Indexed OCR Text
Pages 1-20
تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّازى الشَّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ ومَفَعِ الَّ للإِمَام محمَّالَّزى مز الّين ابن العلّامِ ضَا والدين عُمَرَ الشَّهِ بخطيِ الرّيَ نفَعَ اللّه باليمين - ٦٠٤ هـ ٥٤٤ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام الجُزْءُ الحَادِيعَشِرُ دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م ٩ دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقيا فيكسي ٣ قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله)) الآية سورة النِّساءِ الْجُزُ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيِ اللهِ فَتَبَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْفَقَ إِلَيْكُ الَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا فَعِندَ الهِ مَغَائِمُ كَتِرَةٌ قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ . اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين ، وأمر المجاهدين بالتثبت فيه لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف، وهذه المبالغة تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي هنا وكذلك في الحجرات ( فتثبتوا ) من ثبت ثباتا ، والباقون بالنون من البيان ، والمعنيان متقاربان ، فمن رجح التثبيت قال : إنه خلاف الاقدام ، والمراد في الآية التأني وترك العجلة ، ومن رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين ، فكان التبيين أبلغ وأكمل . ﴿ المسألة الثانية﴾ الضرب معناه السير، فيها بالسفر للتجارة أو الجهاد ، وأصله من الضرب باليد ، وهو كناية عن الاسراع في السیر فان من ضرب إنسانا کانت حرکة یده عند ذلك الضرب سريعة ، فجعل الضرب كناية عن الاسراع في السير . قال الزجاج : ومعنى ( ضربتم في سبيل الله ) أي غزوتم وسرتم الى الجهاد . ثم قال تعالى ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلم لست مؤمناً ﴾ أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين ، ومنه قوله ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) أي استسلموا للأمر ، ومن قرأ السلام بالألف فله معنيان : أحدهما : أن يكون المراد السلام الذي يكون هو تحية المسلمين ، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذاً فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره . والثاني : أن يكون المعنى : لا تقولوا لمن اعتز لكم ولم يقاتلكم لست مؤمنا ، وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة . قال صاحب الكشاف : قرىء ( مؤمنا ) بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك . المسألة الثالثة ﴾ في سبب نزول هذه الآية روايات: : الرواية الأولى﴾ أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره ، فذهبت سرية الرسول ◌َليس إلى قومه وأميرهم غالب بن فضالة، فهرب القوم وبقى مرداس لثقته باسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل ، وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه ، فأخبروا رسول اللّه ◌َلّ؛ فوجد وجداً شديداً وقال : قتلتموه إرادة ما معه ، ثم قرأ الآية ٤ الخامس قوله تعالى: ((تبتغون عرض الحياة الدنيا الآية سورة النِّساء على أسامة ، فقال أسامة يا رسول اللّه استغفر لى ، فقال: فكيف وقد تلا لا إله إلا الله ! قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم اكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر لي وقال : أعتق رقبة . ﴿ الرواية الثانية﴾ أن القاتل محلم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه بتحية الاسلام، وكانت بين محلم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله، فغضب رسول الله عليه. وقال (( لا غفر الله لك)) فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات، فقال النبي ◌َّ ((إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد ان يريكم عظم الذنب عنده)) ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة . ﴿ الرواية الثالثة ﴾ أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال : فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة ، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك؟ فقال رسول الله لا تقتله، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي، فقال عليه الصلاة والسلام (( لا تقتله فان قتلته فانه بمنزلتك بعد أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)) وعن أبي عبيدة قال قال رسول مَّ﴾ ((إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فان كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح)) قال القفال رحمه الله: ولا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها ، فكان كل فريق يظن أنها نزلت فى واقعته والله أعلم . المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا ؟ فالفقهاء قبلوها واحتجوا عليه بوجوه : الأول : هذه الآية فانه تعالى لم يفرق في هذه الآية بين الزنديق وبين غيره بل أوجب ذلك في الكل . ﴿ الحجة الثانية﴾ قوله تعالى ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وهو عام في جميع أصناف الكفرة . الحجة الثالثة﴾ أن الزنديق لا شك أنه مأمور بالتوبة ، والتوبة مقبولة على الاطلاق لقوله تعالى ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) وهذا عام في جميع الذنوب وفي جميع أصناف الخلق . المسألة الخامسة ﴾ إسلام الصبي صحيح عند أبي حنيفة، وقال الشافعي لا يصح. قال أبو حنيفة دلت هذه الآية على صحة إسلام الصبي لأن قوله ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا ) عام في حق الصبي وفي حق البالغ . قال الشافعي : لوصح الاسلام منه لوجب ، لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذنا في الكفر ، وهو غير جائز ، لكنه غير واجب عليه لقوله عليه الصلاة والسلام (( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ)) الحديث والله أعلم. ٥ قوله تعالى: ((فمن الله عليكم)) الآية سورة النّساء كَذِّكَ كُنْتُ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴿ المسألة السادسة﴾ قال أكثر الفقهاء: لوقال اليهودي أو النصراني: أنا مؤمن أو قال أنا مسلم لا يحكم بهذا القدر باسلامه ، لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو الاسلام وهو الايمان ، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعند قوم لا يحكم باسلامه ، لأن فيهم من يقول: إنه رسول اللّه إلى العرب لا إلى الكل ، ومنهم من يقول : إن محمدا الذي هو الرسول الحق بعد ما جاء ، وسيجىء بعد ذلك ، بل لا بد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ﴾ قال أبو عبيدة : جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال : إن الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر ، والعرض بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير ، وإنما سمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير باق. ومنه يسمى المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضا لقلة لبثه ، فقوله ( فعند الله مغانم كثيرة ) يعني ثوابا كثيرا ، فنبه تعالى بتسميته عرضا على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء ، وبقوله ( فعند الله مغانم كثيرة ) على أن ثواب الله موصوف بالدوام والبقاء كما قال ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ) . ثم قال تعالى ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المخاطبين باولئك الذين ألقوا السلم ، وليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع ، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوها : الأول : أن المراد أنكم أول ما دخلتم في الاسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم وأموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم ، فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في الاسلام كما فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر القول ، وأن لا تقولوا ان إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف ، هذا هو الذي اختاره أكثر المفسرين ، وفيه إشكال لأن لهم أن يقولوا : ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء ، لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار ، وهؤلاء أظهروا الايمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر : ﴿ الوجه الثاني﴾ قال سعيد بن جبير: المراد انكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه ، ثم من الله عليكم باعزازكم حتى أظهرتم دينكم ، فانتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة ، وهذا أيضا فيه إشكال لأن اخفاء الايمان ما كان عاما فيهم . الثالث : قال مقاتل : المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول الله بكلمة ((لا اله إلا الله)) فاقبلوا منهم مثل ذلك ، وهذا يتوجه عليه الاشكال الأول ، والأقرب عندي أن يقال : ان من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال ، فكأنه قيل لهم : كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف باسباب ضعيفة إلى الاسلام ، ثم من الله عليكم بالاسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر ، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف الى الاسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الايمان ، فإن الله تعالى يؤكد حلاوة الايمان في قلوبهم ويقوى تلك الرغبة في صدورهم فهذا ما عندي فيه . ٦ قوله تعالى: ((فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)) الآية سورة النِّساء فَبَّنُوْإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (®َ لَّا يَسْتَوِى أَلْفَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أَوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَتِهِدُونَ فِ سَبِيلِ لّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الَهُالْمُجَتِهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِمْ عَلَّى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُالْمُجَهِدِين عَلَى الْفَعِدِينَ أَبْرًا عَظِيمًا (٤ه دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورً ا رَّحِيًا ◌َ ( كذلك كنتم من قبل) يعني ايمانكم كان مثل إيمانهم في أنه إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب ، أو في أنه كان في ابتداء الأمر حاصلا بسبب ضعيف، ثم من الله عليكم حيث قوي نور الإيمان في قلوبكم وأعانكم على العمل به والمحبة له . والثاني : أن يكون هذا منقطعا عن هذا الموضع ، ويكون متعلقا بما قبله ، وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا الله، ثم انه تعالى نهاهم عن هذا الفعل وبين لهم أنه من العظائم قال بعد ذلك ( فمن الله عليكم ) أي من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر . ثم أعاد الأمر بالتبيين فقال ﴿فتبينوا﴾ وإعادة الأمر بالتبيين تدل على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل . ثم قال تعالى ﴿ إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ والمراد منه الوعيد والزجر عن الاظهار بخلاف الاضمار . قوله تعالى ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ﴾ . اعلم أن في كيفية النظم وجوها : الأول : ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في الجهاد أتبع ذلك ببيان أحكام الجهاد . فالنوع الأول من أحكام الجهاد : تحذير المسلمين عن قتل المسلمين ، وبيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأكيف، وعلى سبيل العمد كيف، وعلى سبيل تأويل الخطأ كيف ، فلما ذكر ذلك الحكم أتبعه بحكم آخر وهو بيان فضل المجاهد على غيره وهو هذه الآية . ﴿ الوجه الثاني﴾ لما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم من قتل من تكلم بكلمة الشهادة، فلعله يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد لئلا يقع بسببه في مثل هذا ٧ سورة النِّساء قوله تعالى : ((لا يستوي القاعدون من المؤمنين)) الآية" ثم قال تعالى ﴿ فمن الله عليكم﴾ وفيه احتمالان: الأول : أن يكون هذا متعلقا بقوله المحذور ، فلا جرم ذكر الله تعالى في عقيبه هذه الآية وبين فيها فضل المجاهد على غيره إزالة لهذه الشبهة . الوجه الثالث ﴾ أنه تعالى لما عاتبهم على ما صدر منهم من قتل من تكلم بالشهادة ذكر عقيبه فضيلة الجهاد ، كأنه قيل : من أتى بالجهاد فقد فاز بهذه الدرجة العظيمة عند الله تعالى ، فليحترز صاحبها من تلك الهفوة لئلا يخل منصبه العظيم في الدين بسبب هذه الهفوة ، والله أعلم وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ) قرىء (غير أولى الضرر) بالحركات الثلاث في (غير ) فالرفع صفة لقوله ( القاعدون ) والمعنى لا يستوي القاعدون المغايرون لأولى الضرر والمجاهدون ، ونظيره قوله ( أو التابعين غير أولى الأربة ) وذكرنا جواز أن يكون ( غير ) صفة المعرفة في قوله ( غير المغضوب ) قال الزجاج : ويجوز أن يكون ( غير ) رفعا على جهة الاستثناء ، والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولى الضرر فانهم يساوون المجاهدين ، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر ، والكلام في رفع المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله ( ما فعلوه إلا قليل منهم ) وأما القراءة بالنصب ففيها وجهان : الأول : أن يكون استثناء من القاعدين ، والمعنى لا يستوي القاعدون إلا أولى الضرر ، وهو اختيار الاخفش . الثاني : أن يكون نصبا على الحال ، والمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم ، والمجاهدون ، كما تقول : جاءني زيد غير مريض ، أي جاءني زيد صحيحا ، وهذا قول الزجاج والفراء وكقوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد ) وأما القراءة بالجر فعلى تقدير أن يجعل ( غير ) صفة للمؤمنين ، فهذا بيان الوجوه في هذه القراءات . ثم ههنا بحث آخر : وهو أن الأخفش قال : القراءة بالنصب على سبيل الاستثناء أولى لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج . روى في التفسير انه لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين جاء قوم من أولى الضرر فقالوا للنبي عليه : حالتنا كما ترى ، ونحن نشتهي الجهاد ، فهل لنا من طريق ؟ فنزل ( غير أولى الضرر ) فاستثناهم الله تعالى من جملة القاعدين : وقال آخرون : القراءة بالرفع أولى لأن الأصل في كلمة ( غير ) أن تكون صفة ، ثم انها وإن كانت صفة فالمقصود والمطلوب من الاستثناء حاصل منها ، لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولى الضرر من تلك المفضولية ، وإذا كان هذا المقصود حاصلا على كلا التقديرين وكان الأصل في كلمة ( غير ) أن تكون صفة كانت القراءة بالرفع أولى . المسألة الثانية﴾ الضرر النقصان سواء كان بالعمى أو العرج أو المرض ، أو كان ٨ قوله تعالى: ((فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم)) الآية سورة النِّساء بسبب عدم الأهبة . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ حاصل الآية: لا يستوي القاعدون المؤمنون الاصحاء والمجاهدون في سبيل الله ، واختلفوا في أن قوله ( غير أولى الضرر ) هل يدل على أن المؤمنين القاعدين الاضراء يساوون المجاهدين أم لا ؟ قال بعضهم : أنه لا يدل لأنا ان حملنا لفظ ( غير ) على الصفة وقلنا التخصيص بالصفة لا يدل على نفي الحكم عما عداه لم يلزم ذلك ، وإن حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي ليس باثبات لم يلزم أيضا ذلك ، أما إذا حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي اثبات لزم القول بالمساواة . واعلم أن هذه المساواة في حق الاضراء عند من يقول بها مشروطة بشرط آخر ذكره الله تعالى في سورة التوبة وهو قوله ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) إلى قوله ( إذا نصحوا الله ورسوله ) . واعلم أن القول بهذه المساواة غير مستبعد ، ويدل عليه النقل والعقل ، أما النقل فقوله عليه الصلاة والسلام عند انصرافه من بعض غزواته ((لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر)) وقال عليه الصلاة والسلام ((اذا مرض العبد قال الله عز وجل اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ )) وذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى ( ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) أن من صار هرما كتب الله تعالى له أجر ما كان يعمله قبل هرمه غير منقوص من ذلك شيئا. وذكروا في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام (( نية المؤمن خير من عمله)) أن ما ينويه المؤمن من دوامه على الايمان والأعمال الصالحة لو بقي أبدا خير له من عمله الذي أدركه في مدة حياته ، وأما المعقول فهو أن المقصود من جميع الطاعات والعبادات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى ، فان حصل الاستواء فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب ، وإن كان القاعد أكثر حظا من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثوابا . المسألة الرابعة ﴾ لقائل أن يقول: إنه تعالى قال (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) فقدم ذكر النفس على المال ، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله ( والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم ) قدم ذكر المال على النفس ، فما السبب فيه ؟ وجوابه : أن النفس أشرف من المال ، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيها على أن الرغبة فيها أشد ، والبائع أخر ذكرها تنبيها على أن المضايقة فيها أشد ، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب واعلم أنه تعالى لما بين ان المجاهدين والقاعدين لا يستويان ثم ان عدم الاستواء يحتمل ٩ سورة النِّساء قوله تعالى: ((وفضل الله المجاهدين على القاعدين )) الآية الزيادة ويحتمل النقصان لا جرم كشف تعالى عنه فقال ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) وفي انتصاب قوله ( درجة ) وجوه الأول: انه يحذف الجار، والتقدير بدرجة فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل الثاني : قوله ( درجة ) أي فضيلة ، والتقدير ، وفضل الله المجاهدين فضيلة . كما يقال زيد أكرم عمراً إكراما والفائدة في التنكير التفخيم . الثالث : قوله ( درجة ) نصب على التمييز . ثم قال ﴿ وكلا وعد الله الحسنى﴾ أي وكلا من القاعدين والمجاهدين فقد وعده الله الحسنى قال الفقهاء : وفيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية ، وليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين ، ولو كان الجهاد واجباً على التعيين لما كان القاعد أهلا لوعد الله تعالى إياه الحسنى . ثم قال تعالى ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ في انتصاب قوله (أجراً) وجهان : الأول : انتصب بقوله ( وفضل ) لأنه في معنى قولهم : آجرهم أجراً، ثم قوله ( درجات منه ومغفرة ورحمة ) بدل من قوله ( أجراً) الثاني : انتصب على التمييز و( درجات) عطف بيان (ومغفرة ورحمة ) معطوفان على ((درجات)). ﴿ المسألة الثانية لقائل أن يقول: إنه تعالى ذكر أولاً درجة، وههنا درجات ، وجوابه من وجوه : الأول : المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد ، بل بالجنس ، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع ، وذلك هو الأجر العظيم ، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة الثاني : أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الاضراء بدرجة ، ومن القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات ، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله ( غير أولي الضرر ) لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين القاعدين الاضراء . الثالث : فضل الله المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة وهي الغنيمة ، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل والرحمة والمغفرة . الرابع : قال في أول الآية ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً) ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال والنفس فقط ، وإلا حصل التكرار، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهداً على الإطلاق في كل الأمور ، أعني في عمل الظاهر، وهو الجهاد بالنفس والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة ، كما قال عليه السلام ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من ١٠ قوله تعالى: ((وفضل الله المجاهدين على القاعدين)) الآية سورة النّساء الإِلتفات إلى غير الله إلى الإستغراق في طاعة الله، ولما كان هذا المقام أعلى مما قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة ، وفضيلة هذا الثاني درجات . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قالت الشيعة : دلت هذه الآية على أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من أبي بكر ، وذلك لأن عليا كان أكثر جهاداً ، فالقدر الذي فيه حصل التفاوت كان أبو بكر من القاعدين فيه ، وعلي من القائمين ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون على أفضل منه لقوله تعالى ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ) فيقال لهم : إن مباشرة علي عليه السلام لقتل الكفار كانت أكثر من مباشرة الرسول لذلك ، فيلزمكم بحكم هذه الآية أن يكون علي أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم . وهذا لا يقوله عاقل ، فان قلتم إن مجاهدة الرسول مع الكفار كانت أعظم من مجاهدة علي معهم ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجاهد الكفار بتقرير الدلائل والبينات وإزالة الشبهات والضلالات ، وهذا الجهاد أكمل من ذلك الجهاد ، فنقول : فاقبلوا منا مثله في حق أبي بكر ، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما أسلم في أول الأمر سعى في إسلام سائر الناس حتى أسلم على يده عثمان ابن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون ، وكان يبالغ في ترغيب الناس في الإِيمان وفي الذب عن محمد ◌َّ بنفسه وبماله ، وعلي في ذلك الوقت كان صبياً ما كان أحد يسلم بقوله ، وما كان قادراً على الذب عن محمد عليه الصلاة والسلام ، فكان جهاد أبي بكر أفضل من جهاد علي من وجهين : أحدهما : أن جهاد أبي بكر كان في أول الأمر حين كان الإِسلام في غاية الضعف، وأما جهاد علي فانما ظهر في المدينة في الغزوات، وكان الإِسلام في ذلك الوقت قوياً . والثاني : أن جهاد أبي بكر كان بالدعوة إلى الدين ، وأكثر أفاضل العشرة إنما أسلموا على يده ، وهذا النوع من الجهاد هو حرفة النبي عليه الصلاة والسلام . وأما جهاد علي فانما كان بالقتل ، ولا شك أن الأول أفضل . المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة : دلت الآية على أن نعيم الجنة لا ينال إلا بالعمل لأن التفاوت في العمل لما أوجب التفاوت في الثواب والفضيلة دل ذلك على أن علّة الثواب هو العمل ، وأيضاً لو لم يكن العمل موجباً للثواب لكان الثواب هبة لا أجراً ، لكنه تعالى سماه. أجراً ، فبطل القول بذلك ، فيقال لهم : لم لا يجوز أن يقال : العمل علّة الثواب لكن لا لذاته ، بل بجعل الشارع ذلك العمل موجباً له . ﴿ المسألة الخامسة﴾ قالت الشافعية: دلت الآية على أن الإشتغال بالنوافل أفضل من الإِشتغال بالنكاح ، لأنا بينًا أن الجهاد فرض على الكفاية بدليل قوله ( وكلا وعد الله الحسنى ) قوله تعالى: ((إن الذين توفاهم الملائكة)) الآية سورة النِّساء إِنَّالَّذِينَ تَوَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ◌َالِىّ أَنْفُسِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُواْكَ مُسْتَضْعَفِينَ فِ اْلْأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجُواْ فِهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَّمُ وَسَآءَتْ مَصِبْرًا ﴾ إِلَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْتِسَاءِ وَالْوَِّنِ لَيَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ؟ فَأُوْلَكَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا ٨ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً غَفُورًا ٩٩ ولو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان القاعد عن الجهاد موعوداً من عند الله بالحسنى . إذا ثبت هذا فنقول : إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين ، فلو أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة ، ثم إن قوله ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ) يتناول جميع المجاهدين سواء كان جهاده واجباً أو مندوباً ، والمشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد ، فثبت أن الإشتغال بالجهاد المندوب أفضل من الإشتغال بالنكاح والله أعلم. قوله تعالى ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً ﴾ . اعلم أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد أتبعه بعقاب من قعد عنه ورضي بالسكون في دار الكفر ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الفراء: إن شئت جعلت ( توفاهم) ماضياً ولم تضم تاء مّع التاء ، مثل قوله ( إن البقر تشابه علينا ) وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخباراً عن حال أقوام معينين انقرضوا ومضوا ، وإن شئت جعلته مستقبلاً ، والتقدير : إن الذين تتوفاهم الملائكة ، وعلى هذا التقدير تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة . المسألة الثانية﴾ في هذا التوفي قولان: الأول: وهو قول الجمهور معناه تقبض أرواحهم عند الموت . ١٢ قوله تعالى: ((قالوا كنا مستضعفين في الأرض )) الآية سورة النِّساء فان قيل : فعلى هذا القول كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها) الذي خلق الموت والحياة . كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) وبين قوله ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) . قلنا : خالق الموت هو الله تعالى ، والرئيس المفوض إليه هذا العمل هو ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه . القول الثاني ﴾ توفاهم الملائكة يعني يحشرونهم إلى النار، وهو قول الحسن. المسألة الثالثة ﴾ في خبر ( إن) وجوه : الأول : أنه هو قوله : قالوا لهم فيم كنتم ، فحذف ((لهم)) لدلالة الكلام عليه . الثاني : أن الخبر هو قوله ( فأولئك مأواهم جهنم ) فيكون ( قالوا لهم ) في موضع ظالمي أنفسهم لأنه نكرة . الثالث : أن الخبر محذوف وهو هلكوا ، ثم فسر الهلاك بقوله ( قالوا فيم كنتم ) أما قوله تعالى (ظالمي أنفسهم ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (ظالمي أنفسهم) في محل النصب على الحال ، والمعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم ، وهو وإن أضيف إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة ، لأن المعنى على الإنفصال ، كأنه قيل ظالمين أنفسهم ، إلا أنهم حذفوا النون طلباً للخفة ، واسم الفاعل سواء أريد به الحال أو الإستقبال فقد يكون مفصولاً في المعنى وإن كان موصولاً في اللفظ، وهو كقوله تعالى ( هذا عارض ممطرنا . هدياً بالغ الكعبة . ثاني عطفه ) فالإِضافة في هذه المواضع كلها لفظية لا معنوية . المسألة الثانية﴾ الظلم قد يراد به الكفر. قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) وقد يراد به المعصية (فمنهم ظالم لنفسه ) وفي المراد بالظلم في هذه قولان : الأول : أن المراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك ، ولم يهاجروا إلى دار الإِسلام . الثاني : أنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفاً ، فاذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولم يهاجروا إلى المدينة ، فبين الله تعالى بهذه الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة . وأما قوله تعالى ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ ففيه وجوه : أحدها : فيم كنتم من أمر دينكم . وثانيها : فيم كنتم ، في حرب محمد أو في حرب أعدائه . وثالثها : لم تركتم الجهاد ولم رضيتم بالسكون في ديار الكفار ؟ ١٣ سورة النِّساء قوله تعالى: ((فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم)) الآية ثم قال تعالى ﴿ قالوا كنا مستضعفين في الأرض ﴾ جواباً عن قولهم ( فيم كنتم ) وكان حق الجواب أن يقولوا : كنا في كذا ، أو لم نكن في شيء وجوابه : أن معنى ( فیم كنتم ) التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فقالوا : كنا مستضعفين اعتذاراً عما وبخوا به ، واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة ، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) أرادوا أنكم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم ، بل مع القدرة على هذه المفارقة ، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم فقال ( فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً) ثم استثنى تعالى فقال ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ) ونظيره قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني ويجوز أن يكون ( لا يستطيعون ) في موضع الحال ، والمعنى لا يقدرون على حيلة ولا نفقة ، أو كان بهم مرض ، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة . ثم قال ﴿ ولا يهتدون سبيلاً﴾ أي لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلهم على الطريق. روي أن النبي ◌ّيّ بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني فاني لست من المستضعفين ، ولا أني لا أهتدي الطريق ، والله لا أبيت الليلة بمكة ، فحملوه على سرير متوجهاً الى المدينة ، وكان شيخاً كبيراً ، فمات في الطريق . فان قيل : كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد ، فان الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين للوعيد على بعض الوجوه ؟ قلنا : سقوط الوعيد إذا كان بسبب العجز ، والعجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة وتارة بسبب الصبا، فلا جرم حسن هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ، ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله تعالى ، وإن أريد العبيد والاماء البالغون فلا سؤال. ثم قال تعالى ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ وفيه سؤال ، وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة ، والعاجز عن الشيء غير مكلف به ، وإذا لم يكن مكلفاً به لم يكن عليه .م ١٤ قوله تعالى: ((ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض)) الآية سورة النِّساء وَمَنْ يَُِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَمًا كَثِيرًا وَسَعَّةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهًَِ إِلَى الَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَبْرُهُ، عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رِحِیمًا ١٠٠ في تركه عقوبة ، فلم قال ( عسى الله أن يعفو عنهم ) والعفو لا يتصور إلا مع الذنب ، وأيضاً ((عسى)) كلمة الاطماع ، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم. والجواب عن الأول : أن المستضعف قد يكون قادراً على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه ، فربما ظن الإِنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فانها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإِنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك ، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام . وأما السؤال الثاني﴾ وهو قوله: ما الفائدة في ذكر لفظة ((عسى)) ههنا؟ فنقول : الفائدة فيها الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه ، حتى ان المضطر البين الإِضطرار من حقه أن يقول : عسى الله أن يعفو عني ، فكيف الحال في غيره . هذا هو الذي ذكره صاحب الكشاف في الجواب عن هذا السؤال ، إلا أن الأولى أن يكون الجواب ما قدمناه ، وهو أن الإِنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزاً عنها مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة ((عسى)) لا بالكلمة الدالة على القطع . ثم قال تعالى ﴿وكان الله عفواً غفوراً﴾ ذكر الزجاج في ((كان)) ثلاثة أوجه : الأول : كان قبل أن خلق الخلق موصوفاً بهذه الصفة . الثاني : أنه قال (كان ) مع أن جميع العباد بهذه الصفة والمقصود بيان أن هذه عادة الله تعالى أجراها في حق خلقه . الثالث : لوقال : إنه تعالى عفو غفور كان هذا إخباراً عن كونه كذلك فقط ، ولما قال إنه كان كذلك كان هذا إخباراً وقع مخبره على وفقه فكان ذلك أدل على كونه صدقاً وحقاً ومبرأ عن الخلف والكذب . واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة فانه لولم يحصل ههنا شيء من الذنب لامتنع حصول العفو والمغفرة فيه ، فلما أخبر بالعفو والمغفرة دل على حصول الذنب ، ثم إنه تعالى وعد بالعفو مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فيدل على ما ذكرناه . قوله تعالى ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته ١٥ سورة النِّساء قوله تعالى: ((ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض)» الآية مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ واعلم أن ذلك المانع أمران : الأول : أن يكون له في وطنه نوع راحة ورفاهية ، فيقول لو فارقت الوطن وقعت في الشدة والمشقة وضيق العيش ، فأجاب الله عنه بقوله ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ) يقال : راغمت الرجل إذا فعلت ما يكرهه ذلك الرجل ، واشتقاقه من الرغام وهو التراب ، فانهم يقولون : رغم أنفه ، يريدون به أنه وصل إليه شيء يكرهه ، وذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة ، والتراب في غاية الذلة ، فجعلوا قولهم : رغم أنفه كناية عن الذل . إذا عرفت هذا فنقول : المشهور أن هذه المراغمة إنما حصلت بسبب أنهم فارقوا وخرجوا عن ديارهم وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى : ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فاذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية ، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه ، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك ، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه والله أعلم . والحاصل كأنه قيل : يا أيها الانسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر ، فلا تخف فان الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سبباً لرغم أنوف أعدائك ، ويكون سبباً لسعة عيشك ، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإِنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث أنها تصير سبباً لرغم أنوف الأعداء ، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سبباً لسعة العيش عليه . ﴿ وأما المانع الثاني ﴾ من الاقدام على المهاجرة فهو أن الإِنسان يقول : إن خرجت عن بلدي في طلب هذا الغرض ، فربما وصلت إليه وربما لم أصل اليه ، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب شيء ربما أصل إليه ، وربما لا أصل اليه ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) والمعنى ظاهر ، وفي الآية مسائل . ١٦ قوله تعالى: ((ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض)) الآية سورة النِّساء ﴿ المسألة الأولى﴾ قال بعضهم : المراد من قصد طاعة الله ثم عجز عن إتمامها، كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة : كالمريض يعجز عما كان يفعله في حال صحته من الطاعة ، فيكتب له ثواب ذلك العمل. هكذا روى عن رسول الله بح لية . وقال آخرون: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل ، وأما أجر تمام العمل فذلك محال ، واعلم أن القول الأول أولى لأنه تعالى إنما ذكر هذه الآية ههنا في معرض الترغيب في الجهاد ، وهو أن من خرج الى السفر لأجل الرغبة في الهجرة ، فقد وجد ثواب الهجرة ، ومعلوم أن الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى ، فأما القول بأن معنى الآية هو أن يصل اليه ثواب ذلك القدر من العمل ، فلا يصلح مرغباً ، لأنه قد عرف أن كل من أتى بعمل فانه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر من العمل ، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام (( وإنما لكل امرئ ما نوى)) وأيضاً روي في قصة جندب بن ضمرة ، أنه لما قرب موته أخذ يصفق بيمينه على شماله ، ويقول : اللهم هذه لك ، وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك ، ثم مات فبلغ خبره أصحاب النبي ◌َّ﴾، فقالوا : لو توفي بالمدينة لكان خيراً له ، فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية ﴾ قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله ، لأنه تعالى قال ( فقد وقع أجره على الله ) وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه ذكر لفظ الوقوع ، وحقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط ، قال تعالى ( فاذا وجبت جنوبها ) أي وقعت وسقطت وثانيها : أنه ذكر بلفظ الأجر ، والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة ، فأما الذي لا يكون مستحقاً فذاك لا يسمى أجراً بل هبة. وثالثها: قوله (على الله) وكلمة ((على)) للوجوب ، قال تعالى : ( ولله على الناس حج البيت ) والجواب : أننا لا ننازع في الوجوب ، لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم ، لا بحكم الإستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية ، وقد ذكرنا دلائله فيما تقدم . المسألة الثالثة ﴾ استدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا ماتْ في الطريق وجب سهمه من الغنيمة ، كما وجب أجره . وهذا ضعيف ، لأن لفظ الآية مخصوص بالأجر ، وأيضاً فاستحقاق السهم من الغنيمة متعلق بحيازتها ، إذ لا تكون غنيمة إلا بعد حيازتها ، قال تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء ) والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً﴾ أي يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ، ويرحمه بكمال أجر المجاهدة . ١٧ قوله تعالى: ((وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح)) الآية سورة النِّساء وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاُ أَنْ تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ ـوي أَن يَفْسِكُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ١٠١ قوله تعالى ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ اعلم أن أحد الأمور التي يحتاج المجاهد اليها معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف ، والإِشتغال بمحاربة العدو ؛ فلهذا المعنى ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وههنا مسائل . المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي : يقال قصر فلان صلاته وأقصرها وقصرها ، كل ذلك جائز وقرأ ابن عباس : تقصروا من أقصر، وقرأ الزهري : من قصر، وهذا دليل على اللغات الثلاث . المسألة الثانية ﴾ اعلم أن لفظ القصر مشعر بالتخفيف، لأنه ليس صريحاً في أن المراد هو القصر في كمية الركعات وعددها أو في كيفية أدائها ، فلا جرم حصل في الآية قولان : الأول : وهو قول الجمهور أن المراد منه القصر في عدد الركعات ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين : الأول : أن أراد منه صلاة المسافر ، وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات ، فانها تصير في السفر ركعتين ، فعلى هذا القصر إنما يدخل في صلاة الظهر والعصر والعشاء ، أما المغرب والصبح ، فلا يدخل فيهما القصر. الثاني : أنه ليس المراد بهذه الآية صلاة السفر ، بل صلاة الخوف، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله وجماعة ، قال ابن عباس : فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين ، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم محمد ◌ّ ، فهذان القولان متفرعان على ما إذا قلنا : المراد من القصر تقليل الركعات . القول الثاني ﴾ أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية أداء الركعات ، وهو · أن يكتفي في الصلاة بالإيماء والإِشارة بدل الركوع والسجود ، وأن يجوز المشي في الصلاة ، وأن تجوز الصلاة عند تلطخ الثوب بالدم ، وذلك هو الصلاة التي يؤتى بها حال شدة التحام القتال ، وهذا القول يروى عن ابن عباس وطاوس . واحتج هؤلاء على صحة هذا القول بأن خوف الفتنة من العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على إتمام أوصافهما ، وإنما ذلك فيما يشتد فيه الفخر الرازي ج١١ م٢ ١٨ قوله تعالى: ((وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ان تقصروا)) الآية سورة النِّساء الخوف في حال التحام القتال ، وهذا ضعيف، لأنه يمكن أن يقال : إن صلاة المسافر إذا كانت قليلة الركعات ، فيمكنه أن يأتي بها على وجه لا يعلم خصمه بكونه مصلياً ، أما إذا كثرت الركعات طالت المدة ولا يمكنه أن يأتي بها على حين غفلة من العدو . واعلم أن وجه الإحتمال ما ذكرنا ، وهو أن القصر مشعر بالتخفيف ، والتخفيف كما يحصل بحذف بعض الركعات فكذلك يحصل بأن يجعل الإيماء والإِشارة قائماً مقام الركوع والسجود . واعلم أن حمل لفظ القصر على إسقاط بعض الركعات أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كيف نقصر وقد أمنا ، وقد قال الله تعالى ( ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ) فقال : عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي ◌َّ# فقال ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) وهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات ، وأن ذلك كان مفهوماً عندهم من معنى الآية . الثاني : أن القصر عبارة عن أن يؤتى ببعض الشيء ، ويقتصر عليه ، فأما أن يؤتى بشيء آخر ، فذلك لا يسمى قصراً، ولا اقتصاراً ، ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود ، وتجويز المشي في الصلاة وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم ، ليس شيء من ذلك قصراً، بل كلها إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء آخر ، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى. الثالث: أن ((من)) في قوله ( من الصلاة ) للتبعيض ، وذلك يوجب جواز الإِقتصار على بعض الصلاة ، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر باسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإِشارة . الرابع : أن لفظ القصر كان مخصوصاً في عرفهم بنقص عدد الركعات . ولهذا المعنى لما صلى النبي ◌َّ الظهر ركعتين ، قال ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ الخامس : أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى حذف الركعات ، لئلايلزم التكرار ، والله أعلم . المسألة الثالثة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : القصر رخصة ، فان شاء المكلف أتم ، وإن شاء اكتفى على القصر، وقال أبو حنيفة : القصر واجب ، فان صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته ، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته ، واحتج الشافعي رحمه الله على قوله بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله تعالى ( لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة ) مشعر بعدم الوجوب ، فانه لا يقال ( لا جناح عليكم ) في أداء الصلاة الواجبة ، بل ١٩ سورة النِّساء قوله تعالى: ((وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح)) الآية هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء ، فاما إيجابه على التعيين فهذه اللفظ غير مستعمل فيه ، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات ، بل تخفيف الأعمال . واعلم أنا بينا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره ، فسقط هذا العذر . وذكر صاحب الكشاف وجهاً آخر فيه ، فقال : إنهم لما ألفوا الإِتمام ، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، فيقال له : هذا الإحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم : رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال : أوجبت عليكم هذا القصر، وحرمت عليكم الإتمام ، وجعلته مفسداً لصلاتكم ، فهذا الإحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلاً ، فلا يكون هذا الكلام لائقاً به. الحجة الثانية ) ما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت : اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله : بأبي أنت وأمي ، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت ، فقال : أحسنت يا عائشة وما عاب علي ، وكان عثمان يتم ويقصر، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه . ﴿ الحجة الثالثة ﴾ أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز، لا على سبيل التعيين جزما فكذا ههنا ، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيه ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) فظاهر الأمر للوجوب ، وعن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً صلى ركعتين . والجواب : أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعاً وجائزاً ، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره ؟ ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى ، والله أعلم . المسألة الرابعة ﴾ قال بعضهم : صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، ولما قدم النبي وَاللّه المدينة أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. واعلم أن لفظ الآية يبطل هذا ، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات ، ولو كان الأمر على ما ذكروه لما كان هذا قصراً في صلاة السفر ، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر، والله أعلم . ﴿ المسألة الخامسة﴾ زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة . ٢٠ قوله تعالى: ((وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح)) الآية سورة النّاء احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا : إن قوله تعالى ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) جملة مركبة من شرط ، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض ، والجزاء هو جواز القصر، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلاً أو قصيراً ، أقصى ما في الباب أن يقال : فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإِنسان من محلة إلى محلة ، ومن دار إلى دار ، إلا أنا نقول :. الجواب عنه من وجهين : الأول : أن الإنتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض ، فقد زال الاشكال ، وإن سمي بذلك فنقول : أجمع المسلمون على أنه غير معتبر ، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإِجماع ، والعام بعد التخصيص حجة ، فوجب أن يبقى النص معتبراً في السفر ، سواء كان قليلاً أو كثيراً . والثاني : أن قوله ( وإذا ضربتم في الأرض ) يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطاً لحصول هذه الرخصة، فلو كان الضرب في الأرض اسماً لمطلق الإنتقال لكان ذلك حاصلاً دائماً ، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الإنتقال من الدار إلى المسجد ، ومن المسجد إلى السوق ، وإذا كان حاصلاً دائماً امتنع جعله شرطاً لثبوت هذا الحكم ، فلما جعل الله الضرب في الأرض شرطاً لثبوت هذا الحكم ، علمنا أنه مغاير لمطلق الإنتقال وذلك هو الذي يسمى سفراً ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد ، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر ، أما الفقهاء فقالوا : أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر ، قالوا : والذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات : فالرواية الأولى : ما روى عن عمر أنه قال : يقصر في يوم تام ، وبه قال الزهري والأوزاعي . الثانية : قال ابن عباس : إذا زاد على يوم وليلة قصر. والثالثة : قال أنس بن مالك : المعتبر خمس فراسخ . الرابعة : قال الحسن : مسيرة ليلتين . الخامسة : قال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير : من الكوفة إلى المداين ، وهي مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة . وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم الثالث جاز القصر، وهكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد . السادسة : قال مالك والشافعي : أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله له، وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل اثنا عشر ألف قدم ، وهي أربعة آلاف خطوة ، فان كل ثلاثة أقدام خطوة قال الفقهاء : فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الاجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر ، قال أهل الظاهر : اضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل ، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً في تقدير المدة ، إذ لو