Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
قوله تعالى ((واعف عنا واغفر لنا)) الآية سورة البَقَرة
وَأَعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَآ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
٢٨٩
مفصل لم يجب تركه في سائر الصور بغير دليل وبالله التوفيق .
٠
المسألة الثالثة ﴾ اعلم أنه بقي في الآية سؤالات :
السؤال الأول﴾ لم قال في الآية الأولى ( لا تحمل علينا إصرا) وقال في هذه الآية ( لا
تحملنا ) خص ذلك بالحمل وهذا بالتحميل .
( الجواب ) أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدوراً لا يمكن حمله ، فالحاصل فيما لا
يطاق هو التحميل فقط أما الحمل فغير ممكن وأما الشاق فالحمل والتحميل يمكنان فيه ، فلهذا
السبب خص الآية الأخيرة بالتحميل .
: السؤال الثاني ﴾ أنه لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق قوله (ولا تحمل علينا إصرا)
كان من لوازمه أن لا يكلفه ما لا يطاق ، وعلى هذا التقدير كان عكس هذا الترتيب أولى ..
( والجواب ) الذي أتخيله فيه والعلم عند الله تعالى أن للعبد مقامين ( أحدهما ) قيامه
بظاهر الشريعة ( والثاني ) شروعه في بدء المكاشفات ، وذلك هو أن يشتغل بمعرفة اللّه وخدمته
وطاعته وشكر نعمته ففي المقام الأول طلب ترك التشديد ، وفي المقام الثاني قال : لا تطلب
مني حمداً يليق بجلالك ، ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك ،
فان ذلك لا يليق بذكرى وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك ، ولما كانت الشريعة متقدمة على
الحقيقة لا جرم كان قوله ( ولا تحمل علينا إصراً) مقدماً في الذكر على قوله (ولا تحملنا ما لا طاقة
لنا به ).
السؤال الثالث﴾ أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع بأنهم قالوا
( لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ، ولا
تحملنا ما لا طاقة لنا به ) فما الفائدة في هذه الجمعية وقت الدعاء؟.
( والجواب ) المقصود منه بيان أن قبول الدعاء عند الإجتماع أكمل وذلك لأن للهمم
تأثيرات فاذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل .
قوله تعالى ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ﴾.
الفخر الرازي ج ٧م ١١

١٦٢
قوله تعالى ((واعف عنا واغفر لنا)) سورة البقرة
اعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ
(ربنا) وأما هذا الدعاء الرابع ، فقد حذف منه لفظ ( ربنا) وظاهره يدل على طلب الفعل
ففيه سؤالان :
· السؤال الأول ﴾ لم لم يذكر ههنا لفظ ربنا؟.
( الجواب ) النداء إنما يحتاج إليه عند البعد ، أما عند القرب فلا وإنما حذف النداء
إشعاراً بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى وهذا سرعظيم يطلع منه على
أسرار أخر .
السؤال الثاني ﴾ ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة؟.
( الجواب ) أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صوناً له من
عذاب التخجيل والفضيحة ، كأن العبد يقول : أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره
على فان الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة ،
والأول هو العذاب الجسماني ، والثاني هو العذاب الروحاني ، فلما تخلص منهما أقبل على
طلب الثواب ، وهو أيضاً قسمان : ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها ، وثواب
روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال الله تعالى ، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله
وذلك بأن يصير غائباً عن كل ما سوى الله تعالى ، مستغرقاً بالكلية في نور حضور جلال الله
تعالى ، فقوله ( وارحمنا) طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك ( أنت مولانا) طلب للثواب
الروحاني ، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله تعالى لأن قوله ( أنت مولانا ) خطاب
الحاضرين ، ولعل كثيراً من المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات ، ويقولون : إنها من باب
الطاعات ، ولقد صدقوا فيما يقولون ، فذلك مبلغهم من العلم ( إن ربك هو أعلم بمن ضل
عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) .
وفي قوله ( أنت مولانا ) فائدة أخرى ، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع
والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها ، وهو المعطى لكل مكرمة
يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة
الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه ، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا باصلاح
مولاه ، فهو سبحانه قيوم السماوات والأرض ، والقائم باصلاح مهمات الكل ، وهو المتولي في
الحقيقة للكل، على ما قال ( نعم المولى ونعم النصير ) ونظير هذه الآية ( الله ولي الذين آمنوا )
أي ناصرهم ، وقوله ( فإن الله هو مولاه ) أي ناصره ، وقوله ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا

١٦٣
قوله تعالى ((فانصرنا على القوم الكافرين)) سورة البقرة
وأن الكافرين لا مولى لهم ) .
ثم قال ( فانصرنا على القوم الكافرين ) أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي:
مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال ( ليظهره على الدين:
كله ) ومن المحققين من قال ( فانصرنا على القوم الكافرين ) المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية
الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله ، وهذا آخر السورة.
وروى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسرى بالنبي ◌َّة إلى السماء أعطى
خواتيم سورة البقرة ، فقالت الملائكة : إن الله عز وجل قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله
( آمن الرسول ) فسله وارغب إليه ، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو، فقال
محمد ◌َّة (غفرانك ربنا وإليك المصير) فقال الله تعالى ((قد غفرت لكم)) فقال ز لا تؤاخذنا)
فقال الله (( لا أؤاخذكم)) فقال (ولا تحمل علينا إصراً) فقال ((لا أشدد عليكم)) فقال محمد
(ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) فقال ((لا أحملكم ذلك)) فقال محمد ( واعف عنا واغفر لنا
وارحمنا) فقال الله تعالى ((قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم
الكافرين)) وفي بعض الروايات أن محمد ◌ً تٍَّ كان يذكر هذه الدعوات، والملائكة كانوا يقولون
آمين .
وهذا المسكين البائس الفقير كاتب هذه الكلمات يقول : إلهي وسيدي كل ما طلبته
وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك ، فإِن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله من هذا المكدى
بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك يا من لا يبرمه إلحاح الملحين ، ولا يشغله
سؤال السائلين وهذا آخر الكلام في تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على
سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلم .

١٦٤
قوله تعالى ((ألم، الله لا إله إلا هو)) الآية سورة آل عِمْران
(٣) سُورة آلعْانْ مَدنيَّة
وآياتها فائتاتْ
مدنية وآياتها مائتان نزلت بعد الانفال
١٤
٠١
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ
الّر
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الم، الله) لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.
أما تفسير ( الم ) فقد تقدم في سورة البقرة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم ( الم ، الله) بسكون الميم ، ونصب
همزة : الله، والباقون موصولا بفتح الميم ، أما قراءة عاصم فلها وجهان ( الأول ) نية الوقف
ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء ( والثاني ) أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل ،
فمن فصل وأظهر الهمزة فالتفخيم والتعظيم ، وأما من نصب الميم ففيه قولان :
﴿ القول الأول﴾ وهو قول الفراء واختيار كثير من البصريين أن أسماء الحروف موقوفة
الأواخر ، يقول : ألف، لام، ميم ، كما تقول : واحد ، اثنان ، ثلاثة ، وعلى هذا التقدير
وجب الابتداء بقوله : الله ، فاذا ابتدأنا به نثبت الهمزة متحركة ، إلا أنهم أسقطوا الهمزة

١٦٥
قوله تعالى ((ألم، الله لا إله إلا هو)) سورة آل عِمْران
للتخفيف ، ثم ألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه
اللفظة مبتدأ بها .
فان قيل : إن كان التقدير فصل إحدى الكلمتين عن الأخرى امتنع إسقاط الهمزة ،
وإن كان التقدير هو الوصل امتنع بقاء الهمزة مع حركتها ، وإذا امتنع بقاؤها امتنعت حركتها ،
وامتنع إلقاء حركتها على الميم .
قلنا : لم لا يجوز أن يكون ساقطاً بصورته باقياً بمعناه فأبقيت حركتها لتدل على بقائها في
المعنى هذا تمام تقرير قول الفراء .
القول الثاني ﴾ قول سيبويه، وهو أن السبب في حركة الميم التقاء الساكنين ، وهذا
القول رده كثير من الناس ، وفيه دقة ولطف، والكلام في تلخيصه طويل .
وأقول : فيه بحثان ( أحدهما ) سبب أصل الحركة ( والثاني ) كون تلك الحركة
فتحة .
أما البحث الأول ﴾ فهو بناء على مقدمات :
المقدمة الأولى﴾ أن الساكنين إذا اجتمعا فان كان السابق منهما حرفاً من حروف المد
واللين لم يجب التحريك ، لأنه يسهل النطق بمثل هذين الساكنين ، كقولك : هذا إبراهيم
وإسحاق ويعقوب موقوفة الأواخر، أما إذا لم يكن كذلك وجب التحريك لأنه لا يسهل
النطق بمثل هذين ، لأنه لا يمكن النطق إلا بالحركة .
المقدمة الثانية ﴾ مذهب سيبويه أن حرف التعريف هي اللام وهي ساكنة ، والساكن
لا يمكن الابتداء به فقدموا عليها همزة الوصل وحركوها ليتوصلوا بها إلى النطق باللام ، فعلى
هذا إن وجدوا قبل لام التعريف حرفاً آخر فان كان متحركاً توصلوا به إلى النطق بهذه اللام
الساكنة وإن كان ساكناً حركوه وتوصلوا به إلى النطق بهذه اللام ، وعلى هذا التقدير يحصل
الاستغناء عن همزة الوصل لأن الحاجة إليها أن يتوصل بحركتها إلى النطق باللام ، فاذا حصل
حرف آخر توصلوا بحركته إلى النطق بهذه اللام ، فتحذف هذه الهمزة صورة ومعنى ، حقيقة
وحكماً ، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : ألقيت حركتها على الميم لتدل تلك الحركة على كونها
باقية حكماً ، لأن هذا إنما يصار إليه حيث يتعلق بوجوده حكم من الأحكام ، أو أثر من
الآثار ، لكنا بينا أنه ليس الأمر كذلك فعلمنا أن تلك الهمزة سقطت بذاتها وبآثارها سقوطاً
كلياً ، وبهذا يبطل قول الفراء .

١٦٦
قوله تعالى ((ألم، الله لا إله إلا هو سورة آل عمران
المقدمة الثالثة ﴾ أسماء هذه الحروف موقوفة الأواخر، وذلك متفق عليه.
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الميم من قولنا ( الم ) ساكن ولام التعريف من قولنا
( الله) ساكن، وقد اجتمعا فوجب تحريك الميم ، ولزم سقوط الهمزة بالكلية صورة ومعنى ،
وصح بهذا البيان قول سيبويه ، وبطل قول الفراء.
أما البحث الثاني ﴾ فلقائل أن يقول: الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر، فلم اختير
الفتح ههنا ، قال الزجاج في الجواب عنه : الكسرههنا لا يليق ، لأن الميم من قولنا ( الم )
مسبوقة بالياء فلو جعلت الميم مكسورة لاجتمعت الكسرة مع الياء وذلك ثقيل ، فتركت الكسرة
واختيرت الفتحة ، وطعن أبو علي الفارسي في كلام الزجاج ، وقال : ينتقض قوله بقولنا :
جير، فان الراء مكسورة مع أنها مسبوقة بالياء ، وهذا الطعن عندي ضعيف، لأن الكسرة
حركة فيها بعض الثقل والياء أختها ، فاذا اجتمعا عظم الثقل ، ثم يحصل الانتقال منه إلى
النطق بالألف في قولك (الله) وهو في غاية الخفة، فيصير اللسان منتقلا من أثقل الحركات إلى أخف
الحركات ، والانتقال من الضد إلى الضد دفعة واحدة صعب على اللسان ، أما إذا جعلنا الميم
مفتوحة ، انتقل اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا ( الله ) فكان النطق به سهلا ، فهذا
وجه تقرير قول سيبويه والله أعلم.
المسألة الثانية ﴾ في سبب نزول أول هذه السورة قولان :
القول الأول ﴾ وهو قول مقاتل بن سليمان: أن بعض أول هذه السورة في اليهود ،
وقد ذكرناه في تفسير ( الم ذلك الكتاب ) .
والقول الثاني ﴾ من ابتداء السورة إلى آية المباهلة في النصارى ، وهو قول محمد بن
اسحق قال : قدم على رسول اللّه يَ ◌ّل وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من
أشرافهم ، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم ، أحدهم أميرهم ، واسمه عبد المسيح ، والثاني
مشيرهم وذو رأيهم ، وكانوا يقولون له : السيد ، واسمه الأيهم ، والثالث حبرهم وأسقفهم
وصاحب مدارسهم ، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل ، وملوك الروم كانوا
شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما قدموا من نجران ركب
أبو حارثة بغلته ، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة ، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت ،
فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله اليه ، فقال أبو حارثة: بل تعست أمك،
فقال : ولم يا أخي ؟ فقال : إنه والله النبي الذي كنا ننتظره ، فقال له أخوه كرز : فما يمنعك
منه وأنت تعلم هذا ، قال : لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة وأكرمونا ، فلو آمنا بمحمد
٠

