني لذاته عن الحاجات ، منزه عن جلب المنافع ودفع المضار ،
وإنما المقصود منه حمل المكلفين على فعل الحسن والإحتراز عن القبيح ، فاذا أتيتم بالحسن
وتركتم القبيح فكيف يليق بكرمه أن يعذبكم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على قولنا، وذلك لأنها دالة على أنه
سبحانه ما خلق خلقاً لأجل التعذيب والعقاب ، فان قوله ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم
وآمنتم ) صريح في أنه لم يخلق أحداً لغرض التعذيب ، وأيضاً الآية تدل على أن فاعل الشكر
والإيمان هو العبد ، وليس ذلك فعلا لله تعالى ، وإلا لصار التقدير : ما يفعل الله بعذابكم إذا
خلق الشكر والإيمان فيكم . ومعلوم أن هذا غير منتظم ، وقد سبق الجواب عن هذه
الكلمات .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أصحابنا : دلت هذه الآية على أنه لا يعذب صاحب الكبيرة لأنا
نفرض الكلام فيمن شكر وآمن ثم أقدم على الشرب أو الزنا ، فهذا وجب أن لا يعاقب بدليل
قوله تعالى ( ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وآمنتم ) فان قالوا لا نسلم أن صاحب الكبيرة
مؤمن ، قلنا: ذكرنا الوجوه الكثيرة في هذا الكتاب على أنه مؤمن .
المسألة الرابعة ﴾ في تقدم الشكر على الإيمان وجهان : الأول : أنه على التقديم
والتأخير ، أي ان آمنتم وشكرتم ، لأن الإيمان مقدم على سائر الطاعات . الثاني : إذا قلنا :
الواو لا توجب الترتيب فالسؤال زائل . الثالث : أن الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة
العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها فيشكر شكراً مجملاً ، ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم آمن
به ثم شكر شكراً مفصلاً ، فكان ذلك الشكر المجمل مقدماً على الإيمان ، فلهذا قدمه عليه في
الذكر .
ثم قال ﴿ وكان الله شاكراً علياً﴾ لأنه تعالى لما أمرهم بالشكر سمى جزاء الشكر شكراً
على سبيل الإِستعارة ، فالمراد من الشاكر في حقه تعالى كونه مثيباً على الشكر ، والمراد من كونه
علياً أنه عالم بجميع الجزئيات فلا يقع الغلط له ألبتة ، فلا جرم يوصل الثواب إلى الشاكر
والعقاب إلى المعرض .

قوله تعالى: ((لا يحب الله الجهر بالسوءمن القول)) الآية سورة النّاء ٩١ الاُجُزُ
لَايُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ◌ُلِمَّ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
قوله تعالى ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً علياً
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما هتك ستر المنافقين
وفضحهم وكان هتك الستر غير لائق بالرحيم الكريم ذكر تعالى ما يجري مجرى العذر في ذلك
فقال ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) يعني أنه تعالى لا يجب إظهار الفضائح
والقبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره وكيده ، فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه ، ولهذا
قال عليه الصلاة والسلام ((اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس)) وهؤلاء المنافقون قد كان
كثر مكرهم وكيدهم وظلمهم في حق المسلمين وعظم ضررهم ، فلهذا المعنى ذكر الله
فضائحهم وكشف أسرارهم . الثاني : أنه تعالى ذكر في هذه الآية المتقدمة أن هؤلاء المنافقين
إذا تابوا وأخلصوا صاروا من المؤمنين ، فيحتمل أنه كان يتوب بعضهم ويخلص في توبته ثم لا
يسلم بعد ذلك من التعبير والذم من بعض المسلمين بسبب ما صدر عنه في الماضي من النفاق ،
فبين تعالى في هذه الآية أنه تعالى لا يحب هذه الطريقة ، ولا يرضى بالجهر بالسوء من القول إلا
من ظلم نفسه وأقام على نفاقه فانه لا يكره ذلك .
﴿ المسألة الثانية﴾ قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه تعالى لا يريد من عباده فعل
القبائح ولا يخلقها ، وذلك لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادته ، فلما قال ( لا يحب الله الجهر
بالسوء من القول ) علمنا أنه لا يريد ذلك، وأيضاً لو كان خالقاً لأفعال العباد لكان مريداً
لها ، ولو كان مريداً لها لكان قد أحب إيجاد الجهر بالسوء من القول ، وإنه خلاف الآية .
والجواب : المحبة عندنا عبارة عن إعطاء الثواب على الفعل ، وعلى هذا الوجه يصح أن
يقال : أنه تعالى أراده ولكنه ما أحبه والله أعلم.
المسألة الثالثة﴾ قال أهل العلم : أنه تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول ، ولا
غير الجهر أيضاً ، ولكنه تعالى إنما ذكر هذا الوصف لأن کیفیته الواقعة أوجبت ذلك کقوله ( إذا
ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) والتبين واجب في الظعن والإقامة ، فكذا ههنا .

التنالاس ٩٢ قوله تعالى: ((لا يحب الله الجهر بالسوء من القول)) الآية سورة النِّسَاء
المسألة الرابعة ﴾ في قوله ( إلا من ظلم ) قولان ، وذلك لأنه إما أن يكون استثناء
منقطعاً ، أو متصلاً .
القول الأول ﴾ انه استثناء متصل، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول : قال أبو
عبيدة هذا من باب حذف المضاف على تقدير : إلا جهر من ظلم . ثم حذف المضاف وأقيم
المضاف إليه مقامه ، الثاني : قال الزجاج : المصدر ههنا أقيم مقام الفاعل ، والتقدير : لا
يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم .
القول الثاني﴾ أن هذا الإستثناء منقطع، والمعنى لا يحب الله الجهر بالسوء من
القول ، لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته .
المسألة الخامسة ﴾ المظلوم ماذا يفعل؟ فيه وجوه : الأول : قال قتادة وابن عباس : لا
يحب الله رفع الصوت بما يسوء غيره إلا المظلوم فان له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه .
الثاني : قال مجاهد : إلا أن يخبر بظلم ظالمه له . الثالث : لا يجوز إظهار الأحوال المستورة
المكتومة ، لأن ذلك يصير سبباً لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك الإنسان في الريبة ، لكن من
ظلم فيجوز إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب ، وهذا قول الأصم . الرابع : قال
الحسن : إلا أن ينتصرمن ظالمه . قيل نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه ، فان رجلا شتمه
فسكت مراراً ، ثم رد عليه فقام النبي ◌َّة، فقال أبو بكر : شتمني وأنت جالس ، فلما رددت
عليه قمت ، قال : إن ملكاً كان يجيب عنك ، فلما رددت عليه ذهب ذلك الملك وجاء
الشيطان ، فلم أجلس عند مجيء الشيطان ، فنزلت هذه الآية .
﴿ المسألة السادسة ﴾ قرأ جماعة من الكبار : الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير
( إلا من ظلم) بفتح الظاء ، وفيه وجهان : الأول : أن قوله ( لا يحب الله الجهر بالسوء من
القول ) كلام تام ، وقوله ( إلا من ظلم ) كلام منقطع عما قبله ، والتقدير : لكن من ظلم
فدعوه وخلوه ، وقال الفراء والزجاج : يعني لكن من ظلم نفسه فانه يجهر بالسوء من القول
ظلماً واعتداء الثانى: أن يكون الإستثناء متصلاً والتقدير ( إلا من ظلم ) فانه يجوز الجهر بالسوء
من القول معه .
ثم قال ﴿وكان الله سميعاً علياً﴾ وهو تحذير من التعدي في الجهر المأذون فيه ، يعني
فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً بسوء فانه يصير عاصياً لله بذلك ، وهو تعالى
سميع لما يقوله عليم بما يضمره .

٩٣
سورة النِّساء
قوله تعالى: ((إن تبدو خيراً أو تخفوه)) الآية
إِنْ تُبُدُواْ خَيْرً أَوْ تُحْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنِ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (2) إِنَّ الَّذِينَ
يَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْبَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ
بَعْضِ وَنَكْفُرُ بِبَعْضِ وَيُرِيدُونَ أَن ◌َّحِدُ واْبَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (
١٥٠
قوله تعالى ﴿إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فان الله كان عفواً قديراً ﴾
اعلم أن معاقد الخيرات على كثرتها محصورة في أمرين : صدق مع الحق ، وخلق مع
الخلق ، والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين . إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم ، فقوله
(إن تبدوا خيراً أو تخفوه) إشارة إلى إيصال النفع اليهم ، وقوله ( أو تعفوا ) إشارة إلى دفع
الضرر عنهم ، فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر.
ثم قال تعالى ﴿ فان الله كان عفواً قديراً﴾ وفيه وجوه : الأول: أنه تعالى يعفو عن
الجانبين مع قدرته على الإنتقام ، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى وهو قول الحسن . الثاني :
إن الله كان عفواً لمن عفا، قديراً على إيصال الثواب اليه . الثالث : قال الكلبي : إن الله تعالى
.
أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك
قوله تعالى ﴿ إن الذين يكفرون وبالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون
نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا
للكافرين عذاباً مهيناً ﴾
اعلم أنه تعالى لما تكلم على طريقة المنافقين عاد يتكلم على مذاهب اليهود والنصارى
ومناقضاتهم وذكر في آخر هذه السورة من هذا الجنس أنواعاً :
النوع الأول ﴾ من أباطيلهم: إيمانهم ببعض الأنبياء دون البعض. فقال (ان
الذين يكفرون بالله ورسله ) فان اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل ،
والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن ( ويريدون أن يفرقوا بين الله
ورسله ) أي يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ورسله (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك
سبيلاً) أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة ، وهي الإيمان بالبعض دون
البعض .

٩٤
عـ
قوله تعالى: ((إن الذین یکفرون بالله ورسله)) الآية
سورة النِّساء
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَِّفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (
ثم قال تعالى ( أولئك هم الكافرون حقاً) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في خبر (ان) قولان: أحدهما : أنه محذوف، كأنه قيل جمعوا
المخازي . والثاني : هو قوله ( أولئك هم الكافرون ) والأول أحسن لوجهين : أحدهما :
أنه أبلغ لأنه اذا حذف الجواب ذهب الوهم كل مذهب من العيب ، وإذا ذكر بقي مقتصراً على
المذكور ، والثاني : أنه رأس الآية ، والأحسن أن لا يكون الخبر منفصلاً عن المبتدأ .
﴿ المسألة الثانية﴾ أنهم إنما كانوا كافرين حقاً لوجهين: الأول : أن الدليل الذي يدل
على نبوة البعض ليس إلا المعجز ، وإذا كان دليلاً على النبوة لزم القطع بأنه حيث حصل
حصلت النبوة فان جوزنا في بعض المواضع حصول المعجز بدون الصدق تعذر الإستدلال به
على الصدق ، وحينئذ يلزم الكفر بجميع الأنبياء . فثبت أن من لم يقبل نبوة أحد منهم لزمه
الكفر بجميعهم .
فان قيل : هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ، ولكن ليس إذا توجه بعض الإلزامات
على الإِنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به ، فالزام الكفر غير ، والتزام الكفر غير ،
والقوم ما لم يلتزموا ذلك فکیف یقضي عليهم بالكفر .
قلنا : الإلزام إذا كان خفياً بحيث يحتاج فيه الى فكر وتأمل كان الأمر فيه كما ذكرتم ،
أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبق بين الإلزام والإلتزام فرق ، والثاني : وهو أن قبول بعض
الأنبياء إن كان لأجل الإنقياد لطاعة الله تعالى وحكمه وجب قبول الكل ، وإن كان لطلب
الرياسة كان ذلك في الحقيقة كفراً بكل الأنبياء .
المسألة الثالثة﴾ في قوله (حقاً) وجهان : الأول : أنه انتصب على مثل قولك : زيد
أخوك حقاً ، والتقدير : أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً ، والثاني : أن يكون التقدير :
أولئك هم الكافرون كفراً حقاً . طعن الواحدي فيه وقال : الكفر لا يكون حقاً بوجه من
الوجوه .

٩٥
قوله تعالى: ((والذين آمنوا بالله ورسله)) الآية سورة النساء
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللهِ وَرُسُلِهِ» وَلَمْ يُفْرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَبِكَ سَوْفَ يُؤْتِمْ أُجُورَهُمْ.
وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَحِيماً
١٥٢
والجواب أن المراد بهذا الحق الكامل ، والمعنى أولئك هم الكافرون كفراً كاملاً ثابتاً حقاً
يقيناً
.
واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أردفه بالوعد فقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا
بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً﴾ وفي الآية مسائل.
المسألة الأولى ﴾ إنما قال (ولم يفرقوا بين أحد منهم ) مع أن التفريق يقتضى شيئين
فصاعداً إلا أن ((أحداً)) لفظ يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، ويدل عليه
وجهان : الأول : صحه الإستثناء ، والثاني : قوله تعالى ( لستن كأحد من النساء ) .
إذا عرفت هذا فتقدير الآية : ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة .
المسألة الثانية ﴾ تمسك أصحابنا بهذه الآية في إثبات العفو وعدم الاحباط فقالوا : إنه
تعالى وعد من آمن بالله ورسله بأنه يؤتيهم أجورهم ، والمفهوم منه يؤتيهم أجورهم على ذلك
الإِيمان ، وإلا لم تصلح هذه الآية لأن تكون ترغيباً في الإيمان ، وذلك يوجب القطع بعدم
الإِحباط والقطع بالعفو وبالإخراج من النار بعد الإدخال فيها .
المسألة الثالثة﴾ قرأ عاصم في رواية حفص ( يؤتيهم) بالياء والضمير راجع الى اسم
الله، والباقون بالنون ، وذلك أولى لوجهين : أحدهما : أنه أفخم . والثاني : أنه مشاكل
لقوله ( وأعتدنا ) .
المسألة الرابعة ﴾ قوله تعالى ( سوف يؤتيهم أجورهم) معناه أن إيتاءها كائن لا محالة
وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتحقيقه لا كونه متأخراً .
ثم قال ( وكان الله غفوراً رحيماً) والمراد أنه وعدهم بالثواب ثم أخبرهم بعد ذلك بأنه
يتجاوز عن سيئاتهم ويعفو عنها ويغفرها .

٩٦
قوله تعالى: ((يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء)) الآية سورة النّساء
يَسْعَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَّ أَكْبَرَ مِنْ
ذَلِكَ فَقَالُواْأَرِنَ اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَتْهُمُ الصَّعِقَةُ بِظُلِهِمْ ثُمَّالَُّواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَتُهُمُ
الْبَيِنَتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ﴿3﴾ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اَلُّورَ
بِتَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ أَدْخُلُواْ الْبَابَ سَُّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِى السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ
مّيثَاقًّا غَلِيظًا
١٥٤
قوله تعالى ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من
ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات
فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب
سجداً وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من جهالات اليهود ، فانهم قالوا : إن كنت رسولاً من
عند الله فائتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح . وقيل : طلبوا أن ينزل عليهم
كتاباً من السماء الى فلان وكتاباً الى فلان بأنك رسول الله وقيل : كتاباً نعاينه حين ينزل ، وإنما
اقترحوا ذلك على سبيل التعنت لأن معجزات الرسول كانت قد تقدمت ، وحصلت فكان
طلب الزيادة من باب التعنت .
ثم قال تعالى ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ﴾ وانما أسند السؤال إليهم وإن وجد من
آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين
بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت .
واعلم أن المقصود من الآية بيان ما جبلوا عليه من التعنت ، كأنه قيل : ان موسى لما نزل
عليه كتاب من السماء لم يكتفوا بذلك القدر ، بل طلبوا منه الرؤية على سبيل المعاينة ، وهذا
يدل على أن طلب هؤلاء لنزول الكتاب عليهم من السماء ليس لأجل الإِسترشاد بل لمحض
العناد .
ثم قال تعالى ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة

٩٧
قوله تعالى: (فعفونا عن ذلك)) الآ ية
سورة النِّساء
بظلمهم ﴾ وهذه القصة قد فسرناها في سورة البقرة ، واستدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي
الرؤية قد أجبنا عنه هناك .
ثم قال تعالى ﴿ ثم اتخذوا العجل من بعدما جاءتهم البينات ﴾ والمعنى بيان كمال جهالاتهم
وإصرارهم على كفرهم فانهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة عليهم بطلب الرؤية جهرة ، بل ضموا
إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية بعدهم عن طلب الحق والدين ، والمراد بالبينات من
قوله ( من بعدما جاءتهم البينات) أمور : أحدها : أنه تعالى جعل ما أراهم من الصاعقة
بينات ، فان الصاعقة وإن كانت شيئاً واحداً إلا أنها كانت دالة على قدرة الله تعالى وعلى علمه
وعلى قدمه ، وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى
النبوة . وثانيها : أن المراد بالبينات إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد ما أماتهم . وثالثها : أنهم
إنما عبدوا العجل من بعد أن شاهدوا معجزات موسى عليه السلام التي كان يظهرها في زمان
فرعون ، وهي العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة ، والمقصود من
ذلك الكلام ان هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم يا محمد أنهم
لا يطلبونه منك إلا عناداً ولجاجاً ، فان موسى قد أنزل الله عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر
المعجزات القاهرة ، ثم انهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل ، وكل
ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق .
ثم قال ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ يعني لم نستأصل عبدة العجل (وآتينا موسى سلطاناً مبيناً)
يعني أن قوم موسى وإن كانوا قد بالغوا في إظهار الدجاج والعناد معه لكنا نصرناه وقويناه فعظم
أمره وضعف خصمه ، وفيه بشارة للرسول ◌َالله على سبيل التنبيه، والرمز بأن هؤلاء الكفار وإن
كانوا يعاندونه فانه بالآخرة يستولى عليهم ويقهرهم ، ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم
وإصرارهم على أباطيلهم : فأحدها : أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم ، وفيه وجوه :
الأول : أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين . ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع
، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق الثاني : أنهم امتنعوا عن قبول شريعة
التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا ، وصار المعنى : ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا
الميثاق بقبول الدين . الثالث : أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله
يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد ، فلما همّوا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو
المراد من قوله ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ) وثانيها : قوله (وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً )
ومضى بيانه في سورة البقرة . وثالثها : قوله ( وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقاً
غليظاً ) وفيه مسائل :
الفخر الرازي ج١١ م٧

٩٨
قوله تعالى: ((فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله)) الآية سورة النِّساء
فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم ◌ِعَايَتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنِيَ بِغَيرِ حَقٍ وَقَوْهِمْ قُلُوبُنَا
ـروم
غُلَفَ
المسألة الأولى ﴾ لا تعدوا في السبت ، فيه وجهان: الأول: لا تعدوا باقتناص
السمك فيه قال الواحدي : يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان ، أي ظلمه وجاوز
الحد ، ومنه قوله ( فيسبوا الله عدواً) الثاني : لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر،
والمراد النهي عن العمل والكسب يوم السبت ، كأنه قال لهم : اسكنوا عن العمل في هذا اليوم
واقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قرأ نافع (لا تعدوا) ساكنة العين مشددة الدال، وأراد: لا
تعتدوا ، وحجته قوله ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) فجاء في هذه القصة بعينها
افتعلوا ، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر ، وكثير من
النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغماً ولم يكن الأول حرف لين
نحو دابة وشابة ، وقيل لهم ، ويقولون : ان المد يصير عوضاً عن الحركة ، وروى ورش عن
نافع ( لا تعدوا ) بفتح العين وتشديد الدال ، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى
العين ، والباقون ( تعدوا ) بضم الدال وسكون العين حقيقة .
المسألة الثالثة ﴾ قال القفال : الميثاق الغليظ هو العهد المؤكد غاية التوكيد ، وذلك
بين فيما يدعونه من التوراة .
ثم قال تعالى ﴿ فيما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم
قلوبنا غلف ﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في متعلق الباء في قوله ( فبما نقضهم ) قولان: الأول : انه محذوف
تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا ، لعناهم وسخطنا عليهم ، والحذف أفخم لأن عند الحذف
يذهب الوهم كل مذهب ، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على
اللعن . الثاني : أن متعلق الباء هو قوله ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت
لهم) وهذا قول الزجاج وزعم ان قوله ( فبظلم من الذين هادوا) بدل من قوله ( فبما
نقضهم ) .

٩٩
قوله تعالى: ((بل طبع الله عليها بكفرهم)) الآية .
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّ قَلِيلًا (﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلهِمْ عَلَى مَرْيَ
وور
بُهْتَنَّا عَظِيماً
١٥٦
واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : أحدهما : ان من قوله ( فبما
نقضهم ميثاقهم ) إلى قوله ( فبظلم ) الآيتين بعيد جداً، فجعل أحدهما بدلاً عن الآخر
بعيد . الثاني : ان تلك الجنايات المذكورة عظيمة جداً لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء
وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن
يفرغ عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك
الجنايات العظيمة .
المسألة الثانية﴾ اتفقوا على أن ((ما)) في قوله ( فبما نقضهم ميثاقهم ) صلة زائدة ،
والتقدير: فبنقضهم ميثاقهم ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله ( فبما رحمة من الله لنت
لهم ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنه تعالى ادخل حرف الباء على أمور: أولها : نقض الميثاق .
وثانيها : كفرهم بآيات الله ، والمراد منه كفرهم بالمعجزات ، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر
معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل ، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر
بآيات الله . وثالثها : قتلهم الأنبياء بغير حق ، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة . ورابعها :
قولهم ( قلوبنا غلف) وذكر القفال فيه وجهين : أحدهما : ان غلفا جمع غلاف والأصل غلف
بتحريك اللام فخفف بالتسكين ، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين ، والمعنى على هذا
أنهم قالوا قلوبنا غلف، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا ، فكذبوا الأنبياء
بهذا القول . والثاني : أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطي بالغلاف أي بالغطاء ، والمعنى على
هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون ، نظيره ما حكى الله في قوله ( وقالوا
قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) .
ثم قال تعالى ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم ﴾
فان حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في
ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبين أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة
والبيان إليها ، وهذا يليق بمذهبنا ، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من

١٠٠
قوله تعالى: ((وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى بن مريم)) الآية سورة النِّساء
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَنْكِنْ
شُبِّهَ لَهُمْ
هذه الآية أنه تعالى كذبهم في إدعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية ، وهذا يليق بمذهب
المعتزلة ، إلا أن الوجه الأول أولى ، وهو المطابق لقوله ( بل طبع الله عليها بكفرهم) .
ثم قال ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ أي لا يؤمنون إلا بموسى والتوراة ، وهذا إخبار منهم
على حسب دعواهم وزعمهم ، وإلا فقد بينا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فانه لا
يمكنه الإِيمان بأحد من الرسل البتة .
وخامسها : قوله ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾
اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لانكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون
الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول : كل ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى
أول ، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر ، والقدح في وجود الصانع المختار ، فالقوم لا
شك أنهم أولاً أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ، وثانياً نسبوا مريم إلى
الزنا ، فالمراد بقوله ( وبكفرهم ) هو إنكارهم قدرة الله تعالى ، وبقوله ( وقولهم على مريم
بهتاناً عظيماً ) نسبتهم إياها إلى الزنا ، ولما حصل التغير لا جرم حسن العطف، وإنما صار هذا
الطعن بهتاناً عظيماً لأنه ظهر عند ولادة عيسى عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دل على
براءتها من كل عيب ، نحو قوله ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) ونحو
كلام عيسى عليه السلام حال كونه طفلاً منفصلاً عن أمه ، فان كل ذلك دلائل قاطعة على براءة
مريم عليها السلام من كل ريبة ، فلا جرم وصف الله تعالى طعن اليهود فيها بأنه بهتان عظيم ،
وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان عظيم حيث قال ( سبحانك هذا بهتان عظيم )
وذلك يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم
عليها السلام .
وسادسها : قوله تعالى ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾
وهذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك ، وهذا يدل على أنهم كانوا
راغبين في قتله مجتهدين في ذلك ، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم .