Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
فوله تعالى ((من الذين هادوا يحرفون الكلم)) الآية سورة النّساء
محذوف، و( يحرفون ) صفته . تقديره : من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ، فحذف
الموصوف وأقيم الوصف مكانه . الرابع : أنه تعالى لما قال ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من
الكتاب يشترون الضلالة) بقي ذلك مجملاً من وجهين ، فكأنه قيل : ومن ذلك الذين أوتوا
نصيباً من الكتاب ؟ فأجيب وقيل : من الذين هادوا ، ثم قيل : وكيف يشترون الضلالة ؟
فأجيب وقيل : يحرفون الكلم .
المسألة الثانية﴾ لقائل أن يقول : الجمع مؤنث ، فكان ينبغي أن يقال : يحرفون
الكلم عن مواضعها .
والجواب : قال الواحدي : هذا جمع حروفه أقل من حروف واحدة ، وكل جمع يكون
كذلك فإنه يجوز تذكيره ، ويمكن أن يقال : كون الجمع مؤنثاً ليس أمراً حقيقياً ، بل هو أمر
لفظي ، فكان التذكير والتأنيث فيه جائزاً وقرىء ، يحرفون الكلم .
المسألة الثالثة ﴾ في كيفية التحريف وجوه : أحدها : أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ
آخر مثل تحريفهم اسم ((ربعة)) عن موضعه في التوراة بوضعهم (( آدم طويل)) مكانه ، ونحو
تحريفهم ((الرجم)) بوضعهم ((الحد)) بدله ونظيره قوله تعالى ( فويل للذين يكتبون الكتاب
بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ) .
فإن قيل : كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر
المشهور في الشرق والغرب ؟
قلنا لعله يقال : القوم كانوا قليلين ، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على
هذا التحريف، والثاني : أن المراد بالتحريف: إلقاء الشبه الباطلة ، والتأويلات الفاسدة ،
وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة في
زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم ، وهذا هو الأصح . الثالث : أنهم كانوا يدخلون على
النبي ◌َّ ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به ، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه . .
المسألة الرابعة ﴾ ذكر الله تعالى ههنا ( عن مواضعه ) وفي المائدة ( من بعد مواضعه )
والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة ، فههنا قوله ( يحرفون الكلم عن مواضعه )
معناه : أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص ، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك
اللفظة من الكتاب . وأما الآية المذكورة في سورة المائدة ، فهي دالة على أنهم جمعوا بين
الأمرين ، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة ، وكانوا يخرجون اللفظ أيضاً من الكتاب ،

١٢٢
قوله تعالى ((وراعنا لياً بالسنتهم وطعناً في الدين)) الآية
سورة النِّساء
فقوله ( يحرفون الكلم ) إشارة إلى التأويل الباطل وقوله ( من بعد مواضعه ) إشارة إلى إخراجه
عن الكتاب .
النوع الثاني ﴾ من ضلالاتهم: ما ذكره الله تعالى بقوله ( ويقولون سمعنا وعصينا)
وفيه وجهان : الأول : أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر : سمعنا ،
وقالوا في أنفسهم : وعصينا والثاني : أنهم كانوا يظهرون قولهم : سمعنا وعصينا ، إظهاراً
للمخالفة ، واستحقاراً للأمر .
النوع الثالث﴾ من ضلالتهم قوله (واسمع غير مسمع ) .
واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم ، ويحتمل الاهانة والشتم . أما
أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروهاً، وأما أنه محتمل للشتم والذم
فذاك من وجوه : الأول: أنهم كانوا يقولون للنبي ◌ََّ: اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا
سمعت ، فقوله ( غير مسمع ) معناه : غير سامع ، فإن السامع مسمع ، والمسمع سامع .
الثاني : غير مسمع ، أي غير مقبول منك ، ولا تجاب إلى ما تدعو إليه ، ومعناه غير مسمع
جواباً يوافقك ، فكأنك ما أسمعت شيئاً . الثالث : اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه ،
ومتى كان كذلك فإن الأنسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة
للذم والمدح ، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم .
: النوع الرابع ﴾ من ضلالاتهم قولهم (وراعناً لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ) أما
تفسير (راعناً) فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه : الأول : أن هذه كلمة كانت تجري
بينهم على جهة الهزء والسخرية، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول محلية.
الثاني : قوله ( راعناً) معناه ارعنا سمعك ، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا
وتفهم ، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليه السلام ، بل إنما يخاطبون بالاجلال والتعظيم .
الثالث : كانوا يقولون راعناً ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك ، وكانوا
يريدون سبه بالرغونة في لغتهم . الرابع : أنهم كانوا يلوون السنتهم حتى يصير قولهم :
(راعناً) راعينا ، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناماً لنا، وقوله ( ليا بألسنتهم ) قال
الواحدي: أصل ((لياً)) لويا، لأنه من لويت، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها
بالسكون ، ومثله الطي. وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الفراء كانوا يقولون : راعنا
ويريدون به الشتم ، فذاك هو اللي ، وكذلك قولهم ، ( غیر مسمع ) وأرادوا به لا سمعت ،
فهذا هو اللي . الثاني : أنهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من

١٢٣
سورة النساء
قوله تعالى ((فلا يؤمنون إلا قليلا)) الآية
التوفير على سبيل النفاق . الثالث : لعلم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا
الكلام على السخرية، كما جرت عادة من يهزأ بأنسان بمثل هذه الأفعال، ثم بين تعالى أنهم
إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين ، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم : إنما نشتمه
ولا يعرف، ولو كان نبياً لعرف ذلك ، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم ، فانقلب
ما فعلوه طعناً في نبوته دلالة قاطعة على نبوته ، لأن الاخبار عن الغيب معجز .
فإن قيل : كيف جاؤا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا ، وقالوا سمعنا وعصينا ؟
والجواب من وجهين : الأول : أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال : إنهم ما كانوا
يظهرون قولهم ( وعصينا ) بل كانوا يقولونه في أنفسهم . والثاني : هب أنهم أظهروا ذلك
إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ، ولا يواجهونه بالسب والشتم .
ثم قال تعالى ﴿ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم ﴾ والمعنى
أنهم لوقالوا بدل قولهم : سمعنا وعصينا ، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولاظهارك الدلائل
والبينات مرات بعد مرات ، وبدل قولهم ( واسمع غير مسمع ) قولهم واسمع ، وبدل قولهم
( راعناً) قولهم ( انظرنا) أي اسمع منا ما نقول ، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيراً لهم
عند الله وأقوم ، أي أعدل وأصوب ، ومنه يقال : رمح قويم أي مستقيم ؛ وقومت الشيء
من عوج فتقوم .
ثم قال ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم﴾ والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم .
ثم قال ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ وفيه قولان : أحدهما : أن القليل صفة للقوم ،
والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون . ثم منهم من قال : كان ذلك القليل عبد الله بن سلام
وأصحابه ، وقيل : هم الذين علم الله منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك .
والقول الثاني ﴾ أن القليل صفة للايمان، والتقدير فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً ،
فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء ، ورجح أبو علي
الفارسي هذا القول على الأول ، قال: لأن ((قليلاً)) لفظ مفرد ، ولو أريد به ناس لجمع نحو
قوله ( إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفرداً، والمراد به
الجمع قال تعالى ( وحسن أولئك رفيقاً) وقال ( ولا يسأل حميم حمياً يبصرونهم ) فدل عود
الذكر مجموعاً إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة .

١٢٤
قوله تعالى ((يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا)) الآية
سورة النِّساء
يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ ءَامِنُواْبِمَا نَّلْنَا مُصَدِّقًالِمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ
وُجُوهَا فَرُدَّهَا عَ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَهُمْ كَ لَغَنَّا أَصْحَبَ الَّبْتِ وَكَانَ أَمُرُ اللهِ مَفْعُولًا
٤٧
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس
وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً ﴾.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى بعد أن حكى عن اليهود أنواع مكرهم وإيذائهم أمرهم
بالإِيمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد على الترك ، ولقائل أن يقول : كان يجب أن يأمرهم
بالنظر والتفكر في الدلائل الدالة على صحة نبوته ، حتى يكون إيمانهم استدلالياً ، فلما أمرهم
بذلك الايمان ابتداء فكأنه تعالى أمرهم بالإيمان على سبيل التقليد .
والجواب عنه : أن هذا الخطاب مختص بالذين أوتوا الكتاب ، وهذا صفة من كان
عالماً بجميع التوراة . ألا ترى أنه قال في الآية الأولى ( ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من
الكتاب ) ولم يقل : ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب ، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في
التوراة ، فلما قال في هذه الآية ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب ) علمنا أن هذا التكليف مختص
بمن كان عالماً بكل التوراة ، ومن كان كذلك فانه يكون عالماً بالدلائل الدالة على نبوة محمد
وَالر، لأن التوراة كانت مشتملة على تلك الدلائل، ولهذا قال تعالى (مصدقاً لما معكم ) أي
مصدقاً للآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد ، وإذا كان العلم حاصلاً كان
ذلك الكفر محض العناد ، فلا جرم حسن منه تعالى أن يأمرهم بالإيمان بمحمد عليه الصلاة
والسلام جزماً ، وأن يقرن الوعيد الشديد بذلك .
المسألة الثانية﴾ الطمس : المحو، تقول العرب في وصف المفازة : إنها طامسة
الأعلام ، وطمس الطريق وطمس إذا درس ، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله ،
وطمست الريح الأثر إذا محته ، وطمست الكتاب محوته ، وذكروا في الطمس المذكور في هذه
الآية قولين : أحدهما : حمل اللفظ على حقيقته وهو طمس الوجوه ، والثاني : حمل اللفظ على
مجازه .

١٢٥
قوله تعالى ((يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا)) الآية سورة النّساء
أما القول الأول ﴾ فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها ، فإن
الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس ، فاذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمساً ،
ومعنى قوله ( فنردها على أدبارها ) رد الوجوه إلى ناحية القفا، وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة
لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة ، لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة ، فإن هذا
الوعيد مختص بيوم القيامة على ما سنقيم الدلالة عليه ، ومما يقرره قوله تعالى ( وأما من أوتى
كتابه وراء ظهره ) فإنه إذا ردت الوجوه إلى القفا أوتوا الكتاب من وراء ظهورهم ، لأن في تلك
الجهة العيون والأفواه التي بها يدرك الكتاب ويقرأ باللسان .
فأما القول الثاني﴾: فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه، ثم ذكروا فيه وجوهاً:
الأول : قال الحسن : المراد نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها ، أي على ضلالتها ،
والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات ، ونظيره قوله تعالى ( يا أيها الذين
آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) تحقيق
القول فيه أن الانسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس ، ثم عند الفكر والعبودية كأنه
يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات ، فقد أمه عالم المعقولات ، ووراءه عالم
المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في صفتهم ( ناكسو
رؤوسهم ) . الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير، وبالوجوه :
رؤساؤهم ووجهاؤهم ، والمعنى من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الاقبال
والوجاهة ونكسوهم الصغار والادبار والمذلة . الثالث : قال عبد الرحمن ابن زيد : هذا
الوعيد قد لحق اليهود ومضى ، وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام ، فرد الله
وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام ، كما جاؤا منها
بدءاً، وطمس الوجوه على هذا التأويل يحتمل معنيين : أحدهما : تقبيح صورتهم يقال :
طمس الله صورته كقوله : قبح الله وجهه ، والثاني: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو
أحوالهم عنها .
فإن قيل : إنه تعالى هددهم بطمس الوجوه على القول الثاني فلا إشكال البتة ، وإن
فسرناه على على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى ما
جعل الوعيد هو الطمس بعينه ، بل جعل الوعيد إما الطمس أو اللعن فإنه قال ( أو نلعنهم كما
لعنا أصحاب السبت) وقد فعل أحدهما وهو اللعن وهو قوله ( أو نلعنهم ) وظاهره ليس هو
المسخ . الثاني : قوله تعالى (آمنوا ) تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم ، فلزم أن
يكون قوله ( من قبل أن نطمس وجوهاً) واقعاً في الآخرة . فصار التقدير : آمنوا من قبل أن

١٢٦
قوله تعالى ((أو نلعنهم کما لعنا أصحاب السبت) الآية
سورة النِّساء
يجيء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت . الثالث : أنا قد بينا أن قوله ( يا أيها الذين
أوتوا الكتاب ) خطاب مع جميع علمائهم ، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطاً بأن لا يأتي
أحد منهم بالإيمان ، وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبدالله بن سلام وجمع كثير من أصحابه ،
ففات المشروط بفوات الشرط، ويقال: لما نزلت هذه الآية أتى عبدالله بن سلام رسول الله له
قبل أن يأتي أهله فأسلم ، وقال : يا رسول الله كنت أرى أن لا أصل إليك حتى يتحول وجهي
في قفاي . الرابع : أنه تعالى لم يقل : من قبل أن نطمس وجوهكم ، بل قال ( من قبل أن
نطمس وجوها ) وعندنا أنه لا بد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة ، ومما يدل على
أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيانهم ، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم قوله ( أو
نلعنهم ) فذكرهم على سبيل المغايبة ، ولو كان المراد أولئك المخاطبين لذكرهم على سبيل
الخطاب ، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان جائزاً إلا أن الأظهر ما ذكرناه .
ثم قال تعالى ﴿ أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ﴾ قال مقاتل وغيره : نمسخهم قردة
كما فعلنا ذلك بأوائلهم . وقال أكثر المحققين : الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف ، ألا
ترى إلى قوله تعالى ( قل هل أنبئكم بشرمن ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه
وجعل منهم القردة والخنازير ) ففصل تعالى ههنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير ،
وههنا سؤالات :
السؤال الأول﴾ إلى من يرجع الضمير في قوله ( أو نلعنهم ) .
الجواب : إلى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه ، لأن المعنى من قبل أن
نطمس وجوه قوم ، أو يرجع إلى الذين أوتوا على طريقة الالتفات .
السؤال الثاني ﴾ قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلا بد وأن
يتحدا .
والجواب : أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيراً في الخزب فيصح
ذلك فيه .
﴿ السؤال الثالث ﴾ قوله تعالى ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب ) خطاب مشافهة ، وقوله
( أو نلعنهم ) خطاب مغايبة ، فكيف يليق أحدهما بالآخر ؟
الجواب : منهم من حمل ذلك على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى ( حتى إذا كنتم في
الفلك وجرين بهم ) ومنهم من قال : هذا تنبيه على أن التهديد حاصل في غيرهم ممن يكذبون

١٢٧
قوله تعالى ((إن الله لا يغفر أن يشرك به)) الآية سورة النِّساء
إِنَّ اللَّهَ لَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ
إنّمَا عَظِيماً
٤٨
من أبناء جنسهم . وعندي فيه احتمال آخر : وهو أن اللعن هو الطرد والأبعاد ، وذكر البعيد لا
يكون إلا بالمغايبة ، فلما لعنهم ذكرهم بعبارة الغيبة .
ثم قال تعالى ﴿وكان أمر الله مفعولا ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس: يريد لاراد لحكمه ولا ناقص لأمره ، على معنى
أنه لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله ، كما تقول في الشيء الذي لا شك في حصوله : هذا
الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد . وإنما قال ( وكان ) إخباراً عن جريان عادة الله في الأنبياء
المتقدمين أنه مهما أخبرهم بإنزال العذاب عليهم فعل ذلك لا محالة ، فكأنه قيل لهم : أنتم
تعلمون أنه كان تهديد الله في الأمم السالفة واقعاً لا محالة ، فاحترزوا الآن وکونوا على حذر من
هذا الوعيد والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث فقال : قوله ( وكان
أمر الله مفعولا ) يقتضي أن أمره مفعول ، والمخلوق والمصنوع والمفعول واحد ، فدل هذا
على أن أمر الله مخلوق مصنوع ، وهذا في غاية السقوط لأن الأمر في اللغة جاء بمعنى الشأن
والطريقة والفعل قال تعالى ( وما أمر فرعون برشيد ) والمراد ههنا ذاك .
قوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد
افترى إثماً عظيما ﴾ .
اعلم أن الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر ، وبين أن ذلك التهديد لا بد من وقوعه لا
محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر ، فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر
فليست حالها كذلك ، بل هو سبحانه قد يعفو عنها ، فلا جرم قال ( إن الله لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع ، ويدل
عليه وجهان : الأول : أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور ، فلو كانت اليهودية
مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية ، وبالاجماع هي غير مغفورة ، فدل

١٢٨
قوله تعالى ((إن الله لا يغفر أن يشرك به)) الآية
سورة النّساء
على أنها داخلة تحت اسم الشرك . الثاني : أن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها
تتضمن تهديد اليهود ، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك ، وإلا لم يكن الأمر
كذلك .
فإن قيل : قوله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) إلى قوله ( والذين أشركوا )
عطف المشرك على اليهودى، وذلك يقتضي المغايرة .
قلنا : المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي ، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي ،
ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعاً للتناقض . إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول : قال الشافعي
رضي الله عنه المسلم لا يقتل بالذمي ، وقال أبو حنيفة : يقتل . حجة الشافعي أن الذمي
مشرك لما ذكرناه ، والمشرك مباح الدم لقوله تعالى: اقتلوا المشركين . فكان الذمي مباح الدم على
الوجه الذي ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله ، ولا يتوجه النهي عن قتله
ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي ، فوجب أن يبقى معمولاً به في سقوط القصاص عن
قاتله .
المسألة الثانية﴾ هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر.
واعلم أن الاستدلال بها من وجوه :
الوجه الأول﴾ أن قوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به) معناه لا يغفر الشرك على سبيل
التفضل لأنه بالاجماع لا يغفر على سبيل الوجوب ، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه ، فإذا
كان قوله : إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل ، وجب أن يكون قوله
و(يغفر ما دون ذلك) هو أن يغفره على سبيل التفضل ؛ حتى يكون النفي والاثبات
متواردين على معنى واحد . ألا ترى أنه لوقال : فلان لا يعطي أحداً تفضلاً، ويعطي زائداً
فإنه يفهم منه أنه يعطيه تفضلاً ، حتى لو صرح وقال : لا يعطي احداً شيئاً على سبيل التفضل
ويعطي أزيد على سبيل الوجوب ، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام ، فثبت أن قوله
( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) على سبيل التفضل . إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يكون
المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة ، لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد
التوبة واجب عقلاً، فلا يمكن حمل الآية عليه ، فإذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على
غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب . الثاني : أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين : الشرك
وما سوى الشرك ، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة ، والكبيرة بعد التوبة
والصغيرة ، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعاً ، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعاً ، لكن

١٢٩
سورة النّساء
قوله تعالى ((إن الله لا يغفر أن يشرك به)) الآية
في حق من يشاء ، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك ، لكن في حق من
شاء . ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة
أيضاً مغفورة . الثالث : أنه تعالى قال ( لمن يشاء ) فعلق هذا الغفران بالمشيئة ، وغفران
الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به ، وغير معلق على المشيئة ، فوجب أن يكون
الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب ، واعترضوا على هذا
الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه ، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية
( بل الله يزكي من يشاء) ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلاً للتزكية ، وإلا كان
كذباً، والكذب على اللّه محال ، فكذا ههنا .
واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات
الوعيد ، ونحن نعارضها بعمومات الوعد ، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة البقرة
في تفسير قوله تعالى ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النارهم فيها
خالدون ) فلا فائدة في الاعادة . وروى الواحدي في البسيط باسناده عن ابن عمر قال : كنا
على عهد رسول الله عليه إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار، حتى نزلت
هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات . وقال ابن عباس : إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك
عمل ، كذلك لا يضرمع التوحيد ذنب . ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فسكت عمر .
وروي مرفوعاً أن النبي ◌َ # قال ((اتسموا بالإيمان وأقروا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك
من إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه )).
﴿ المسألة الثانية﴾ روى عن ابن عباس انه قال: لما قتل وحشي حمزة يوم أحد ، وكانوا
قد وعدوه بالاعتاق إن هو فعل ذلك ، ثم انهم ما وفوا له بذلك ، فعند ذلك ندم هو
وأصحابه فكتبوا إلى النبي وَ لّ بذنبهم، وانه لا يمنعهم عن الدخول في الإسلام إلا قوله تعالى
( والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ) فقالوا : قد ارتكبنا كل ما في الآية ، فنزل قوله ( إلا من
تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ) فقالوا : هذا شرطشدید نخاف أن لا نقوم به ، فنزل قوله ( إن
الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فقالوا : نخاف أن لا نكون من أهل
مشيئته ، فنزل ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) فدخلوا عند ذلك في الإِسلام .
وطعن القاضي في هذه الرواية وقال ان من يريد الايمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد ؛
ولأن قوله ( إن الله يغفر الذنوب جميعاً) لو كان على اطلاقه لكان ذلك اغراء لهم بالثبات على ما
هم عليه .
والجواب عنه : لا يبعد أن يقال : إنهم استعظموا قتل حمزة وإيذاء الرسول إلى ذلك
فخر الرازي ج.١ م ٩

١٣٠
قوله تعالى (ألم تر إلى الذین یزکون انفسهم» الآية
سورة النِّساء
٤٩
يُزَكِ مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِلًا
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَّكُّونَ أَنْفُسَهُم بَلِ اللَّهُ
أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَِّ الْكَذِبَ وَكَنَى بِهِ، إِنًّا مُبِينًا
الحد ، فوقعت الشبهة في قلوبهم أن ذلك هل يغفر لهم أم لا ، فلهذا المعنى حصلت
المراجعة . وقوله هذا اغراء بالقبيح ، فهو إنه إنما يتم على مذهبه ، أما على قولنا : إنه تعالى
فعال لما يريد ، فالسؤال ساقط والله أعلم .
. ثم قال ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً﴾ أي اختلق ذنباً غير مغفور، يقال :
افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلقه ، وأصله من الفرى بمعنى القطع .
قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا انظر
كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثماً مبينا ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) فعند هذا قالوا : لسنا
من المشركين ، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى عنهم أنهم قالوا ( نحن أبناء الله
وأحباؤه) وحكى عنهم أنهم قالوا ( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) وحكى أيضاً أنهم قالوا
( لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ) وبعضهم كانوا يقولون : أن آباءنا كانوا أنبياء
فيشفعون لنا . وعن ابن عباس رضي الله عنه أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي تمثيل
وقالوا يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال لا ، فقالوا والله ما نحن إلا كهؤلاء : ما عملناه بالليل
كفر عنا بالنهار ، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل . وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية
أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الإنسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له
وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الانسان نفسه ، ومنه تزكية
المعدل للشاهد ، قال تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) وذلك لأن التزكية متعلقة
بالتقوى ، والتقوى صفة في الباطن ، ولا يعلم حقيقتها إلا الله ، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا
من اللّه ، فلهذا قال تعالى ( بل اللّه يزكي من يشاء ) .
فإن قيل: أليس أنه مَ# قال ((والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض)).
قلنا : إنما قال ذلك حين قال المنافقون له : اعدل في القسمة ، ولأن الله تعالى لما زكاه
أولاً بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره .

١٣١
سورة النِّساء
قوله تعالى ((الم تر الى الذين اوتوا نصيباً من الكتاب )) الآية
أَرْ فَ إِلَى الَّذِينَ أُوْ تُوْنَصِيبً مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ
المسألة الثانية﴾ قوله ( بل الله يزكي من يشاء) يدل على أن الإيمان يحصل بخلق الله
تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الإيمان ، فلما ذكر تعالى أنه هو الذي يزكي
من يشاء دل على أن إيمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى .
المسألة الثالثة﴾ قوله (ولا يظلمون فتيلاً) هو كقوله (إن الله لا يظلم مثقال ذرة )
والمعنى أن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم ، أو
يكون المعنى : أن الذين زكاهم الله فانه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئاً ،
والفتيل ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ ، فعيل بمعنى مفعول ، وعن ابن السكيت : الفتيل
ما كان في شق النواة ، والنقير النقطة التي في ظهر النواة ، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة ،
وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالاً للشيء التافه الحقير، أي لا يظلمون لا قليلاً ولا كثيراً .
ثم قال تعالى ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ هذا تعجيب للنبي قليل من فريتهم على الله، وهي تزكيتهم أنفسهم
وافتراؤهم على الله ، وهو قولهم ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) وقولهم ( لن يدخل الجنة إلا من كان
هوداً أو نصارى ) وقولهم : ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل .
المسألة الثانية﴾ مذهبنا أن الخبر عن الشيء إذا كان على خلاف المخبر عنه كان
كذباً ، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم ، وقال الجاحظ :
شرط كونه كذباً أن يعلم كونه بخلاف ذلك ، وهذه الآية دليل لنا لأنهم كانوا يعتقدون في
أنفسهم الزكاة والطهارة ، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة كذبهم الله فيه ، وهذا يدل على ما
قلناه .
ثم قال تعالى ﴿وكفى به إثماً مبيناً ﴾ وإنما يقال: كفى به في التعظيم على جهة المدح أو
على جهة الذم، أما في المدح فكقوله (وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً) وأما في الذم فكما في هذا
الموضع . وقوله ( إثماً مبيناً) منصوب على التمييز .
قوله تعالى ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت
ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً .

١٣٢
قوله تعالى (ألم تر الى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب )) الآية
سورة النِّساء
كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامُواْ سَبِيلًا (٦﴾ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ
وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ قَنْ تَجِدَ لَّهُ نَصِبْرًا (®
أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ .
اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعاً آخر من المكر ، وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة
الأصنام على المؤمنين ، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل ، فكان إقدامهم على هذا
القول لمحض العناد والتعصب ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ روى أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى
مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة الرسول مح ليه، فقالوا : أنتم أهل كتاب ،
وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ،
ففعلوا ذلك . فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت ، لأنهم سجدوا للأصنام ، فقال أبو سفيان :
أنحن أهدى سبيلاً أم محمد ؟ فقال كعب : ماذا يقول محمد؟ قالوا: يأمر بعبادة الله وحده وينهي
عن عبادة الأصنام وترك دين آبائه ، وأوقع الفرقة . قال : وما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة
البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم ، فقال: أنتم أهدى سبيلاً.
فهذا هو المراد من قولهم ( للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلف الناس في الجبت والطاغوت، وذكروا فيه وجوهاً: الأول:
قال أهل اللغة : كل معبود دون اللّه فهو جبت وطاغوت ، ثم زعم الأكثرون أن الجبت ليس له
تصرف في اللغة . وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت أصله جبس ، فأبدلت السين تاء ،
والجبس هو الخبيث الرديء ، وأما الطاغوت فهو مأخوذ من الطغيان ، وهو الاسراف في
المعصية ، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم ، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى
أوقعوه على الجماد ، كما قال تعالى ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيراً من
الناس ) فأضاف الاضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات . الثاني : قال صاحب الكشاف :
الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله ، والطاغوت الشيطان . الثالث : الجبت الأصنام ،
والطاغوت تراجمة الأصنام يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها ، وهو منقول عن ابن
عباس . الرابع : روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : الجبت الكاهن ، والطاغوت
الساحر . الخامس : قال الكلبي : الجبت في هذه الآية حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن

١٣٣
سورة النِّساء
قوله تعالى ((أم لهم نصيب من الملك)) الآية
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًاً يَيه
الأشرف ، وكانت اليهود يرجعون إليهما ، فسميا بهذين الاسمين لسعيها في إغواء الناس
وإضلالهم . السادس : الجبت والطاغوت صنمان لقريش ، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود
لهما طلباً لمرضاة قريش ، وبالجملة فالأقاويل كثيرة ، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان
غاية في الشر والفساد .
ثم قال تعالى ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ فبين أن عليهم
اللعن من الله وهو الخذلان والابعاد ، وهوضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى ، وأخبر بعده
بأن من يلعنه الله فلا ناصر له . كما قال ( ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً) فهذا
اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم ، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ،
وفيه وعد للرسول ي بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات
المتقدمة ( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيراً) .
واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة
الأوثان على الذين آمنوا بمحمد بن يجري مجرى المكابرة . فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل
حالاً ممن لا يرضى بمعبود غير الله أو من كان دينه الاقبال بالكلية على خدمة الخلق والاعراض
عن الدنيا والاقبال على الآخرة ، كيف يكون أقل حالاً ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ أم لهم نصيب من الملك فاذاً لا يؤتون الناس نقيراً﴾.
اعلم أنه تعالى وصف اليهود في الآية المتقدمة بالجهل الشديد ، وهو اعتقادهم أن عبادة
الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى ، ووصفهم في هذه الآية بالبخل والحسد ، فالبخل هو أن لا
يدفع لأحد شيئاً مما آتاه الله من النعمة ، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي اللّه غيره شيئاً من
النعم ، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير ، فأما البخيل
فيمنع نعمة نفسه عن الغير، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عباده ، وإنما قدم تلك
الآية على هذه الآية لأن النفس الانسانية لها قوتان : القوة العالمة والقوة العاملة ، فكمال القوة
العالمة العلم ، ونقصانها الجهل ، وكمال القوة العاملة : الأخلاق الحميدة ، ونقصانها الأخلاق
الذميمة ، وأشد الأخلاق الذميمة نقصاناً البخل والحسد ، لأنهما منشآن لعود المضار إلى عباد
الله .

١٣٤
قوله تعالى ((أم لهم نصيب من الملك)) الآية سورة النساء
إذا عرفت هذا فنقول : إنما قدم وصفهم بالجهل على وصفهم بالبخل والحسد لوجهين :
الأول : أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية في الشرف والرتبة وأصل لها ، فكان شرح
حالها يجب أن يكون مقدماً على شرح حال القوة العملية . الثاني : أن السبب لحصول البخل
والحسد هو الجهل ، والسبب مقدم على المسبب ، لا جرم قدم تعالى ذكر الجهل على ذكر البخل
والحسد . وإنما قلنا : إن الجهل سبب البخل والحسد : أما البخل فلأن بذل المال سبب
لطهارة النفس ولحصول السعادة في الآخرة ، وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا في يده ،
فالبخل يدعوك إلى الدنيا ويمنعك عن الآخرة ، والجود يدعوك إلى الآخرة ويمنعك عن الدنيا ،
ولا شك أن ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض الجهل . وأما الحسد فلأن الالهية
عبارة عن إيصال النعم والاحسان إلى العبيد ، فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الاله عن
الالهية ، وذلك محض الجهل . فثبت أن السبب الأصلي للبخل والحسد هو الجهل ، فلما ذكر
تعالى الجهل أردفه بذكر البخل والحسد ليكون المسبب مذكوراً عقيب السبب ، فهذا هو
الاشارة إلى نظم هذه أيَّة ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ ((أم)) ههنا فيه وجوه : الأول: قال بعضهم: الميم صلة،
وتقديره: ألهم لأن حرف ((أم)) إذا لم يسبقه استفهام كان الميم فيه صلة. الثاني: أن ((أم))
ههنا متصلة ، وقد سبق ههنا استفهام على سبيل المعنى ، وذلك لأنه تعالى لما حكى عن هؤلاء
الملعونين قولهم للمشركين : أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين . عطف عليه بقوله ( أم لهم
نصيب ) فكأنه تعالى قال : أمن ذلك يتعجب ، أم من قولهم لهم نصيب من الملك ، مع أنه لو
كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل. الثالث: أن ((أم)) ههنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها
البتة ، كأنه لما تم الكلام الأول قال : بل لهم نصيب من الملك ، وهذا الأستفهام استفهام بمعنى
الأنكار ، يعني ليس لهم شيء من الملك البتة، وهذا الوجه أصح الوجوه .
﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في هذا الملك وجوهاً: الأول : اليهود كانوا يقولون نحن
أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب ؟ فأبطل الله عليهم قولهم في هذه الآية . الثاني : أن
اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد
ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم ، فكذبهم الله في هذه الآية . الثالث : المراد بالملك ههنا
التمليك ، يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم ، ولو كان التمليك
إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير ، فكيف يقدرون على النفي والإثبات ، قال أبو بكر الأصم :
كانوا أصحاب بساتين وأموال ، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل

١٣٥
قوله تعالى ((فاذاً لا يؤتون الناس نقيراً)) الآية
سورة النِّساء
القليل ، فنزلت هذه الآية .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم ، وهذا يدل
على أن الملك والبخل لا يجتمعان ، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن الانقياد للغير أمر
مكروه لذاته ، والانسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد في مقابلته أمراً مطلوباً مرغوباً فيه ،
وجهات الحاجات محيطة بالناس ، فإذا صدر من إنسان إحسان إلى غيره صارت رغبة المحسن
إليه في ذلك المال سبباً لصيرورته منقاداً مطيعاً له ، فلهذا قيل : بالبر يستعبد الحر ، فإذا لم
يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصاً عن المعارض ، فلا يحصل الانقياد
البتة ، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم أن الملك على ثلاثة أقسام : ملك على الظواهر
فقط ، وهذا هو ملك الملوك . وملك على البواطن فقط ، وهذا هو ملك العلماء ، وملك على
الظواهر والبواطن معاً ، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات الله عليهم . فإذا كان الجود من لوازم
الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة
والشفقة ، ليصير كل واحد من هذه الأخلاق سبباً لانقياد الخلق لهم ، وامتثالهم لأوامرهم .
وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال سيبويه: ((إذن)) في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل
الأسماء ، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير ، كقولك أظن زيداً قائماً ،
وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله . كقوله زيد أظن قائم ، وإن شئت قلت زيداً أظن
قائماً، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه، تقول زيد منطلق ظننت، والسبب فيما ذكرناه أن ((ظن))
وما أشبهه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل ، لأنها لا
تؤثر في معمولاتها ، فإذا تقدم دل التقدم في الذكر على شدة العناية فقوى على التأثير ، وإذا
تأخر دل على عدم العناية فلغا ، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه ، ولا
في محل الاهمال من كل الوجوه ، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كان الاعمال
والالغاء جائزاً .
واعلم أن الأعمال في حال التوسط أحسن، والالغاء حال التأخر أحسن .
إذا عرفت هذا فنقول : كلمة ((إذن)) على هذا الترتيب أيضاً، فإن تقدمت نصبت
الفعل ، تقول إذن أكرمك ، وإن توسطت أو تأخرت جاز الالغاء ، تقول أنا إذن أكرمك ،
وأنا أكرمك إذن فتلغيه في هاتين الحالتين .
إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى ( فإذا لا يؤتون الناس نقيراً) كلمة ((إذن)) فيها

١٣٦
قوله تعالى ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله)) الآية سورة النّاء
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَهُمُ الَهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْءَ الَيْنَآءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِتَبَ
وَالْحِكَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكَا عَظِيمً لثِّنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّنَ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَ
يَجَهَمَ سَعِيراً،
متقدمة وما عملت ، فذكروا في العذر وجوهاً : الأول : أن في الكلام تقديماً وتأخيراً ،
والتقدير : لا يؤتون الناس نقيراً إذن ، الثاني : أنها لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن تقدر
متوسطة فتلغى كما تلغى إذا توسطت أو تأخرت ، وهكذا سبيلها مع الواو كقوله تعالى ( وإذا
لا يلبثون خلفك) والثالث: قرأ ابن مسعود (فإذا لا يؤتوا) على إعمال ((إذن)) عملها الذي
هو النصب .
المسألة الخامسة﴾ قال أهل اللغة : النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ،
وأصله أنه فعيل من النقر ، ويقال للخشب الذي ينقر فيه نقير لأنه ينقر ، والنقر ضرب الحجر
وغيره بالمنقار والمنقار حديدة كالفأس تقطع بها الحجارة ، ومنه منقار الطائر لأنه ينقر به .
واعلم أن ذكر النقير ههنا تمثيل ، والغرض انهم يبخلون بأقل القليل .
قوله تعالى ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب
والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً ﴾ .
فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ أم : منقطعة ، والتقدير بل يحسدون الناس.
﴿ المسألة الثانية﴾ في المراد بلفظ ((الناس)) قولان: الأول : وهو قول ابن عباس
والأكثرين أنه محمد بية، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من
خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقاً في الجمع العظيم ، ومن هذا يقال : فلان أمة وحده ، أي
يقوم مقام أمة ، قال تعالى ( إن إبراهيم كان أمة قانتاً).
﴿ والقول الثاني﴾ المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين، وقال من ذهب إلى
هذا القول : ان لفظ الناس جمع ، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد .
واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لارادة طائفة معينة من الناس ، لأن المقصود من الخلق

١٣٧
سورة النِّساء
قوله تعالى ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله)) الآية
إنما هو القيام بالعبودية ، كما قال تعالى ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ) فلما كان
القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمداً وَ الّ ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل
الناس ، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين :
المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين .
﴿فالقول الأول ﴾ أنه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا .
والقول الثاني ﴾ أنهم حسدوه على أنه كان له من الزوجات تسع .
واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة ، فكلما كانت فضيلة الانسان أتم وأكمل
كان حسد الحاسدين عليه أعظم ، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين ، ثم إنه تعالى
أعطاها لمحمد بية، وضم إليها إنه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصاراً
وأعواناً وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم . فأما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما
ذكرناه ، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به ، بل إن جعل الفضل إسماً لجميع ما أنعم الله تعالى به
عليه دخل هذا أيضاً تحته ، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد .
واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سبباً لحسد هؤلاء اليهوديين ما
يدفع ذلك فقال ( فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ) والمعنى أنه
حصل في أولاد ابراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك ، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا
تحسدونه ، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه ؟
واعلم أن ( الكتاب ) إشارة إلى ظواهر الشريعة (والحكمة ) إشارة إلى أسرار الحقيقة،
وذلك هو كمال العلم ، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة . وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية
ليست إلا العلم والقدرة ، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالانسان من
الكمالات ، ولما لم يكن ذلك مستبعداً فيهم لا يكون مستبعداً في حق محمد حية .
وقيل : إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم ؛ كيف استكثرتم له التسع ، وقد كان لداود
مائة ولسليمان ثلثمائة بالمهر وسبعمائة سرية ؟
ثم قال تعالى ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ﴾ واختلفوا في معنى (( به )) فقال
بعضهم بمحمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيباً من الكتاب
آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والانكار . وقال آخرون : المراد من تقدم من الأنبياء

١٣٨
قوله تعالى ((ان الذين كفروا بآياتنا)) الآية. سورة النّساء
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِمُ نَارًا كُّمَا نَصْجَتْ جُنُودُهُمْ بَدَّلْنَئُهُمْ جُلُودًا
غَيْرَهَا لِبِذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًاً لَّهَ
عليهم الصلاة والسلام . والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك جرت
عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر ، فأنت يا محمد لا تتعجب مما
عليه هؤلاء القوم ، فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت ، وذلك تسلية من الله
ليكون أشد صبراً على ما ينال من قبلهم .
ثم قال ﴿ وكفى بجهنم سعيراً ﴾ أي كفى بجهنم في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين
والمتأخرين . سعيراً ، والسعير الوقود ، يقال أوقدت النار وأسعرتها بمعنى واحد .
قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم
جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً﴾ .
اعلم أنه تعالى بعد ما ذكر الوعيد بالطائفة الخاصة من أهل الكتاب بين ما يعم
الكافرين من الوعيد فقال ( إن الذين كفروا بآياتنا ) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ يدخل في الآيات كل ما يدل على ذات اللّه وأفعاله وصفاته وأسمائه
والملائكة والكتب والرسل ، وكفرهم بالآيات ليس يكون بالجحد ، لكن بوجوه ، منها أن
ينكروا كونها آيات ، ومنها أن يغفلوا عنها فلا ينظروا فيها . ومنها أن يلقوا الشكوك
والشبهات فيها . ومنها : أن ينكروها مع العلم بها على سبيل العناد والحسد ، وأما حد الكفر
وحقيقته فقد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ( ان الذين كفروا سواء عليهم ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال سيبويه ((سوف)) كلمة تذكر للتهديد والوعيد ، يقال سوف
أفعل، وينوب عنها حرف السين كقوله ( سأصليه سقر) وقد ترد كلمة ((سوف)) في الوعد
أيضاً قال تعالى ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) وقال ( سوف أستغفر لكم ربي ) قيل أخره
إلى وقت السحر تحقيقاً للدعاء، وبالجملة فكلمة ((السين)) و((سوف)) مخصوصتان
بالاستقبال .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله (نصليهم) أي ندخلهم النار ، لكن قوله (نصليهم ) فيه
زيادة على ذلك فانه بمنزلة شويته بالنار ، يقال شاة مصلية أي مشوية .

١٣٩
سورة النساء
قوله تعالى ((ان الله كان عزيزاً حكيماً)) الآية.
ثم قال تعالى ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ، وفيه
سؤالان :
﴿ السؤال الأول﴾ لما كان تعالى قادراً على ابقائهم أحياء في النار أبد الآباد فلم لم يبق
أبدانهم في النار مصونة عن النضج والاحتراق مع أنه يوصل إليها الآلام الشديدة ، حتى لا
يحتاج إلى تبديل جلودهم بجلود أخرى ؟
والجواب : أنه تعالى لا يسأل عما يفعل ، بل نقول : إنه تعالى قادر على أن يوصل إلى
أبدانهم آلاماً عظيمة من غير إدخال النار مع انه تعالى أدخلهم النار .
﴿ السؤال الثاني﴾ الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله مكانها جلوداً اخرى
وعذبها كان هذا تعذيباً لمن لم يعص وهو غير جائز .
والجواب عنه من وجوه : الأول : أن يجعل النضج غير النضيج ، فالذات واحدة
والمتبدل هو الصفة ، فإذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل إلا إلى العاصي ، وعلى
هذا التقدير المراد بالغيرية التغاير في الصفة . الثاني : المعذب هو الانسان ، وذلك الجلد ما
كان جزءاً من ماهية الانسان ، بل كان كالشيء الملتصق به الزائد على ذاته ، فإذا جدد الله الجلد
وصار ذلك الجلد الجديد سبباً لوصول العذاب إليه لم يكن ذلك تعذيباً إلا للعاصي .
الثالث : أن المراد بالجلود السرابيل ، قال تعالى ( سرابيلهم من قطران ) فتحديد الخلود إنما
هو تجديد السرابيلات . طعن القاضي فيه ، فقال : انه ترك للظاهر ، وأيضاً السرابيل من
القطران لا توصف بالنضج ، وإنما توصف بالاحتراق . الرابع : يمكن أن يقال : هذا
استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع ، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهى فقد
ابتدأ ، وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله ، فكذا قوله ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم
جلوداً غيرها ) يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة
من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا ، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم
انقطاعه . الخامس : قال السدي : انه تعالى يبدل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه
جلداً آخر وهذا بعيد ، لأن لحمه متناه ، فلا بد وأن ينفد ، وعند نفاد لحمه لا بد من طريق
آخر في تبديل الجلد ، ولم يكن ذلك الطريق مذكوراً أولاً والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ وفيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول﴾ قوله ( ليذوقوا العذاب ) أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك
للمعزوز: أعزك الله ، أي أدامك على العز وزادك فيه . وأيضاً المراد ليذوقوا بهذه الحالة

١٤٠
قوله تعالى ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات)) الآية .
سورة النِّساء
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدِحَتِ سُنُدِْلُهُمْ جَنَّيْتٍ تَجْرِى مِن نَحِمَا الْأَنْهُ خَلِنَ
فِيهَاَ أَبَدًا لَهُمْ فِيَهَا أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِلًا ه
٥٧
الجديدة العذاب ، وإلا فهم ذائقون مستمرون عليه .
السؤال الثاني ﴾ أنه إنما يقال: فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيئاً قليلاً منه ، والله
تعالى قد وصف أنهم كانوا في أشد العذاب ، فكيف يحسن أن يذكر بعد ذلك أنهم ذاقوا
العذاب ؟
والجواب : المقصود من ذكر الذوق الأخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال
يكون كاحساس الذائق المذوق ، من حيث أنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك
الاحتراق .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله كان عزيزاً حكيماً ﴾ والمراد من العزيز: القادر الغالب ، ومن
الحكيم : الذي لا يفعل إلا الصواب ، وذكرهما في هذا الموضع في غاية الحسن ، لأنه يقع في
القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الانسان في النار الشديدة أبد الآباد ! فقيل : هذا ليس
بعجيب من الله، لأنه القادر الغالب على جميع الممكنات ، يقدر على إزالة طبيعة النار ، ويقع
في القلب أنه كريم رحيم ، فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد
العظيم ؟ فقيل : كما أنه رحيم فهو أيضاً حكيم ، والحكمة تقتضي ذلك . فإن نظام العالم لا
يبقى إلا بتهديد العصاة . والتهديد الصادر منه لا بد وأن يكون مقروناً بالتحقيق صوناً لكلامه
عن الكذب ، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين ههنا في غاية الحسن .
قوله تعالى ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلاً ﴾ .
اعلم أنه قد جرت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم بأن الوعد والوعيد يتلازمان فى
الذكر على سبيل الأغلب ، وفي الآية مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الآية دالة على أن الايمان غير العمل، لأنه تعالى عطف العمل
والمعطوف مغاير للمعطوف عليه
،
على الإِيمان
قال القاضي : متى ذكر لفظ الإيمان وحده دخل فيه العمل ، ومتى ذكر معه العمل كان الإيمان