١٦٧
قوله تعالى ((ألم، الله لا إله إلا هو)) سورة آل عِمْران
وَّ لأخذوا منا كل هذه الأشياء ، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز، وكان يضمره إلى أن أسلم
فكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة: الأمير، والسيد والحبر، مع رسول الله محمد على
اختلاف من أديانهم ، فتارة يقولون عيسى هو الله ، وتارة يقولون : هو ابن الله ، وتارة
يقولون: ثالث ثلاثة ، ويحتجون لقولهم : هو الله ، بأنه كان يحيى الموتى ، ويبرىء الأكمة
والأبرص ؛ ويبرىء الأسقام ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير ،
ويحتجون في قولهم : إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم ، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله
تعالى: فعلنا، وجعلنا، ولو كان واحداً لقال فعلت فقال لهم رسول الله وَله: أسلموا،
فقالوا : قد أسلمنا ، فقال ◌َّ كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون الله ولداً، وتعبدون
الصليب ، وتأكلون الخنزير، قالوا: فمن أبوه؟ فسكت رسول الله وَّر، فأنزل الله تعالى في
ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها .
ثم أخذ رسول اللّه ◌ّل يناظر معهم، فقال: ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت. وأن
عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟
قالوا بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ، فهل يملك
عيسى شيئاً من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا
في السماء ، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا : لا ، قال فان ربنا صور عيسى
في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث
الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ، ثم كان يطعم
الطعام ويشرب الشراب، ويحدث الحدث قالوا: بلى فقال ◌َله: فكيف يكون كما زعمتم ؟
فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً ، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال :
بلى ، قالوا : فحسبنا فأنزل الله تعالى ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ) الآية .
ثم إن الله تعالى أمر محمداً ◌َّ بملاعنتهم إذ ردوا عليه ذلك ، فدعاهم رسول الله إلى
الملاعنة ، فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل ، فانصرفوا
ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعض : ما ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن
محمداً نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط
إلا وفي كبيرهم وصغيرهم ، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، وأنتم قد أبيتم إلا دينكم
والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله وسلّم فقالوا: يا
أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع نحن على ديننا ، فابعث
رجلا من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا ، فانكم عندنا رضا ،

١٦٨
قوله تعالى ((ألم، الله لا إله إلا هو)) سورة آل عِمْران
فقال عليه السلام : آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين وكان عمر يقول : ما
أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فلما صلينا مع رسول اللّه مَثّل الظهر سلم
ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، وجعلت أتطاول له ليراني ، فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا
عبيدة بن الجراح ، فدعاه فقال : اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ، قال عمر :
فذهب بها أبو عبيدة.
واعلم أن هذه الرواية دالة على أن المناظرة في تقرير الدين وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام، وأن مذهب الحشوية في إنكار البحث والنظر باطل قطعاً ، والله
أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب، وذلك لأن
أولئك النصارى الذين نازعوا رسول الله لل كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في معرفة الإله ، أو
في النبوة ، فان كان النزاع في معرفة الإله وهو أنكم تثبتون له ولداً وأن محمداً لا يثبت له ولداً
فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية ، فانه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم ، والحي القيوم
يستحيل عقلا أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوة ، فهذا أيضاً باطل ، لأن بالطريق
الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد
وَلّة، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل ههنا، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوة ، فهذا هو
وجه النظم وهو مضبوط حسن جداً فلننظر ههنا إلى بحثين.
البحث الأول﴾ ما يتعلق بالإلهيات فنقول: إنه تعالى حي قيوم، وكل من كان حياً
قيوماً يمتنع أن يكون له ولد ، وإنما قلنا: إنه حي قيوم ، لأنه واجب الوجود لذاته ، وكل ما
سواه فانه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله
تعالى ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وإذا كان الكل محدثاً مخلوقاً امتنع كون شيء منها ولداً له
وإلهاً ، كما قال ( إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبداً) وأيضاً لما ثبت أن الإله
يجب أن يكون حياً قيوماً، وثبت أن عيسى ما كان حياً قيوماً لأنه ولد ، وكان يأكل ويشرب
ويحدث، والنصارى زعموا أنه قبل وما قدر على دفع القتل عن نفسه ، فثبت أنه ما كان حياً
قيوماً ، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلهاً ، فهذه الكلمة وهي قوله ( الحي القيوم)
جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث .
﴿ وأما البحث الثاني﴾ وهو ما يتعلق بالنبوة، فقد ذكره الله تعالى ههنا في غاية الحسن
ونهاية الجودة ، وذلك لأنه قال ( نزل عليك الكتاب بالحق ) وهذا يجري مجرى الدعوى ، ثم

١٦٩
قوله تعالى ((نزل عليك الكتاب بالحق)) الآية سورة آل عِمْران
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَّبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى ، فقال : وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على
أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ، فانما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان
إلهيان ، لأنه تعالى قرن بانزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقل المبطل والمعجز لما
حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقاً لا محالة ، ثم أن الفرقان
الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله ، فكذلك حصل في
كون القرآن نازلاً من عند الله وإذا كان الطريق مشتركاً ، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل
على ما هو قول البراهمة ، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين ، وأما قبول البعض ورد
البعض فذلك جهل وتقليد ، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإِله على ما جاء به
محمد عليه الصلاة والسلام، وما هو العمدة في إثبات نبوة محمد ثً لم يبق بعد ذلك عذر لمن
ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال ( إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب
شديد والله عزيز ذو انتقام ) فقد ظهر أنه لا يمكن أن يكون كلام أقرب إلى الضبط، وإلى حسن
الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام ، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه ، وله الشكر
على نعمة التي لا حد لها ولا حصر.
ولما لخصنا ما هو المقصود الكلي من الكلام فلنرجع إلى تفسير كل واحد من الألفاظ .
أما قوله ( الله لا إله إلا هو ) فهو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون بعبادة عيسى عليه
السلام فبين الله تعالى أن أحداً لا يستحق العبادة سواه .
ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال ( الحي القيوم ) فأما الحي فهو الفعال
الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته ، والقائم بتدبير الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في
معاشهم ، من الليل والنهار ، والحر والبرد ، والرياح والأمطار ، والنعم التي لا يقدر عليها
سواه ، ولا يحصيها غيره ، كما قال تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) وقرأ عمر رضي الله
عنه ( الحي القيام ) قال قتادة ، الحي الذي لا يموت ، والقيوم القائم على خلقه بأعمالهم ،
وآجالهم ، وأرزاقهم ، وعن سعيد بن جبير : الحي قبل كل حي ، والقیوم الذي لا ند له وقد
ذكرنا في سورة البقرة أن قولنا : الحي القيوم محيط بجميع الصفات المعتبرة في الإلهية ، ولما ثبت
أن المعبود يجب أن يكون حياً قيوماً ودلت البديهة والحس على أن عيسى عليه السلام ما كان حياً
قيوماً ، وكيف وهم يقولون بأنه قتل وأظهر الجزع من الموت ، علمنا قطعاً أن عيسى ما كان
إلهاً ، ولا ولداً للاله تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وأما قوله تعالى ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه﴾.

١٧٠
قوله تعالى ((نزل عليك الكتاب بالحق)) سورة آل عمران
فاعلم أن الكتاب ههنا هو القرآن ، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه ، وإنما
خص القرآن بالتنزيل ، والتوراة والإنجيل بالانزال ، لأن التنزيل للتكثير ، والله تعالى نزل
القرآن نجماً نجماً ، فكان معنى التكثير حاصلا فيه ، وأما التوراة والإنجيل فانه تعالى أنزلهما
دفعة واحدة ، فلهذا خصهما بالانزال ، ولقائل أن يقول : هذا يشكل بقوله تعالى ( الحمد لله
الذي أنزل على عبده الكتاب ) وبقوله ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) .
واعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزل بوصفين :
﴿ الوصف الأول﴾ قوله (بالحق) قال أبو مسلم: إنه يحتمل وجوهاً (أحدها) أنه
صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة ( وثانيها ) أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل
المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل
( وثالثها ) أنه حق بمعنى أنه قول فصل ، وليس بالهزل ( ورابعها ) قال الأصم : المعنى أنه
تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية ، وشكر النعمة ، وإظهار الخضوع ، وما
يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات (وخامسها ) أنزله بالحق لا
بالمعاني الفاسدة المتناقضة، كما قال ( أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً) وقال ( ولو
كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) .
والوصف الثانى ﴾ لهذا الكتاب قوله ( مصدقاً لما بين يديه) والمعنى أنه مصدق لكتب
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولما أخبروا به عن الله عز وجل ، ثم في الآية وجهان
( الأول) أنه تعالى دل بذلك على صحة القرآن ، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً
لسائر الكتب ، لأنه كان أمياً لم يختلط بأحد من العلماء ، ولا تتلمذ لأحد ، ولا قرأ على أحد
شيئاً ، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف، فلما لم يكن كذلك
ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى ( الثاني ) قال أبو مسلم : المراد منه أنه تعالى
لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان به ، وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل
والإِحسان ، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان ، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ،
بقي في الآية سؤالان :
السؤال الأول ﴾ کیفسمی ما مضى بأنه بین یدیه .
( والجواب ) أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم.
السؤال الثاني﴾ كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب ، مع أن القرآن ناسخ لأكثر
تلك الأحكام؟ .

١٧١
قوله تعالى ((وانزل التوراة والانجيل)) الآية سورة آل عمران
وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنجِيلَ
٣
( والجواب ) إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها تثبت
إلى حين بعثه ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن ، كانت موافقة للقرآن . فكان القرآن
مصدقاً لها ، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها ، لأن دلائل المباحث
الإلهية لا تختلف في ذلك ، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والانجيل.
ثم قال الله تعالى ﴿وأنزل التوراة والانجيل ﴾ وفيه مسائل:
و المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: التوراة والانجيل اسمان أعجميان ،
والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد ، وقرأ الحسن ( والأنجيل ) بفتح الهمزة ، وهو دليل على
العجمية ، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب ، واعلم أن هذا القول هو الحق
الذي لا محيد عنه ، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه .
أما لفظ ( التوراة ) ففيه أبحاث ثلاثة :
البحث الأول ﴾ في اشتقاقه ، قال الفراء ( التوراة ) معناها الضياء والنور، من
قول العرب ورى الزنديري إذا قدح وظهرت النار ، قال الله تعالى ( فالموريات قدحا )
ويقولون : وريت بك زنادي ، ومعناه : ظهر بك الخير لي ، فالتوراة سميت بهذا الاسم
لظهور الحق بها ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى ( ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان
وضياء ) .
﴿ البحث الثاني ﴾ لهم في وزنه ثلاثة أقوال :
القول الأول ﴾ قال الفراء: أصل ( التوراة) تورية تفعلة بفتح التاء ، وسكون
الواو، وفتح الراء والياء ، إلا أنه صارت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها .
﴿ القول الثاني ﴾ قال الفراء : ويجوز أن تكون تفعلة على وزن توفية وتوصية ،
فيكون أصلها تورية . إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيء ، فإنهم يقولون
في جارية : جاراة ، وفي ناصية : ناصاة ، قال الشاعر :
فما الدنيا بباقاة لحي وما حي على الدنيا بباقي باق
والقول الثالث﴾ وهو قول الخليل والبصريين: إن أصلها : وورية، فوعلة ، ثم

