Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة آل عِمْران
قوله تعالى: (( للذي ببكة )) الآية
من البك الذي هو عبارة عن دفع البعض بعضاً، يقال : بكة يبكة بكاً إذا دفعه وزحمه ، وتباك
القوم إذا ازدحموا فلهذا قال سعيد بن جبير : سميت مكة بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون
في الطواف، وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم : رأيت محمد بن علي
الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال : دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك
بعضهم بعضاً ، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي ، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي لا
بأس بذلك في هذا المكان .
الوجه الثاني﴾ سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت
عنقه قال قطرب : تقول العرب بككت عنقه أبكه بكا إذا وضعت منه ورددت نخوته .
وأما مكة ففي اشتقاقها وجوه ( الأول ) أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي تزيلها
كلها ، من قولك : امتك الفصيل ضرع أمه ، إذا امتص ما فيه ( الثاني ) سميت بذلك
لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض ، يقال امتك الفصيل ، إذا استقصى ما في الضرع،
ويقال تمككت العظم ، إذا استقصيت ما فيه ( الثالث ) سميت مكة ، لقلة مائها ، كأن
أرضها امتكت ماءها ( الرابع ) قيل : إن مكة وسط الأرض ، والعيون والمياه تنبع من تحت
مكة ، فالأرض كلها تمك من ماء مكة ، ومن الناس من فرق بين مكة وبكة ، فقال بعضهم :
إن بكة اسم للمسجد خاصة ، وأما مكة ، فهو اسم لكل البلد ، قالوا : والدليل عليه
اشتقاق بكة من الازدحام والمدافعة ، وهذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف، لا في سائر
المواضع ، وقال الأكثرون : مكة اسم للمسجد والمطاف . وبكة اسم البلد ، والدليل عليه أن
قوله تعالى ( للذي ببكة ) يدل على أن البيت حاصل في بكة ومظروف في بكة فلو كان بكة اسماً
للبيت لبطل كون بكة ظرفاً للبيت ، أما إذا جعلنا بكة اسماً للبلد ، استقام هذا الكلام .
المسألة الثانية ﴾ لمكة أسماء كثيرة، قال القفال رحمه الله في تفسيره : مكة وبكة وأم
رحم وكويساء والبشاشة والحاطمة تحطم من استخف بها ، وأم القرى قال تعالى ( لتنذر أم
القرى ومن حولها) وسميت بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة ومنها دحيت الأرض ، ولهذا
المعنى مزار ذلك الموضع من جميع نواحي الأرض .
المسألة الثالثة﴾ للكعبة أسماء (أحدها ) الكعبة قال تعالى ( جعل الله الكعبة البيت
الحرام) والسبب فيه أن هذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع ، وسمي الكعب كعباً لإشرافه
وارتفاعه على الرسغ ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً ، لارتفاع قديها ، فلما كان هذا
البيت أشرف بيوت الأرض وأقدمها زمانا ، وأكثرها فضيلة سمى بهذا الاسم ( وثانيها)

١٦٢
قوله تعالى: (( للذي ببكة )) الآية
سورة آل عمران
البيت العتيق : قال تعالى ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) وقال ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) وفي
اشتقاقه وجوه ( الأول ) العتيق هو القديم ، وقد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم
أن الله خلقه قبل الأرض والسماء ( والثاني ) أن الله أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى السماء
( الثالث ) من عتق الطائر إذا قوى في وكره ، فلما بلغ في القوة إلى حيث أن كل من قصد تريبه
أهلكه الله سمى عتيقاً ( الرابع) ان الله أعتقه من أن يكون ملكاً لأحد من المخلوقين
( الخامس ) أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه الله تعالى من النار (وثالثها ) المسجد الحرام
قال سبحانه ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) والمراد
من كونه حراماً سيجيء إن شاء الله في تفسير هذه الآية .
فإن قال قائل : کیف الجمع بين قوله ( إن أول بيت وضع للناس ) وبين قوله ( وطهر
بيتي للطائفين ) فاضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس .
( والجواب ) كأنه قيل : البيت لي ولكن وضعته لا لأجل منفعتي فاني منزه عن الحاجة
ولكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك والله أعلم .
ثم قال تعالى ( مباركاً وهدى للعالمين ) .
واعلم أنه تعالى وصف هذا البيت بأنواع الفضائل ( فأولها ) أنه أول بيت وضع
للناس ، وقد ذكرنا معنى كونه أولا في الفضل ونزيد ههنا وجوها أخر ( الأول ) قال علي رضي
الله عنه ، هو أول بيت خص بالبركة ، وبأن من دخله كان آمناً، وقال الحسن : هو أول
مسجد عبدالله فيه في الأرض وقال مطرف : أول بيت جعل قبلة ( وثانيها ) أنه تعالى وصفه
بكونه مباركاً ، وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ انتصب (مباركا) على الحال والتقدير الذي استقرهو بيكة مباركاً.
المسألة الثانية ﴾ البركة لها معنيان ( أحدهما ) النمو والتزايد ( والثاني ) البقاء
والدوام ، يقال تبارك الله ، لثبوته لم يزل ، والبركة شبه الحوض الثبوت الماء فيها ، وبرك
البعير إذا وضع صدره على الأرض وثبت واستقر ، فإن فسرنا البركة بالتزايد والنمو فهذا البيت
مبارك من وجوه (أحدها) أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها. قال ◌َل﴾ ((فضل
المسجد الحرام على مسجدي، كفضل مسجدي على سائر المساجد)) ثم قال ◌َّ صلاة في
مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه)) فهذا في الصلاة ، وأما الحج ، فقال عليه
الصلاة والسلام: (( من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه )) وفي
حديث آخر (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )) ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة

١٦٣
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((مباركاً وهدى للعالمين)) الآية
والرحمة ( وثانيها ) قال القفال رحمه الله تعالى : ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى
( يجبى إليه ثمرات كل شيء) فيكون كقوله ( إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله )
( وثالثها) أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة وليتصور أن صفوف
المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه
الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة ، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص
أرواحهم علوية ، وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ثم إن تلك الأرواح
الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة وأجسادهم توجهت إلى هذه الكعبة الحسية فمن كان في
الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه.، فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه ،
ويعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره وهذا بحر عظيم ومقام شريف ، وهو ينبهك على معنى
كونه مباركاً .
وأما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضاً كذلك لأنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين
والركع السجود ، وأيضاً الأرض كرة ، وإذا كان كذلك فكل وقت يمكن أن يفرض فهو صبح
لقوم ، وظهر لثان وعصر الثالث ، ومغرب لرابع وعشاء لخامس ، ومتى كان الأمر كذلك لم
تكن الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها من طرف من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة ،
فكان الدوام حاصلا من هذه الجهة ، وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام
أيضاً فثبت كونه مباركاً من الوجهين.
الصفة الثالثة ﴾ من صفات هذا البيت كونه ( هدى للعالمين ) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ قيل: المعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة صلاتهم ، وقيل :
هدى للعالمين أي دلالة على وجود الصانع المختار، وصدق محمد ◌ّ في النبوة بما فيه من الآيات
التي ذكرناها والعجائب التي حكيناها فان كل ما يدل على النبوة فهو بعينه يدل أولا على وجود
الصانع ، وجميع صفاته من العلم والقدرة والحكمة والاستغناء ، وقيل : هدى للعالمين إلى
الجنة لأن من أدى الصلوات الواجبة إليها استوجب الجنة .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج: المعنى وذا هدى للعالمين، قال: ويجوز أن يكون
( وهدی ) في موضع رفع على معنی وهو هدی.
أما قوله تعالى ( فيه آيات بينات ) ففيه قولان ( الأول ) أن المراد ما ذكرناه من الآيات
التي فيه وهي : أمن الخائف، وإنمحاق الجمار على كثرة الرمي ، وامتناع الطير من العلو عليه
واستشفاء المريض به وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة ، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا

١٦٤
قوله تعالى: (( مقام إبراهيم)) الآية
سورة آل عِمْران
تخريبه فعلى هذا تفسير الآيات وبيانها غير مذكور.
وقوله ( مقام إبراهيم ) لا تعلق له بقوله ( فيه آيات بينات ) فكأنه تعالى قال ( فيه آيات
بينات ) ومع ذلك فهو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه ، لأن كل ذلك
من الخلال التي بها يشرف ويعظم.
القول الثاني﴾ أن تفسير الآيات مذكور، وهو قوله (مقام إبراهيم ) أي: هي مقام
إبراهيم .
فان قيل : الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد ، أجابوا عنه من وجوه
(الأول) أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة، لأن ما كان معجزة لرسول الله صل ، فهو دليل
على وجود الصانع ، وعلمه وقدرته وإرادته وحياته ، وكونه غنياً منزهاً مقدساً عن مشابهة
المحدثات فمقام إبراهيم وإن كان شياً واحداً إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة
الدلائل كقوله ( إن إبراهيم كان أمة قانتا ) ( الثاني ) أن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات ،
لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية ، وغوصه فيها الى الكعبين آية ، وإلانة بعض الصخرة
دون بعض آية ، لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء
عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى
والمشركين والملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة ( الثالث ) قال
الزجاج إن قوله ( ومن دخله كان آمناً) من بقية تفسير الآيات، كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام
إبراهيم وأمن من دخله ، ولفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين ، قال تعالى (وإن تتوبا إلى الله
فقد صغت قلوبكما) وقال عليه السلام ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) ومنهم من تمم الثلاثة
فقال : مقام إبراهيم ، وأن من دخله كان آمناً ، وأن الله على الناس حجة ، ثم حذف ( أن )
اختصاراً ، كما في قوله (قل أمر ربي بالقسط) أي أمر ربي بأن تقسطوا ( الرابع ) يجوز أن
يذكر اختصاراً، كما في قوله ( قل أمر ربي بالقسط (أي أمر ربي بأن تقسطوا ( الرابع ) يجوز
أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ، كأنه قیل فیه آيات بينات
مقام إبراهيم ، وأمن من دخله ، وكثير سواهما ( الخامس ) قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر
المدني في رواية قتيبة ( آية بينة ) على التوحيد ( السادس ) قال المبرد ( مقام) مصدر فلم يجمع
كما قال (وعلى سمعهم) والمراد مقامات إبراهيم ، وهي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور
الحج وأعمال المناسك ولا شك أنها كثيرة وعلى هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما قال ( ومن
يعظم شعائر الله ) .

١٦٥
سورة آل عِمْران
قوله تعالى: ((ومن دخله كان آمناً)) الآية
ثم قال تعالى (مقام إبراهيم ) وفيه أقوال ( أحدها ) أنه لما ارتفع بنيان الكعبة ، وضعف
إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه ( والثاني ) أنه جاء زائراً من
الشام إلى مكة ، وكان قد حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع ، فلما وصل إلى مكة قالت
له أم إسماعيل : إنزل حتى نغسل رأسك ، فلم ينزل ، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على
الجانب الأيمن ، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه ، ثم حولته إلى الجانب
الأيسر، حتى غسلت الجانب الآخر ، فبقي أثر قدميه عليه (والثالث ) أنه هو الحجر الذي قام
إبراهيم عليه عند الأذان بالحج ، قال القفال رحمه الله ، ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك
الحجر في هذه المواضع كلها .
ثم قال تعالى (ومن دخله كان آمناً) ولهذه الآية نظائر : منها قوله تعالى ( وإذ جعلنا
البيت مثابة للناس وأمناً) وقوله ( أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً) وقال إبراهيم ( رب اجعل
هذا بلداً آمناً) وقال تعالى ( أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) قال أبو بكر الرازي : لما
كانت الآيات المذكورة عقيب قوله ( إن أول بيت وضع للناس ) موجودة في الحرم ثم قال ( ومن
دخله كان آمناً) وجب أن يكون مراده جميع الحرم، وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فانه
يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس ، إنما
الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في
الحرم ؟ قال الشافعي : يستوفي، وقال أبو حنيفة : لا يستوفي ، بل يمنع منه الطعام والشراب
والبيع والشراء والكلام حتى يخرج ، ثم يستوفي منه القصاص ، والكلام في هذه المسألة قد تقدم
في تفسير قوله ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً) واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه
الآية ، فقال : ظاهر الآية الأخبار عن كونه آمناً ، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمناً
فيقع الخلف في الخبر ، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس ، لأن
الضرر فيها أخف من الضرر في القتل ، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم ،
لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم ، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية .
(والجواب ) أن قوله ( كان آمناً) إثبات لمسمى الأمن ، ويكفي في العمل به إثبات الا
من بعض الوجوه ، ونحن نقول به وبيانه من وجوه ( الأول ) أن من دخله للنسك تقربا إلى
الله تعالى كان آمناً من النار يوم القيامة، قال النبي عليه السلام ((من مات في أحد الحرمين
بعث يوم القيامة آمناً)) وقال أيضاً ((من صبر على حرمكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم
مسيرة مائتي عام)) وقال (( من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))
( والثاني ) يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه
:

١٦٦
قوله تعالى: (( ولله على الناس حج البيت )) الآية
سورة آل عِمْران
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
ودفع المكروه عنه ، ولما كان الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه
مطلقاً وهذا أولى مما قالوه لوجهين ( الأول) أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائماً مقام الأمر
وهم جعلوه قائماً مقام الأمر ( والثاني ) أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما
يحصل بشيء كان معلوماً للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت ، فاما الحكم الذي بينه
الله في شرع محمد عليه السلام فانه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة
الكعبة .
الوجه الثالث﴾ في تأويل الآية: أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي وثيقة.
كان آمناً لأنه تعالى قال ( لتدخلن المسجد الحرم إن شاء الله آمنين ) ( الرابع ) قال الضحاك :
من حج حجة كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.
واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد ، وهو أن قوله ( كان آمناً )
حكم بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد وفي صورة واحدة فاذا
حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه ،
ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب
القصاص وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه ، أردفه بذكر إيجاب الحج وفي الآية
مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( حج البيت ) بكسر الحاء
والباقون بفتحها ، قيل الفتح لغة الحجاز، والكسرلغة نجد وهما واحد في المعنى ، وقيل هما
جائزان مطلقاً في اللغة ، مثل رطل ورطل ، وبزر وبزر، وقيل المكسورة اسم للعمل
والمفتوحة مصدر، وقال سيبويه : يجوز أن تكون المكسورة أيضاً مصدراً، كالذكر والعلم .
المسألة الثانية ﴾ في قوله ( من استطاع إليه سبيلا) وجوه ( الأول ) قال الزجاج :
موضع ( من ) خفض على البدل من ( الناس ) والمعنى : ولله على من استطاع من الناس حج
البيت ( الثاني ) قال الفراء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطاً وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله
عليه ، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلا فلله عليه حج البيت ( الثالث ) قال ابن الأنباري :

١٦٧
قوله تعالى: ((ولله على الناس حج البيت)) الآية ، سورة آل عِمْران
يجوز أن يكون ( من ) في موضع رفع على معنى الترجمة للناس ، كأنه قيل : من الناس الذين
علیهم لله حج البيت ؟ فقيل هم من استطاع إليه سبيلا .
المسألة الثالثة﴾ اتفق الأكثرون على أن الزاد والراحلة شرطان لحصول الاستطاعة ،
روى جماعة من الصحابة عن النبي ◌َّر أنه فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد
والراحلة ، وروى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال : إذا كان شاباً صحيحاً ليس له مال
فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضى حجه فقال له قائل : أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟
فقال : لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه ؟ قال: لا بل ينطلق إليه ولو حبواً، قال :
فكذلك يجب عليه حج البيت ، عن عكرمة أيضاً أنه قال : الاستطاعة هي صحة البدن ،
وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه .
واعلم أن كل من كان صحيح البدن قادراً على المشي إذا لم يجد ما يركب فانه يصدق
عليه أنه يستطيع لذلك الفعل ، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ
فلا بد فيه من دليل منفصل ، ولا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها
, أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك
الأخبار، وطعن فيها من وجه آخر، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول
الاستطاعة فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق ، وظاهر هذه
الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبراً ، فصارت هذه الأخبار مطعوناً فيها من هذا
الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى ( وما جعل عليكم في الدين من حرج )
وقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) .
المسألة الرابعة﴾ احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع
قالوا لأن ظاهر قوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت ) يعم المؤمن والكافر وعدم الإيمان لا
يصلح معارضاً ومخصصاً لهذا العموم، لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد ◌ّ مع أن الإيمان
بالله الذي هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل والمحدث مكلف بالصلاة مع
أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل ، فلم يكن عدم الشرط مانعاً من كونه مكلفاً
بالمشروط ، فكذا ههنا والله أعلم.
المسألة الخامسة﴾ احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الأستطاعة قبل الفعل ،
فقالوا : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعاً للحج ، ومن لم يكن
مستطيعاً للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم أن كل من لم يحج أن لا يصير

١٦٨
قوله تعالى: (( ومن كفر )) الآية
[سورة آل عِمْران
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىْ عَنِ اَلْعَلَمِينَ (8﴾
مأموراً بالحج بسبب هذه الآية وذلك باطل بالاتفاق.
أجاب الأصحاب بأن هذا أيضاً لازم لهم ، وذلك لأن القادر إما أن يصير مأموراً بالفعل
قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي فمحال ، لأن قبل
حصول الداعي يمتنع حصول الفعل ، فيكون التكليف به تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد
حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول ، فلا يكون في التكليف به فائدة ، وإذا كانت
الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد.
﴿ المسألة السادسة ﴾ روى أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله أكتب الحج علينا
في كل عام، ذكروا ذلك ثلاثاً، فسكت الرسول وَ له، ثم قال في الرابعة ((لوقلت نعم لوجبت
ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها لكفرتم ألا فوادعوني ما وادعتكم وإذا أمرتكم بأمر
فافعلوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه فانما هلك من كان قبلكم بكثرة
اختلافهم على أنبيائهم))، ثم احتج العلماء بهذا الخبر على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين
( الأول) أن الأمر ورد بالحج ولم يفد التكرار (والثاني) أن الصحابة استفهموا أنه هل
يوجب التكرار أم لا؟ ولو كانت هذه الصيغة تفيد التكرار لما احتاجوا إلى الاستفهام مع كونهم
عالمين باللغة .
المسألة السابعة ﴾ استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول ، قال تعالى
( فهل إلى خروج من سبيل ) وقال ( فهل إلى مرد من سبيل ) وقال ( ما على المحسنين من
سبيل ) فيعتبر في حصول هذا الإِمكان صحة البدن ، وزوال خوف التلف من السبع أو
العدو ، وفقدان الطعام والشراب والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي
جميع الديون ويرد جميع الودائع ، وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا
ترك من المال ما يكفيهم في المجيء والذهاب وتفاصيل هذا الباب مذكورة في كتب الفقهاء والله
أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ومن كفر فان الله غني عن العالمين) وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ في هذه الآية قولان :
القول الأول ﴾ أنها كلام مستقل بنفسه ووعيد عام في حق كل من كفر بالله ولا تعلق
له بما قبله .

١٦٩
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((ومن كفر)) الآية
القول الثاني ﴾ أنه متعلق بما قبله والقائلون بهذا القول منهم من حمله على تارك الحج
ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج ، أما الذين حملوه على تارك الحج فقد عولوا فيه
على ظاهر الآية فانه لما تقدم الأمر بالحج ثم أتبعه بقوله ( ومن كفر ) فهم منه أن هذا الكفر
ليس إلا ترك ما تقدم الأمر به ثم انهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار ، روى عن النبي مل أنه قال
((من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً)) وعن أبي أمامة قال : قال النبي
حَرّة ((من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز
فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً)) وعن سعيد بن جبير : لو مات جار لي وله ميسرة
ولم يحج لم أصل عليه ، فان قيل : كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج ؟
أجاب القفال رحمه الله تعالى عنه : يجوز أن يكون المراد منه التغليظ، أي قد قارب
الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج ، ونظيره قوله تعالى ( وبلغت القلوب الحناجر ) أي
كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام ((من ترك صلاة متعمداً فقد كفر)) وقوله عليه
الصلاة والسلام (( من أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد كفر)) وأما الأكثرون: فهم الذين
حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج ، قال الضحاك : لما نزلت آية الحج جمع
الرسول - أهل الأديان الستة المسلمين ، والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين
فخطبهم وقال: ((إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا)) فآمن به المسلمون وكفرت به
الملل الخمس ، وقالوا : لا نؤمن به ، ولا نصلي إليه ، ولا نحجه ، فأنزل الله تعالى قوله ( ومن
"كفر فإن الله غني عن العالمين ) وهذا القول هو الأقوى .
المسألة الثانية﴾ اعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان ، منها ما يكون أصله
معقولا إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فان أصلها معقول وهو تعظيم الله أما
كيفية الصلاة فغير معقولة ، وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقير وكيفيتها غير معقولة ،
والصوم أصله معقول ، وهو قهر النفس وكيفيته غير معقولة ، أما الحج فهو سفر إلى موضع
معين على كيفيات مخصوصة ، فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معقولة وأصلها غير
معلومة .
إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال
العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول ، وذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل
أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع فيه ، أما الآتي بالنوع الثاني فانه لا يأتي به إلا
لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية ، فلاجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على
أنواع كثيرة من التوكيد ( أحدها) قوله ( ولله على الناس حج البيت ) والمعنى أنه سبحانه لكونه
إلهاً ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا ( وثانيها )

١٧٠
قوله تعالى : ((قليا أهل الكتاب لم تكفرون )) الآية
سورة آل عمران
قُلْ يَأْهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِغَيْتِ اللهِ وَ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ( #)
قُلْ يَأْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ تَّغُونَهَا عَوَجًا وَأَنْتُمُ
شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِفَغِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
أنه ذكر ( الناس ) ثم أبدل منه ( من استطاع إليه سبيلا ) وفيه ضربان من التأكيد ، أما أولا
فلان الابدال تثنية للمراد وتكرير ، وذلك يدل على شدة العناية ، وأما ثانياً فلأنه أجمل أولا
وفصل ثانياً وذلك يدل على شدة الاهتمام ( وثالثها ) أنه سبحانه عبر عن هذا الوجوب بعبارتين
( إحداهما ) لام الملك في قوله ( ولله) ( وثانيتهما ) كلمة (على ) وهي الموجوب في قوله ( ولله
على الناس) (ورابعها) أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه ، وتعميم
التكليف يدل على شدة الاهتمام (وخامسها ) أنه قال ( ومن كفر ) مكان ، ومن لم يحج وهذا
تغليظ شديد في حق تارك الحج ( وسادسها ) ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط
والخذلان (وسابعها) قوله ( عن العالمين ) ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن
يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته ، فكان ذلك أدل على السخط ( وثامنها )
أن في أول الآية قال ( ولله على الناس ) فبين أن هذا الايجاب كان لمجرد عزة الالهية وكبرياء
الربوبية ، لا لجر نفع ولا لدفع ضر، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله ( فان الله غني عن
العالمين) ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج ، قوله عليه الصلاة والسلام ((حجوا قبل
أن لا تحجوا فانه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث)) وروى (( حجوا قبل أن لا تحجوا
حجوا قبل أن يمنع البرجانبه)) قيل : معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الا من
أوغيره، وعن ابن مسعود ((حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا
هلكت )) .
قوله تعالى ﴿ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهید علی ما تعملون ، قل یا
أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء وما الله بغافل عنما
تعملون ﴾ .
اعلم أن في كيفية النظم وجهين ( الأول ) وهو الأوفق : أنه تعالى لما أورد الدلائل على
نبوة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه ، ثم ذكر عقيب
ذلك شبهات القوم .
فالشبهة الأولى ﴾ ما يتعلق بانكار النسخ .

قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لم تكفرون .)) الآية سورة آل عِمْران ١٧١
وأجاب عنها بقوله ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) .
والشبهة الثانية ﴾ ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها.
وأجاب عنها بقوله ( إن أول بيت وضع للناس ) إلى آخرها ، فعند هذا تمت وظيفة
الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال ، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال
( لم تكفرون بآيات الله) بعد ظهور البينات وزوال الشبهات ، وهذا هو الغاية القصوى في
ترتيب الكلام وحسن نظمه .
﴿ الوجه الثاني﴾ وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج، والقوم كانوا
عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم ( لم تكفرون بآيات الله ) بعد أن
علمتم كونها حقة صحيحة .
واعلم أن المبطل إما أن يكون ضالا فقط، وإما أن يكون مع كونه ضالا يكون مضلا ،
والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل
الرفق واللطف .
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله) واختلفوا فيمن المراد
بأهل الكتاب ، فقال الحسن : هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته ، واستدل
عليه بقوله ( وأنتم شهداء ) وقال بعضهم : بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا
فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر .
فان قيل : ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟ .
قلنا لوجهين ( الأول) أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على
صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم أجاب عن شبههم في ذلك ، ثم لما تم ذلك
خاطبهم فقال ( يا أهل الكتاب ) فهذا الترتيب الصحيح ( الثاني ) أن معرفتهم بآيات الله
أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوة ، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق
الرسول والبشارة بنبوته .
المسألة الثانية ﴾ قالت المعتزلة في قوله تعالى (لم تكفرون بآيات الله) دلالة على أن
الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم على طولهم وصحتهم
ومرضهم .

١٧٢
قوله تعالى: ((والله شهيد على ما تعملون)) الآية
سورة آل عمران
( والجواب عنه) المعارضة بالعلم والداعي .
﴿ المسألة الثالثة﴾ المراد (من آيات الله) الآيات التي نصبها الله تعالى على نبوة محمد
عليه الصلاة والسلام ، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوة محمد عليه الصلاة
والسلام .
ثم قال ( والله شهيد على ما تعملون ) الواو للحال والمعنى : لم تكفرون بآيات الله التي
دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم
عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته .
ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة
المسلمين فقال ( قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ) قال الفراء : يقال
صددته أصده صداً وأصددته اصداداً ، وقرأ الحسن ( تصدون ) بضم التاء من أصده ، قال
المفسرون : وكان صدهم عن سبيل الله بالقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من
المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته مشير في كتابهم .
ثم قال ( تبغونها عوجا ) العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى ، وهو
الدين والقول ، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه: عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة ،
قال ابن الانباري : البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك : بغيت
المال والأجر والثواب وأريد ههنا : تبغون لها عوجا، ثم أسقطت اللام كما قالوا : وهبتك
درهماً أي وهبت لك درهماً ، ومثله صدت لك ظبياً وأنشد :
اظبياً أصيدكم أم حماراً
فتولى غلامهم ثم نادى
أراد أصيد لكم والهاء في ( تبغونها ) عائدة إلى ( السبيل ) لأن السبيل يؤنث ويذكر
و( العوج) يعني به الزيغ والتحريف، أي تلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي
توردونها على الضعفة نحوقولهم : النسخ يدل على البداء وقولهم : إنه ورد في التوراة أن شريعة
موسى عليه السلام باقية إلى الأبد ، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون ( عوجاً) في موضع الحال
والمعنى : تبغونها ضالين وذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقال الله
تعالى : إنكم تبغون سبيل الله ضالين وعلى هذا القول لا يحتاج إلى إضمار اللام في تبغونها.
ثم قال ( وأنتم شهداء ) وفيه وجوه ( الأول ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني
أنتم شهداء أن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام ( الثاني ) وأنتم شهداء

١٧٣
سورة آل عمران
قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا)) الآية
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِ يقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ يُدُّ وكُم بَعْدَ إِيَِكُمْ
گئفرِینَ
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ ثُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَ ايَنْتُ الَّهِ وَفِكُمْ رَسُولُهُ.
١٠
وَمَنْ يَعْتَصِم بِلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم
على ظهور المعجزات على نبوته وي ليه (الثالث) وأنتم شهداء أنه لا يجوز الصد عن سبيل الله
( الرابع ) وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ويعولون على شهادتكم في
عظام الأمور وهم الأحبار والمعنى : أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل
والكذب والضلال والإضلال .
ثم قال ( وما الله بغافل عما تعملون ) والمراد التهديد ، وهو كقول الرجل لعبده ، وقد
أنكر طريقة لا يخفي على ما أنت عليه ولست غافلا عن أمرك وإنما ختم الآية الأولى بقوله ( ولله
شهيد) وهذه الآية بقوله ( وما الله بغافل عما تعملون ) وذلك لأنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوة
محمد ◌َّ وما كانوا يظهرون القاء الشبه في قلوب المسلمين ، بل كانوا يحتالون في ذلك بوجوه
الحيل فلا جرم قال فيما أظهر وه ( والله شهيد) وفيما أضمروه ( وما الله بغافل عما تعملون ) وإنما
كرر في الآيتين قوله ( قل يا أهل الكتاب ) لأن المقصود التوبيخ على ألطف الوجوه ، وتكرير
هذا الخطاب اللطيف أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريقتهم في الضلال والإضلال وأدل
على النصح لهم في الدين والإشفاق .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد
إيمانكم كافرين ، وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد
هدى إلى صراط مستقيم ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما حذر الفريق من أهل الكتاب في الآية الأولى عن الإغواء والإضلال
حذر المؤمنين في هذه الآية عن إغوائهم وإضلالهم ومنعهم عن الالتفات إلى قولهم ، روى أن
شاس ابن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد ، فاتفق
أنه مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج فرآهم في مجلس لهم يتحدثون ،
وكان قد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإِسلام ، فشق ذلك على اليهودي

١٧٤
قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله)) الآية
سورة آل عِمْران
فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك
الحروب من الأشعار فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح، فوصل الخبر إلى النبي عليه
السلام ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، وقال : أترجعون إلى أحوال
الجاهلية وأنا بين أظهركم ، وقد أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم فعرف القوم أن ذلك
كان من عمل الشيطان ، ومن كيد ذلك اليهودي ، فالقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً، ثم
انصرفوا مع رسول الله ◌َّه، فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخراً من ذلك اليوم ، فأنزل الله
تعالى هذه الآية فقوله ( إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ) يحتمل أن يكون المراد هذه
الواقعة ، ويحتمل أن يكون المراد جميع ما يحاولونه من أنواع الاضلال، فبين تعالى أن المؤمنين
إن لانوا وقبلوا منهم قولهم أدى ذلك حالا بعد حال إلى أن يعودوا كفاراً، والكفر يوجب
الهلاك في الدنيا والدين ، أما في الدنيا فبوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة وثوران
المحاربة المؤدية إلى سفك الدماء ، وأما في الدين فظاهر .
ثم قال تعالى ( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ) وكلمة
( كيف) تعجب ، والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب ، وذلك على الله محال ، والمراد منه
المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة آيات الله عليهم حالاً بعد حال مع كون الرسول فيهم الذي
يزيل كل شبهة ويقرر كل حجة ، كالمانع من وقوعهم في الكفر ، فكان صدور الكفر على
الذين كانوا بحضرة الرسول أبعد من هذا الوجه ، فقوله ( إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا
الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود والمنافقين أن
يردوا المسلمين عن الإسلام ثم أرشد المسلمين إلى أنه يجب أن لا يلتفتوا إلى قولهم ، بل الواجب
أن يرجعوا عند كل شبهة يسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول مثله، حتى يكشف عنها
ويزيل وجه الشبهة فيها .
ثم قال ( ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم ) والمقصود : إنه لما ذكر الوعيد
أردفه بهذا الوعد ، والمعنى: ومن يتمسك بدين الله ، ويجوز أن يكون حثالهم على الإلتجاء
إليه في دفع شرور الكفار والاعتصام في اللغة الاستمساك بالشيء وأصله من العصمة ،
والعصمة المنع في كلام العرب ، والعاصم المانع ، واعتصم فلان بالشيء إذا تمسك بالشي في
منع نفسه من الوقوع في آفة ، ومنه قوله تعالى ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) قال قتادة :
ذكر في الآية أمرين يمنعان عن الوقوع في الكفر ( أحدهما ) تلاوة كتاب الله ( والثاني ) كون
الرسول فيهم ، أما الرسول مَّ# فقد مضى إلى رحمة الله ، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر .
وأما قوله ( فقد هدى إلى صراط مستقيم ) فقد احتج به اصحابنا على أن فعل العبد

١٧٥
قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا)) الآية سورة آل عِمْران
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّ وَأَنتُ مُسْلِمُونَ (٨) وَأَعْتَصِمُواْ
يَحْلِ الله ◌َخِيعًا وَلَا تَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الَّهِ عَيْكُمْ إِذْ كُمْأَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ، إِخْوَنًا وَكُنتُمْ عَى شَفَاءُفْرَةٍ مِنَ النَّارٍ فَأَنْقَدَ كُمْمِنْهَا
كَالِكَ يُسَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
مخلوق لله تعالى، قالوا : لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله ، فلما جعل ذلك الاعتصام فعلا
لهم وهداية من الله ثبت ما قلناه ، أما المعتزلة فقد ذكروا فيه وجوها ( الأول ) أن المراد بهذه
الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على اداء الطاعات كما قال تعالى ( يهدي به الله من اتبع
رضوانه سبل السلام) وهذا اختاره القفال رحمه الله (والثاني ) أن التقدير من يعتصم بالله
فنعم ما فعل فانه انما هدى إلى الصراط المستقيم ليفعل ذلك ( الثالث ) أن من يعتصم بالله فقد
هدى إلى طريق الجنة ( والرابع ) قال صاحب الكشاف ( فقد هدى ) أي فقد حصل له الهدى
لا محالة ، كما تقول : إذا جئت فلانا فقد أفلحت ، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلا
وذلك لأن المعتصم بالله متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ،
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم
فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفاً حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته
لعلكم تهتدون ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما حذر المؤمنين من إضلال الكفار ومن تلبيساتهم في الآية الأولى أمر
المؤمنين في هذه الآيات بمجامع الطاعات ، ومعاقد الخيرات . فأمرهم أولا بتقوى الله وهو قوله
( اتقوا الله) وثانياً بالاعتصام بحبل الله، وهو قوله (واعتصموا بحبل الله ) وثالثاً بذكر نعم
الله وهو قوله ( واذكروانعمة الله عليكم ) والسبب في هذا الترتيب أن فعل الإنسان لا بد وأن
يكون معللاً، إما بالرهبة وإما بالرغبة ، والرهبة مقدمة على الرغبة ، لأن دفع الضرر مقدم
على جلب النفع ، فقوله ( اتقوا الله حق تقاته ) إشارة إلى التخويف من عقاب الله تعالى ، ثم
جعله سبباً للأمر بالتمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله ، ثم أردفه بالرغبة ، وهي قوله
الفخر الرازي ج٨ م ١٢

١٧٦
قوله تعالى: (( يا ايها الذين آمنوا)) الآية
سورة آل عمران
( واذكروانعمة الله عليكم ) فكأنه قال : خوف عقاب الله يوجب ذلك ، وكثرة نعم الله توجب
ذلك فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر الله
ووجوب طاعتكم لحكم الله ، فظهر بما ذكرناه أن الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية مرتبة
على أحسن الوجوه ، ولنرجع إلى التفسير :
أما قوله تعالى ( اتقوا الله حق تقاته ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال بعضهم هذه الآية منسوخة وذلك لما يروى عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين لأن حق تقاته : أن يطاع فلا
يعصى طرفة عين ، وأن يشكر فلا يكفر ، وأن يذكر فلا ينسى ، والعباد لا طاقة لهم بذلك ،
فأنزل الله تعالى بعد هذه ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ونسخت هذه الآية أولها ولم ينسخ آخرها
وهو قوله ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) وزعم جمهور المحققين أن القول بهذا النسخ باطل
واحتجوا عليه من وجوه ( الأول) ما روى عن معاذ أنه عليه السلام قال له (( هل تدري ما حق
الله على العباد؟)) قال الله ورسوله أعلم، قال: هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)) وهذا لا
يجوز أن ينسخ ( الثاني ) أن معنى قوله ( اتقوا الله حق تقاته ) أي كما يحق أن يتقي ، وذلك
بأن يجتنب جميع معاصيه ، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي ، وإذا
كان كذلك صار معنى هذا ومعنى قوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) واحدا لأن من اتقى الله
ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته ، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله ( حق تقاته ) ما لا يستطاع من
التقوى ، لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة ونظير هذه
الآية قوله ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) .
فان قيل : أليس أنه تعالى قال ( وما قدروا الله حق قدره ) .
قلنا : سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع وكلها في صفة
الكفار لا في صفة المسلمين ؛ أما الذين قالوا : إن المراد هو أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح
والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو والنسيان فغير فادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه
الأوقات ، وكذلك قوله : أن يشكر فلا يكفر ، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم الله
بالبال ، فاما عند السهوفلا يجب ، وكذلك قوله : أن يذكر فلا ينسى ، فان هذا إنما يجب عند
الدعاء والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق ، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ .
قال المصنف رضي الله تعالى عنه ، أقول : للأولين أن يقرروا قولهم من وجهين
( الأول ) أن كنه الإلهية غير معلوم للخلق ، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً

قوله تعالى: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً)) الآية سورة آل عِمْران ١٧٧
للخلق ، وإذا لم يحصل العلم بذلك لم يحصل الخوف اللائق بذلك فلم يحصل الاتقاء اللائق
به ( الثاني ) أنهم أمروا بالاتقاء المغلظ والمخفف معاً فنسخ المغلظ وبقي المخفف، وقيل : إن
هذا باطل ، لأن الواجب عليه أن يتقي ما أمكن والنسخ إنما يدخل في الواجبات لا في النفي ،
لأنه يوجب رفع الحجر عما يقتضى أن يكون الإنسان محجوراً عنه وإنه غير جائز .
المسألة الثانية) قوله تعالى ( حق تقاته ) أي كما يجب أن يتقي يدل عليه قوله تعالى
( حق اليقين) ويقال: هو الرجل حقاً، ومنه قوله عليه السلام ((أنا النبي لا كذب ، أنا ابن
عبد المطلب)) وعن علي رضي الله عنه أنه قال : أنا علي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ، والتقي
اسم الفعل من قولك اتقيت ، كما أن الهدى اسم الفعل من قولك اهتديت .
أما قوله تعالى ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فلفظ النهي واقع على الموت ، لكن
المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام ، وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا
أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في
إمكانهم ، ومضى الكلام في هذا عند قوله ( إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم
مسلمون ) .
ثم قال تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ) .
واعلم أنه تعالى لما أمرهم بالأتقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك بالإعتصام بما هو
كالأصل لجميع الخيرات والطاعات ، وهو الأعتصام بحبل الله .
واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله ، فإذا تمسك بحبل مشدود
الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف، ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق ، وقد
انزلق رجل الكثير من الخلق عنه ، فمن اعتصم بدليل الله وبيناته فانه يأمن من ذلك الخوف،
فكان المراد من الحبل ههنا كل شيء يمكن التوصل به إلى الحق في طريق الدين ، وهو أنواع
كثيرة ، فذكر كل واحد من المفسرين واحداً من تلك الأشياء ، فقال ابن عباس رضى الله
عنهما : المراد بالحبل ههنا العهد المذكور في قوله ( وأفوا بعهدي أوف بعهدكم ) وقال ( إلا.
بحبل من الله وحبل من الناس ) أي بعهد ، وإنما سمي العهد حبلاً لأنه يزيل عنه الخوف من
الذهاب إلى أي موضع شاء ، وكان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف، وقيل : إنه
القرآن، روى عن علي رضي الله عنه عن النبي وسلم أنه قال ((أما إنها ستكون فتنة)) قيل: فما
المخرج منها ؟ قال (( كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل
الله المتين)) وروى عن ابن مسعود عن النبي ◌َلل أنه قال ((هذا القرآن حبل الله)) وروى عن

١٧٨
قوله تعالى: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً)) الآية
سورة آل عمران
أبي سعيد الخدري عن النبي ◌ّلل أنه قال ((إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله تعالى حبل ممدود
من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي)) وقيل: إنه دين الله ، وقيل : هو طاعة الله ،
وقيل : هو إخلاص التوبة ، وقيل : الجماعة ، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله (ولا تفرقوا )
وهذه الأقوال كلها متقاربة ، والتحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزاً
من السقوط فيها ، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزاً لصاحبه
من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلاً لله ، وأمروا بالإعتصام به .
ثم قال تعالى ( ولا تفرقوا ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في التأويل وجوه (الأول) أنه نهى عن الاختلاف في الدين وذلك
لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما عداه يكون جهلاً وضلالاً ، فلما كان كذلك وجب أن
يكون النهي عن الاختلاف في الدين ، وإليه الإِشارة بقوله تعالى ( فماذا بعد الحق إلا الضلال )
(والثاني ) أنه نهى عن المعاداة والمخاصمة ، فانهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة
والمنازعة فنهاهم الله عنها ( الثالث ) انه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة والمحبة .
واعلم أنه روى عن النبي ◌َّلإر أنه قال (( ستفترق أمتى على نيف وسبعين فرقة الناجي
منهم واحد والباقي في النار فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال الجماعة)) وروى ((السواد
الأعظم)) وروى (( ما أنا عليه واصحابي)) والوجه المعقول فيه : أن النهي عن الاختلاف
والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً، وإذا كان كذلك كان الناجي واحداً.
المسألة الثانية﴾ استدلت نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن
يقال : إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية ، فان كان الأول
امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن ، لأن الدليل الظني لا يكتفي به في الموضع
اليقيني ، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف
ووقوع النزاع ، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهياً عنه ، لكنه منهى عنه لقوله
تعالى ( ولا تفرقوا) وقوله (ولا تنازعوا) ولقائل أن يقول: الدلائل الدالة على العمل
بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله ( ولا تفرقوا ) ولعموم قوله ( ولا تنازعوا ) والله أعلم .
ثم قال تعالى (واذكروا نعمة الله عليكم ) واعلم أن نعم الله على الخلق إما دنيوية وإما
أخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية ، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى ( إذ كنتم أعداء
فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخروج وهم كل

١٧٩
قوله تعالى: ((واذكروا نعمة الله عليكم)) الآية سورة آل عِمْران
واحد منهما بمحاربة صاحبه ، فخرج الرسول وق لقه ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان
الأوس والخزرج أخوين لأب وأم ، فوقعت بينهما العداوة ، وتطاولت الحروب مائة وعشرين
سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام ، فالآية إشار إليهم وإلى أحوالهم ، فإنهم قيل الإسلام
كان يحارب بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً ، فلما أكرمهم الله تعالى بالإِسلام صاروا
إخواناً متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله : ونظير هذه الآية قوله ( لو أنفقت ما في
الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) .
واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق ، ومن كان وجهه إلى
خدمة الله تعالى لم يكن معادياً لأحد ، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل
أسيراً في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحداً، ولهذا قيل : إن العارف إذا أمر برفق ويكون
ناصحاً لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر الله في القدر .
المسألة الثانية ﴾ قال الزجاج: أصل الأخ في اللغة من التوخي وهو الطلب فالأخ
مقصده مقصد أخيه ، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في
قلبه ، ولا يخفي عنه شيئاً وقال أبو حاتم قال أهل البصرة : الاخوة في النسب والاخوان في
الصداقة ، قال وهذا غلط، قال الله تعالى ( إنما المؤمنون إخوة ) ولم یعن النسب ، وقال ( أو
بيوت إخوانكم ) وهذا في النسب .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( فأصبحتم بنعمته إخواناً) يدل على أن المعاملات الحسنة
الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله ، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم
وكانت تلك الداعية نعمة من الله؛ مستلزمة لحصول الفعل ، وذلك يبطل قول المعتزلة في
خلق الأفعال ، قال الكعبي : إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف .
قلنا : كل هذا حاصلاً في زمان حصول المحاربات والمقاتلات ، فاختصاص أحد
الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم .
ثم قال تعالى ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) .
واعلم أنه تعالى لما شرح النعمة الدنيوية ذكر بعدها النعمة الأخروية ، وهي ما ذكره في
آخر هذه الآية ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم ، لأن جهنم مشبهة
بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار ، والمصير

١٨٠
قوله تعالى: ((ولتكن منكم أمة)) الآية سورة آل عِمْران
منهم إلى حفرتها ، فبين تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة ، وقد قربوا من الوقوع فيها .
قالت المعتزلة : ومعنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام وسائر ألطافه
حتى آمنوا قال أصحابنا : جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن والكافر ، فلو كان فاعل
الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار ، والله تعالى حكم بأنه هو
الذي أنقذهم من النار ، فدل هذا على أن خالق أفعال العباد هو الله سبحانه وتعالى .
المسألة الثانية ﴾ شفا الشيء حرفه مقصور، مثل شفا البئر والجمع الإشقاء ، ومنه
يقال : أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه ، أي حده وحرفه وقوله ( فأنقذكم
منها ) قال الأزهري ؛ يقال نقذته وأنقذته واستنقذته ، أي خلصته ونجيته .
وفي قوله ( فأنقذكم منها ) سؤال وهو : أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه
وهم كانوا على شفا حفرة ، وشفا الحفرة مذكر فكيف قال منها ؟
وأجابوا عنه من وجوه ( الأول ) الضمير عائد إلى الحفرة ولما أنقذهم من الحفرة فقد
أنقذهم من شفا الحفرة لأن شفاها منها ( والثاني ) أنها راجعة إلى النار ، لأن القصد الإنجاء
من النار لا من شفا الحفرة ، وهذا قول الزجاج ( الثالث ) أن شفا الحفرة ، وشفتها طرفها ،
فجاز أن يخبر عنه بالتذكير والتأنيث .
المسألة الثالثة﴾ أنهم لو ماتوا على الكفر لوقعوا في النار ، فمثلت حياتهم التي يتوقع
بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها ، وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة ، فانه ليس بين
الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء ، وبين ذلك الشيء ، ثم
قال ( کذلك یبین الله) الکاف في موضع نصب ، أي مثل البیان المذکور یبین الله لكم سائر
الآيات لكي تهتدوا بها ، قال الجبائي : الآية تدل على أنه تعالى يريد منهم الإهتداء ، أجاب
الواحدي عنه في البسيط فقال : بل المعنى لتكونوا على رجاء هداية .
وأقول : وهذا الجواب ضعيف لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ذلك الرجاء
ومن المعلوم أن على مذهبنا قد لا يريد ذلك الرجاء ، فالجواب الصحيح أن يقال كلمة ( لعل )
للترجي ، والمعنى أنا فعلنا فعلا يشبه فعل من يترجى ذلك والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر