Indexed OCR Text
Pages 121-140
قوله تعالى ((لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير)) الآية سورة آل عِمْران ١٢١ الإنسان إنما يذكر ذلك إما على سبيل الاستهزاء أو على سبيل الإلزام ، وأكثر الروايات أن هذا القول إنما صدر عن اليهود. روى أنه لم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإِسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً ، فقال فنحاص اليهودي إن الله فقير حتى سألنا القرض ، فلطمه أبو بكر في وجهه وقال : لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك ، فشكاه إلى رسول اللّه وق لقه وجحد ما قاله ، فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر رضي الله عنه . وقال آخرون : لما أنزل الله تعالى ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ) قالت اليهود : نرى إله محمد يستقرض منا ، فنحن إذن أغنياء وهو فقير، وهو ينهانا عن الربا ثم يعطينا الربا ، وأرادوا قوله ( فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ) . واعلم أنه ليس في الآية تعيين هذا القائل ، إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : إن يد الله مغلولة : يعنون أنه بخيل بالعطاء وذلك الجهل مناسب للجهل المذكور في هذه الآية . وثانيها : ما روي في الخبر أنهم تكلموا بذلك على ما رويناه في قصة أبي بكر . وثالثها : أن القول بالتشبيه غالب على اليهود ، ومن قال بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه تعالى قادراً على كل المقدورات ، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني وليس بفقير . والوجه الرابع : أن موسى عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم أن يوافقوه في مجاهدة الأعداء قالوا : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون . فموسى عليه السلام لما طلب منهم الجهاد بالنفس قالوا : لما كان الاله قادراً فأي حاجة به إلى جهادنا ، وكذا ههنا أن محمداً عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم الجهاد ببذل المال قالوا : لما كان الاله غنياً فأي حاجة به إلى أموالنا . فكان إسنادهم هذه الشبهة إلى اليهود لائقاً من هذا الوجه ، وإن كان لا يمتنع أن يكون غيرهم من الجهال قد قال ذلك. والأظهر أنهم قالوه على سبيل الطعن في نبوة محمد قتله ، يعني لو صدق محمد في أن الاله يطلب المال من عبيدة لكان فقيراً ، ولما كان ذلك محالاً ثبت أنه كاذب في هذا الاخبار ، أو ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية ، فإما أن يقول العاقل مثل هذا الكلام عن اعتقاد فهو بعيد . المسألة الثانية﴾ هذه الآية تدل على أنه تعالى سميع للأقوال ، ونظيره قوله تعالى ( قد سمع الله قول التي تجادلك ) . المسألة الثالثة﴾ ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة ، لأنه تعالى قال ١٢٢ قوله تعالى ((وقتلهم الأنبياء بغير حق )) الآية سورة آل عمران ( الذين قالوا ) وظاهر هذا القول يفيد الجمع . وأما ما روى أن قائل هذا القول هو فنحاص اليهودي، فهذا يدل على أن غيره لم يقل ذلك ، فلما شهد الكتاب أن القائلين كانوا جماعة وجب القطع بذلك . ثم قال تعالى ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة ( سيكتب) بالياء وضمها على ما لم يسم فاعله ( وقتلهم الأنبياء ) برفع اللام على معنى سيكتب قتلهم ، والباقون بالنون وفتح اللام اضافة إليه تعالى . قال صاحب الكشاف : وقرأ الحسن والأعرج ( سيكتب ) بالياء وتسمية الفاعل . المسألة الثانية﴾ هذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوهاً: أحدها : أن يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغى ولا يطرح ، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير كتبوه ، والله تعالى جعل الكتبة مجازاً عن إثبات حكم ذلك عليهم . الثاني : سنكتب ما قالوا في الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك في جرائد أعمالهم يوم القيامة ، والثالث : عندي فيه احتمال آخر ، وهو أن المراد : سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة تعنت هؤلاء وجهلهم وجهدهم في الطعن في نبوة محمد رَّ بكل ما قدروا عليه . ثم قال ﴿ وقتلهم الأنبياء بغير حق ﴾ أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير حق ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ الفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى أنهم وصفوا الله تعالى بالفقر، هي بيان أن جهل هؤلاء ليس مخصوصاً بهذا الوقت ، بل هم منذ كانوا ، مصرون على الجهالات والحماقات . المسألة الثانية﴾ في إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء وجهان: أحدهما : سنكتب ما قال هؤلاء ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي الفريقين بما هو أهله ، كقوله تعالى ( وإذ قتلتم نفساً) أي قتلها أسلافكم (وإذ نجيناكم من آل فرعون . وإذ فرقنا بكم البحر ) والفاعل لهذه الأشياء هو أسلافهم ، والمعنى أنه سيحفظ على الفريقين معاً أقوالهم وأفعالهم . والوجه الثاني ﴾ سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم، ونكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين . وعن الشعبي أن رجلاً ذكر عنده عثمان رضي الله عنه وحسن قتله ، فقال الشعبي : صرت شريكاً في دمه ، ثم قرأ الشعبي ( قل قد جاءكم رسل ١٢٣ سورة آل عمران قوله تعالى ((ونقول ذوقوا عذاب الحريق)) الآية من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ) فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة . ثم قال تعالى ﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة ( سيكتب) على لفظ ما لم يسم فاعله ( وقتلهم الأنبياء ) برفع اللام ( ويقول ذوقوا) بالياء المنقطة من تحت ، والباقون ( سنكتب ونقول ) بالنون . ﴿ المسألة الثانية﴾ المراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق عذاب الحريق ، كما أذقت المسلمين الغصص ، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى المؤلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ يحتمل أن يقال له هذا القول عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب ويحتمل أن يكون هذا كناية عن حصول الوعيد ، وإن لم يكن هناك قول . المسألة الرابعة ﴾ لقائل أن يقول : إنهم أوردوا سؤالا وهو أن من يطلب المال من غيره كان فقيراً محتاجاً ، فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيراً وذلك محال ، فوجب أن يقال : إنه لم يطلب المال من عبيده ، وذلك يقدح في كون محمد عليه الصلاة والسلام صادقاً في ادعاء النبوة فهذا هو شبهة القوم فأين الجواب عنها؟ وكيف يحسن ذكر الوعيد على ذكرها قبل ذكر "الجواب عنها ؟ فنقول : إذا فرعنا على قول أصحابنا من أهل السنة والجماعة قلنا : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا يبعد أن يأمر الله تعالى عبيده ببذل الأموال مع كونه تعالى أغنى الأغنياء . وإن فرعنا على قول المعتزلة في أنه تعالى يراعي المصالح لم يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد ؛ منها : أن إنفاق المال يوجب زوال حب المال عن القلب ، وذلك من أعظم المنافع ، فإنه إذا مات فلو بقي في قلبه حب المال مع أنه ترك المال لكان ذلك سبباً لتألم روحه بتلك المفارقة ، ومنها : أن يتوسل بذلك الانفاق إلى الثواب المخلد المؤبد ، ومنها : أن بسبب الانفاق يصير القلب فارغاً عن حب ما سوى الله ، وبقدرما يزول عن القلب حب غير الله فإنه يقوى فيه حب الله ، وذلك رأس السعادات ، وكل هذه الوجوه قد ذكرها الله في القرآن وبينها مراراً وأطواراً ، كما قال ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً) وقال ( والآخرة خير وأبقى ) وقال ( ورضوان من الله أكبر ) وقال ( فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) فلما تقدم ذكر هذه الوجوه على الاستقصاء كان إيراد هذه الشبهة بعد تقدم هذه البينات محض التعنت ، فلهذا اقتصر الله تعالى عند ذكرها على مجرد الوعيد . ١٢٤ قوله تعالى ((الذين قالوا ان الله عهد الينا الا نؤمن لرسول)) الآية سورة آل عِمْران الَّذِينَ قَالُوّا إِنَّ الََّ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَّسُولٍ حَتَّى يَأِنَا بِقُرْ بَانِ تَأْكُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَ كُمْرُسُلٌ مِن قَبْلِ بِالْبَيِنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ١٨٣ ثم قال تعالى ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد ذكر سببه فقال ( ذلك بما قدمت أيديكم ) أي هذا العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله بالفقر وأقدمتم على قتل الأنبياء ، فيكون هذا العقاب عدلاً لا جوراً . المسألة الثانية ﴾ قال الجبائي: الآية تدل على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم تلك الذنوب ، وفيه بطلان قول المجبرة : إن الله يعذب الأطفال بغير جرم ، ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب ، ويدل على كون العبد فاعلاً ، وإلا لكان الظلم حاصلاً . والجواب : ان ما ذكرتم معارض بمسألة الداعي ومسألة العلم على ما شرحناه مراراً وأطواراً . ﴿ المسألة الثالثة﴾ لقائل أن يقول (وما ربك بظلام للعبيد) يفيد نفي كونه ظلاماً، ونفي الصفة يوهم بقاء الأصل ، فهذا يقتضي ثبوت أصل الظلم . أجاب القاضي عنه بأن العذاب الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً ، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا ، وهذا يؤكد ما ذكرنا أن إيصال العقاب إليهم يكون ظلماً لو لم يكونوا مذنبين . ﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أن ذكر الأيدي على سبيل المجاز، لأن الفاعل هو الإنسان لا اليد ، إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل إليها على سبيل المجاز ، ثم في هذه الآية ذكر اليد بلفظ الجمع فقال ( بما قدمت أيديكم) وفي آية أخرى ذكر بلفظ التثنية فقال ( ذلك بما قدمت يداك ) والكل حسن متعارف في اللغة . قوله تعالى ﴿ الذین قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتی یأتینا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ . ١٢٥ سورة آل عِمْران قوله تعالى ((الذين قالوا ان الله عهد الينا الا نؤمن)) الآية اعلم أن هذه هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته ويلية ، وتقريرها أنهم قالوا : أن الله عهد إلينا لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، وأنت يا محمد ما فعلت ذلك فوجب أن لا تكون من الأنبياء ، فهذا بيان وجهة النظم ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف، وکعب بن أسد ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن التابوب ، وفنحاص بن عازوراء وغيرهم، أتوا رسول الله ◌َّه، فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتاباً ، وقد عهد الله إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، ويكون لها دوي خفيف ، تنزل من السماء ، فإن جئتنا بهذا صدقناك ، فنزلت هذه الآية . قال عطاء : كانت بنو إسرائيل يذبحون الله ، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت ، والسقف مكشوف فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه ، وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي خفيف ولا دخان لها فتأكل كل ذلك القربان . واعلم أن للعلماء فيما ادعاه اليهود قولين : الأول وهو قول السدي : أن هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط ، وذلك أنه تعالى قال في التوراة : من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً عليهما السلام . فإنهما إذا أتيا فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان تأكله النار . قال وكانت هذه العادة باقية إلى مبعث المسيح عليه السلام ، فلما بعث الله المسيح ارتفعت وزالت . القول الثاني ﴾ ان ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أنه لو كان ذلك حقاً لكانت معجزات كل الأنبياء هذا القربان ، ومعلوم أنه ما كان الأمر كذلك ، فان معجزات موسى عليه السلام عند فرعون كانت أشياء سوى هذا القربان . وثانيها : أن نزول هذه النار وأكلها للقربان معجزة فكانت هي وسائر المعجزات على السواء ، فلم يكن في تعيين هذه المعجزة وتخصيصها فائدة ، بل لما ظهرت المعجزة القاهرة على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب القطع بنبوته سواء ظهرت هذه المعجزة أولم تظهر . وثالثها : أنه إما أن يقال إنه جاء في التوراة أن مدعي النبوة وإن جاء بجميع المعجزات فلا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه المعجزة المعينة ، أو يقال جاء في التوراة أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة سواء كانت المعجزة هي مجيء النار ، أو شيء آخر ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن الاتيان بسائر المعجزات دالا على الصدق ، وإذا جاز الطعن في سائر المعجزات جاز الطعن أيضاً في هذه المعجزة المعينة . ١٢٦ قوله تعالى ((الذين قالوا ان الله عهد الينا الا نؤمن لرسول)) الآية سورة آل عِمْرار وأما الثاني ﴾ فانه يقتضى توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة ، لا على ظهور هذه المعجزة المعينة ، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثاً ولغواً . فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية والله أعلم . المسألة الثانية﴾ في محل (الذين) وجوه : أحدها : قال الزجاج : الجر ، وهذا نعت العبيد ، والتقدير: وما ربك بظلام للعبيد الذين قالوا كذا وكذا . وثانيها : أن التقدير : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ، وقول الذين قالوا إن الله عهد إلينا . وثالثها : أن يكون رفعاً بالإبتداء والتقدير : هم الذين قالوا ذلك . المسألة الثالثة﴾ قال الواحدي رحمه الله : القربان البر الذي يتقرب به إلى الله، وأصله المصدر من قولك قرب قرباناً ، كالكفران والرجحان والخسران ، ثم سمي به نفس المتقرب به ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لكعب بن عجرة (( يا كعب الصوم جنة والصلاة قربان)) أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة فقال ( قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى بين بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد ، بل على سبيل التعنت ، وذلك لأن أسلاف هؤلاء اليهود طلبوا هذا المعجز من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا وعيسى ويحبى عليهم السلام ، وهم أظهروا هذا المعجز ، ثم إن اليهود سعوا في قتل زكرياء ويحبى ، ويزعمون أنهم قتلوا عيسى عليه السلام أيضاً ، وذلك يدل على أن أولئك القوم إنما طلبوا هذا المعجز من أولئك الأنبياء على سبيل التعنت ، إذ لولم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم، ثم إن المتأخرين راضون بأفعال المتقدمين ومصوبون لهم في كل ما فعلوه ،وهذا يقتضي كون هؤلاء في طلب هذا المعجز من محمد عليه الصلاة والسلام متعنتين ، وإذا ثبت أن طلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ، لم يجب في حكمة الله إسعافهم بذلك، لا سيما وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صل* ، وهذا الجواب شاف عن هذه الشبهة . ﴿ المسألة الثانية﴾ إنما قال (قد جاءكم رسل من قبلي) ولم يقل جاءتكم رسل لأن فعل المؤنث يذكر إذا تقدمه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ المراد بقوله (وبالذي قلتم ) هو ما طلبوه منه ، وهو القربان الذي تأكله النار . ١٢٧ قوله تعالى ((فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك )) الآية سورة آل عمران فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلُ مِّن قَبْلِكَ جَاءُ و بِالْبَيِّنَاتِ وَالْرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ( كُلْ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَدْمَةِ أَنْ زُخْرِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْخَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّ مَتَحُ الْغُرُور واعلم أنه تعالى لم يقل : قد جاءكم رسل من قبلي بالذي قلتم ، بل قال ( قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ) والفائدة : أن القوم قالوا إن الله تعالى وقف التصديق بالنبوة على ظهور القربان الذي تأكله النار ، فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم : أن الأنبياء المتقدمين أتوا بهذا القربان ، لم يلزم من هذا القدر وجوب الاعتراف بنبوتهم ، لاحتمال أن الاتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط هو الذي يلزم عند عدمه عدم المشروط، لكن لا يلزم عند وجوده وجود المشروط، فثبت أنه لو اكتفى بهذا القدر لما كان الالزام وارداً، أما لما قال ( قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذي قلتم) كان الالزام وارداً، لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتوا بالموجب للتصديق، ولما أتوا بهذا القربان فقد أتوا بالشرط، وعند الإتيان بهما كان الإقرار بالنبوة واجباً، فثبت أنه لولا قوله (جاءكم بالبينات) لم يكن الالزام وارداً على القوم والله أعلم . قوله تعالى ﴿ فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات والزبر والكتاب المنیر کل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور في قوله ( فان كذبوك) وجوه : أحدها : فإن كذبوك في قولك أن الأنبياء المتقدمین جاؤا إلى هؤلاء اليهود بالقربان الذي تأكله النار فكذبوهم وقتلوهم ، فقد كذب رسل من قبلك : نوح وهود وصالح وإبراهيم وشعيب وغيرهم . والثاني : إن المراد : فإن كذبوك في أصل النبوة والشريعة فقد كذب رسل من قبلك ، ولعل هذا الوجه أوجه ، لأنه تعالى لم يخصص ، ولأن تكذيبهم في أصل النبوة أعظم ، ولأنه يدخل تحته التكذيب في ذلك الحجاج . والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله مثله ، وبيان أن هذا التكذيب ليس أمراً مختصاً به من بين سائر الأنبياء ، بل شأن جميع الكفار تكذيب جميع الأنبياء والطعن فيهم ، مع ان حالهم في ظهور المعجزات عليهم وفي نزول الكتب إليهم كحالك ، ومع هذا فإنهمٍ صبروا على ما نالهم من أولئك الأمم واحتملوا إيذاءهم في جنب تأدية الرسالة ، فكن متأسياً بهم سالكاً مثل طريقتهم ١٢٨ قوله تعالى (( كل نفس ذائقة الموت)) الآية سورة آل عمران في هذا المعنى ، وإنما صار ذلك تسلية لأن المصيبة إذا عمت طابت وخفت ، فأما البينات فهي الحجج والمعجزات ، وأما الزبر فهي الكتب ، وهي جمع زبور ، والزبور الكتاب ، بمعنى المزبور أي المكتوب ، يقال زبرت الكتاب أي كتبته ، وكل كتاب زبور . قال الزجاج : الزبور كل كتاب ذي حكمة ، وعلى هذا : ا الأشبه أن يكون معنى الزبور من الزبر الذي هو الزجر ، يقال : زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل ، وسمي الكتاب زبوراً لما فيه من الزبر عن خلاف الحق ، وبه سمي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ . وقرأ ابن عباس ( وبالزبر) أعاد الباء للتأكيد وأما ((المنير)) فهو من قولك أنرت الشيء أي أوضحته ، وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى﴾ المراد من البينات المعجزات ثم عطف عليها الزبر والكتاب ، وهذا يقتضي أن يقال إن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم ، وذلك يدل على أن أحداً من الأنبياء ما كانت كتبهم معجزة لهم، فالتوراة والأنجيل والزبور والصحف ما كان شيء منها معجزة ، وأما القرآن فهو وحده كتاب ومعجزة ، وهذا أحد خواص الرسول عليه الصلاة والسلام . المسألة الثانية﴾ عطف ((الكتاب المنير)) على ((الزبر)) مع أن الكتاب المنير لا بد وأن يكون من الزبر ، وإنما حسن هذا العطف لأن الكتاب المنير أشرف الكتب وأحسن الزبر ، فحسن العطف کما في قوله ( وإذ أخذنا من النبیین میثاقھم ومنك ومن نوح ) وقال ( من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) ووجه زيادة الشرف فيه إما كونه مشتملاً على جميع الشريعة ، أو كونه باقياً على وجه الدهر ، ويحتمل أن يكون المراد بالزبر : الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والانجيل والزبور . قوله تعالى ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ . اعلم ان المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين : أحدهما : أن عاقبة الكل الموت ، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها، والحزن متى كان كذلك لم يلتفت العاقل إليه . والثاني : أن بعد هذه. الدار دار يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء، وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (كل نفس ذائقة الموت) سؤال: وهو أن الله تعالى يسمي بالنفس قال ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) وأيضاً النفس والذات واحد فعلى هذا يدخل الجمادات تحت اسم النفس ، ويلزم على هذا عموم الموت في الجمادات ، وأيضاً قال ١٢٩ سورة آل عِمْران قوله تعالى (( كل نفس ذائقة الموت)) الآية تعالى ( فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه ) وذلك يقتضي أن لا يموت الداخلون في هذا الاستثناء ، وهذا العموم يقتضي موت الكل ، وأيضاً يقتضى وقوع الموت لأهل الجنة ولأهل النار لأن كلهم نفوس . وجوابه : أن المراد بالآية المكلفون الحاضرون في دار التكليف بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) فإن هذا المعنى لا يتأتى إلا فيهم ، وأيضاً العام بعد التخصيص يبقى حجة . المسألة الثانية﴾ ((ذائقة)) فاعلة من الذوق، واسم الفاعل إذا أضيف إلى اسم وأريد به الماضي لم يجز فيه إلا الجر ، كقولك : زيد ضارب عمرو أمس ، فإن أردت به الحال والاستقبال جاز الجر والنصب تقول : هو ضارب زيد غدا ، وضارب زيداً غداً، قال تعالى ( هل هن كاشفات ضره وكاشفات ضره ) قرىء بالوجهين لأنه للاستقبال . وروى عن الحسن أنه قرأ ( ذائقة الموت) بالتنوين ونصب ((الموت)) وهذا هو الأصل وقرأ الأعمش ( ذائقة الموت ) بطرح التنوين مع النصب كقوله : ولا ذاكر الله إلا قليلا وتمام الكلام في هذه المسألة يأتي في سورة النساء عند قوله (ظالمي أنفسهم ) إن شاء الله تعالى . المسألة الثالثة ﴾ زعمت الفلاسفة أن الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية ، وذلك لأن هذه الحياة الجسمانية لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية ، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تحليل الرطوبة الغريزية ، ولا تزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفى الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة . قالوا وقوله ( كل نفس ذائقة الموت ) يدل على أن النفوس لا تموت بموت البدن ، لأنه جعل النفس ذائقة الموت ، والذائق لا بد وأن يكون باقياً حال حصول الذوق ، والمعنى أن كل نفس ذائقة موت البدن ، وهذا يدل على أن النفس غير البدن ، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن ، وأيضاً : لفظ النفس مختص بالأجسام ، وفيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختصة بالحياة الجسمانية ، فأما الأرواح المجردة فلا ، وقد جاء في الروايات ما هو خلاف ذلك ، فإنه روى عن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى ( كل من عليها فان ) قالت الملائكة مات أهل الأرض ، ولما نزل قوله تعالى ( كل نفس ذائقة الموت ) قالت الملائكة متنا . الفخر الرازي ج٩ م٩ ١٣٠ قوله تعالى ((وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)) الآية سورة آل عِمْران المسألة الرابعة ) قوله تعالى ( كل نفس ذائقة الموت ) يدل على أن المقتول يسمى بالميت وإنما لا يسمى المذكى بالميت بسبب التخصيص بالعرف . ثم قال تعالى ﴿وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ بين تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة ، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال ، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة لأن هناك يحصل السرور بلا غم ، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم . والسعادة بلا خوف الانقطاع ، وكذا القول في جانب العقاب فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة ، بل يمتزج به راحات وتخفيفات ، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة ، نعوذ بالله منه . ثم قال تعالى ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ الزحزحة التنحية والأبعاد ، وهو تكرير الزح ، والزح هو الجذب بعجلة ، وهذا تنبيه على أن الانسان حينما كان في الدنيا كأنه كان في النار ، وما ذاك إلا لكثرة آفاتها وشدة بلياتها ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (( الدنيا سجن المؤمن)). واعلم أنه لا مقصود للانسان وراء هذين الأمرين ؛ الخلاص عن العذاب ، والوصول إلى الثواب ، فبين تعالى أن من وصل إلى هذين المطلوبين فقد فاز بالمقصد الأقصى والغاية التي لا مطلوب بعدها. وروى عن رسول الله وَ لي أنه قال ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) وقرأ قوله تعالى ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) وقال عليه الصلاة والسلام (( من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه)). ثم قال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ الغرور مصدر من قولك : غررت فلاناً غروراً شبه الله الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر عليه حتى يشتريه ثم يظهر له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور ، وعن سعيد بن جبير : أن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة ، وأما من طلب الآخرة بها فانها نعم المتاع والله أعلم . واعلم أن فساد الدنيا من وجوه : أولها : أنه لو حصل للانسان جميع مراداته لكان غمه وهمه أزيد من سروره ، لأجل قصر وقته وقلة الوثوق به وعدم علمه بأنه هل ينتفع به أم لا ، وثانيها : أن الانسان كلما كان وجدانه بمرادات الدنيا أكثر كان حرصه في طلبها أكثر ، وكلما كان الحرص أكثر كان تألم القلب بسبب ذلك الحرص أشد ، فإن الانسان يتوهم أنه إذا ١٣١ قوله تعالى (( لتبلون في اموالكم وانفسكم)) الآية سورة آل عِمْران لَعُبْلُوُنَّ فِ أَمَوْلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْوَمِنَ الَّذِينَ أَثْرَ كُواْ أَذَّى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَنَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ فاز بمقصوده سكنت نفسه وليس كذلك ، بل يزداد طلبه وحرصه ورغبته ، وثالثها : أن الانسان بقدر ما يجد من الدنيا يبقى محروماً عن الآخرة التي هي أعظم السعادات والخيرات ، ومتى عرفت هذه الوجوه الثلاثة علمت أن الدنيا متاع الغرور ، وأنها كما وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال : لين مسها قاتل سمها . وقال بعضهم : الدنيا ظاهرها مطية السرور ، وباطنها مطية الشرور . قوله تعالى ﴿ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور ﴾ . اعلم أنه تعالى لما سلى الرسول م 18 بقوله ( كل نفس ذائقة الموت ) زاد في تسليته بهذه الآية ، فبين أن الكفار بعد أن آذوا الرسول والمسلمين يوم أحد ، فسيؤذونهم أيضاً في المستقبل بكل طريق يمكنهم . من الايذاء بالنفس والايذاء بالمال ، والغرض من هذا الاعلام أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع ، وذلك لأن الإنسان إذا لم يعلم نزول البلاء عليه فإذا نزل البلاء عليه شق ذلك عليه ، أما إذا كان عالماً بأنه سينزل ، فإذا نزل لم يعظم وقعه عليه . أما قوله ﴿ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ﴾ ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الواحدي رحمه الله: اللام لام القسم ، والنون دخلت مؤكدة وضمت الواو لسكونها وسكون النون ، ولم تكسر لالتقاء الساكنين لأنها واو جمع فحركت بما كان يجب لما قبلها من الضم ، ومثله ( اشتروا الضلالة ). المسألة الثانية﴾ ( لتبلون) لتختبرن، ومعلوم أنه لا يجوز في وصف الله تعالى الاختبار لأنه طلب المعرفة ليعرف الجيد من الرديء ، ولكن معناه في وصف الله تعالى أنه یعامل العبد معاملة المختبر . المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في معنى هذا الابتلاء فقال بعضهم : المراد ما ينالهم من ١٣٢ قوله تعالى ((وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور )) الآية سورة آل عِمْران الشدة والفقر وما ينالهم من القتل والجرح والهزيمة من جهة الكفار ، ومن حيث ألزموا الصبر في الجهاد . وقال الحسن : المراد به التكاليف الشديدة المتعلقة بالبدن والمال . وهي الصلاة والزكاة والجهاد . قال القاضي : والظاهر يحتمل كل واحد من الأمرين فلا يمتنع حمله عليهما . وأما قوله ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾ فالمراد منه أنواع الايذاء الحاصلة من اليهود والنصارى والمشركين للمسلمين ، وذلك لأنهم كانوا يقولون عزير ابن الله ، والمسيح ابن الله ، وثالث ثلاثة ، وكانوا يطعنون في الرسول عليه الصلاة والسلام بكل ما يقدرون عليه ، ولقد هجاه كعب بن الأشرف ، وكانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول قلية. وأما المشركون فهم كانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول واله ويجمعون العساكر على محاربة الرسول وي ليه ويثبطون المسلمين عن نصرته ، فيجب أن يكون الكلام محمولاً على الكل إذ ليس حمله على البعض أولى من حمله على الثاني . ثم قال تعالى عطفاً على الأمرين ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال المفسرون: بعث الرسول ◌َ ﴿ أبا بكر إلى فنحاص اليهودي يستمده ، فقال فنحاص قد احتاج ربك إلى أن نمده ، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف، وكان رسول الله و له قال له حين بعثه: لا تغلبن على شيء حتى ترجع إلى ، فتذكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك وكف عن الضرب ونزلت هذه الآية . المسألة الثانية﴾ للآية تأويلان: الأول: أن المراد منه أمر الرسول وقله بالمصابرة على الابتلاء في النفس والمال ، والمصابرة على تحمل الأذى وترك المعارضة والمقابلة . وإنما أوجب الله تعالى ذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين ، كما قال (فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى) وقال ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) والمراد بهذا الغفران الصبر. وترك الانتقام وقال تعالى (وإذا مروا باللغو مروا كراماً) وقال ( فاصبروا كما صبر أولو العزم من الرسل ) وقال ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) قال الواحدي رحمه الله : كان هذا قبل نزول آية السيف. قال القفال رحمه الله : الذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقيب قصة أحد ، والمعنى أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول ﴿ على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم . واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال . والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه ، واعلم أن قول الواحدي ضعيف ، والقول ما قاله القفال . قوله تعالى ((واذا اخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب)) الآية سورة آل عِمْران ١٣٣ وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيْشَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ تُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ أن يكون المراد من الصبر والتقوى : الصبر على مجاهدة الوجه الثانى فى التأويل الكفار ومنابذتهم والانكار عليهم، فأمروا بالصبر على مشاق الجهاد، والجري على نهج أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الانكار على اليهود والاتقاء عن المداهنة مع الكفار، والسكوت عن إظهار الانكار . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الصبر عبارة عن احتمال المكروه. والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي فقدم ذكر الصبر ثم ذكر عقبه التقوى ، لأن الانسان إنما يقدم على الصبر لأجل أنه يريد الاتقاء عما لا ينبغي ، وفيه وجه آخر : وهو أن المراد من الصبر هو أن مقابلة الاساءة بالاساءة تفضي إلى ازدياد الاساءة ، فأمر بالصبر تقليلاً لمضار الدنيا ، وأمر بالتقوى تقليلاً لمضار الآخرة ، فكانت الآية على هذا التأويل جامعة لآداب الدنيا والآخرة . المسألة الرابعة ) قوله ( من عزم الأمور ) أي من صواب التدبير الذي لا شك في ظهور الرشد فيه، وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه ، فتأخذ نفسه لا محالة به ، والعزم كأنه من جملة الحزم وأصله من قول الرجل : عزمت عليك أن تفعل كذا ، أي ألزمته إياك لا محالة على وجه لا يجوز لك الترخص في تركه ، فما كان من الأمور حميد العاقبة معروفاً بالرشد والصواب فهو من عزم الأمور لأنه مما لا يجوز لعاقل أن يترخص في تركه . ويحتمل وجهاً آخر ، وهو أن يكون معناه : فان ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به والله أعلم . قوله تعالى ﴿واذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا فبئس ما يشترون ﴾ اعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما حكى عن اليهود شبهاً طاعنة في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وأجاب عنه أتبعه بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى أوجب عليهم في التوراة والانجيل على أمة موسى وعيسى عليهما السلام، أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة دينه وصدق نبوته ورسالته ، والمراد منه التعجب من حالهم كأنه قيل : كيف يليق بكم إيراد الطعن في نبوته ودينه مع أن كتبكم ناطقة ودالة على أنه يجب عليكم ذكر الدلائل الدالة على صدق نبوته ودينه . الثاني : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة على محمد تاريخ ١٣٤ قوله تعالى (( لتبيننة للناس ولا تكتمونه)) الآية سورة آل عِمْران احتمال الأذى من أهل الكتاب، وكان من جملة إيذائهم للرسول ◌َليل أنهم كانوا يكتمون ما في التوراة والانجيل من الدلائل الدالة على نبوته ، فكانوا يحرفونها ويذكرون لها تأويلات فاسدة ، فبين أن هذا من تلك الجملة التي يجب فيها الصبر وفي الآية مسائل . عز المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وأبو بكر وعاصم وأبو عمر و ( ليبيننه ولا يكتمونه ) بالياء فيهما كناية عن أهل الكتاب ، وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب الذي کان حاصلا في وقت أخذ الميثاق ، أي فقال لهم : لتبيننه ، ونظير هذه الآية قوله (وإذا أخذنا ميثاق بني اسرائيل لا تعبدون إلا الله ) بالتاء والياء وأيضاً قوله ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض ) . المسألة الثانية ﴾ الكلام في كيفية أخذ الميثاق قد تقدم في الآية المتقدمة ، وذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أوردوا الدلائل في جميع أبواب التكاليف وألزموهم قبولها ، فالله سبحانه وتعالى إنما أخذ الميثاق منهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فذلك التوكيد والالزام هو المراد بأخذ الميثاق . وعن سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبدالله يقرؤن (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) فقال أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم . واعلم أن إلزام هذا الاظهار لا شك أنه مخصوص بعلماء القوم الذين يعرفون ما في الكتاب والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الضمير في قوله ( لتبيننه للناس ولا تكتمونه) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان قال سعيد بن جبير والسدي : هو عائد إلى محمد عليه السلام ، وعلى هذا التقدير يكون الضمير عائداً إلى معلوم غير مذكور ، وقال الحسن وقتادة : يعود إلى الكتاب في قوله ( أوتوا الكتاب ) أي أخذنا ميثاقهم بأن يبينوا للناس ما في التوراة والانجيل من الدلالة على صدق نبوة محمد الحملة . ﴿ المسألة الرابعة﴾ اللام لام التأكيد يدخل على اليمين ، تقديره : استحلفهم ليبيننه . ﴿ المسألة الخامسة﴾ إنما قال: ولا تكتمونه ولم يقل: ولا تكتمنه، لأن الواو واو الحال دون واو العطف ، والمعنى لتبيننه للناس غير كاتمين . فإن قيل : البيان يضاد الكتمان ، فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهياً عن الكتمان ، فما الفائدة في ذكر النهي عن الكتمان ؟ قلنا : المراد من البيان ذكر تلك الآيات الدالة على نبوة محمد عليه من التوراة والانجيل، ١٣٥ قوله تعالى ((لا تحسبن الذين يفرحون بما اتوا)) الآية سورة آل عمران لَا تَحْسَبَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَقَواْ وَيُحِبُونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَالَمْ يَفْعَلُوْ فَلَا تَحْسَبَّهُمُ بِفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (٨) وَلِلَّ مُلْكُ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَ لُكُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُّ ◌َّـ والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة والشبهات المعطلة . المسألة السادسة﴾ اعلم أن ظاهر هذه الآية وإن كان مختصاً باليهود والنصارى فإنه لا يبعد أيضاً دخول المسلمين فيه ، لأنهم أهل القرآن وهو أشرف الكتب . حكى أن الحجاج أرسل إلى الحسن وقال : ما الذي بلغني عنك ؟ فقال ما كل الذي بلغك عني قلته . ولا کل ما قلته بلغك ، قال أنت الذي قلت إن النفاق كان مقموعاً فأصبح قد تعمم وتقلد سيفاً ، فقال نعم ، فقال : وما الذي حملك على هذا ونحن نكرهه ، قال : لأن الله أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه . وقال قتادة : مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه ، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب ، وكان يقول : طوبى لعالم ناطق ، ولمستمع واع ، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه، قال عليه الصلاة والسلام ((من كتم علماً عن أهله ألجم بلجام من نار)) وعن علي رضي الله عنه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا . ثم قال تعالى ﴿ فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا فبئس ما يشترون﴾ والمراد أنهم لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه ، والنبذ وراء الظهر مثل الطرح وترك الاعتداد ، ونقيضه : جعله نصب عينه وإلقاؤه بين عينيه وقوله ( واشتروا به ثمناً قليلا ) معناه أنهم أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا ، فكل من لم يبين الحق للناس وكتم شيئاً منه لغرض فاسد ، من تسهيل على الظلمة وتطييب لقلوبهم ، أو لجر منفعة ، أو لتقية وخوف، أو لبخل بالعلم دخل تحت هذا الوعيد . قوله تعالى ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير ﴾ . اعلم أن هذا من جملة ما دخل تحت قوله ( ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ) فبين تعالى أن من جملة أنواع هذا الأذى أنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة ١٣٦ قوله تعالى (( لا تحسبن الذين يفرحون بما اتوا)) الآية سورة آل عِمْران المسلمين . ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البر والتقوى والصدق والديانة ، ولا شك أن الانسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال ، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالمصابرة عليها ، وبين ما لهم من الوعيد الشديد وفي الآية مسائل . ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتاء المنقطة من فوق ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء المنقطة من تحت ، وكذا في قوله ( فلا تحسبنهم ) أما القراءة الأولى ففيها وجهان ؛ أحدهما : أن يقرأ كلاهما بفتح الباء . والثاني : أن يقرأ كلاهما بضم الباء ، فمن قرأ بالتاء وفتح الباء فيهما جعل التقدير : لا تحسبن يا محمد ، أو أيها السامع ، ومن ضم الباء فيهما جعل الخطاب للمؤمنين : وجعل أحد المفعولين الذين يفرحون ، والثاني بمفازة وقوله ( فلا تحسبنهم بمفازة ) تأكيد للأول ، وحسنت اعادته لطول الكلام ، كقولك : لا تظن زيداً إذا جاءك وكلمك في كذا وكذا فلا تظنه صادقاً ، وأما القراءة الثانية وهي بالياء المنقطة من تحت في قوله ( لا يحسبن ) ففيها أيضاً وجهان : الأول : بفتح الباء وبضمها فيهما جعل الفعل للرسول ◌َّه والباقي كما علمت. ﴿ والوجه الثاني﴾ بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو، ووجهه أنه جعل الفعل للذين يفرحون ولم يذكروا واحداً من مفعوليه ، ثم أعاد قوله ( فلا تحسبن ) بضم الباء وقوله ( هم ) رفع بإسناد الفعل إليه ، والمفعول الأول محذوف والتقدير : ولا تحسبن هؤلاء الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب . المسألة الثانية﴾ اعلم أنه تعالى وصف هؤلاء القوم بأنهم يفرحون بفعلهم ويحبون أيضاً أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً : الأول : أن هؤلاء اليهود يحرفون نصوص التوراة ويفسرونها بتفسيرات باطلة ويروجونها على الاغمار من الناس ، ويفرحون بهذا الصنع ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والديانة والعفاف والصدق والبعد عن الكذب ، وهو قول ابن عباس ، وأنت إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك. فانهم يأتون بجميع وجوه الخيل في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجد ان مطلوبهم، ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل العفاف والصدق والدين والثاني : روى أنه عليه الصلاة والسلام سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروا بخلافه ، وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بذلك التلبيس ، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يثني عليهم بذلك ، فأطلع الله رسوله على هذا السر. والمعنى أن هؤلاء اليهود فرحوا بما فعلوا من التلبيس وتوقعوا منك أن تثني عليهم بالصدق والوفاء . الثالث : يفرحون بما فعلوا من كتمان النصوص الدالة على مبعث محمد ◌ٌّ ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم ، حيث ادعوا أن إبراهيم ١٣٧ قوله تعالى ((ان في خلق السموات والأرض)) الآية سورة آل عِمْران ١٩٠ إِنَّ فِى خَلْقِ اٌلَّمَنَوْتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْلَئِفِ الَّيْلِ وَالََّرِ لَيْتٍ لِأُوْلِ آلْأُلْبَبِ عليه السلام كان على اليهودية وأنهم على دينه . الرابع: أنه نزل في المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث أنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا ، ثم كانوا يتوقعون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمدهم على الإيمان الذي ما كان موجوداً في قلوبهم . الخامس : قال أبو سعيد الخدري نزلت في رجال من المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله وَ له في الغزو ، ويفرحون بقعودهم عنه فإذا قدم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم ، ثم طمعوا أن يثني عليهم كما كان يثني عن المسلمين المجاهدين . السادس : المراد منه كثمانهم ما في التوراة من أخذ الميثاق عليهم بالاعتراف بمحمد ﴿ حور ، وبالاقرار بنبوته ودينه، ثم انهم فرحوا بكتمانهم لذلك وإعراضهم عن نصوص الله تعالى ، ثم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة . واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل ، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد ، وهو أن الإِنسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به ، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة الله . المسألة الثالثة ) في قوله ( بما أتوا) بحثان : الأول: قال الفراء : قوله ( بما أتوا ) يريد فعلوه كقوله ( واللذان يأتيانها منكم) وقوله ( لقد جئت شيئاً فرياً) أي فعلت . قال صاحب الكشاف: أتى وجاء يستعملان بمعنى فعل ، قال تعالى ( إنه كان وعده مأتياً . لقد جئت شيئاً فرياً) ويدل عليه قراءة أبي ( يفرحون بما فعلوا ) . البحث الثاني ) قرىء آتوا بمعنى أعطوا ، وعن علي رضي الله عنه ( بما أوتوا) . ﴿ المسألة الرابعة) قوله (بمفازة من العذاب ) أي بمنجاة منه، من قولهم : فاز فلان إذا نجا ، وقال الفراء : أي ببعد من العذاب ، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه ، وذكر ذلك في قوله ( فقد فاز ) ثم حقق ذلك بقوله ( ولهم عذاب أليم ) ولا شبهة أن الآية واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله صلوبالصبر على أذاهم . ثم قال ﴿ ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير﴾ أي لهم عذاب أليم ممن له ملك السموات والأرض ، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب . قوله تعالى ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات الأولى الألباب ﴾ . ١٣٨ قوله تعالى ((ان في خلق السموات والأرض )) الآية سورة آل عِمْران إعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق ، فلما طال الكلام في تقرير الاحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والالهية والكبرياء والجلال ، فذكر هذه الآية. قال ابن عمر: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله وَ ليل ، فيكنت وأطالت ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ، ثم قال لي : يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي ، فقلت يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك قد أذنت لك . فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ، ثم قام يصلي ، فقرأ من القرآن وجعل يبكي ، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض ، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي ، فقال له : يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً ، ثم قال ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة ( إن في خلق السموات والأرض ) ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . وروى : ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها . وعن علي رضي الله عنه: أن النبي ◌َّسي كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر إلى السماء ويقول : إن في خلق السموات والأرض . وحكى أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة. فعبدها فتى من فتيانهم فما أظلته السحابة، فقالت له أمه : لعل فرطة صدرت منك في مدتك ، قال ما أذكر ، قالت لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر قال نعم ، قالت فما أتيت إلا من ذلك . واعلم أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة البقرة ، وذكرها هنا أيضاً . وختم هذه الآية في سورة البقرة بقوله ( لآيات لقوم يعقلون) وختمها ههنا بقوله ( لآيات لأولى الألباب ) وذكر في سورة البقرة مع هذه الدلائل الثلاثة خمسة أنواع أخرى ، حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الأنواع الثلاثة : وههنا أكتفى بذكر هذه الدلائل ، وهي السموات والأرض ، والليل والنهار ، فهذه أسئلة ثلاثة : السؤال الأول ﴾ ما الفائدة في إعادة الآية الواحدة باللفظ الواحد في سورتين ؟ والسؤال الثاني ﴾ لم اكتفي ههنا بإعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف الخمسة الباقية ؟ ١٣٩ قوله تعالى ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً)) الآية سورة آل عِمْران الَّذِينَ يَذْ كُرُونَ اللَّهَ فِيَهْمًا وَفُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَُّونَ فِى خَلْقِ اٌلَّمَلَوَّتِ والسؤال الثالث﴾ لم قال هناك (لقوم يعقلون) وقال ههنا ( لأولى الألباب ). فأقول والله أعلم بأسرار كتابه : إن سويداء البصيرة تجري مجرى سواد البصر فكما أن سواد البصر لا يقدر أن يستقصي في النظر إلى شيئين ، بل إذا حدق بصره نحو شيء تعذر عليه في تلك الحالة تحديق البصر نحو شيء آخر ، فكذلك ههنا إذا حدق الإنسان حدقة عقله نحو ملاحظة معقول امتنع عليه في تلك الحالة تحديق حدقة العقل نحو معقول آخر ، فعلى هذا كلما كان اشتغال العقل بالالتفات إلى المعقولات المختلفة أكثر ، كان حرمانه عن الاستقصاء في تلك التعقلات والادراكات أكثر ، فعلى هذا : السالك إلى الله لا بد له في أول الأمر من تكثير الدلائل ، فإذا استنار القلب بنور معرفة الله صار اشتغاله بتلك الدلائل كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله ، فالسالك في أول أمره كان طالباً لتكثير الدلائل ، فعند وقوع هذا النور في القلب يصير طالباً لتقليل الدلائل ، حتى إذا زالت الظلمة المتولدة من اشتغال القلب بغير الله كمل فيه تجلي أنوار معرفة الله . وإليه الإشارة بقوله ( فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى ) والنعلان هما المقدمتان اللتان بهما يتوصل العقل إلى المعرفة فلما وصل إلى المعرفة أمر بخلعهما ، وقيل له : إنك تريد أن تضع قدميك في وادي قدس الوحدانية فاترك الاشتغال بالدلائل . إذا عرفت هذه القاعدة ، فذكر في سورة البقرة ثمانية أنواع من الدلائل ، ثم أعاد في هذه السورة ثلاثة أنواع منها ، تنبيهاً على أن العارف بعد صيرورته عارفاً لا بد له من تقليل الالتفات إلى الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول ، فكان الغرض من إعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف البقية ، التنبيه على ما ذكرناه ، ثم أنه تعالى استقصى في هذه الآية الدلائل السماوية وحذف الدلائل الخمسة الباقية ، التي هي الدلائل الأرضية ، وذلك لأن الدلائل السماوية أقهر وأبهر ، والعجائب فيها أكثر ، وانتقال القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشد، ثم ختم تلك الآية بقوله ( لقوم يعقلون) وختم هذه الآية بقوله ( لأولى الألباب ) لأن العقل له ظاهر وله لب ، ففي أول الأمر يكون عقلاً ، وفي كمال الحال يكون لبأ ، وهذا أيضاً يقوي ما ذكرناه ، فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه العظيم الكريم الحكيم . قوله تعالى ﴿ والذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات ١٤٠ قوله تعالى ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً)) الآية سورة آل عِمْران وَالْأَرْضِ رَبَّنَامَا خَلَفْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (3) رَبَّآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ الَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ, وَمَا لِلَّلِينَ مِنْ أَنْصَارٍ( والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الالهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية ، وأصناف العبودية ثلاثة أقسام : التصديق بالقلب ، والاقرار باللسان ، والعمل بالجوارح ، فقوله تعالى ( يذكرون الله ) إشارة إلى عبودية اللسان ، وقوله ( قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ) إشارة إلى عبودية الجوارح والاعضاء ، وقوله ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح ، والإِنسان ليس إلا هذا المجموع ، فإذا كان اللسان مستغرقاً في الذكر ، والأركان في الشكر ، والجنان في الفكر ، كان هذا العبد مستغرقاً بجميع أجزائه في العبودية ، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية ، وهذه الآية دالة على كمال العبودية ، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الإرواح من الخلق إلى الحق ، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور إلى جانب الملك الغفور ، ونقول في الآية مسائل : . ﴿ المسألة الأولى﴾ للمفسرين في هذه الآية قولان: الأول: أن يكون المراد منه كون الإِنسان دائم الذكر لربه ، فإن الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة ، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلا على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه البتة . والقول الثاني ﴾ أن المراد من الذكر الصلاة، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام، فإن عجزوا ففي حال القعود ، فإن عجزوا ففي حال الاضطجاع ، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال ، والحمل على الأول اولى لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر، وقال عليه الصلاة والسلام ((من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله)). المسألة الثانية ﴾ يحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان ، وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب ، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: إذا صلى المريض مضطجعاً وجب أن يصلى على جنبه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : بل يصلى مستلقياً حتى إذا وجد خفة قعد ،