Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة آل عمران قوله تعالى ((وما محمد الا رسول قد دخلت من قبله )) الآية وَا ◌ُمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِْنِ مَّتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَّ أَعْقَبِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِّةٍ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّذِكِينَ ١٤٤ وأيضاً حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى ، فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً ، ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحبوبات ، فان الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزاد بالوفاء ، فان بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحب كان حقيقياً ، فلهذه الحكمة قال ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزى الله الشاكرين ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: لما نزل النبي ملين بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ، وأن لا ينتقلوا عن ذلك سواء كان الأمر لهم أو عليهم ، فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل على طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم ، والزبير والمقداد شدا على المشركين ثم حمل الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان ، ثم إن بعض القوم لما أن رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار ، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم وكثر القتل في المسلمين ، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله يَئله بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ، وأقبل يريد قتله ، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة ، فظن أنه قتل رسول الله وب لر، فقال قد قتلت محمداً، وصرخ صارخ ألا أن محمداً قد قتل ، وكان الصارخ الشيطان ، ففشا في الناس خبر قتله ، فهنالك قال بعض المسلمين : ليت عبدالله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان . وقال قوم من المنافقين لو كان نبيا لماقتل ، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم ، فقال أنس بن النضرعم أنس بن مالك : يا قوم ان كان قد قتل محمد يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله يم ليه؟ قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا (فان رب محمد على مامات عليه ، ثم قال : اللهم اني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه ، فقال يا فلان أشعرت ان ٢٢ سورة آل عمران قوله تعالى (( أفان مات او قتل انقلبتم )) الآية محمداً قد قتل ، فقال ان كان قد قتل فقد بلغ ، قاتلوا على دينكم ، ولما شج ذلك الكافر وجه الرسول 18 وكسر رباعيته ، احتمله طلحة بن عبيدالله، ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم، ثم أن الرسول مل لي جعل ينادي ويقول: إلى عباد الله حتى انحازت اليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم ، فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين ، ومعنى الآية ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل) فسيخلو كما خلوا ، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بعد خلوهم ، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه ، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة والزام الحجة ، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدا . المسألة الثانية﴾ قال أبو علي: الرسول جاء على ضربين . أحدهما : يراد به المرسل ، والآخر الرسالة ، وههنا المراد به المرسل بدليل قوله ( إنك لمن المرسلين ) وقوله ( یا أيها الرسول بلغ ) وفعول قد يراد به المفعول ، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة كقوله : بسر ولا أرسلتهم برسول لقد كذب الواشون ما فهت عندهم أي برسالة ؛ قال ومن هذا قوله تعالى ( انا رسولا ربك) ونذكره في موضعه ان شاء الله تعالى ثم قال ﴿ أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء ، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم ان مات محمد أو قتل ، ونظيره قوله ، هل زيد قائم ، فأنت انما تستخبر عن قيامه ، إلا أنك أدخلت هل على الاسم والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى بين في آيات كثيرة انه عليه السلام لا يقتل قال (انك ميت وإنهم ميتون ) وقال ( والله يعصمك من الناس ) وقال ( ليظهره على الدين كله ) فليس لقائل أن يقول : لما علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل ؟ فان الجواب عنه من وجوه : الأول : أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها، فانك تقول: ان كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين، فالشرطية صادقة وجزآها كاذبان، وقال تعالى ( لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) فهذا حق مع انه ليس فيهما آلهة، وليس فيهما فساد، فكذا ههنا. والثاني: ان هذا ورد على سبيل الالزام، فان موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه، فكذا هنا، والثالث: ان الموت لا يوجب قوله تعالى ((وما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله)) الآية سورة آلٍ عِمْران ٢٣ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الَّهِ كَتَبًا مُؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ تَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ تَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّئِكِينَ (9) رجوع الأمة عن دينه، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه، لانه فارق بين الأمرين، فلما رجع الى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد . المسألة الثالثة﴾ قوله ( انقلبتم على أعقابكم ) أي صرتم كفارا بعد إيمانكم ، يقال لكل من عاد الى ما كان عليه : رجع وراءه وانقلب على عقبه ونكص على عقبيه، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين : ان كان محمد قتل فالحقوا بدينكم ، فقال بعض الانصار : ان كان محمد قتل فان رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد . وحاصل الكلام انه تعالى بين أن قتله لا يوجب ضعفاً في دينه بدليلين : الأول : بالقياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم . والثاني : أن الحاجة إلى الرسول لتبليغ الدين وبعد ذلك فلا حاجة إليه ، فلم يلزم من قتله فساد الدين والله أعلم . المسألة الرابعة ﴾ ليس لقائل أن يقول : ان قوله ( أفان مات أو قتل ) شك وهو على الله تعالى لا يجوز، فأنا نقول : المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الارتداد . ثم قال تعالى ﴿ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً﴾ والغرض منه تأكيد الوعيد ، لأن كل عاقل يعلم ان الله تعالى لا يضره كفر الكافرين ، بل المراد أنه لا يضرالا نفسه ، وهذا كما إذا قال الرجل لولده عند العتاب : أن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض ، ويريد به أنه يعود ضرره عليه فكذا ههنا ، ثم أتبع الوعيد بالوعد فقال ( وسيجزي الله الشاكرين ) فالمراد أنه لما وقعت الشبهة في قلوب بعضهم بسبب تلك الهزيمة ولم تقع الشبهة في قلوب العلماء الاقوياء من المؤمنين ، فهم شكروا الله على ثباتهم على الايمان وشدة تمسكهم به ، فلا جرم مدحهم الله تعالى بقوله ( وسيجزي الله الشاكرين ) وروى محمد بن جرير الطبري عن علي رضي الله عنه أنه قال : المراد بقوله ( وسيجزي الله الشاكرين) أبو بكر وأصحابه ، وروى عنه أنه قال أبو بكر من الشاكرين وهو من أحباء الله والله اعلم بالصواب . قوله تعالى ﴿ وما كان لنفس أن تموت الا باذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ﴾ . ٢٤ قوله تعالى ((وما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله)) الآية سورة آل عِمْران وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن المنافقين أرجفوا أن محمداً ي قد قتل ، فالله تعالى يقول : انه لا تموت نفس الا باذن الله وقضائه وقدره ، فكان قتله مثل موته في أنه لا يحصل الا في الوقت المقدر المعين ، فكما أنه لومات في داره لم يدل ذلك على فساد دينه ، فكذا اذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه ، والمقصود منه ابطال قول المنافقين لضعفة المسلمين انه لما قتل محمد فارجعوا الى ما كنتم عليه من الأديان . الثاني : ان يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد باعلامهم ان الحذر لا يدفع القدر ، وان أحداً لا يموت قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء فلا فائدة في الجبن والخوف، والثالث: أن يكون المراد حفظ الله للرسول وَله وتخليصه من تلك المعركة المخوفة فان تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل فيها، ولكن لما كان الله تعالى حافظاً وناصراً ما ضره شيء من ذلك وفيه تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذنب عنه. والرابع: وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله، فليس في ارجاف من أرجف بموت النبي ◌َّ ما يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر، بل يبقيه الله إلى أن يظهر على الدين كله. الخامس: ان المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون، فان الصحابة لما رجعوا وقد قتل منهم من قتل قالوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فأخبر الله تعالى ان الموت والقتل كلاهما لا يكونان الا باذن الله وحضور الاجل والله أعلم بالصواب . المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في تفسير الاذن على أقوال : الاول : ان يكون الاذن هو الأمر وهو قول أبي مسلم ، والمعنى أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر الثاني ، ان المراد من هذا الاذن ما هو المراد بقوله ( انما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) والمراد من هذا الأمر إنما هو التكوين والتخليق والايجاد ، لأنه لا يقدر على الموت والحياة أحد الا الله تعالى؛ فاذن المراد : أن نفساً لن تموت إلا بما أماتها الله تعالى - الثالث : أن يكون الاذن هو التخلية والاطلاق وترك المنع بالقهر والاجبار ، وبه فسر قوله تعالى ( وماهم بضارين به من أحد الا باذن الله ) أي بتخليته فانه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر ، فيكون المعنى : ما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله بتخلي الله بين القاتل والمقتول ، ولكنه تعالى يحفظ نبيه ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به ، ولا يخلي بين أحد وبين قتله حتى ينتهي إلى الأجل الذي كتبه الله له ، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمداً قد قتل . الرابع : أن يكون الاذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه ، واذا جاء ذلك الوقت لزم الموت ، كما ٢٥ قوله تعالى ((كتاباً مؤجلاً)) الآية سورة آل عِمْران قال ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) الخامس : قال ابن عباس : الاذن هو قضاء الله وقدره ، فانه لا يحدث شىء إلا بمشيئته وارادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل ، كأنه فعل لا يبتغي لأحد أن يقدم عليه إلا باذن الله . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الأخفش والزجاج : اللام في (وما كان لنفس ) معناها النفي ، والتقدير وما كانت نفس لتموت الا باذن الله . المسألة الرابعة ﴾ دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع. وقوله تعالى ﴿ كتابا مؤجلا﴾ فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله ( كتابا مؤجلا ) منصوب بفعل دل عليه ما قبله فان قوله ( وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله ) قام مقام أن يقال : كتب الله ، فالتقدير كتب الله كتابا مؤجلا ونظيره قوله ( كتاب الله عليكم ) لأن في قوله ( حرمت عليكم أمهاتكم ) دلالة على أنه كتب هذا التحريم عليكم ومثله : صنع الله ، ووعد الله ، وفطرة الله ، وصبغة الله . المسألة الثانية﴾ المراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال ، ويقال : أنه هو اللوح المحفوظ ، كما ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم « أكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة )) . واعلم أن جميع الحوادث لا بد أن تكون معلومة لله تعالى ، وجميع حوادث هذا العالم من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة لا بد وأن تكون مكتوبة في اللوح المحفوظ ، فلو وقعت بخلاف علم الله لا نقلب علمه جهلا ، ولانقلب ذلك الكتاب كذبا ، وكل ذلك محال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الكل بقضاء الله وقدره . وقد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية وأكده بحديث الصادق المصدوق ، وبالحديث المشهور من قوله عليه السلام ((فحج آدم موسى)) قال القاضي: أما الأجل والرزق فهما مضافان إلى الله ، وأما الكفر والفسق والايمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد ، فاذا کتب تعالى ذلك فانما یکتب بعلمه من اختيار العبد ، وذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو الممدوح . وإعلم أنه كان من حق القاضى أن يتغافل عن موضع الاشكال ، وذلك لأنا نقول : إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر ، فلو أتى بالإيمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين ، لأن العلم بالكفر والخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا كان موضع الالزام هذا فأنى ينفعه القرار من ذلك إلى الكلمات الأجنبية عن ٢٦ قوله تعالى ((وكأين من نبي قاتل معه ربيون )) الآية سورة آل عِمْران وَكَأَيٍِّ مِنِ نٍَِّ فَتَلَ مَعَهُ، رِبُونَ كَثِيرُ أَمَا وَهَنُوْلِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَِّرِينَ هذا الالزام . وأما قوله تعالى ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزى الشاكرين . فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين ، منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة كما ذكره الله تعالى فيما بعد من هذه السورة ، فالذين حضروا القت الدنيا ، هم الذين حضروا لطلب الغنائم والذكر والثناء ، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا ، والذين حضروا للدين ، فلا بد وأن لا ينهزموا ثم أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من طلب الدنيا لا بد وأن يصل الى بعض مقصوده ومن طلب الآخرة فكذلك، وتقريره قوله عليه السلام ((إنما الأعمال بالنيات)) إلى آخر الحديث . واعلم أن هذه الآية وان وردت في الجهاد خاصة ، لكنها عامة في جميع الأعمال ، وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب ، والعقاب المقصود والدواعي لا ظواهر الأعمال ، فان من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه ، فان قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من اعظم دعائم الاسلام ، وان قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر . وروى أبو هريرة عنه عليه السلام ان الله تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل الله ((في ماذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان محارب وقد قيل ذلك)) ثم إن الله تعالى يأمر به إلى النار . قوله عز وجل ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين واعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد : إن لكم بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة ، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد وترك القرار ، فكيف يليق بكم هذا الفرار والانهزام ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير ((وكائن)) على وزن كاعن ممدوداً مهموزاً مخففا، وقرأ ٢٧ قوله تعالى ((وكأين من نبي قاتل معه ربيون)) الآية سورة آل عِمْران الباقون ((كأين)) مشدوداً بوزن كعين وهي لغة قريش ، ومن اللغة الأولى قول جرير : يراني لو أصيب هو المصاب وكائن بالأباطح من صديق وكائن ترى في الحي من ذي قرابة . وأنشد المفضل : ﴿ المسألة الثانية ﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ( قتل معه ) والباقون ( قاتل معه ) فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم ، بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم ، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا . قال القفال رحمه الله : والوقف على هذا التأويل على قوله ( قتل ) وقوله ( معه ربيون ) حال بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون ، أو يكون على معنى التقديم والتأخير ، أي وكأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم . وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون ولا استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم ، بل مضوا على جهاد عدوهم،، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك ، وحجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم ، وقد قال تعالى ( أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) فيجب أن يكون المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم ، ومن قرأ ( قاتل معه ) فالمعنى : وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا ، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله ، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد. وحجة هذه القراءة ان المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي ◌َّ في القتال ، فوجب أن يكون المذكور هو القتال . وأيضا روى عن سعيد بن جبير أنه قال : ما سمعنا بنبي قتل فى القتال . المسألة الثالثة﴾ قال الواحدى رحمه الله: أجمعوا على أن معنى ((كأين)) كم، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم ، ونظيره قوله ( فكأين من قرية أهلكناها . وكأين من قرية أمليت لها) والكاف في ((كأين)) كاف التشبيه دخلت على ((أي)) التي هي للاستفهام كما دخلت على ((ذا)) من (((كذا)) و((أن)) من كأن، ولا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا ، تقول : لي عليه كذا وكذا : معناه لي عليه عدد ما ، فلا معنى للتشبيه ، الا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها، واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ، وكذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال صاحب الكشاف: الربيون الربانيون ، وقرىء بالحركات ٢٨ قوله تعالى ((وما كان قولهم الا ان قالوا ربنا اغفر لنا)) الآية سورة آل عِمْران وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَافِى أَمْرِنَا وَثَبِتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِ ينَ الثلاث والفتح على القياس ، والضم والكسر من تغييرات النسب . وحكي الواحدي عن الفراء أنه قال : الربيون : الأولون ، وقال الزجاج : هم الجماعات الكثيرة ، الواحد ربي ، قال ابن قتيبة : أصله من الربة وهي الجماعة ، يقال ربي كأنه نسب الى الربة . وقال الأخفش : الربيون الذين يعبدون الرب ، وطعن فيه ثعلب ، وقال : كان يجب أن يقال : ربي ليكون منسوبا إلى الرب ، وأجاب من نصر الأخفش وقال : العرب إذا نسبت شيئاً إلى شيء غيرت حركته ، كما يقال : بصري في النسب إلى البصرة ، ودهري في النسبة الى الدهر ، وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة ، والربيون الرعية وهم المنتسبون إلى الرب . واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بنوعين : أولا بصفات