Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
قوله تعالى ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء)) الآية سورة النِّساء
الباقي ، بل نقول : إن ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقاً . فإن الإنسان إذا
قال لولده : إفعل ما شئت إذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان كان تنصيصاً في تفويض
زمام الخيرة إليه مطلقاً، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقاً ، ولا يكون ذلك تخصيصاً للاذن
بتلك الأشياء المذكورة ، بل كان إذناً في المذكور وغيره فكذا ههنا ، وأيضاً فذكر جميع الأعداد
متعذر ، فإذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) كان ذلك تنبيهاً
على حصول الاذن في جميع الأعداد . والثالث : أن الواو للجمع المطلق فقوله ( مثنى وثلاث
ورباع ) يفيد حل هذا المجموع . وهو يفيد تسعة ، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر، لأن قوله
مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط ، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية ، وأما الخبر فمن
وجهين . الأول : أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ، ثم إن الله
تعالى أمرنا باتباعه فقال ( فاتبعوه ) وأقل مراتب الأمر الإباحة . الثاني : أن سنة الرجل
طريقته ، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكان ذلك
سنة له، ثم إنه عليه السلام قال ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) فظاهر هذا الحديث
يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة ، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز .
واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين : الأول : الخبر ، وهو ما روى أن
غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال الرسول مَ له: أمسك أربعاً وفارق باقيهن ، وروى أن
نوفل بن معاوية اسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام ((أمسك أربعاً وفارق واحدة)).
واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين : الأول : أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا
الخبر كان ذلك نسخاً للقرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز. والثاني : وهو أن الخبر واقعة
حال ، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بإمساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين
الأربعة وبين البواقي غير جائز ، إما بسبب النسب ، أو بسبب الرضاع ، وبالجملة فهذا
الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله .
الطريق الثاني ﴾ وهو إجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا
هو المعتمد ، وفيه سؤالان : الأول : أن الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ ، فكيف يقال : الاجماع
نسخ هذه الآية . الثاني : أن في الأمة أقواماً شذاذً لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع ،
والاجماع مع مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد .
والجواب عن الأول: الاجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول مخلل ، وعن
الثاني : أن مخالف هذا الاجماع من أهل لبدعة فلا عبرة بمخالفته .

١٨٢
قوله تعالى ((فان خفتم الا تعدلوا فواحدة)) الآية سورة النِّساء
فإن قيل : فإذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال : مثنى أو
ثلاث أو رباع، فلم جاء بواو العطف دون ((أو)) ؟
قلنا: لو جاء بكلمة ((أو)) لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك إلا على أحد هذه
الأقسام ، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام ، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية ،
والبعض الآخر بالتثليث والفريق الثالث بالتربيع ، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز
لكل طائفة أن يختاروا قسماً من هذه الأقسام ، ونظيره أن يقول الرجل للجماعة : اقتسموا
هذا المال وهو ألف ، درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، والمراد أنه يجوز
لبعضهم أن يأخذ درهمين درهمين ، ولبعض آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة ، ولطائفة ثالثة
أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذاههنا الفائدة في ترك ((أو)) وذكر الواو ما ذكرناه . والله أعلم.
﴿ المسألة السابعة ﴾ قوله (مثنى وثلاث ورباع) محله النصب على الحال مما طاب،
تقديره : فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ، ثنتين ثنتين ، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً
أربعاً .
قوله تعالى ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ﴾ .
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المعنى: فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك
العدل فيما فوقها ، فاكتفوا بزوجة واحدة أو بالمملوكة ، سوى في السهولة واليسر بين الحرة
الواحدة وبين الاماء من غير حصر، ولعمري إنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر ، لا عليك
أكثرت منهن أم أقللت ، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل ، عزلت عنهم أم لم تعزل .
المسألة الثانية ) قرىء (فواحدة ) بنصب التاء والمعنى : فالتزموا أو فاختاروا
واحدة وذروا الجمع رأساً ، فإن الأمر كله يدور مع العدل ، فأينما وجدتم العدل فعليكم به ،
وقرىء ( فواحدة ) بالرفع والتقدير : فكفت واحدة ، أو فحسبكم واحدة أو ما ملكت
إيمانكم .
المسألة الثالثة﴾ للشافعي رحمه الله أن يحتج بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بنوافل
العبادات أفضل من النكاح ، وذلك لأن الله تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين
التسري ، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة ، كما إذا قال
الطبيب : كل التفاح أو الرمان ، فان ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر في

١٨٣
قوله تعالى (( ذلك ادنى الا تعولوا » الآية سورة النِّساء .
تمام الغرض ، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية ، فكذلك العقل يدل عليها ، لأن المقصود
هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت ، وكل ذلك حاصل بالطريقين ، وأيضاً
إن فرضنا الكلام فيما إذا كانت المرأة مملوكة ثم أعتقها وتزوج بها ، فههنا يظهر جدا حصول
الاستواء بين التزوج وبين التسري ، وإذا ثبت بهذه الآية أن التزوج والتسري متساويان .
فنقول : أجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من
النكاح ؛ لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة .
ثم قال تعالى ( ذلك أدنى أن لا تعولوا ) وفيه مسئلتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد من الأدنى ههنا الأقرب، والتقدير: ذلك أقرب من أن لا
تعولوا وحسن حذف ((من)) لدلالة الكلام عليه ..
المسألة الثانية ﴾ في تفسير ( أن لا تعولوا) وجوه: الأول : معناه : لا تجوروا ولا
تميلوا ، وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين ، وروى ذلك مرفوعاً ، روت عائشة رضي الله
عنها عن النبي وَلّر في قوله (ذلك أدنى ألا تعولوا) قال ((لا تجوروا)) وفي رواية أخرى ((أن لا
تميلوا )) قال الواحدي رحمه الله : كلا اللفظين مروى ، وأصل العول الميل يقال: عال الميزان
عولاً ، إذا مال ، وعال الحاكم في حكمه إذا جار ، لأنه إذا جار فقد مال . وأنشدوا لأبي
طالب .
و وزان صدق وزنه غیر عائل
بميزان قسط لا يغل شعيرة
وروى أن أعرابياً حكم عليه حاكم ، فقال له أتعول علي ، ويقال : عالت الفريضة
إذا زادت سهامها ، وقد أعلتها أنا إذا زدت في سهامها، ومعلوم أنها إذا زادت سهامها فقد
مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ الميل ، ثم اختص
بحسب العرف بالميل إلى الجور والظلم . فهذا هو الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب إليه
الأكثرون .
الوجه الثاني ﴾ قال بعضهم : المراد أن لا تفتقروا ، يقال : رجل عائل اي فقير،
وذلك لأنه إذا قل عياله قلت نفقاته ، وإذا قلت نفقاته لم يفتقر .
﴿ الوجه الثالث ﴾ نقل عن الشافعي رضي الله عنه انه قال ( ذلك أدنى أن لا تعولوا)
معناه : ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد خطأه
الناس في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه

١٨٤
قوله تعالى (( ذلك أدنى الا تعولوا)) الآية سورة النِّساء
الآية : أن معناه : أن لا تميلوا ولا تجوروا ، وثانيها : أنه خطأ في اللغة لأنه لوقيل : ذلك
أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيماً، فأما تفسير ( تعولوا ) بتعيلوا فإنه خطأ في اللغة ،
وثالثها : أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والاماء في العيال بمنزلة النساء ، ولا
خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين ، فعلمنا انه ليس المراد كثرة العيال .
وزاد صاحب النظم في الطعن وجهاً رابعاً ، وهو أنه تعالى قال في أول الآية ( فإن خفتم أن لا
تعدلوا فواحدة) ولم يقل أن تفتقروا ، فوجب أن يكون الجواب معطوفاً على هذا الشرط ، ولا
يكون جوابه إلا بضد العدل ، وذلك هو الجور لا كثرة العيال . وأنا أقول :
أما السؤال الأول ﴾ فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي رحمة الله
عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية : أن لا تجوروا ولا تميلوا ، ولكنه ذكر فيه وجهاً
آخر ، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين إذا ذكروا وجهاً في تفسير الآية فذلك لا يمنع
المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها ، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي
استنبطها المتأخرون في تفسير كلام الله مردودة باطلة ، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد
خلف ، وأيضاً : فمن الذي أخبر الرازي أن هذا الوجه الذي ذكره الشافعي لم يذكره واحد
من الصحابة والتابعين ، وكيف لا نقول ذلك ، من المشهور. أن طاوساً كان يقرأ : ذلك
أدنى أن لا تعيلوا ، وإذا ثبت أن المتقدمين كانوا قد جعلوا هذا الوجه قراءة ، فبأن يجعلوه
تفسيراً كان أولى ، فثبت بهذه الوجوه شدة جهل الرازي في هذا الطعن .
وأما السؤال الثاني ﴾ فنقول : انك نقلت هذه اللفظة في اللغة عن المبرد ، لكنك
بجهلك وحرصك على الطعن في رؤساء المجتهدين والاعلام ، وشدة بلادتك ، ما عرفت أن
هذا الطعن الذي ذكره المبرد فاسد ، وبيان فساده من وجوه : الأول : أنه يقال : عالت المسألة
إذا زادت سهامها وكثرت ، وهذا المعنى قريب من الميل لأنه إذا ما فقد كثرت جهات الرغبة
وموجبات الارادة وإذا كان كذلك كان معنى الآية : ذلك أدنى أن لا تكثروا ، وإذا لم تكثروا
لم يقع الإِنسان في الجور والظلم لأن مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة ، وبهذا الطريق
يرجع هذا التفسير إلى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور .
﴿ الوجه الثاني﴾ إن الإنسان إذا قال : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، فإذ قيل له ما
معناه ؟ حسن أن يقال : معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة ، وليس المراد منه أن تفسير
طويل النجاد هو أنه طويل القامة ، بل المراد أن المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى .
وهذا الكلام تسمية علماء البيان التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض، وحاصله يرجع إلى حرف
واحد وهو الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه ، فههنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور ،

١٨٥
قوله تعالى ((وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)) الآية سورة النِّساء
وَءَاتُواْ الْنِسَآءَ صَدُفَتِنَّ نِحْلَةٌ
والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور ، لما أن كثرة العيال لا تنفك
عن الميل والجور ، فجعل هذا تفسيراً له لا على سبيل المطابقة ، بل على سبيل الكناية
والاستلزام ، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله ، والشافعي لما كان محيطاً بوجوه أساليب
الكلام العربي استحسن ذكر هذا الكلام ، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيداً عن
أساليب كلام العرب ، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه.
الوجه الثالث﴾ ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن هذا التفسير مأخوذ من قولك :
عال الرجل عياله يعولهم . كقولهم : مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم ، لأن من كثر عياله لزمه أن
يعولهم ، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب ،
فثبت بهذه الوجوه أن الذي ذكره إمام المسلمين الشافعي رضي الله عنه في غاية الحسن ، وأن
الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة .
﴿ وأما السؤال الثالث﴾ وهو قوله: إن كثرة العيال لا تختلف بأن تكون المرأة زوجة أو
مملوكة فجوابه من وجهين : الأول : ما ذكره القفال رضى الله عنه ، وهو أن الجواری إذا کثر ن
فله أن يكلفهن الكسب ، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً ، وحينئذ تقل
العيال ، أما إذا كانت المرأة حرة لم يكن الأمر كذلك فظهر الفرق . الثاني : أن المرأة إذا
كانت مملوكة فإذا عجز المولى عن الانفاق عليها باعها وتخلص منها ، أما إذا كانت حرة فلا بد
له من الانفاق عليها ، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فإنها لا تطالبه بالمهر ،
فإذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة .
وأما السؤال الرابع ﴾ وهو الذي ذكره الجرجاني صاحب النظم ، فالجواب عنه من
وجهين الأول : ما ذكره القاضي وهو أن الوجه الذي ذكره الشافعي أرجح ، لأنه لو حمل على
الجور لكان تكراراً لأنه فهم ذلك من قوله ( وإن خفتم ألا تقسطوا) أما إذا حملناه على ما ذكره
الشافعي لم يلزم التكرار فكان أولى . الثاني : أن نقول : هب أن الأمر كما ذكرتم لكنا بينا
أن التفسير الذي ذكره الشافعي راجع عند التحقيق إلى ذكر التفسير الأول ، لكن على سبيل
الكناية والتعريض ، وإذا كان الأمر كذلك فقد زال هذا السؤال ، فهذا تمام البحث في هذا
الموضع وبالله التوفيق .
قوله تعالى ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ في الآية مسائل :

١٨٦
قوله تعالى ((وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)) الآية سورة النِّساء
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (وآتوا النساء﴾ خطاب لمن؟ فيه قولان: أحدهما : أن هذا
خطاب لأولياء النساء ، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن
شيئاً ، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئاً لك النافجة ، ومعناه أنك تأخذ مهرها
إبلاًّ فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه ، وقال ابن الاعرابي : النافجة ما يأخذه الرجل
من الحلوان إذا زوج ابنته ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وأمر بدفع الحق إلى أهله ، وهذا قول
الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة .
﴿ القول الثاني﴾ أن الخطاب للأزواج. أمروا بايتاء النساء مهورهن، وهذا قول
علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج . قال لأنه لا ذكر للأولياء ههنا ، وما قبل هذا خطاب
للناكحين وهم الأزواج .
المسألة الثانية﴾ قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون المراد من الايتاء المناولة ،
ويحتمل أن يكون المراد الالتزام ، قال تعالى ( حتى يعطوا الجزية عن يد ) والمعنى يضمنوها
ويلتزموها ، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن ،
وعلى التقدير الثاني : كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أولم
يسم ، إلا ما خص به الرسول ◌َ في الموهوبة ، ثم قال رحمه الله: ويجوز أن يكون الكلام
جامعاً للوجهين معاً والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف( صدقاتهن ) مهورهن ، وفي حديث
شريح : قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ ( صدقاتهن ) بفتح الصاد وسكون الدال على
تخفيف صدقاتهن و( صدقاتهن) بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة ، وقرىء
( صدقتهن) بضم الصاد والدال على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة : ظلمة . قال
الواحدي : موضوع ص دق على هذا الترتيب للكمال والصحة ، فسمي المهر صداقاً وصدقة
لأن عقد النكاح به يتم ويكمل .
﴿ المسألة الرابعة﴾ في تفسير النحلة وجوه: الأول: قال ابن عباس وقتادة وابن جريج
وابن زيد : فريضة ، وإنما فسروا النحلة بالفريضة ، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة
والشرعة والمذهب ، يقال : فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به ، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه ،
فقوله ( آتوا النساء صدقاتهن نحلة ) أي آتوهن مهورهن ، فإنها نحلة أي شريعة ودين
ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة . الثاني : قال الكلبي : نحلة أي عطية وهبة ،
يقال: نحلت فلاناً شيئاً أنحله نحلة ونحلاً. قال القفال: وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو
له، يقال: هذا شعر منحول، أي مضاف إلى غير قائلة، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته

١٨٧
قوله تعالى ((فان طبن لكم عن شيء منه نفساً)) الآية سورة النِّساء
فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِبْئًا فِ يَعَانيّ
إلى نفسك ، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن ؟ فيه احتمالان : أحدهما : أنه عطية من
الزوج ، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح فهو قبله ،
فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضاً يملكه ، فكان في معنى النحلة التي ليس بازائها
بدل ، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك ، وقال آخرون إن
الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين ، ثم أمر الزوج
بأن يؤتى الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء .
والقول الثالث ﴾ في تفسير النحلة قال أبو عبيدة : معنى قوله ( نحلة ) أي عن طيب
نفس ، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض ، كما ينحل الرجل لولده شيئاً
من ماله ، وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس ، فأمر الله باعطاء
مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة ، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة .
المسألة الخامسة﴾ إن حملنا النحلة على الديانة ففي انتصابها وجهان: أحدهما : أن
يكون مفعولا له، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة . والثاني : أن يكون حالاً من الصدقات أي
ديناً من الله شرعه وفرضه ، وأما إن حملنا النحلة على العطية ففي انتصابها أيضاً وجهان :
أحدهما : أنه نصب على المصدر ، وذلك لأن النحلة والايتاء بمعنى الاعطاء ، فكأنه قيل :
وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة والثاني : أنها نصب على
الحال ، ثم فيه وجهان : أحدهما : على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي
النفوس بالاعطاء . والثاني : على الحال من الصدقات ، أي منحولة معطاة عن طيبة
الأنفس .
المسألة السادسة ﴾ قال أبو حنيفة رضي الله عنه: الخلوة الصحيحة تقرر المهر ، وقال
الشافعي رضي الله عنه : لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية ، وذلك لأن هذا
النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقاً، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا
الخلوة ، فعند خصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية .
أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى ؛ ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد
فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهز ، وهذه الآية
خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام .
قوله تعالى ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ .

١٨٨
قوله تعالى (( فان طبن لكم عن شيء منه نفساً)) الآية سورة النِّساء
اعلم أنه تعالى لما أمرهم بايتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له ،
لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ نفساً: نصب على التمييز والمعنى: طابت أنفسهن لكم عن شيء
من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن ، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا : أنت حسن
وجهاً ، والفعل في الأصل للوجه ، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسراً لموقع
الفعل ، ومثله : قررت به عيناً وضقت به ذرعاً .
المسألة الثانية) إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل ، وذلك يحصل
بالواحد ومثله عشرون درهماً . قال الفراء : لو جمعت كان صواباً كقوله ( الأخسرين أعمالاً ) .
المسألة الثالثة ﴾ من : في قوله ( منه ) ليس للتبعيض ، بل للتبيين والمعنى عن شيء
من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) وذلك أن المرأة لو طابت
نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية .
المسألة الرابعة ﴾ منه : أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى ( قل أؤنبئكم
بخير من ذلكم ) بعد ذكر الشهوات ، وروى أنه لما قال رؤية :
كأنه فى الجلد توليع البهق
فيها خطوط من سواد وبلق
فقيل له: الضمير في قوله ((كأنه)) إن عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول : كأنها ، وإن
عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول : كأنهما ، فقال : أردت كأن ذاك ، وفيه وجه آخر
وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت : وآتوا النساء صداقهن المقصود حاصلاً ،
وفيه وجه ثالث : وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق ، والغرض
منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق .
المسألة الخامسة ﴾ معنى الآية : فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق عن طيبة النفس
من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن ، أو سوء معاشرتكم معهن ، فكلوه
وأنفقوه ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب ، ووجوب الاحتياط ، حيث بني
الشرط على طيب النفس فقال ( فان طبن ) ولم يقل : فإن وهبن أو سمحن ، إعلاماً بأن
المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة .
المسألة السادسة ﴾ الهنيء والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغاً لا
تنغيص فيه ، وقيل : الهنيء ما يستلذه الآكل ، والمرىء ما يحمد عاقبته ، وقيل : ما ينساغ

١٨٩
قوله تعالى (( فان طبن لكم عن شيء منه نفساً)) الآية سورة النِّساء
في مجراه ، وقيل : لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المرى ءلمروء الطعام فيه وهو
انسياغه . وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب
بالقطران ، فالهنيء شفاء من الجرب ، قال المفسرون : المعنى أنهن إذا وهبن مهورهن من
أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ،
وبالجملة فهو عبارة عن التحليل ، والمبالغة في الأباحة وإزالة التبعة .
المسألة السابعة﴾ قوله (هنيئاً مريئاً) وصف المصدر ، أي أكلاً هنيئاً مريئاً، أو
حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على قوله ( فكلوه ) ثم يبتدأ بقوله
(هنيئاً مريئاً) على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : هنأ مرأ .
﴿ المسألة الثامنة﴾ دلت هذه الآية على أمور: منها : أن المهر لها ولا حق للولي فيه ،
ومنها جواز هبتها المهر للزوج ، وجواز أن يأخذه الزوج ، لأن قوله ( فكلوه هنيئاً مريئاً) يدل
على المعنيين ، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين .
وههنا بحث وهو أن قوله ( فكلوه هنيئاً مريئاً) يتناول ما إذا كان المهر عينا ، أما إذا كان
ديناً فالآية غير متناولة له ، فإنه لا يقال لما في الذمة : كله هنيئاً مريئاً .
قلنا : المراد بقوله ( كلوه هنيئاً مريئاً) ليس نفس الأكل ، بل المراد منه حل
التصرفات ، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل ، ونظيره قوله
تعالى ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) وقال ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) .
المسألة التاسعة ﴾ قال بعض العلماء : إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم
تطب عنه نفساً ، وعن الشعبي : أن امرأة جاءت مع زوجها شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي
تطلب الرجوع فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى ( فإن طبن لكم
عن شيء ) فقال : لوطابت نفسها عنه لما رجعت فيه . وروى عنه أيضاً: أقيلها فيما وهبت
ولا أقيله لأنهن يخدعن ، وحكى أن رجلاً من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقاً
كان لها عليه ، فلبث شهراً ثم طلقها ، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان ، فقال الرجل :
أعطتني طيبة به نفسها ، فقال عبدالملك : فإن الآية التي بعدها ( فلا تأخذوا منه شيئاً) أردد
عليها . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته : إن النساء يعطين رغبة
ورهبة ، فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها والله أعلم .

١٩٠
قوله تعالى ((ولا تؤتوا السفهاء اموالكم)) الآية سورة النساء
وَلَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُلَكُمْ فِيَعًا وَأَرْزُقُوهُمْ فِيَهَ وَكُوهُمْ وَقُولُواْ
لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا.
قوله تعالى ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وار زقوهم فيها واكسوهم
وقولوا لهم قولا معروفاً ﴾
.
واعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة .
واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول : إني وإن كنت امرتكم بايتاء
اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء إليهن ، فإنما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين
متمكنين من حفظ أموالهم ، فأما إذا كانوا غير بالغين ، أو غير عقلاء ، أو إن كانوا بالغين
عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين ، فلا تدفعوا إليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن
يزول عنهم السفه ، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين :
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية قولان: الأول: أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال:
أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم . والدليل على أنه
خطاب الأولياء قوله ( وارزقوهم فيها واكسوهم ) وأيضاً فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما
قبلها كما قررناه .
فإن قيل : فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم ، فلم قال
أموالكم ؟
قلنا : في الجواب وجهان : الأول : أنه تعالى أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه ، لكن
من حيث ملكوا التصرف فيه ، ويكفي في حسن الاضافة أدنى سبب ، إنما حسنت هذه
الاضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص ، ونظيره قوله تعالى ( لقد جاءكم
رسول من أنفسكم ) وقوله ( فما ملكت إيمانكم ) وقوله ( فاقتلوا أنفسكم ) وقوله ( ثم أنتم
هؤلاء تقتلون أنفسكم) ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ، ولكن كان بعضهم يقتل
بعضاً ، وكان الكل من نوع واحد ، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الانسان ويحتاج إليه .
فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم .

١٩١
قوله تعالى (( ولا تؤتوا السفهاء اموالكم)) الآية سورة النساء
والقول الثاني ﴾ أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم
سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم ، لما كان في ذلك.
من الافساد ، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة ، وعلى هذا القول يكون
الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك ، وذلك يدل على أنه
ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها . وإذا قرب أجله فإنه يجب عليه أن يوصي بما له إلى
أمين يحفظ ذلك المال على ورثته ، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين ، ومما يدل على
هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم ، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من
أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله ، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى
السفهاء أموالهم. وإذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على القول الثاني والله
أعلم . الثاني : أنه قال في آخر الآية ( وقولوا لهم قولاً معروفاً) ولا شك أن هذه الوصية
بالأيتام أشبه ، لأن المرء مشفق بطبعه على ولده ، فلا يقول له إلا المعروف. وإنما يحتاج إلى
هذا الوصية مع الأيتام الأجانب ، ولا يمتنع أيضاً حمل الآية على كلا الوجهين . قال القاضي :
هذا بعيد لأنه يقتضى حمل قوله ( أموالكم ) على الحقيقة والمجاز جميعاً ، ويمكن أن يجاب عنه
بأن قوله ( أموالكم ) يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصاً يمكنه التصرف فيها ، ثم إن
هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكاً له ، وفي المال الذي يكون مملوكاً للصبي ،
إلا أنه يجب تصرفه ، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله
( اموالكم) وإذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحداً
مشتركاً بينهما .
﴿ المسألة الثانية ﴾ ذكروا في المراد بالسفهاء أوجهاً: الأول : قال مجاهد وجويبر عن
الضحاك السفهاء ههنا النساء سواء كن أزواجاً أو أمهات أو بنات . وهذا مذهب ابن عمر ،
ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي ◌َ ◌ّ قال ((ألا إنما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثاً
الاوإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها .
فإن قيل : لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال : السفائه أو السفيهات في جمع السفيهة
نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة .
أجاب الزجاج : بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع الفقيرة جائز .
﴿ والقول الثاني ﴾ قال الزهري وابن زيد: عنى بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد،
يقول : لا تعط مالك الذي هو قيامك ، ولدك السفيه فيفسده .

١٩٢
قوله تعالى ((ولا تؤتوا السفهاء اموالكم)) الآية سورة النِّساء
القول الثالث﴾ المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس والحسن
وقتادة وسعيد ابن جبير، قالوا إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة ، وإن ولده سفيه مفسد
فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله فيفسده .
﴿ والقول الرابع ﴾ أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال،
ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام وكل من كان موصوفاً بهذه الصفة ، وهذا القول أولى لأن
التخصيص بغير دليل لا يجوز ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن السفه خفة العقل ، ولذلك
سمي الفاسق سفيها لأنه لا وزن له عند أهل الدين والعلم ، ويسمى الناقص العقل سفيهاً
لخفة عقله .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه ليس السفه في هؤلاء صفة ذم، ولا يفيد معنى العصيان لله
تعالى ، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ الأموال .
المسألة الرابعة﴾ اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال ،
قال تعالى ( ولا تبذر تبذيراً أن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) وقال تعالى ( ولا تجعل يدك
مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) وقال تعالى (والذين إذا أنفقوا لم
يسرفوا ولم يقتروا) وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والاشهاد
والرهن ، والعقل ايضايؤيد ذلك ، لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل
مصالح الدنيا والآخرة ، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن به يتمكن من جلب المنافع
ودفع المضار ، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له
على اكتساب سعادة الآخرة ، أما من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن
كسب سعادة الآخرة .
المسألة الخامسة ﴾ قوله تعالى ( التي جعل الله لكم قياماً) معناه أنه لا يحصل قيامكم
ولا معاشكم إلا بهذا المال . فلما كان المال سبباً للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقاً لاسم
المسبب على السبب على سبيل المبالغة ، يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم ،
وقرأ نافع وابن عامر ( التي جعل الله لكم قيماً) وقد يقال هذا قيم وقيم ، كما قال ( ديناً قيماً ملة
إبراهيم ) وقرأ عبدالله بن عمر ( قواماً) بالواو ، وقوام الشيء ما يقام به كقولك : ملاك الأمر لما
يملك به .
﴿ المسألة السادسة﴾ قال الشافعي رحمه الله: البالغ إذا كان مبذراً للمال مفسداً له
يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يحجر عليه . حجة الشافعي : أنه سفيه ،

١٩٣
قوله تعالى ((وارزقوهم فيها واكسوهم)) الآية سورة النِّساء
فوجب أن يحجر عليه ، إنما قلنا أنه سفيه ، لأن السفيه في اللغة ، هو من خف وزنه ، ولا
شك أن من كان مبذراً للمال مفسداً له من غير فائدة ، فإنه لا يكون له في القلب وقع عند
العقلاء، فكان خفيف الوزن عندهم ، فوجب أن يسمى بالسفيه . وإذا ثبت هذا لزم اندراجه .
تحت قوله تعالى ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) .
ثم قال تعالى ﴿وار زقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما نهى عن إيتاء المال السفيه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء : أولها : قوله
(وارزقوهم) ومعناه : وأنفقوا ومعنى الرزق من العباد هو الاجراء الموظف لوقت معلوم يقال:
فلان رزق عياله أي أجرى عليهم ، وإنما قال ( فيها ) ولم يقل منها لئلا يكون ذلك أمراً بأن
يجعلوا بعض أموالهم رزقاً لهم ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها
ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال ، وثانيها : قوله ( واكسوهم )
والمراد ظاهر ، وثالثها : قوله ( وقولوا لهم قولاً معروفاً) .
واعلم أنه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل السفه ، أما
خلاف القول المعروف فإنه يزيد السفيه سفهاً ونقصاناً .
والمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف وجوهاً : أحدها : قال ابن جريج ومجاهد :
إنه العدة الجميلة من البر والصلة ، وقال ابن عباس : هو مثل أن يقول : إذاربحت في سفرتي
هذه فعلت بك ما أنت أهله ، وإن غنمت في غزاتي أعطيتك ، وثانيها : قال ابن زيد : إنه
الدعاء مثل أن يقول : عافانا الله وإياك بارك الله فيك ، وبالجملة كل ما سكنت إليه النفوس
وأحبته من قول وعمل فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر ، وثالثها :
قال الزجاج : المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم
والعمل ، ورابعها : قال القفال رحمه الله القول المعروف هو أنه إن كان المولى عليه صبياً ،
فالولي بعرفه ان المال ماله وهو خازن له ، وأنه إذا زال صباه فإنه يرد المال إليه ، ونظير هذه
الآية قوله ( فأما اليتيم فلا تقهر ) معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد ، وكذا قوله
( وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً) وإن كان المولى عليه
سفيهاً وعظه ونصحه وحثه على الصلاة ، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبة
التبذير الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام ، وهذا الوجه أحسن من
سائر الوجوه التي حكيناها .
الفخر الرازي ج٩ م١٣

١٩٤
قوله تعالى ((وابتلوا اليتامى اذا بلغوا النكاح)) الآية سورة النّساء
وَأَبْتَلُواْ الْيَتَمَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ الْنِكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشَدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ
وَلَ تَأْكُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَتَكْبَرُواْ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْقِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًاً
فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بَِِّ حَسِبًا.
٦
قوله تعالى ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم
أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل
بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم إليه بقوله ( وآتوا اليتامى أموالهم ) بين
بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم ، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم إليهم شرطين :
أحدهما : بلوغ النكاح ، والثاني : إيناس الرشد ، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم
إليهم ، وفي الآية مسائل .
المسألة الأولى﴾ قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : تصرفات الصبي العاقل المميز
بإذن الولي صحيحة ، وقال الشافعي رضي الله عنه : غير صحيحة ، احتج أبو حنيفة على قوله
بهذه الآية ، وذلك لأن قوله ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ) يقتضي أن هذا الابتلاء إنما
يحصل قبل البلوغ ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح للبيع
والشراء . وهذا الاختبار إنما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء ، وإن لم يكن هذا المعنى نفس
الاختبار ، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح الاستثناء ، يقال : وابتلوا اليتامى إلا في
البيع والشراء ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فثبت أن قوله ( وابتلوا اليتامى )
أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم .
أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال : ليس المراد بقوله ( وابتلوا اليتامى ) الاذن لهم
في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك ( فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم
أموالهم ) فإنما أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ، وإذا ثبت بموجب هذه الآية
أنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر ، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر ، لأنه لا قائل

١٩٥
قوله تعالى ((وابتلوا اليتامى اذا بلغوا النكاح)) الآية سورة النِّساء
بالفرق ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي ، وأما الذي احتجوا به ،
فجوابه : أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله ، في أنه هل له فهم وعقل وقدرة في
معرفة المصالح والمفاسد ، وذلك إذا باع الولي واشترى بحضور الصبي ، ثم يستكشف من
الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل
الاختبار والابتلاء . وايضاً : هب أنا سلمنا أنه يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري ، فلم قلت
إن هذا القدر يدل على صحة ذلك البيع والشراء ، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار
عقله ، فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء ، وهذا محتمل والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله ( وإذا بلغ
الأطفال منكم الحلم ) وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده
يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام ، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال
الماء الدافق الذي يكون في الجماع .
واعلم أن للبلوغ علامات خمسة : منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والإناث ، وهو
الاحتلام والسن المخصوص ، ونبات الشعر الخشن على العانة ، واثنان منها مختصان بالنساء ،
وهما : الحيض والحبل .
المسألة الثالثة ﴾ أما إيناس الرشد فلا بد فيه من تفسير الايناس ومن تفسير الرشد ،
أما الايناس فقوله ( آنستم ) أي عرفتم وقيل : رأيتم ، وأصل الإيناس في اللغة الإبصار ،
ومنه قوله ( آنس من جانب الطور ناراً) وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا
تعلق له بصلاح ماله ، بل لا بد وأن يكون هذا مراداً ، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا
يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته ، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه
الصلاح في الدين ؟ فعند الشافعي رضي الله عنه لا بد منه ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو
غير معتبر ، والأول أولى ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن أهل اللغة قالوا : الرشد هو
إصابة الخير، والمفسد في دينه لا يكون مصيباً للخير . وثانيها : أن الرشد نقيض الغي قال
تعالى ( قد تبين الرشد من الغي ) والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى (وعصى آدم ربه
فغوى) فجعل العاصي غوياً ، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين .
وثالثها : أنه تعالى قال ( وما أمر فرعون برشيد ) نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح
الدين والله أعلم .
إذا عرفت هذا فنقول : فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر على
---- -

١٩٦
قوله تعالى ((وابتلوا اليتامى اذا بلغوا النكاح)) الآية سورة النِّساء
الفاسق ، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه.
﴿ المسألة الرابعة﴾ اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فإنه لا يدفع إليه ماله ، ثم عند أبي
حنيفة لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة ، فاذا بلغ ذلك دفع إليه ماله على كل حال ،
وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة ، فإذا زاد عليه سبع
سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإِنسان لقوله عليه الصلاة والسلام ((مروهم بالصلاة
السبع )) فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال ، فعندها يدفع إليه ماله ، أو
انس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يدفع إليه أبداً إلا بایناس
الرشد . وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله .
احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال : لا شك أن اسم الرشد واقع على
العقل في الجملة ، والله تعالى شرط رشداً منكراً ولم يشترط سائر ضروب الرشد ، فاقتضى ظاهر
الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية ، فيلزم جواز دفع المال
اليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة ، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس
وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال ( وابتلوا اليتامى ) ولا شك أن المراد ابتلاؤهم
فيما يتعلق بمصالح حفظ المال ، ثم قال ( فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا ) ويجب أن يكون
المراد : فإن آنستم منهم رشداً في حفظ المال وضبط مصالحه ، فإنه إن لم يكن المراد ذلك تفكك
النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض ، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو
حصول الرشد في رعاية مصالح المال ، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي ، بل تنقلب
هذه الآية دليلاً عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطاً في جواز دفع المال إليه ، فإذا كان هذا
الشرط مفقوداً بعد خمس وعشرين سنة ، وجب أن لا يجوز دفع المال إليه ، والقياس الجلي أيضاً
يقوي الاستدلال بهذا النص ، لأن الصبي إنما منع المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ
المال وكيفية الانتفاع به ، فإذا كان هذا المعنى حاصلاً في الشباب والشيخ كان في حكم
الصبي ، فثبت أنه لا وجه لقول من يقول : أنه إذا بلغ خمساً وعشرين سنة دفع إليه ماله وإن لم
يؤنس منه الرشد .
المسألة الخامسة﴾ إذا بلغ رشيداً ثم تغير وصار سفيهاً حجر عليه عند الشافعي ولا
يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم
التي جعل الله لكم قياماً) والقياس الجلي أيضاً يدل عليه ، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ
غير رشيد لم يدفع إليه ماله ، وإنما لم يدفع إليه ماله لئلا يصير المال ضائعاً فيكون باقياً مرصداً
ليوم حاجته ، وهذا المعنى قائم في السفه الطارىء ، فوجب اعتباره والله أعلم .

١٩٧
قوله تعالى ((ولا تأكلوها اسرافا وبداراً ان يكبروا)) الآية سورة النِّسَاءُ
المسألة السادسة ﴾ قال صاحب الكشاف: الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على أن
المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة . أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور
أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد .
المسألة السابعة ﴾ قال صاحب الكشاف: قرأ ابن مسعود فإن أحستم ، بمعنى
احسستم قال :
أحسن به فهن إليه شوس
وقرىء رشداً بفتحتين ورشداً بضمتين .
ثم قال تعالى ( فادفعوا إليهم أموالهم ) والمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ
وإيناس الرشد يجب دفع المال إليهم ، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل، لأن
إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل .
ثم قال تعالى ﴿ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو
الاسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون : ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر
اليتامى فينزعوها من أيدينا ، ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيراً
فقال ( ومن كان غنياً فليستغف) قال الواحدي رحمه الله : استعف عن الشيء وعف إذا امتنع
منه وتركه ، وقال صاحب الكشاف : استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال
( ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) واختلف العلماء في أن الوصى هل له أن ينتفع بمال
اليتيم ؟ وفي هذه المسألة أقوال : أحدهما : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم
وبقدر أجر عمله ، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه : الأول : أن قوله تعالى ( ولا تأكلوها
إسرافاً) مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة ، وثانيها : أنه قال ( ومن كان غنياً فليستعفف ومن
كان فقيراً فليأكل بالمعروف) فقوله ( ومن كان غنياً فليستعفف) ليس المراد منه نهي الوصي
الغني عن الانتفاع بمال نفسه ، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم ، وإذا كان كذلك لزم
أن يكون قوله ( ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) إذناً للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار
الحاجة ، وثالثها : قوله ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) وهذا دليل على أن مال اليتيم
قد يؤكل ظلماً وغير ظلم ، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى
ظلماً ) فائدة ، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف ، ورابعها : ما
روى عن النبي ◌َّ﴾ أن رجلاً قال له: أن تحت حجري يتيماً أآكل من ماله ؟ قال : بالمعروف غير
متأثل مالاً ولا واق مالك بماله ، أفأضربه ؟ قال مما كنت ضارباً منه ولدك . وخامسها : ما

١٩٨
قوله تعالى ((ولا تأكلوها اسرافا وبداران يكبروا)) الآية سورة النِّساء
روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف : سلام
عليكم أما بعد : فإني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار ، وربعها لعبدالله ابن مسعود ،
وربعها لعثمان ، ألا وإني أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم : من كان غنياً
فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف . وعن ابن عباس أن ولي يتيم قال له أفأشرب
من لبن إبله ؟ قال : إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنا جرباها وتسقيها يوم وردها ،
فاشرب غير مضر بنسل ، ولا ناهك في الحلب وعنه أيضاً : يضرب بيده مع أيديهم فليأكل
بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها ، وسادسها . أن الوصي لما تكفل بإصلاح مهمات الصبي
وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياساً على الساعي في أخذ الصدقات
وجمعها ، فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم ، فكذا ههنا ، فهذا تقرير هذا القول .
والقول الثاني﴾ أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضاً، ثم إذا أيسر
قضاه ، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي
العالية ، وأكثر الروايات عن ابن عباس . وبعض أهل العلم خص هذا الاقراض بأصول
الأموال من الذهب والفضة وغيرها ، فأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب
الدواب ، فمباح له إذا كان غير مضر بالمال ، وهذا قول أبي العالية وغيره ، واحتجوا بأن الله
تعالى قال ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم ) فحكم في الأموال بدفعها إليهم .
﴿ والقول الثالث ﴾ قال أبو بكر الرازي : الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ
على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء ، سواء كان غنياً أو فقيراً. واحتج عليه بآيات :
منها: قوله تعالى (وآتوا اليتامى أموالهم) إلى قوله (إنه كان حوباً كبيراً) ومنها: قوله (إن الذين
يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً) ومنها: قوله (وأن
تقوموا لليتامى بالقسط) ومنها: قوله (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) قال: فهذه الآية
محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصيه في حال الغنى والفقر، وقوله ( ومن كان فقيراً فليأكل
بالمعروف) متشابهة محتمل فوجب رده لكونه متشابهاً إلى تلك المحكمات، وعندي أن هذه
الآيات لا تدل على ما ذهب الرازي إليه. أما قوله (وآتوا اليتامى أموالهم) فهو عام وهذه الآية
التي نحن فيها خاصة، والخاص مقدم على العام. وقوله (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً)
فهو إنما يتناول هذه الواقعة لو ثبت أن أكل الوصى من مال الصبي بالمعروف ظلم، وهل النزاع
إلا فيه، وهو الجواب بعينه عن قوله (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) أما قوله (وأن تقوموا
لليتامى بالقسط) فهو إنما يتناول محل النزاع لو ثبت أن هذا الأكل ليس بقسط، والنزاع ليس إلا
فيه، فثبت أن كلامه في هذا الموضع ساقط ركيك والله أعلم .

١٩٩
قوله تعالى ((فاذا دفعتم اليهم اموالهم فاشهدوا عليهم)) الآية سورة النِّساء
ثم قال تعالى ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ .
واعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغاً ، فإن
الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه : أحدها : أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان
أبعد من أن يدعي ما ليس له ، وثانيها : أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي
الشهادة على أنه دفع ماله إليه . ثالثها : أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته ، ونظيره أن
النبي وَلّ قال ((من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب)) فأمره بالاشهاد لتظهر
أمانته وتزول التهمة عنه ، فثبت بما ذكرنا من الاجماع والمعقول أن الأحوط هو الاشهاد .
واختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه هل هو مصدق ؟ وكذلك
لو قال : أنفقت عليه في صغره هل هو مصدق ؟ قال مالك والشافعي : لا يصدق ، وقال أبو
حنيفة واصحابه : يصدق ، واحتج الشافعي بهذه الآية فإن قوله ( فأشهدوا عليهم ) أمر ،
وظاهر الأمر الوجوب ، وأيضاً قال الشافعي : القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم ، وإنما هو مؤتمن
من جهة الشرع ، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة الشديدة وقال : لو كان ما
ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم : قد دفعت إليك لأنه لم
يأتمنه ، وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي : قد دفعت مالك إليك أن
لا يصدق لأنه لم يأتمنه ، ويلزمه أيضاً أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد
هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه ، فيقال له : أن قولك هذا لبعيد عن معاني
الفقه ، أما النقض بالقاضي فبعيد ، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة التهمة عنه ليصير قضاؤه
نافذاً ، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة ،
وحنيئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر ، ويلزم التسلسل ، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في
وصي اليتيم ، وأما الأب فالفرق ظاهر لوجهين ، أحدهما : أن شفقته أتم من شفقة
الأجنبي ، ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي ، وأما إذا تصادقوا بعد
البلوغ أنه قد هلك فنقول ؛
إن كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره فهھنا يلزمه الضمان ، أما إذا اعترف بأنه هلك لا
بتقصيره ، فههنا يجب أن يقبل قوله ، والا لصار ذلك مانعاً للناس من قبول الوصاية ، فيقع
الخلل في هذا المهم العظيم ، فأما الاشهاد عند الرد إليه بعد البلوغ فإنه لا يفضي إلى هذه
المفسدة فظهر الفرق ، ومما يؤكد هذا الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ما يدل على أن اليتيم
حصل في حقه ما يوجب التهمة ، وهو قوله ( ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ، وهذا يدل
على جريان العادة بكثرة إقدام الولي على ظلم الأيتام والصبيان ، وإذن دلت هذه الآية على تأكد
موجبات التهمة في حق ولي اليتيم :

٢٠٠
قوله تعالى ((للرجال نصيب ما ترك الوالدان)) الآية سورة النِّساء
لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مَِّّا تَرَكَ الْوَّلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنَّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ
وَالْأُقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (يٌ
ثم قال بعده ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ﴾ أشعر ذلك بأن الغرض منه رعاية
جانب الصبي ؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال إليه إلا عند حضور الشاهد ، صار
ذلك مانعاً له من الظلم والبخس والنقصان ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن قوله
( فأشهدوا) كما أنه يجب لظاهر الإيجاب ، فكذلك يجب أن القرائن والمصالح تقتضي
الايجاب ، ثم قال هذا الرازي ، ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد ، اتفاق الجميع على أنه
مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه ، فهو بمنزلة
الودائع والمضاربات ، فوجب أن يكون مصدقاً على الرد كما يصدق على رد الوديعة ، فيقال له:
أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه ،
واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله ، وأيضاً فعادتك ترك الالتفات إلى كتاب الله
لقياس ركيك تتخيله ، ومثل هذا الفقه مسلم لك ، ولا يجب المشاركة فيه معك وبالله
التوفيق .
ثم قال تعالى ﴿وكفى بالله حسيباً﴾ قال ابن الانباري والأزهري : يحتمل أن يكون
الحسيب بمعنى المحاسب ، وأن يكون بمعنى الكافي ، فمن الأول قولهم للرجل للتهديد :
حسبه الله ومعناه يحاسبه الله على ما يفعل من الظلم ، ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب ،
قولنا الشريب بمعنى المشارب ، ومن الثاني قولهم : حسيبك الله أي كافيك الله .
واعلم أن هذا وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا
ينوي أو يعمل في ماله ما لا يخل ، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله ، وهذا
المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي .
١
واعلم أن الباء في قوله ( كفى بالله وكفى بربك ) في جميع القرآن زائدة ، هكذا نقله
الواحدي عن الزجاج و (حسيباً) نصب على الحال أي كفى الله حال كونه محاسباً، وحال كونه كافياً .
١
قوله تعالى ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك
الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً﴾ .