١٧٢
قوله تعالى ((وانزل التوراة والانجيل)) سورة آل عمران
قلبت الواو الأولى تاء ، وهذا القلب كثير في كلامهم ، نحو: تجاه ، وتراث ، وتخمة ،
وتكلان ، ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصارت ( توراة ) وكتبت بالياء على
أصل الكلمة ، ثم طعنوا في قول الفراء ، أما الأول فقالوا : هذا البناء نادر ، وأما فوعلة
فكثير ، نحو : صومعة ، وحوصلة ، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى ، وأما الثاني فلأنه لا
يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيء ، والقرآن ما نزل بها البتة .
﴿ البحث الثالث﴾ في التوراة قراءتان: الأمالة والتفخيم، فمن فخم فلأن الراء حرف
يمنع الامالة لما فيه من التكرير ، والله أعلم .
وأما الأنجيل ففيه أقوال ( الأول ) قال الزجاج : إنه افعيل من النجل ، وهو الأصل ،
يقال : لعن الله ناجليه ، أي والديه ، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم ، لأن الاصل المرجوع
إليه في ذلك الدين ( والثاني ) قال قوم : الانجيل مأخوذ من قول العرب : نجلت الشيء إذا
استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من البئر : نجل ، ويقال : قد استنجل
الوادي ، إذا خرج الماء من النز فسمي الانجيل انجيلا لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته
( والثالث ) قال أبو عمرو الشيباني : التناجل التنازع ، فسمي ذلك الكتاب بالانجيل لأن
القوم تنازعوا فيه ( والرابع ) أنه من النجل الذي هو سعة العين ، ومنه طعنة نجلاء ، سمي
بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم .
وأقول : أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذاً من شيء
آخر، ولو كان كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور ، ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد
من ألفاظ موضوعة وضعاً أولا حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها ، وإذا كان الأمر كذلك فلم
لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقاً من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا، والفرع هو
ذاك الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل ، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعاً
ومشتقا في غاية الشهرة ، وذاك الذي يجعلونه أصلاً في غاية الخفاء ، وأيضاً فلو كانت التوراة
إنما سميت توراة لظهورها ، والإنجيل إنما سمي إنجيلاً لكونه أصلاً وجب في كل ما ظهر أن
يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة ، ووجب في كل ما كان أصلاً لشيء آخر أن
يسمى بالإنجيل ، والطين أصل الكوز، فوجب أن يكون الطين إنجيلاً والذهب أصل الخاتم
والغزل أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإِنجيل ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، ثم انهم
عند إيراد هذه الالزامات عليهم لا بد وأن يتمسكوا بالوضع ، ويقولوا : العرب خصصوا
هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع ، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا
بالرجوع إلى وضع اللغة ، فلم لا نتمسك به في أول الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه

١٧٣
سورة آل عِمْران
قوله تعالى ((من قبل هدى للناس)» الاية
مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ
الكلمات ، وايضا فالتوراة والانجيل اسمان اعجميان ( أحدهما ) بالعبرية والآخر بالسريانية ،
فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب . فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا
يلتفت إلى هذه المباحث والله أعلم .
أما قوله تعالى ﴿ من قبل هدى للناس ﴾
.
فاعلم أنه تعالى بين أنه أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن ، ثم بين أنه إنما
أنزلهما هدى للناس ، قال الكعبي : هذه الآية دالة على بطلان قول من يزعم أن القرآن عمى
على الكافرين وليس بهدي لهم ، ويدل على معنى قوله ( وهو عليهم عمي ) أن عند نزوله
اختاروا العمى على وجه المجاز ، كقول نوح عليه السلام ( فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ) لما فروا
عنده .
واعلم أن قوله ( هدى للناس ) فيه احتمالان ( الأول ) أن يكون ذلك عائداً إلى التوراة
والإنجيل فقط، وعلى هذا التقدير يكون قد وصف القرآن بأنه حق ، ووصف التوراة
والإنجيل بأنهما هدى والوصفان متقاربان .
فان قيل : إنه وصف القرآن في أول سورة البقرة بأنه هدى للمتقين ، فلم لم يصفه ههنا
به ؟
قلنا : فيه لطيفة وذلك لأنا ذكرنا في سورة البقرة أنه إنما قال ( هدى للمتقين ) لأنهم هم
المنتفعون به ، فصار من الوجه هدى لهم لا لغيرهم ، أما ههنا فالمناظرة كانت مع النصارى ،
وهم لا يهتدون بالقرآن فلا جرم لم يقل ههنا في القرآن انه هدى بل قال : إنه حق في نفسه
سواء قبلوه أولم يقبلوه ، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون في صحتهما ويدعون بأنا إنما
نتقول في ديننا عليهما فلا جرم وصفهما الله تعالى لأجل هذا التأويل بأنهما هدى ، فهذا ما خطر
بالبال والله أعلم .
القول الثاني ﴾ وهو قول الأكثرين : أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى،
فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل والله أعلم بمراده .
ثم قال ﴿ وأنزل الفرقان ﴾.

١٧٤
قوله تعالى ((وانزل الفرقان)) سورة آل عِمْران
ولجمهور المفسرين فيه أقوال ( الأول ) أن المراد هو الزبور ، كما قال ( وآتينا داود
زبوراً) (والثاني ) أن المراد هو القرآن ، وإنما اعاده تعظيماً لشأنه ومدحاً بكونه فارقاً بين الحق
والباطل أو يقال : إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه انزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقاً بين
ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل ، وعلى هذا التقدير فلا تكرار .
والقول الثالث ﴾ وهو قول الأكثرين: أن المراد أنه تعالى كما جعل الكتب الثلاثة
هدى ودلالة . فقد جعلها فارقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع ، فصار هذا الكلام دالا على
أن الله تعالى بين بهذه الكتب ما يلزم عقلاً وسمعاً ، هذا جملة ما قاله أهل التفسير في هذه الآية
وهي عندي مشكلة أما حمله على الزبور فهو بعيد ، لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع
والأحكام ، بل ليس فيه إلا المواعظ، ووصف التوراة والإنجيل مع اشتمالها على الدلائل ،
وبيان الأحكام بالفرقان أولى من وصف الزبور بذلك ، وأما القول الثاني : وهو حمله على
القرآن فبعيد من حيث إن قوله (وأنزل الفرقان) عطف على ما قبله، والمعطوف مغاير للمعطوف
عليه والقرآن مذكور قبل هذا فهذا يقتضى أن يكون هذا الفرقان مغايراً للقرآن، وبهذا الوجه يظهر
ضعف القول الثالث ، لأن كون هذه الكتب فارقة بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب وعطف
الصفة على الموصوف وإن كان قد ورد في بعض الأشعار النادرة إلا أنه ضعيف بعيد عن وجه
الفصاحة اللائقة بكلام الله تعالى ، والمختار عندي في تفسير هذه الآية وجه رابع ، وهو أن
المراد من هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بانزال هذه الكتب ، وذلك لأنهم لما أتوا
بهذه الكتب وادعوا انها كتب نازلة عليهم من عند الله تعالى افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى
دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين ، فلما أظهر الله تعالى على وفق
دعواهم تلك المعجزات حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب ، فالمعجزة
هي الفرقان ، فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق ، وأنه أنزل التوراة والانجيل من
قبل ذلك، بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق ، وهو المعجز القاهر الذي يدل على
صحتها ، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة ، فهذا هو ما عندي في تفسير هذه
الآية ، وهب أن أحداً من المفسرين ما ذكره إلا أن حمل كلام الله تعالى عليه يفيد قوة المعنى ،
وجزالة اللفظ ، واستقامة الترتيب والنظم ، والوجوه التي ذكروها تنافي كل ذلك ، فكان ما
ذكرناه أولى والله أعلم بمراده .
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر في هذه الألفاظ القليلة جميع ما يتعلق بمعرفة الاله ،
وجميع ما يتعلق بتقرير النبوة اتبع ذلك بالوعيد زجراً للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال :

١٧٥
قوله تعالى ((إن الذين كفروا بآيات الله)) الآية سورة آل عِمْران
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَنْتِ الهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِ يزُ ذُوْ أَنْتِقَامِ (*) إِنَّاللَّهَ لَا
يَحْفَ عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَ فِ السَّمَاءِ (٤) هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى الْأَرْحَامِ
كَيْفَ يَشَآءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام
.
واعلم أن بعض المفسرين خصص ذلك بالنصارى ، فقصر اللفظ العام على سبب
نزوله ، والمحققون من المفسرين قالوا : خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، فهو يتناول
كل من أعرض عن دلائل الله تعالى .
ثم قال ( والله عزيز ذو انتقام ) .
والعزيز الغالب الذي لا يغلب ، والانتقام العقوبة ، يقال انتقم منه انتقاماً أي عاقبه ،
وقال الليث يقال : لم أرض عنه حتى نقمت منه وانتقمت إذا كافأه عقوبة بما صنع ، والعزيز
إشارة إلى القدرة التامة على العقاب ، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب ، فالأول صفة
الذات ، والثاني صفة الفعل ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في
الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ اعلم أن هذا الكلام يحتمل وجهين :
الاحتمال الأول﴾ أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم، والقيوم هو القائم باصلاح مصالح
الخلق ومهماتهم ، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين ( أحدهما ) أن يكون عالماً
بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية ( والثاني ) أن يكون بحيث متى علم جهات
حاجاتهم قدر على دفعها ، والأول لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ، والثاني لا يتم
إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات ، فقوله ( إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في
السماء) إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات ، فحينئذ يكون عالماً لا محالة مقادير
الحاجات ومراتب الضرورات ، لا يشغله سؤال عن سؤال ، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة
أسئلة السائلين ثم قوله ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) إشارة إلى كونه تعالى قادراً
على جميع الممكنات ، وحنيئذ يكون قادراً على تحصيل مصالح جميع الخلق ومنافعهم ، وعند
حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائماً بالقسط قيوماً بجميع الممكنات والكائنات ، ثم فيه

١٧٦
قوله تعالى ((إن الله لا يخفي عليه شيء)) سورة آل عمران
لطيفة أخرى ، وهي أن قوله ( إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) كما ذكرناه
إشارة إلى كمال علمه سبحانه ، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالماً لا يجوز أن يكون هو
السمع ، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، بل
الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي ، وذلك هو أن نقول : إن أفعال الله تعالى محكمة متقنة ،
والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالماً ، فلما كان دليل كونه تعالى عالماً هو ما ذكرنا ،
فحين ادعى كونه عالمً بكل المعلومات بقوله ( إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في
السماء ) أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك ، وهو أنه هو الذي صور في ظلمات الأرحام
هذه البنية العجيبة ، والتركيب الغريب ، وركبه من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع
والصفة ، فبعضها عظام ، وبعضها غضاريف ، وبعضها شرايين ، وبعضها أوردة ، وبعضها
عضلات ، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن ، والتأليف الأكمل ، وذلك
يدل على كمال قدرته حيث قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع
والشكل واللون ، ويدل على كونه عالما من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن العالم ،
فكان قوله ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) دالا على كونه قادرا على كل
الممكنات ، ودالا على صحة ما تقدم من قوله ( إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في
السماء) وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، وقادر على كل الممكنات ، ثبت أنه قيوم
المحدثات والممكنات ، فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولاً من أنه هو الحي القيوم ،
ومن تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة ، ولا أحسن ترتيباً ، ولا أكثر
تأثيراً في القلوب من هذه الكلمات .
والاحتمال الثاني ﴾ أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها، وذلك لأن النصارى
ادعوا إلهية عيسى عليه السلام ، وعولوا في ذلك على نوعين من الشبه ، أحد النوعين
مستخرجة من مقدمات مشاهدة ، والنوع الثاني : شبه مستخرجة من مقدمات إلزامية .
﴿ أما النوع الأول من الشبه﴾ فاعتمادهم في ذلك على أمرين ( أحدهما ) يتعلق بالعلم
( والثاني ) يتعلق بالقدرة .
أما ما يتعلق بالعلم فهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب ، وكان يقول
لهذا : أنت أكلت في دارك كذا ، ويقول لذاك : إنك صنعت في دارك كذا ، فهذا النوع من
شبه النصارى يتعلق بالعلم .
وأما الأمر الثاني من شبههم ، فهو متعلق بالقدرة ، وهو أن عيسى عليه السلام كان

١٧٧
قوله تعالى ((إن الله لا يخفى عليه شيء)) سورة آل عمران
يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمة والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا
باذن الله ، وهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالقدرة ، وليس للنصارى شبه في المسألة
سوى هذين النوعين ، ثم إنه تعالى لما استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله
( الحي القيوم) يعني الإله يجب أن يكون حياً قيوماً، وعيسى ما كان حياً قيوماً، لزم القطع إنه
ما كان إلهاً ، فأتبعه بهذه الآية ليقرر فيها ما يكون جواباً عن هاتين الشبهتين :
أما الشبهة الأولى ﴾ وهي المتعلقة بالعلم ، وهي قولهم : إنه أخبر عن الغيوب
فوجب أن يكون إلهاً ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في
السماء) وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلهاً لاحتمال أنه إنما
علم ذلك بوحي من الله إليه ، وتعليم الله تعالى له ذلك ، لكن عدم إحاطته ببعض المغيبات
يدل دلالة قاطعة على أنه ليس بإله لأن الإِله هو الذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في
السماء فإن الإِلِه هو الذي يكون خالقاً، والخالق لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه ، ومن المعلوم
بالضرورة أن عيسى عليه السلام ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات ، فكيف والنصارى
يقولون : إنه أظهر الجزع من الموت فلو كان عالماً بالغيب كله ، لعلم أن القوم يريدون أخذه
وقتله ، وأنه يتأذى بذلك ويتألم ، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه ، فلما لم يعلم هذا الغيب
ظهر أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات والاله هو الذي لا يخفي عليه شيء من
المعلومات . فوجب القطع بأن عيسى عليه السلام ما كان إلهاً فثبت أن الاستدلال بمعرفة بعض
الغيب لا يدل على حصول الالهية ، وأما الجهل ببعض الغيب يدل قطعاً على عدم الإلهية ،
فهذا هو الجواب عن النوع الأول من الشبه المتعلقة بالعلم .
أما النوع الثاني ﴾ من الشبه ، وهو الشبهة المتعلقة بالقدرة فأجاب الله تعالى عنها
بقوله ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) والمعنى أن حصول الاحياء والإماتة على وفق
قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً ، لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهاراً
لمعجزته وإكراماً له .
أما العجز عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم الإلهية ، وذلك لأن الاله
هو الذي يكون قادراً على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب
العجيب ، والتأليف الغريب ومعلوم أن عيسى عليه السلام ما كان قادراً على الإحياء والإماتة
على هذا الوجه وكيف، ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى
وقتلوه ، فثبت أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه
إلهاً ، أما عدم حصولهما على وفق مراده في سائر الصور يدل على أنه ما كان إلهاً ، فظهر بما ذكر
الفخر الرازي ج ٧ م ١٢

١٧٨
قوله تعالى ((إن الله لا يخفى عليه شيء سورة آل عمران
أن هذه الشبهة الثانية أيضاً ساقطة .
وأما النوع الثاني من الشبه ﴾ فهي الشبه المبنية على مقدمات إلزامية ، وحاصلها
يرجع إلى نوعين .
النوع الأول﴾ أن النصارى يقولون: أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أنه ما كان
له أب من البشر، فوجب أن يكون ابناً له فأجاب الله تعالى عنه أيضاً بقوله ( هو الذي يصوركم
في الأرحام كيف يشاء ) لأن هذا التصوير لما كان منه فإن شاء صوره من نطفة الأب وإن شاء
صوره ابتداء من غير الأب .
والنوع الثاني﴾ أن النصارى قالوا للرسول الله ألست تقول: إن عيسى روح الله
وكلمته ، فهذا يدل على أنه ابن الله ، فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي ، واللفظ
محتمل للحقيقة والمجاز، فإذا ورد اللفظ بحيث يكون ظاهره مخالفاً للدليل العقلي كان من
باب المتشابهات ، فوجب رده إلى التأويل ، وذلك هو المراد بقوله ( هو الذي أنزل عليك
الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) فظهر بما ذكرنا أن قوله ( الحي
القيوم ) إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإله ولا ابن له ، وأما قوله ( إن الله لا يخفي عليه
شيء في الأرض ولا في السماء ) فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم ، وقوله ( هو الذي
يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) جواب عن تمسكهم بقدرته على الإِحياء والإِماتة ، وعن
تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر، فوجب أن يكون ابناً لله وأما قوله ( هو الذي أنزل
عليك الكتاب ) فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن أن عيسى روح اللّه وكلمته ، ومن
أحاط علماً بما ذكرناه ولخصناه علم أن هذا الكلام على اختصاره أكثر تحصيلاً من كل ما ذكره
المتكلمون في هذا الباب ، وأنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد
اشتملت هذه الآية عليه ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وأما
كلام من قبلنا من المفسرين في تفسير هذه الآيات فلم نذكره لأنه لا حاجة إلیه فمن أراد ذلك
طالع الكتب، ثم أنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن
قولهم بالتثليث، فقال (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم
إشارة إلى كمال العلم ، وهو تقرير لما تقدم من أن علم المسيح ببعض الغيوب ، وقدرته على
الإِحياء والإِمائة في بعض الصور لا يكفي في كونه إلهاً فإن الإله لا بد وأن يكون كامل القدرة
وهو العزيز، وكامل العلم وهو الحكيم ، وبقي في الآية أبحاث لطيفة ، أما قوله ( لا يخفى
عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) فالمراد انه لا يخفى عليه شيء .

قوله تعالى ((هو الذي أنزل عليك الكتاب)) الآية سورة آل عِمْران ١٧٩
هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُءَايَنْتُ مُحَكَتُ هُنَّ أُمُ الْكِتَبِ وَأَنَُ
مُتَشَتْ فَأَّا الَّذِينَ فِ قُوبِهِمْ زَيْغٌ فَعُونَ مَا ◌َشَهَ مِنْهُ أَنِغَاءَ الْفِئْنَةِ وَثِقَاءَ تَأْوِيلِهِ
وَمَا يَعْلُ تَأْوَِهُ وَإِلَّ الله وَالَِّحُونَ فِ الْعِلمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلُّ مِنْ عِندِ رَبِنَا وَمَا
-٠٠٠٠٤
يَذَّكُّ إِلَّ أَوْلُواْ الْأَلْبَبِ
٧
فإن قيل : ما الفائدة في قوله ( في الأرض ولا في السماء ) مع أنه لو أطلق كان أبلغ .
قلنا : الغرض بذلك إفهام العباد كمال علمه ، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السموات
والأرض أقوى، وذلك لأن الحس يرى عظمة السموات والأرض، فيعين العقل على معرفة
عظمة علم الله عز وجل والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك
أكمل ، ولذلك فان المعاني الدقيقة إذا أريد إيضاحها ذكر لها مثال ، فإن المثال يعين على
الفهم .
أما قوله ( هو الذي يصوركم ) قال الواحدي : التصوير جعل الشيء على صورة ،
والصورة هيأة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه وأصله من صاره يصوره إذا
أماله ، فهي صورة لأنها مائلة إلى شكل أبويه وتمام الكلام فيه ذكرناه في قوله تعالى ( فصرهن
إليك ) وأما ( الأرحام) فهي جمع رحم وأصلها من الرحمة ، وذلك لأن الاشتراك في الرحم
يوجب الرحمة والعطف، فلهذا سمي ذلك العضو رحماً والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر
متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم
تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ).
اعلم أن في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا في اتصال قوله (إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في
السماء ) مما قبله احتمالين (أحدهما ) أن ذلك كالتقرير لكونه قيوماً (والثاني ) أن ذلك الجواب
عن شبه النصارى ، فأما على الاحتمال الأول فنقول : إنه تعالى أراد أن يبين أنه قيوم وقائم
بمصالح الخلق ومصالح الخلق قسمان : جسمانية وروحانية ، أما الجسمانية فأشرفها تعديل

١٨٠
قوله تعالى ((هو الذي أنزل عليك)) سورة ال حِمْران
البنية ، وتسوية المزاج على أحسن الصور وأكمل الأشكال ، وهو المراد بقوله ( هو الذي
يصوركم في الأرحام ) وأما الروحانية فأشرفها العلم الذي تصير الروح معه كالمرآة المجلوة التي
تجلت صور جميع الموجودات فيها وهو المراد بقوله ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ) وأما على
الاحتمال الثاني فقد ذكرنا أن من جملة شبه النصارى تمسكهم بما جاء في القرآن من قوله تعالى في
صفة عيسى عليه السلام : إنه روح الله وكلمته ، فبين الله تعالى بهذه الآية أن القرآن مشتمل
على محكم وعلى متشابه ، والتمسك بالمتشابهات غير جائز فهذا ما يتعلق بكيفية النظم ، وهو في
غاية الحسن والاستقامة .
المسألة الثانية ﴾ اعلم أن القرآن دل على أنه بكليته محكم ، ودل على أنه بكليته
متشابه ، ودل على أن بعضه محكم ، وبعضه متشابه .
أما ما دل على أنه بكليته محكم ، فهو قوله ( الرتلك آيات الكتاب الحكيم ، الركتاب
أحكمت آياته ) فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم ، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه
كلاماً حقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه فى
فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين ،
والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله : محكم ، فهذا معنى وصف
جميعه بأنه محكم .
وأما ما دل على أنه بكليته متشابه ، فهو قوله تعالى ( كتاباً متشابهاً مثانى) والمعنى أنه
يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً.، وإليه الاشارة بقوله تعالى ( ولو كان من عند
غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر ولتفاوت نسق
الكلام في الفصاحة والركاكة .
وأما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها ،
ولا بد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، ثم من تفسيرهما في عرف الشريعة :
أما المحكم فالعرب تقول : حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ، ومنعت ، والحاكم
يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب ، وفي حديث
النخعي : احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد ، وقال جرير : احكموا
سفهاءکم ، أي امنعوهم ، وبناء محكم أي وثیق یمنع من تعرض له ، وسميت الحكمة حكمة
لأنها تمنع عما لا ينبغي ، وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز
الذهن عن التمييز ، قال الله تعالى (إن البقر تشابه علينا) وقال في وصف ثمار الجنة ( وأتوا به
٠