Indexed OCR Text
Pages 21-40
سورة النِّساء ٢١ قوله تعالى: ((وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح)) الآية حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الإضطراب ، وأما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر ، فكان هذا الحكم ثابتاً في مطلق السفر بحكم هذه الآية ، وإذا كان الحكم مذكوراً في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الإجتهاد والإِستنباط ، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة . واعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على قوله عليه الصلاة والسلام يمسح المسافر ثلاثة أيام ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافراً ، وإذا لم يكن مسافراً لم يحصل الرخص المشروعة في السفر ، وأما أصحاب الشافعي رضي الله عنه فانهم حولوا على ما روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن النبي ◌ِّ قال : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد ، من مكة إلى عسفان ، قال أهل الظاهر : الكلام عليه من وجوه : الأول : أنه بناء على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وهو عندنا غير جائز لوجهين : الأول : أن القرآن وخبر الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم ، والقرآن مقطوع المتن ، والخبر مظنون المتن ، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر ، فترجيح الضعيف على القوى لا يجوز . والثاني : أنه روى في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال ((إذا روى حديث عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فان وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه )) دل هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة كتاب الله تعالى فهو مردود ، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتاب وجب أن يكون مردوداً . ﴿ الوجه الثاني﴾ في دفع هذه الأخبار، وهو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة ، إنما قلنا : إن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي الغزو، فلما كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر ، كانت الحاجة إلى مقدار السفر المفيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين ، ولو كان الأمر كذلك لعرفوها ولنقلوها نقلاً متواتراً ، لا سيما وهو على خلاف ظاهر القرآن ، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن هذه أخبار ضعيفة مردودة ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز ترك ظاهر القرآن بسببها . الثالث: ان دلائل الشافعية ودلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة ، وإذا تعارضت تساقطت ، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن ، هذا تمام الكلام في هذا الموضع . ( والذي عندي في هذا الباب أن يقال: إن كلمة ((إذا)) وكلمة ((إن)) لا يفيدان إلا كون الشرط مستعقباً للجزاء فأما كونه مستعقباً لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لازم ، بدليل أنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار ، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلت مرة وقع الطلاق، وإذا دخلت الدار ثانياً لا يقع وهذا يدل على أن كلمة ((إذا)) وكلمة ((إن)) لا يفيدان ٢٢ قوله تعالى: ((وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح)) الآية سورة النّساء العموم البتة ، وإذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر بالآية ، فان الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه الرخص وعندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلاً، فأما السفر القصير فانما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة ((إذا)) للعموم ، ولما ثبت أنه ليس الأمر كذلك فقد سقط هذا الإستدلال ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة صحيحة ، والله أعلم . المسألة السادسة ﴾ زعم داود وأهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف . واحتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطاً بالخوف، وهو قوله ( لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) والمشروط بالشيء عدم عند عدم ذلك الشرط، فوجب أن لا يحصل جواز القصر عند الأمن . قالوا : ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد ، لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز ، ولقد صعب هذا الكلام على قوم ذكروا فيه وجوهاً متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام . وعندي أنه ليس في هذا غموض ، وذلك لأنا بينا في تفسير قوله تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) أن كلمة ((إن)) وكلمة ((إذا)) يفيدان أن عند حصول الشرط يحصل المشروط، ولا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم المشروط ، واستدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى ( إن خفتم ) يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة ، ولا يقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة ، وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن بالنفي وبالإِثبات ، وإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتاً لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد ، وذلك غير ممتنع ، إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دل عليه القرآن ، ونحن لا نقول به . فان قيل : فعلى هذا لما كان هذا الحكم ثابتاً حال الأمن وحال الخوف، فما الفائدة في تقييده بحال الخوف ؟ قلنا : إن الآية نزلت في غالب أسفار الفيس ، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو ، فذكر الله هذا الشرط من حيث أنه هو الأغلب في الفرج ، ومن الناس من أجاب عنه بأن القصر المذكور في الآية المراد منه الإكتفاء بالإيماء والإشارة بدلاً عن الركوع والسجود . وذلك هو الصلاة حال شدة الخوف، ولا شك أن هذه الصلاة مخصوصة بحال الخوف ، فان وقت الأمن لا يجوز الإتيان بهذه الصلاة ، ولا تكون محرمة ولا صحيحة، والله أعلم . ثم يقال لأهل قوله تعالى: ((إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)وإذا كنت)) الآية سورة النساء ٢٣ وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَمْتَ لَهُمُ الصَّلَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلَتَأْتِ طَآئِفَةُ أَنْخَرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَّالَّذِينَ كَفَرُوْلَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أُسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُ مَيْلَةً وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُرْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَّ الظاهر : إن ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا يجوز القصر إلا عند حصول الخوف الحاصل من فتنة الكفار ، وأما لو حصل الخوف بسبب آخر وجب أن لا يجوز القصر، فان التزموا ذلك سلموا من الطعن ، إلا أنه بعيد ، وإن لم يلتزموه توجه النقض عليهم ، لأنه تعالى قال ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وذلك يقتضي أن الشرط هو هذا الخوف المخصوص ، ولهم أن يقولوا : إما أن يقال : حصل إجماع الصحابة والأمة على أن مطلق الخوف كاف، أولم يحصل الإجماع ، فان حصل الإجماع فنقول : خالفنا ظاهر القرآن بدلالة الإجماع ، وهو دليل قاطع فلم تجز مخالفته بدليل ظني ، وان لم يحصل الإجماع فقد زال السؤال ، لأنا نلتزم انه لا يجوز القصر إلا مع هذا الخوف المخصوص ، والله أعلم . أما قوله ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ ففي تفسير هذه الفتنة قولان : الأول: خفتم أن يفتنوكم عن إتمام الركوع والسجود في جميعها . الثاني : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بعداوتهم ، والحاصل إن كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة . ثم قال تعالى ﴿إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً﴾ والمعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة ، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم ، وسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا ، فان طالب صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم ، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة ، وإنما قال ( عدواً) ولم يقل أعداء ، لأن العدو يستوي فيه الواحد والجمع ، قال تعالى ( فانهم عدو لي إلا رب العالمين ) قوله تعالى ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح علیکم إن کان بکم أذی من مطر أو كنتم مرضى . ٢٤ قوله تعالى: (( واذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة )) الآية سورة النساء أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّالَّهَ أَعَّلِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا () فَإِذَا قَضَيْمٌ الصَّلَوَةَ فَاذْ كُوْ الَهَ قِبَعًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَلْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيُمُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَباً مَّوْقُوْنَا ◌َ) أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً فاذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعودا وعلى جنوبكم فاذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة حال قصر الصلاة بحسب الكمية في العدد ، بين في هذه الآية حالها في الكيفية ، وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال أبو يوسف والحسن بن زياد : صلاة الخوف كانت خاصة للرسول ومه# ولا تجوز لغيره، وقال المزني: كانت ثابتة ثم نسخت . واحتج أبو يوسف على قوله بوجهين : الأول : إن قوله تعالى ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) ظاهرة يقتضي أن إقامة هذه الصلاة مشروطة بكون النبي ◌َ ◌ّليّ فيهم، لأن كلمة ((إذا)) تفيد الاشتراط الثاني: أن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل، إلا أنا جوزنا ذلك في حق الرسول صلى لتحصل للناس فضيلة الصلاة خلفه ، وأما في حق غير الرسول عليه الصلاة والسلام فهذه المعنى غير حاصل ، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول ، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة ، وأما سائر الفقهاء فقالوا: لما ثبت هذا الحكم في حق النبي ◌ُ الل بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى ( واتبعوه ) ألا ترى أن قوله تعالى ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) لم يوجب كون الرسول ◌َليل مخصوصاً به دون غيره من الأمة بعده، وأما التمسك بلفظ ((إذا)) فالجواب أن مقتضاه هو الثبوت عند الثبوت ، أما العدم عند العدم فغير مسلم ، وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي ◌َّيّ فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة ، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض ، فاندفع هذا الكلام والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بهم ركعة واحدة ، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون ؟ فيه أقوال : الأول : أن تلك الطائفة ٢٥ سورة النِّساء قوله تعالى: ((وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة )) الآية يسلمون من الركعة الواحدة ويذهبون إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم الإِمام ركعة أخرى ويسلم ، وهذا مذهب من يرى أن صلاة الخوف للامام ركعتان ، وللقوم ركعة ، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد . الثاني : أن الامام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم ، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الامام بهم مرة أخرى ركعتين ، وهذا قول الحسن البصري . الثالث : أن يصلي الامام مع الطائفة الأولى ركعة تامة ، ثم يبقى الامام قائماً في الركعة الثانية إلى أن تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو ، ثم تأتي الطائفة الثانية ويصلون مع الإِمام قائماً في الركعة الثانية ركعة ، ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية ، ثم يسلم الإِمام بهم ، وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي . الرابع : أن الطائفة الأولى يصلي الإِمام بهم ركعة ويعودون إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة ، والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة ، وهم في حكم من خلف الإِمام ، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة ، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته ، وهذا قول عبد الله بن مسعود ، ومذهب أبي حنيفة . واعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه الصلاة ، فلعله ◌ِّ صلى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصلحة ، وإنما وقع الإختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام ، أما الواحدي رحمه الله فقال : الآية مخالفة للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة ، وبين ذلك من وجهين : الأول : أنه تعالى قال ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا) وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلت عند إتيان الثانية ، وعند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ؛ لأن الطائفة الثانية عنده تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها . الثاني : أن قوله ( فليصلوا معك ) ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الامام لأن مطلق قولك : صليت مع الامام يدل على أنك أدركت جميع الصلاة معه ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ، وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا : الآية مطابقة لقولنا ، لأنه تعالى قال ( فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ) وهذا يدل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ، ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة ، وأجاب الواحدي عنه فقال : هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة ، وليس الأمر كذلك ، بل هو الطائفتين السجود للأولى ، والكون من ورائكم الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية والله أعلم . ٢٦ قوله تعالى: ((واذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة )) الآية سورة النّساء ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : قوله تعالى ( وإذا كنت فيهم ) أي وإذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم ( فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ) والمعنى فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم وليأخذوا أسلحتهم ، والضمير إما للمصلين وإما لغيرهم ، فان كان للمصلين فقالوا : يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ، وذلك لأن ذلك أقرب إلى الإحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم ، وإن كان لغير المصلين فلا كلام فيه . ويحتمل أن يكون ذلك أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الإِحتياط . ثم قال ﴿ فاذا سجدوا فليكونوا ﴾ يعني غير المصلين ( من ورائكم ) يحرسونكم ، وقد ذكرنا أن أداء الركعة الأولى مع الإِمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن ، إنما التفاوت يقع في أداء الركعة الثانية فيه ، وقد ذكرنا مذاهب الناس فيها . ثم قال ﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ﴾ وقد بينا أن هذه الآية دالة على صحة قول الشافعي ثم قال ﴿ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ والمعنى أنه تعالى جعل الحذر وهو التحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي ، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ وجعلا مأخوذين . قال الواحدي رحمه الله : وفيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة . فان قيل : لم ذكر في الآية الأولى ( أسلحتهم ) فقط، وذكر في هذه الآية حذرهم وأسلحتهم . قلنا : لأن في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة ، بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة . أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار كونهم في الصلاة ، فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم ، فلا جرم خص الله تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال ( وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) ثم قال تعالى ﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ﴾ أي بالقتال. عن ابن عباس وجابر أن النبي ( صلى بأصحابه الظهر، ورأى المشركون ذلك ، فقالوا بعد ذلك : بئسما صنعنا حيث لم نقدم عليهم ، وعزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى ، فأطلع الله نبيه تقلي على أسرارهم بهذه الآية. ٢٧ قوله تعالى: ((ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى )) الآية سورة النّساء ثم قال تعالى ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ﴾ والمعنى أنه إن تعذر حمل السلاح اما لأنه يصيبه بلل المطر فيسود وتفسد حدته ، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطناً فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء ، أو لأجل أن الرجل كان مريضاً فيشق عليه حمل السلاح ، فههنا له أن يضع حمل السلاح . ثم قال ﴿ وخذوا حذركم﴾ والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر ، لئلا يجترىء العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم واستغناماً منهم لوضع المسلمين أسلحتهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ أن قوله في أول الآية (وليأخذوا أسلحتهم) أمر، وظاهر الأمر للوجوب ، فيقتضي أن يكون أخذ السلاح واجباً ثم تأكد هذا بدليل آخر ، وهو أنه قال ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ) فخص رفع الجناح في وضع السلاح بهاتين الحالتين ، وذلك يوجب أن فيما وراء هاتين الحالتين يكون الأثم والجناح حاصلاً بسبب وضع السلاح . ومنهم من قال : إنه سنة مؤكدة ، والأصح ما بيناه ثم الشرط أن لا يحمل سلاحاً نجساً إن أمكنه ، ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف، وبالجملة بحیث لا یتأذى به أحد . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قال أبو علي الجرجاني صاحب النظم: قوله تعالى (وخذوا حذركم) يدل على أنه كان يجوز للنبي مسيّ أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو . والذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر ، لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة ، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة ، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم ، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين : طائفة في وجه العدو ، وطائفة مع النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة ، وأما حين كان النبي محدثة بعسفان وببطن نخل فانه لم يفرق أصحابه طائفتين ، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة ، والمسلمون كانوا مستقبلين لها ، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الإِحتراس إلا عند السجود ، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم ، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني ، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى ( خذوا حذركم) يدل على جواز كل هذه الوجوه ؛ والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكراراً محضاً من غير فائدة ، ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن وإنه غير جائز ، والله أعلم ٢٨ قوله تعالى: ((وإن الله أعد للكافرين عذاباً مهينا)) الآية سورة النِّساء المسألة الثالثة ﴾ قالت المعتزلة : إن الله تعالى أمر بالحذر ، وذلك يدل على كون العبد قادراً على الفعل وعلى الترك وعلى جميع وجوه الحذر ، وذلك يدل على أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى، وجوابه ما تقدم من المعارضة بالعلم والداعي والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ دلت الآية على وجوب الحذر عن العدو، فيدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة ، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والعلاج باليد والإِحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجباً والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ وفيه سؤال، أنه كيف طابق الأمر بالحذر قوله ( إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً) وجوابه : أنه تعالى لما أمر بالحذر عن العدو أوهم ذلك قوة العدو وشدتهم ، فأزال الله تعالى هذا الوهم بأن أخبر أنه يهينهم ويخذلهم ولا ينصرهم البتة حتى يقوي قلوب المسلمين ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لما لهم من القوة والهيبة ، وإنما هو لأجل أن يحصل الخوف في قلب المؤمنين ، فحينئذ يكونون متضرعين الى الله تعالى في أن يمدهم بالنصر والتوفيق ، ونظيره قوله تعالى ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ) . ثم قال تعالى ﴿ فاذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم ﴾ وفيه قولان : الأول : فاذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال ، فان ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدوجدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه ، الثاني : أن المراد بالذكر الصلاة ، يعني صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسابقة والمقارعة ، وقعوداً حال اشتغالكم بالرمي ، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض ، فإِذا اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة ، فاقضوا ما صليتم في حال المسابقة . هذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسابقة إذا حضر وقتها ، وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء إلا أن على هذا القول أشكالاً ، وهو أن يصير تقدير الآية : فاذا قضيتم الصلاة فصلوا ، وذلك بعيد لأن حمل لفظ الذكر على الصلاة مجاز فلا يصار إليه إلا لضرورة . ثم قال تعالى ﴿ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ واعلم أن هذه الآية مسبوقة بحكمين : أولهما بيان القصر وهو صلاة السفر، والثاني : صلاة الخوف، ثم إن قوله ( فاذا اطمأننتم ) يحتمل نقيض الأمرين ، فيحتمل أن يكون المراد من الإِطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافراً بل يصير مقيماً، وعلى هذا التقدير يكون المراد : فاذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر البتة، ويحتمل أن يكون المراد من الإطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب القلب ، بل ٢٩ قوله تعالى: ((إن الصلاة كانت على المؤمنين)) الآية سورة النِّساء يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف، وعلى هذا التقدير يكون المراد : فاذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي كنتم تعرفونها ، ولا تغيروا شيئاً من أحوالها وهيأتها ، ثم لما بالغ الله سبحانه وتعالى في شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر ، ثم ذكر بعد ذلك صلاة الخوف ختم هذه الآية بقوله ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ) أي فرضاً موقتاً ، والمراد بالكتاب ههنا المكتوب . كأنه قيل : مكتوبة موقوتة ، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعول والمصدر مذكر ، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة ، يقال : وقته ووقته مخففاً ، وقرىء ( وإذا الرسل أقتت ) بالتخفيف . واعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدر بأوقات مخصوصة ، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات ههنا وبينها في سائر الآيات ، وهي خمسة : أحدها : قوله تعالى ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فقوله ( الصلوات ) يدل على وجوب صلوات ثلاثة ، وقوله ( والصلاة الوسطى ) يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة والإلزام التكرار ، فلا بد وأن تكون زائدة على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة ، وإلا لم يحصل فيها وسطى ، فلا بد من جعلها خمسة لتحصل الوسطى ، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر ، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة ، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها . وثانيها : قوله تعالى ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ) فالواجب من الدلوك إلى الغسق هو الظهر والعصر، والواجب من الغسق إلى الفجر هو المغرب والعشاء والواجب في الفجر هو صلاة الصبح ، وهذه الآية توهم أن الظهر والعصر وقتاً واحداً وللمغرب والعشاء وقتاً واحداً . وثالثها : قوله سبحانه ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) والمراد منه الصلاتان الواقعتان في طرفي النهار وهما المغرب والصبح ، ثم قال ( وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون ) فقوله ( وعشيا ) المراد منه الصلاة الواقعة في محض الليل وهي صلاة العشاء ، وقوله ( وحين تظهرون ) المراد الصلاة الواقعة في محض النهار ، وهي صلاة الظهر كما قدم في قوله ( حين تمسون وحين تصبحون ) صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر ، فكذلك قدم في قوله ( وعشيا وحين تظهرون ) صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر ، فصارت الصلوات الأربعة مذكورة في هذه الآية ، وأما صلاة العصر فقد أفردها الله تعالى بالذكر في قوله ( والعصر) تشريفاً لها بالافراد بالذكر . ورابعها : قوله تعالى ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) فقوله ( طرفي النهار ) يفيد وجوب صلاة الصبح ووجوب صلاة العصر لأنهما كالواقعتين على الطرفين ، وإن كانت صلاة الصبح واقعة قبل حدوث الطرف الأول وصلاة العصر واقعة قبل حدوث الطرف الثاني : وقوله ( وزلفا من الليل ) يفيد وجوب ٣٠ قوله تعالى: ((إن الصلاة كانت على المؤمنين)) الآية سورة النِّساء المغرب والعشاء ، وكان بعضهم يستدل بهذه الآية على وجوب الوتر قال : لأن الزلف جمع ، وأقله ثلاثة ، فلا بد وأن يجب ثلاث صلوات في الليل عملاً بقوله ( وزلفا من الليل ) وخامسها : قوله تعالى ( فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح ) فقوله ( قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) إشارة إلى الصبح والعصر، وهو كقوله ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ) وقوله (ومن آناء الليل ) إشارة إلى المغرب والعشاء ، وهو كقوله (وزلفا من الليل ) وكما احتجوا بقوله (وزلفاً من الليل ) فكذلك احتجوا عليه بقوله ( ومن آناء الليل ) لأن قوله ( آناء الليل جمع ) وأقله ثلاثة ، فهذا مجموع الآيات الدالة على الأوقات الخمسة للصلوات الخمس . واعلم أن تقدير الصلوات بهذه الأوقات الخمسة في نهاية الحسن والجمال نظراً إلى . المعقول ، وبيانه أن لكل شيء من أحوال هذا العالم مراتب خمسة : أولها : مرتبة الحدوث والدخول في الوجود ، وهو كما يولد الإنسان ويبقى في النشوء والنماء إلى مدة معلومة ، وهذه المدة تسمى سن النشوء والنماء . ﴿ والمرتبة الثانية﴾ مدة الوقوف، وهو أن يبقى ذلك الشيء على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان . وهذه المدة تسمى سن الشباب . : والمرتبة الثالثة﴾ مدة الكهولة ، وهو أن يظهر في الإِنسان نقصان خفي ، وهذه المدة تسمى سن الكهولة . ﴿ والمرتبة الرابعة ﴾ مدة الشيخوخة ، وهو أن يظهر في الإِنسان نقصانات ظاهرة جلية إلى أن يموت ويهلك ، وتسمى هذه المدة سن الشيخوخة . المرتبة الخامسة ﴾ أن تبقى آثاره بعد موته مدة، ثم بالآخرة تنمحي تلك الآثار وتبطل وتزول ، ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ، فهذه المراتب الخمسة حاصلة لجميع حوادث هذا العالم سواء كان إنساناً أو غيره من الحيوانات أو النباتات ، والشمس حصل لها بحسب طلوعها وغروبها هذه الأحوال الخمس ، وذلك لأنها حين تطلع من مشرقها يشبه حالها حال المولود عندما يولد ، ثم لا يزال يزداد ارتفاعها ويقوى نورها ويشتد حرها إلى أن تبلغ إلى وسط السماء ، فتقف هناك ساعة ثم تنحدر ويظهر فيها نقصانات خفية إلى وقت العصر، ثم من وقت العصر يظهر فيها نقصانات ظاهرة فيضعف ضوؤها ويضعف حرّها ، ويزداد انحطاطها وقوتها إلى الغروب ، ثم إذا غربت يبقى بعض آثارها في أفق المغرب وهو الشفق ، ثم تنمحي تلك الآثار وتصير الشمس كأنها ما كانت موجودة في العالم ، فلما حصلت هذه الأحوال ٣١ سورة النِّساء قوله تعالى ((ولا تهنوا في ابتغاء القوم)) الآية وَلَ تَِّنُوْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْكُمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَالَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (9) الخمسة لها وهي أمور عجيبة لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا جرم أوجب الله تعالى عند كل واحد من هذه الأحوال الخمسة لها صلاة ، فأوجب عند قرب الشمس من الطلوع صلاة الفجر شكراً للنعمة العظيمة الحاصلة بسبب زوال تلك الظلمة وحصول النور ، وبسبب زوال النوم الذي هو كالموت وحصول اليقظة التي هي كالحياة ، ولما وصلت الشمس إلى غاية الإرتفاع ثم ظهر فيها أثر الإنحطاط أوجب صلاة الظهر تعظيماً للخالق القادر على قلب أحوال الأجرام العلوية والسفلية من الضد إلى الضد ، فجعل الشمس بعد غاية ارتفاعها واستعلائها منحطة عن ذلك العلو وآخذة في سن الكهولة ، وهو النقصان الخفي ، ثم لما انقضت مدة الكهولة ودخلت في أول زمان الشيخوخة أوجب تعالى صلاة العصر. ونعم ما قال الشافعي رحمه الله : أن أول العصر هو أن يصير ظل كل شيء مثليه ، وذلك لأن من هذا الوقت تظهر النقصانات الظاهرة ، ألا ترى أن من أول وقت الظهر إلى وقت العصر على قول الشافعي رحمه الله ما ازداد الظل إلا مثل الشيء ، ثم ان في زمان لطيف يصير ظله مثليه ، وذلك يدل على أن من الوقت الذي يصير ظل الشيء مثلاً له تأخذ الشمس في النقصانات الظاهرة ، ثم إذا غربت الشمس أشبهت هذه الحالة ما إذا مات الإنسان ، فلا جرم أوجب الله تعالى عند هذه الحالة صلاة المغرب ، ثم لما غرب الشفق فكأنه انمحت آثار الشمس ولم يبق منها في الدنيا خبر ولا أثر ، فلا جرم أوجب الله تعالى صلاة العشاء ، فثبت أن إيجاب الصلوات الخمس في هذه الأوقات الخمسة مطابق للقوانين العقلية والأصول الحكمية ، والله أعلم بأسرار أفعاله . قوله تعالى ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم أن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله علياً حكيماً ﴾ . اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها عاد مرة أخرى إلى الحث على الجهاد فقال ( ولا تهنوا ) أي ولا تضعفوا ولا تتوانوا ( في ابتغاء القوم ) أي في طلب الكفار بالقتال ، ثم أورد الحجة عليهم في ذلك فقال ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ، فلما لم يصرخوف الألم مانعاً لهم عن قتالكم فكيف صار مانعاً لكم عن قتالهم ، ثم زاد في تقرير الحجة وبين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين ، لأن المؤمنين مقرون بالثواب والعقاب والحشر والنشر، ٣٢ قوله تعالى: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق )) الآية سورة النّساء إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُرَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَنكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَابِنِينَ خَصِيبً (﴿يَا وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيماً والمشركين لا يقرون بذلك ، فاذا كانوا مع إنكارهم الحشر والنشر يجدون في القتال فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم في هذا الجهاد ثواباً عظيماً وعليكم في تركه عقاباً عظيماً ، أولى بأن تكونوا مجدين في هذا الجهاد ، وهو المراد من قوله تعالى ( وترجون من الله ما لا يرجون ) ويحتمل أيضاً أن يكون المراد من هذا الرجاء ما وعدهم الله تعالى في قوله ( ليظهره على الدين كله ) وفي قوله ( يا أيها النبي حسبك اللّه ومن أتبعك من المؤمنين ) وفيه وجه ثالث ، وهو انكم تعبدون الإِلِه العالم القادر السميع البصير فيصح منكم أن ترجوا ثوابه ، وأما المشركون فانهم يعبدون الأصنام وهي جمادات ، فلا يصح منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثواباً أو يخافوا منها عقاباً . وقرأ الأعرج ( إن تكونوا تألمون ) بفتح الهمزة بمعنى : ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون ، وقوله ( فانهم يألمون كما تألمون ) تعليل ، ثم قال ﴿ وكان الله علياً حكيماً ﴾ أي لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم . قوله تعالى ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصياً واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحياً ﴾ في كيفية النظم وجوه : الأول : أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة ، واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية ، مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر ، ومثل بيان صلاة السفر وصلاة الخوف ، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين ، وذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم بالباطل ويذر الحكم الحق ، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب . ( والوجه الثاني في بيان النظم ) أنه تعالى لما بين الأحكام الكثيرة في هذه السورة بين أن كل ما عرف بانزال الله تعالى وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قومه . ( الوجه الثالث ) أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بين أن الأمر وإن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم ، وأن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر قوله تعالى: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق)) الآية سورة النساء ٣٣ له ، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل على رسوله ، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اتفق المفسرون على أن أكثر هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق ، ثم في كيفية الواقعة روايات : أحدها : أن طعمة سرق درعاً فلما طلبت الدرع منه رمى واحداً من اليهود بتلك السرقة ، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي وَلَّ وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي ، فهم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك فنزلت الآية ، وثانيها : أن واحداً وضع عنده درعاً على سبيل الوديعة ولم يكن هناك شاهد ، فلما طلبها منه جحدها . وثالثها : أن المودع لما طلب الوديعة زعم أن اليهودي سرق الدرع . واعلم أن العلماء قالوا هذا يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين ، وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان ، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى ( وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ) ثم روى أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطاً هناك لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات . المسألة الثانية﴾ قال أبو علي الفارسي: قوله ( أراك الله) إما أن يكون منقولاً بالهمزة من ((رأيت)) التي يراد بها رؤية البصر، أو من رأيت التي تتعدى إلى المفعولين ، أومن رأيت التي يراد بها الإعتقاد ، والأول باطل لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر، والثاني أيضاً باطل لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية ، ومعلوم أن هذا اللفظ لم يتعد إلا إلى مفعولين أحدهما : الكاف التي هي للخطاب ، والآخر المفعول المقدر ، وتقديره : بما أراكه الله ، ولما بطل القسمان بقي الثالث ، وهو أن يكون المراد منه رأيت بمعنى الإعتقاد . المسألة الثالثة﴾ اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله ( بما أراك الله ) معناه بما أعلمك الله ، وسمى ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور ، وكان عمر يقول : لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى ، فان الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه ، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظناً ولا يكون علماً . إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون : هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالوحي والنص . الفخر الرازي ج١١ م٣ ٣٤ قوله تعالى: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق)) الآية سورة النّساء وإذا عرفت هذا فنقول : تفرع عليه مسألتان : إحداهما : أنه لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالنص ثبت أن الإجتهاد ما كان جائزاً له ، والثانية : أن هذه الآية دلت على أنه ما كان يجوز له أن يحكم إلا بالنص ، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله تعالى ( واتبعوه) وإذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حراماً . والجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس عملاً بالنص في الحقيقة ، فانه يصير التقدير كأنه تعالى قال : مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن ، وإذا كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملاً بعين النص . أما قوله ﴿ولا تكن للخائنين خصياً﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى﴾ معنى الآية: ولا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لمن كان بريئاً عن الذنب ، يعني لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين . المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي رحمه الله: خصمك الذي يخاصمك ، وجمعه الخصماء ، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه ، والخصم طرف الزاوية وطرف الاشفار ، وقيل للخصمين خصمان لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى ، وخصوم السحابة جوانبها . المسألة الثالثة ﴾ قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام: دلت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول عليه الصلاة والسلام ، فانه لولا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه وإلا لما ورد النهي عنه . والجواب : أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي فاعلاً للمنهى عنه ، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية ، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على أن طعمة كذاب ، وأن اليهودي بريء عن ذلك الجرم . فان قيل : الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي عليه الصلاة والسلام قوله بعد هذه الآية (واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً) فلما أمره الله بالإستغفار دل على سبق الذنب . ٣٥ سورة النّساء قوله تعالى: ((ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم)) الآية وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَحْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَيُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَمِيعًا والجواب من وجوه : الأول : لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين فأمر بالإستغفار لهذا القدر ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . والثاني : لعل القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول عليه الصلاة والسلام ما يوجب القدح في شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي ، ثم لما أطلعه الله تعالى على كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ ، فكان استغفاره بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذوراً عند الله فيه . الثالث : قوله (واستغفر الله ) يحتمل أن يكون المراد : واستغفر الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة . ثم قال تعالى ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثياً ﴾ والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقاً ، والإِختيان كالخيانة يقال : خانه واختانه ، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم : إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب ، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه ، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره : انه ظلم نفسه . واعلم أن في الآية تهديداً شديداً ، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طعمة ، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقاً ، فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب ، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم ، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب . ثم قال تعالى ﴿ إن الله لا يحب من كان خواناً أثياً ﴾ قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرعِ ، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله تعالى ( إن الله لا يحب من كان خواناً أثياً ) فان قيل : لم قال ( خواناً أثياً) مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد . قلنا : علم اللّه تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والاثم الكثير، فذكر ٣٦ قوله تعالى: ((يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله)) الآية سورة النِّساء يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَّهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى ١٠٨ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِطًا ( اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل الى ذلك ، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب الى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات ، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته ، وأيضاً طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي ، وهذا يبطل رسالة الرسول ، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر ، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإِثم . وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يدسارق ، فجاءت أمه تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال كذبت ان الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر. واعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإِثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والاثم فهو خارج عنه . ثم قال تعالى ﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضي من القول وكان الله بما يعملون محيطاً﴾ الإستخفاء في اللغة معناه الاستتار ، يقال استخفيت من فلان ، أي تواريت منه واستترت ، قال تعالى ( ومن هو مستخف بالليل ) أي مستتر ، فقوله ( يستخفون من الناس ) أي يستترون من الناس ولا يستترون من الله . قال ابن عباس: يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله . قال الواحدي : هذا معنى وليس بتفسير ، وذلك لأن الإستحياء من الناس يوجب الإِستتار من الناس والإِستخفاء منهم ، فأما أن يقال : الإِستحياء هو نفس الإستخفاء فليس الأمر كذلك ، وقوله ( وهو معهم ) يريد بالعلم والقدرة والرؤية ، وكفى هذا زاجراً للإنسان عن المعاصي ، وقوله ( إذ يبيتون ما لا يرضي من القول ) أي يضمرون ويقدرون في أذهانهم وذكرنا معنى التبييت في قوله ( بيت طائفة منهم ) والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال : أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها ، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي . فان قيل : كيف سمي التبييت قولاً وهو معنى في النفس ؟ قلنا : مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس ، وعلى هذا المذهب فلا اشكال ، ومن أنكر كلام النفس فله أن يجيب بأن طعمة وأصحابه لعلهم اجتمعوا في الليل ٣٧ سورة النِّساء قوله تعالى: (( ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم)) الآية هَنْأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَالْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْخَيَزَةِ الدُّنْيَا ◌َنْ يُحَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَدْمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ( ١٠٩ ورتبوا كيفية الحيلة والمكر ، فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه ، فأما قوله ( وكان الله بما يعملون محيطاً) فالمراد الوعيد من حيث إنهم وإن كانوا يخفون كيفية المكر والخداع عن الناس إلا أنها كانت ظاهرة في علم الله ، لأنه تعالى محيط بجميع المعلومات لا يخفى عليه سبحانه منها شيء . ثم قال تعالى ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾ (ها) للتنبيه في (ها أنتم) و(هؤلاء) وهما مبتدأ وخبر (جادلتم ) جملة مبينة لوقوع ( أولاء) خبراً، كما تقول لبعض الأسخياء : أنت حاتم تجود بمالك وتؤثر على نفسك ، ويجوز أن يكون ( أولاء ) اسماً موصولاً بمعنى الذي و( جادلتم ) صلة ، وأما الجدال فهو في اللغة عبارة عن شدة المخاصمة ، وجدل الحبل شدة فتله ، ورجل مجدول كأنه فتل ، والأجدل الصقر لأنه من أشد الطيور قوة . هذا قول الزجاج . وقال غيره : سميت المخاصمة جدالاً لأن كل واحد من الخصمين يريد ميل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه . إذا عرفت هذا فنقول : هذا خطاب مع قوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وعن قومه بسبب أنهم كانوا في الظاهر من المسلمين ، والمعنى : هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا ، فمن الذين يخاصمون عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه . وقرأ عبد الله بن مسعود : ها أنتم هؤلاء جادلتم عنه ، يعني عن طعمة ، وقوله (فمن يجادل الله عنهم ) استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع . ثم قال تعالى ﴿ أم من يكون عليهم وكيلاً﴾ فقوله (أم من يكون ) عطف على الإستفهام السابق ، والوكيل هو الذي وكل اليه الأمر في الحفظ والحماية ، والمعنى : من الذي يكون محافظاً ومحامياً لهم من عذاب الله ؟ ٣٨ قوله تعالى: ((أم من يكون عليهم وكيلا)) الآية مهورة النّساء وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ الله غَفُورًا رَّحِيمًا ه وَمَن يَكْسِبْ إِنًَّا فَمَا يَكْسُهُ، عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيمًا (2) واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب أتبعه بالدعوة إلى التوبة ، وذكر فيه ثلاثة أنواع من الترغيب . فالأول : قوله تعالى ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحياً﴾ والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع ومن رمى اليهودي بالسرقة والمراد بظلم النفس ما يختص به الإنسان كالحلف الكاذب ، وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالاً للضرر إلى الغير، والضرر سوء حاضر، فأما الذنب الذي يخص الإِنسان فذلك في الأكثر لا يكون ضرراً حاضراً لأن الانسان لا يوصل الضرر إلى نفسه . واعلم أن هذه الآية دالة على حكمين : الأول : أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب سواء كانت كفراً أو قتلاً ، عمداً أو غصباً للأموال لأن قوله ( ومن يعمل سوأ أو يظلم نفسه ) عم الكل الثاني . ان ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الإستغفار كاف، وقال بعضهم : انه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار، وقوله ( يجد الله غفوراً رحيماً) معناه غفوراً رحيماً له ، وحذف هذا القيد لدلالة الكلام عليه ، فانه لا معنى للترغيب في الإستغفار إلا إذا كان المراد ذلك . والنوع الثاني : من الكلمات المرغبة في التوبة . قوله تعالى ﴿ ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله علياً حكيماً ﴾ . والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ، ولذلك لم يجز وصف الباري تعالى بذلك والمقصود منه ترغيب العاصي في الإستغفار كأنه تعالى يقول : الذنب الذي أتيت به ما عادت مضرته إلى فانني منزه عن النفع والضر، ولا تيأس من قبول التوبة والاستغفار ( وكان الله عليماً) بما في قلبه عند إقدامه على التوبة ( حكيماً) تقتضي حكمته ورحمته أن يتجاوز عن التائب . ٣٩ سورة النّساء قوله تعالى: (( ومن يكسب إثما فانما يكسبه على نفسه )) الآية وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِّعَةٌ أَوْ إِنَمًا ثُمَ يَرِمِهِ، بَرِعًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهَْنًا وَإِنًَّا مُبِينًا وَلَوْلَا فَضْلُ اللّهِ عَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت ◌َّآَيِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْحِكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلََّكَ مَالَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ١١٣ النوع الثالث : قوله تعالى ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً. وذكروا في الخطيئة والإِثم وجوهاً : الأول : أن الخطيئة هي الصغيرة ، والاثم هو الكبيرة وثانيها : الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها ، والاثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل وثالثها : الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ ، والاثم ما يحصل بسبب العمد ، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله ( ومن يكسب إثماً فانما يكسبه على نفسه ) فبين أن الإِثم ما يكون سبباً لاستحقاق العقوبة . وأما قوله ﴿ ثم ير به بريئاً﴾ فالضمير في ((به)) إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه : الأول : ثم يرم بأحد هذين المذكورين . الثاني : أن يكون عائداً إلى الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله ( وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا اليها) الثالث : أن يكون عائداً إلى الكسب ، والتقدير : يرم بكسبه بريئاً ، فدل يكسب على الكسب . الرابع : أن يكون الضمير راجعاً إلى معنى الخطيئة فكأنه قال : ومن يكسب ذنباً ثم يرم به بريئاً . وأما قوله ﴿ فقد احتمل بهتاناً﴾ فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر وهو بريء منه . واعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب ، فقوله ( فقد احتمل بهتاناً) إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا ، وقوّله ( وإثماً مبيناً) إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة . ثم قال تعالى ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ﴾ والمعنى ولولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة ، وبالرحمة وهي العصمة لهمت طائفة منهم أن يضلوك، وذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق ، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة ، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي ، ومعنى يضلوك أي يلقوك في الحكم الباطل الخطأ . ٤٠ قوله تعالى: ((ولولا فضل الله عليك ورحمته )) الآية سورة النساء ثم قال تعالى ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم﴾ بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان ، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين يعملون عمل الضالين . ﴿ وما يضرونك من شيء﴾ فيه وجهان: الأول : قال القفال رحمه الله: وما يضرونك في المستقبل ، فوعده الله تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل . الثاني : أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل ، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال ، وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر . ثم قال تعالى ﴿ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ﴾ واعلم أنا إن فسرنا قوله ( وما يضرونك من شيء ) بأن المراد أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) مؤكداً لذلك الوعد ، يعني لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات ، وإن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذوراً في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى : وأنزل عليك الكتاب والحكمة وأوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر . ثم قال تعالى ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ قال القفال رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد ما يتعلق بالدين ، كما قال ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان ) وعلى هذا الوجه تقدير الآية : أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منهما ، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك . الوجه الثاني ﴾ أن يكون المراد: وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين ، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ما تقدر به على الإِحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم ، ثم قال ( وكان فضل الله عليك عظيماً) وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب . وذلك لأن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل ، كما قال ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلاً ، ثم أنه سمى ذلك القليل عظيماً حيث قال ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وسمى جميع الدنيا قليلاً حيث قال ( قل متاع الدنيا قليل ) وذلك يدل على غاية شرف العلم.