النفي ، وثانياً بصفات الاثبات ، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة ، قال صاحب الكشاف: ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو ، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الأرجاف بقتل رسولهم ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أبي ، وطلب الأمان من أبي سفيان ، ويحتمل أيضاً أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم ، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم ، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم ، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم ، وفيه وجه ثالث وهو أن الوهن ضعف يلحق القلب . والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم ، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة ، قال الواحدي. الاستكانة الخضوع ، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد . ثم قال تعالى ﴿ والله يحب الصابرين) والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فان الله يحبه ، ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه واعزازه وتعظيمه ، والحكم له بالثواب والجنة ، وذلك نهاية المطلوب . . ثم انه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال : ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ وفيه مسألتان . ٢٩ قوله تعالى ((فآتاهم الله ثواب الدنيا)) الآية سورة آل عِمْران فَقَاتَنْهُمُ اللهُ تَوَبَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ آَخِرَةِ وَاللّه ◌ُحِبُّ الْمُحْسِينَ ١٤٨ المسألة الأولى﴾ قوله (وثبت أقدامنا) يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى، والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف. المسألة الثانية﴾ بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب الامداد والاعانة من الله ، والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة أمة محمد ◌َّه، فان من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب، قال القاضي : إنما قدموا قولهم ( ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين ، فاذا لم تحصل النصرة وظهر امارات استيلاء العدو ، دل ذلك ظاهرا على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين ؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ، فبين تعالى أنهم بدؤ بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله ( ربنا اغفر لنا ذنوبنا) فدخل فيه كل الذنوب ، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر ، ثم انهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله ( وإسرافنا في أمرنا) لأن الاسراف في كل شيء هو الافراط فيه ، قال تعالى ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) وقال ( فلا يسرف في القتل ) وقال ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا) ويقال : فلان مسرف اذا كان مكثراً في النفقة وغيرها ، ثم انهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم ، وذلك بازالة الخوف عن قلوبهم ، وازالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم ، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين ، لأن هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم ، وهو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم ، واحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم ، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم ، ومثل جريان سيل في موضع وقوفهم ، ثم قال القاضي : وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره . ثم قال تعالى ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ﴾. واعلم أنه تعالى لما شرح طريقة الربيين في الصبر ، وطريقتهم في الدعاء ذكر أيضاً ما ضمن لهم في مقابلة ذلك في الدنيا والآخرة فقال ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخر ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قوله ( فآتاهم الله ) يقتضي أنه تعالى أعطاهم الامرين ، أما ثواب ٣٠ قوله تعالى ((والله يحب المحسنين)) الآية سورة آل عمران الدنيا فهو النصرة والغنيمة وقهر العدو والثناء الجميل ، وانشراح الصدر بنور الايمان وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والسيئات ، وأما ثواب الآخرة فلا شك أنه هو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم ، وذلك غير حاصل في الحال ، فيكون المراد أنه تعالى حكم لهم بحصولها في الآخرة ، فأقام حكم الله بذلك مقام نفس الحصول ، كما أن الكذب في وعد الله والظلم في عدله محال ، أو يحمل قوله ( فأتاهم ) على أنه سيؤتيهم على قياس قوله (أتى أمر الله) أي سيأتي أمر الله. قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداء، وقد أخبر الله تعالى عن بعضھم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فیکون حال هؤلاء الربيين أيضاً كذلك، فإنه تعالى في حال انزال هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة في جنان السماء . المسألة الثانية ﴾ خص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم ، وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن ، فما خصه الله بانه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه ، ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها وامتزاجها بالمضار وكونها ، منقطعة زائلة ، قال القفال رحمه الله يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله ( وقولوا للناس حسنا ) أى حسنا ، والغرض منه المبالغة كأن تلك الاشياء الحسنة لكونها عظيمة في الحسن صارت نفس الحسن، كما يقال: فلان جود وكرم ، إذا كان في غاية الجود والكرم والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال فيما تقدم (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) فذكر لفظة (( من)) الدالة على التبعيض فقال في هذه الآية ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة) ولم يذكر كلمة ((من)) والفرق : ان الذين يريدون ثواب الآخرة انما اشتغلوا بالعبودية لطلب الثواب ، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلة ، وأما المذكورون في هذه الآية فانهم لم يذكروا في أنفسهم إلا الذنب والقصور ، وهو المراد من قوله ( اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا) ولم يروا التدبير والنصرة والاعانة الا من ربهم، وهو المراد بقوله ( وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) فكان مقام هؤلاء في العبودية في غاية الكمال ، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثواب ، وهؤلاء فازوا بالكل ، وأيضا أولئك أرادوا الثواب ، وهؤلاء ما أرادوا الثواب ، وإنما أرادوا خدمة مولاهم فلا جرم أولئك حرموا وهؤلاء أعطوا ، ليعلم أن كل من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله . ثم قال ﴿ والله يحب المحسنين) وفيه دقيقة لطيفة وهى أن هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا ( ربنا اغفر لناذنوبنا واسرافنا في أمرنا) فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين ، كأن الله تعالى يقول لهم : ٣١ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا الذين كفروا)) الآية سورة آل عمران يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَرُدُّوكُمْ عَ أَعْقَبِكُمْ فَقَلُواْ خَسِرِ ينَ يَلِ اللهُ مَوْلَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ الَِّصِرِينَ ( ١٥٠ إذا اعترفت باساءتك وعجزك فأنا أصفك بالاحسان وأجعلك حبيبا لنفسى ، حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول الى حضرة الله الا باظهار الذلة والمسكنة والعجز، وأيضاً : أنهم لما أرادوا الاقدام على الجهاد طلبوا تثبيت أقدامهم في دينه ونصرتهم على العدو من الله تعالى، فعند ذلك سماهم بالمحسنين ، وهذا يدل على أن العبد لا يمكنه الاتيان بالفعل الحسن ، الا إذا أعطاه الله ذلك الفعل الحسن وأعانه عليه، ثم إنه تعالى قال ( هل جزاء الاحسان الا الاحسان) وقال ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) وكل ذلك يدل على أنه سبحانه هو الذي يعطي الفعل الحسن للعبد ، ثم انه يثيبه عليه ليعلم العبد ان الكل من الله وباعانة الله. قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ﴾ . واعلم أن هذه الآية من تمام الكلام الأول ، وذلك لأن الكفار لما أرجفوا أن النبي پ قد قتل ، ودعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين إلى الكفر ، منع الله المسلمين بهذه الآية عن الالتفات إلى كلام اولئك المنافقين . فقال ( يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا الذين كفروا ) وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قيل (ان تطيعوا الذين كفروا) المراد أبو سفيان، فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم ، قال السدي : المراد أبو سفيان لأنه كان شجرة الفتن ، وقال آخرون : المراد عبد الله بن أبي وأتباعه من المنافقين ، وهم الذين ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة وقالوا لو كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة ، وإنما هو رجل كسائر الناس ، يوماً له ويوماً عليه ، فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه ، وقال آخرون : المراد اليهود لأنه كان بالمدينة قوم من اليهود ، وكانوا يلقون الشبهة في قلوب المسلمين ، ولا سيما عند وقوع هذه الواقعة ، والأقرب أنه يتناول كل الكفار ، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ . المسألة الثانية ﴾ قوله ( ان تطيعوا الذین کفروا) لا يمكن حمله على طاعتهم في کل ما يقولونه بل لابد من التخصيص فقيل : ان تطيعوهم فيما أمروكم به يوم أحد من ترك الإِسلام ، وقيل : ان تطيعوهم في كل ما يأمرنكم من الضلال ، وقيل في المشورة ، وقيل في ٣٢ قوله تعالى (( سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب)) الآية سورة آل عِمْران سُلْقٍ فِى قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ بِمَآ أَثْرَكُواْبِاللهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا ١٠٠٠٠٠ وَأْوَنُهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الَِّنَ ١٥١ ترك المحاربة وهو قولهم ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) . . ثم قال (يردوكم على أعقابكم ﴾ يعني يردوكم إلى الكفر بعد الإيمان ، لأن قبول قولهم في الدعوة إلى الكفر كفر . ثم قال ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾. واعلم أن اللفظ لما كان عاماً وجب أن يدخل فيه خسران الدنيا والآخرة ، أما خسران الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو والتذلل له وإظهار الحاجة إليه ، وأما خسران الآخرة فالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد . ثم قال تعالى ﴿بل الله مولاكم وهو خير الناصرين﴾ والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا جهل ، لأنهم عاجزون متحيرون ، والعاقل يطلب النصرة من الله تعالى ، لأنه هو الذي ینصركم على العدو ويدفع عنکم کیده ، ثم بین أنه خیر الناصرين ، ولو لم يكن المراد بقوله ( مولاكم وهو خير الناصرين ) النصرة ، لم يصح أن يتبعه بهذا القول ، وإنما كان تعالى خير الناصرين لوجوه : أنه تعالى هو القادر على نصرتك في كل ما تريد ، والعالم الذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرعك ، والكريم الذي لا يبخل في جوده ، ونصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه الوجوه ، والثاني : أنه ينصرك في الدنيا والآخرة ، وغيره ليس كذلك ، والثالث : أنه ينصرك قبل سؤالك معرفتك بالحاجة ، كما قال ( قل من يكلؤكم بالليل والنهار ) وغيره ليس كذلك . واعلم ان قوله ( وهو خير الناصرين ) ظاهره يقتضي أن يكون من جنس سائر الناصرين وهو منزه عن ذلك ، لكنه ورد الكلام على حسب تعارفهم كقوله ( وهو أهون عليه ) . قوله تعالى ﴿ سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ اعلم أن هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره ، فإنه تعالى ذكر وجوهاً كثيرة في الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار ، ومن جملتها ما ذكر في هذه الآية أنه تعالى يلقى الخوف في قلوب ٣٣ قوله تعالى (( سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب )) الآية سورة آل عِمْران الكفار ، ولا شك أن ذلك مما يوجب استيلاء المسلمين عليهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد ، أو هو عام في جميع الأوقات ؟ قال كثير من المفسرين : إنه مختص بهذا اليوم ، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين : الأول : أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم ، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب ، حتى روى أن أبا سفيان صعد الجبل ، وقال : أين ابن أبي كبشة ، وأين ابن أبي قحافة ، وأين ابن الخطاب ، فأجابه عمر، ودارت بينهما كلمات ، وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل والذهاب إليهم، والثاني : أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة ، فلما كانوا في بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئاً ، قتلنا الأكثرين منهم ، ثم تركناهم ونحن قاهرون ، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم . والقول الثاني ﴾ أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام . قال القفال رحمه الله : كأنه قيل انه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أن الله تعالى سيلقى الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار ، ويظهر دينكم على سائر الأديان . وقد فعل الله ذلك حتى صاردين الإِسلام قاهراً لجميع الأديان والملل ، ونظير هذه الآية قوله عليه السلام ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)). المسألة الثانية ﴾ قرأ ابن عامر والكسائي ( الرعب ) بضم العين ، والباقون بتخفيفها في كل القرآن ، قال الواحدي : هما لغتان ، يقال رعبته رعباً ورعباً وهو مرعوب ، ويجوز أن يكون الرعب مصدراً ، والرعب اسم منه . المسألة الثالثة﴾ الرعب : الخوف الذي يحصل في القلب ، وأصل الرعب الملء، يقال سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار ، وإنما سمي الفزع رعباً لأنه يملأ القلب خوفاً . ﴿ المسألة الرابعة﴾ ظاهر قوله ( سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب ) يقتضى وقوع الرعب في جميع الكفار ، فذهب بعض العلماء إلى إجراء هذا العموم على ظاهره ، لأنه لا أحد يخالف دين الإِسلام إلا وفي قلبه ضرب من الرعب من المسلمين ، إما في الحرب ، وإما عند المحاجة . وقوله تعالى ﴿ سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ لا يقتضى وقوع جميع أنواع الرعب الفخر الرازي ج٩ م٣ ٣٤ قوله تعالى (( بما شركوا بالله)) الآية سورة آل عِمْران في قلوب الكفار ، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض الوجوه ، وذهب جمع من المفسرين إلى أنه مخصوص بأولئك الكفار . أما قوله ﴿ بما أشركوا بالله﴾ فاعلم أن ((ما)) مصدرية ، والمعنى: بسبب إشراكهم بالله . واعلم أن تقرير هذا بالوجه المعقول هو أن الدعاء إنما يصير في محل الاجابة عند الاضطرار كما قال ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) ومن اعتقد أن الله شريكاً لم يحصل له الاضطرار، لأنه يقول : إن كان هذا المعبود لا ينصرني ، فذاك الآخر ينصرني ، وإن لم يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل الإِجابة ولا النصرة ؛ وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعب والخوف في قلبه ، فثبت أن الاشراك بالله يوجب الرعب . أما قوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ السلطان ههنا هو الحجة والبرهان، وفي اشتقاقه وجوه : الأول : قال الزجاج : إنه من السليط وهو الذي يضاء به السراج ، وقيل للأمراء سلاطين لأنهم الذين بهم يتوصل الناس إلى تحصيل الحقوق . الثاني : أن السلطان في اللغة هو الحجة ، وإنما قيل للأمير سلطان : لأن معناه أنه ذو الحجة . الثالث : قال الليث : السلطان القدرة ، لأن أصل بنائه من التسليط وعلى هذا سلطان الملك ، قوته وقدرته ، ويسمى البرهان سلطاناً لقوته على دفع الباطل . الرابع : قال ابن دريد : سلطان كل شيء حدته ، وهو مأخوذ من اللسان السليط، والسلاطة بمعنى الحدة . المسألة الثانية) قوله ( ما لم ينزل به سلطاناً) يوهم أن فيه سلطاناً إلا أن الله تعالى ما أنزله وما أظهره ، إلا أن الجواب عنه أنه لو كان لأنزل الله به سلطاناً ؛ فلما لم ينزل به سلطاناً وجب عدمه ، وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون : أن هذا مما لا دليل عليه فلم يجز إثباته ، ومنهم من يبالغ فيقول لا دليل عليه فيجب نفيه ، ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع ، فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه ، ويكفي في دفع هذه الحاجة إثبات الصانع الواحد ، فما زاد عليه لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته . المسألة الثالثة﴾ هذه الآية دالة على فساد التقليد، وذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه ، فوجب أن يكون القول به باطلاً، وهذا إنما يصح إذا كان القول باثبات ما لا دليل على ثبوته يكون باطلاً ، فيلزم فساد القول بالتقليد . ٣٥ سورة آل عِمْران قوله تعالى (( ولقد صدقكم الله وعده )) الآية وَلَقَدْ صَدَفَكُ اللَّهُ وَعْدَهٍُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَزَعْتُمْ فِ آلْأَمْرِ وَعَصَْتُ مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَكُ مَّا ◌ُونَ مِنْكُم مَّن ◌ُرِدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ١٥٢ ثم قال تعالى ﴿ ومأواهم النار ﴾ . واعلم أنه تعالى بين أن أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم ، وبين أحوالهم في الآخرة ، وهي أن مأواهم ومسكنهم النار . ثم قال ﴿وبئس مثوى الظالمين ﴾ المثوى : المكان الذي يكون مقر الانسان ومأواه ، من قولهم ثوى يثوى ثويا، وجمع المثوى مثاوي . قوله تعالى ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم باذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين ﴾. اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها من وجوه: الأول: أنه لما رجع رسول اللّه رَله وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد ، قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر! فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثاني: قال بعضهم كان النبي ◌َّ رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين يوم أحد ، وقتل بعده تسعة نفر على اللواء فذاك قوله ( ولقد صدقكم الله وعده ) يريد تصديق رؤيا الرسول عليه. الثالث؛ يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى (بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ) إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط الصبر والتقوى . والرابع : يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله ( ولينصرن الله من ينصره) إلا أن هذا أيضاً مشروط بشرط ، والخامس : يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله ( سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب) والسادس: قيل: الوعد هو أن النبي ◌َ ◌ّ قال للرماة ((لا تبرحوا من هذا المكان ، فأنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان )» السابع : قال أبو مسلم : لما وعدهم الله ٣٦ قوله تعالى ((حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الأمر)) الآية سورة آل عِمْران فى الآية المتقدمة إلقاء الرعب في قلوبهم أكد بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعد بالنصر في واقعة أحد ، فإنه لما وعدهم بالنصرة بشرط أن يتقوا ويصبروا فحين أتوا بذلك الشرط لا جرم ، وفي الله تعالى بالمشروط وأعطاهم النصرة ، فلما تركوا الشرط لا جرم فاتهم المشروط . إذا عرفت وجه النظم ففي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدي رحمه الله: الصدق يتعدى إلى مفعولين ، تقول : صدقته الوعد والوعيد . المسألة الثانية﴾ قد ذكرنا في قصة أحد أن النبي عليه جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل ، وأمرهم أن يثبتوا هناك ولا يبرحوا ، سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم ، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا ، والمسلمون على آثارهم يحسونهم ، قال الليث : الحس : القتل الذريع ، تحسونهم : تقتلونهم قتلاً كثيراً، قال أبو عبيد ، والزجاج ، وابن قتيبة : الحس : الاستئصال بالقتل ، يقال : جراد محسوس . إذا قتله البرد . وسنة حسوس : إذا أتت على كل شيء، ومعنى ((تحسونهم)) أي تستأصلونهم قتلاً، قال أصحاب الاشتقاق ((حسه)) إذا قتله لأنه أبطل حسه بالقتل ، كما يقال : بطنه إذا أصاب بطنه ، ورأسه ، إذا أصاب رأسه ، وقوله ( باذنه ) أي بعلمه ، ومعنى الكلام أنه تعالى لما وعدكم النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة ، فما دمتم وافين بهذا الشرط أنجز وعده ونصركم على أعدائكم ، فلما تركتم الشرط وعصيتم أمر ربكم لا جرم زالت تلك النصرة . أما قوله تعالى ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون ﴾ ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ لقائل أن يقول ظاهر قوله ( حتى إذا فشلتم ) بمنزلة الشرط ، ولا بد له من الجواب فأين جوابه ؟ واعلم أن للعلماء ههنا طريقين : الأول : أن هذا ليس بشرط، بل المعنى ، ولقد صدقكم الله وعده حتى إذا فشلتم ، أي قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع ، لأنه تعال كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة ، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر، وعلى هذا القول تكون كلمة ((حتى)) غاية بمعنى ((إلى)) فيكون معنى قوله ( حتى إذا) إلى أن ، أو إلى حين. ٣٧ قوله تعالى ((حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الأمر)) الآية سورة آل عِمْران ﴿ الطريق الثاني﴾ أن يساعد على أن قوله (حتى إذا فشلتم ) شرط، وعلى هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه : الأول : وهو قول البصريين أن جوابه محذوف، والتقدير : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منعكم الله نصره ، وإنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله ( ولقد صدقكم الله وعده) عليه ، ونظائره في القرآن كثيرة ، قال تعالى ( فان استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ) والتقدير : فافعل ، ثم أسقط هذا الجواب لدلالة هذا الكلام عليه ، وقال ( أمن هو قانت آناء الليل ) والتقدير : أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك ؟ الوجه الثاني ﴾ وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء: أن جوابه هو قوله (وعصيتم ) والواو زائدة كما قال ( فلما أسلما وتله للجبين وناديناه ) والمعنى ناديناه ، كذا ههنا ، الفشل والتنازع صار موجباً للعصيان ، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم ، فالواو زائدة ، وبعض من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب ((حتى إذا)) بدليل قوله تعالى ( حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها) والتقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها . فإن قيل : إن فشلتم وتنازعتم معصية ، فلو جعلنا الفشل والتنازع علة للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه وذلك فاسد . قلنا : المراد من العصيان ههنا خروجهم عن ذلك المكان ، ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان ، فلم يلزم تعليل الشيء بنفسه . واعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل الواو زائدة . الوجه الثالث في الجواب ﴾ أن يقال تقدير الآية: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون ، صرتم فريقين ، منكم من يريد الدنيا ، ومنكم من يريد الآخرة . فالجواب : هو قوله : صرتم فريقين ، إلا أنه أسقط لأن قوله ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) يفيد فائدته ويؤدي معناه، لأن كلمة ((من )) للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام ، وهذا احتمال خطر ببالي . الوجه الرابع ﴾ قال أبو مسلم : جواب قوله ( حتى إذا فشلتم ) هو قوله ( صرفكم ٣٨ قوله تعالى ((حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الأمر)) الآية سورة آل عِمْران عنهم) والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا وكذا صرفكم عنهم ليبتليكم وكلمة ((ثم)) ههنا كالساقطة وهذا الوجه في غاية البعد . والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى ذكر أموراً ثلاثة: أولها : الفشل وهو الضعف، وقيل الفشل هو الجبن ، وهذا باطل بدليل قوله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) أي فتضعفوا ، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى فتجبنوا . ثانيها : التنازع في الأمر وفيه بحثان . ﴿ البحث الأول ﴾ المراد من التنازع انه عليه الصلاة والسلام أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم البتة ، وجعل أميرهم عبدالله بن جبير : فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون ، ثم ان الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخيلهن ، فقالوا الغنيمة الغنيمة . فقال عبدالله : عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة ، وبقي عبد الله مع طائفة قليلة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون فهذا هو التنازع . ﴿ البحث الثاني ﴾ قوله ( في الأمر ) فيه وجهان : الأول : أن الأمر ههنا بمعنى الشأن والقصة ، أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن . والثاني : أنه الأمر الذي يضاده النهي . والمعنى : وتنازعتم فيما أمركم الرسول به من ملازمة ذلك المكان . وثالثها : وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون . والمراد عصيتم بترك ملازمة ذلك المكان . بقي في هذه الآية سؤالات : الأول : لم قدم ذكر الفشل على ذكر التنازع والمعصية ؟ والجواب : أن القوم لما رأوا هزيمة الكفار وطمعوا في الغنيمة فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة ، ثم تنازعوا بطريق القول في أنا : هل نذهب لطلب الغنيمة أم لا ؟ ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة . السؤال الثاني ﴾ لما كانت المعصية بمفارقة تلك المواضع خاصة بالبعض فلم جاء هذا العتاب باللفظ العام ؟ والجواب : هذا اللفظ وان كان عاماً إلا أنه جاء المخصص بعده ، وهو قوله ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) . السؤال الثالث ﴾ ما الفائدة في قوله ( من بعد ما أراكم ما تحبون ). والجواب عنه : أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية ، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بانجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدموا عليها لا جرم ٣٩ قوله تعالى ((ثم صرفكم عنهم ليبتليكم )) الآية سورة آل عمران سلبهم اللّه ذلك إلا كرام وأذاقهم وبال أمرهم . ثم قال تعالى ﴿ ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) وقد اختلف قول أصحابنا وقول المعتزلة في تفسير هذه الآية ، ذلك لأن صرفهم عن الكفار معصية ، فكيف أضافه إلى نفسه ؟ أما أصحابنا فهذا الاشكال غير وارد عليهم، لأن مذهبهم أن الخير والشر بارادة الله وتخليقه، فعلى هذا قالوا معنى هذا الصرف أن الله تعالى رد المسلمين عن الكفار ، وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم ، وهذا قول جمهور المفسرين . قالت المعتزلة : هذا التأويل غير جائز ويدل عليه القرآن والعقل ، أما القرآن فهو قوله تعالى (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ) فأضاف ما كان منهم إلى فعل الشيطان ، فكيف يضيفه بعد هذا إلى نفسه ؟ وأما المعقول فهو أنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف ، ولو كان ذلك بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه ؛ كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم ، ثم عند هذا ذكروا وجوهاً من التأويل : الأول : قال الجبائي : إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أولاً لطلب الغنائم ، وبعضهم بقوا هناك، ثم هؤلاء الذين بقوا أحاط بهم العدو، فلو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو، ألا ترى أن النبي ◌ِ ◌ّ ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه وتحصنوا به ولم يكونوا عصاة بذلك، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافه إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وإذنه ، ثم قال ( ليبتليكم) والمراد أنه تعالى لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا به أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين ، ولا شك أن الاقدام على الجهاد بعد الانهزام ، وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقربائهم وأحبائهم هو من أعظم أنواع الابتلاء . فان قيل : فعلى هذا التأويل هؤلاء الذين صرفهم الله عن الكفار ما كانوا مذنبين ، فلم قال ( ولقد عفا عنكم ) . قلنا : الآية مشتملة على ذكر من كان معذوراً في الانصراف ومن لم يكن ، وهم الذين بدؤا بالهزيمة فمضوا وعصوا فقوله ( ثم صرفكم عنهم ) راجع الى المعذورين ، لأن الآية لما اشتملت على قسمين وعلى حكمين رجع كل حكم إلى القسم الذي يليق به ، ونظيره قوله تعالى ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه) والمراد الذي قال له ( لا تحزن ) وهو أبو بكر، لأنه كان خائفاً قبل هذا القول ، فلما سمع هذا سكن ، ثم قال ( وأيده بجنود لم تروها) وعني بذلك الرسول دون أبي بكر، لأنه كان قد جرى ذكرهما جميعاً ، فهذا جملة ما ذكره الجبائي في هذا المقام . ٤٠ قوله تعالى ((اذ تصعدون ولا تلوون على احد)) الآية سورة آل عمران إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَ أَحَدٍ وَالَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أَحْرَتَكُمْ فَأَتَكُمْ عَمّ ◌ِغَمْ والوجه الثاني ﴾ ما ذكره أبو مسلم الاصفهاني، وهو ان المراد من قوله ( ثم صرفكم عنهم ) أنه تعالى أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة منه على عصيانهم وفشلهم ، ثم قال ( ليبتليكم ) أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى الله وترجعوا إليه وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره وملتم فيه إلى الغنيمة ، ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم . : ﴿ والوجه الثالث ﴾ قال الكعبي ( ثم صرفكم عنهم) بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ( ليبتليكم ) بكثرة الانعام عليكم والتخفيف عنكم ، فهذا ما قيل في هذا الموضع والله أعلم . ثم قال ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ فظاهره يقتضي تقدم ذنب منهم . قال القاضي : إن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بأنه عفا عنهم من غير توبة ، وإن كان من باب الكبائر ، فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو والمغفرة . واعلم أن الذنب لا شك أنه كان كبيرة ، لأنهم خالفوا صريح نص الرسول ، وصارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمين ، وقتل جمع عظيم من أكابرهم ، ومعلوم أن كل ذلك من باب الكبائر وأيضاً : ظاهر قوله تعالى ( ومن يولهم يومئذ دبره ) يدل على كونه كبيرة ، وقول من قال إنه خاص في بدر ضعيف ، لأن اللفظ عام ، ولا تفاوت في المقصود ، فكان التخصيص متنعاً ، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى عفا عنهم من غير توبة ، لأن التوبة غير مذكورة ، فصار هذ دليلا على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر ، وأما دليل المعتزلة في المنع عن ذلك ، فقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة . ثم قال ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ وهو راجع إلى ما تقدم من ذكر نعمه سبحانه وتعالى بالنصر أولاً ، ثم بالعفو عن المذنبين ثانياً . وهذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن ، لأنا بينا أن هذا الذنب كان من الكبائر ، ثم أنه تعالى سماهم المؤمنين ، فهذا يقتضى أن صاحب الكبيرة مؤمن بخلاف ما تقوله المعتزلة ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ إذا تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غماً