Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
قوله تعالى ((والمؤمنون كل آمن بالله)) سورة البقرة
( فانه نزله على قلبك ) وقال ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) وقال ( علمه شديد القوى )
فاذا ثبت أن وحى الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة فالملائكة يكونون كالواسطة بين
الله تعالى وبين البشر، فلهذا السبب جعل ذكر الملائكة في المرتبة الثانية ، ولهذا السرقال أيضاً
( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ).
﴿ والمرتبة الثالثة ﴾ الكتب ، وهو الوحي الذي يتلقفه الملك من الله تعالى ويوصله إلى
البشر وذلك في ضرب المثال يجري مجرى استنارة سطح القمر من نور الشمس فذات الملك
كالقمر وذات الوحي كاستنارة القمر فكما أن ذات القمر مقدمة في الرتبة على استنارته فكذلك
ذات الملك متقدم على حصول ذلك الوحي المعبر عنه بهذه الكتب ، فلهذا السبب كانت الكتب
متأخرة في الرتبة عن الملائكة ، فلا جرم أخر الله تعالى ذكر الكتب عن ذكر الملائكة .
والمرتبة الرابعة ﴾ الرسل ، وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة ، فيكونون
متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا السبب جعل الله تعالى ذكر الرسل في المرتبة الرابعة ،
واعلم أن ترتيب هذه المراتب الأربعة على هذا الوجه أسراراً غامضة ، وحكما عظيمة لا يحسن
إيداعها في الكتب والقدر الذي ذكرناه كاف في التشريف .
المسألة الثانية ﴾ المراد بالإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده ، وبصفاته ، وبأفعاله ،
وبأحكامه ، وبأسمائه .
أما الإِيمان بوجوده ، فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها، وعلى هذا
التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله تعالى لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئاً آخر
فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى أما الفلاسفة والمعتزلة فانهم مقرون باثبات موجود
سوى المتحيزات موجود لها ، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات .
وأما الإِيمان بصفاته ، فالصفات إما سلبية ، وإما ثبوتية .
فأما السلبية ﴾ فهي أن يعلم أنه فرد منزه عن جميع جهات التركيب ، فان كل مركب
مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره ، فهو مركب ، فهو مفتقر إلى
غيره ممكن لذاته ، فاذن كل مركب فهو ممكن لذاته ، وكل ما ليس ممكنا لذاته ، بل كان واجباً
لذاته امتنع أن يكون مركباً بوجه من الوجوه ، بل كان فرداً مطلقاً ، وإذا كان فرداً في ذاته لزم
أن لا يكون متحيزاً، ولا جسماً ، ولا جوهراً، ولا في مكان، ولا حالا ، ولا في محل ، ولا
متغيراً ، ولا محتاجاً بوجه من الوجوه البتة .

١٤٢
قوله تعالى ((والمؤمنون كل آمن بالله)) سورة البقرة
وأما الصفات الثبوتية ﴾ فبأن يعلم أن الموجب لذاته نسبته إلى بعض الممكنات
كنسبته إلى البواقي ، فلما رأينا أن هذه المخلوقات وقعت على وجه يمكن وقوعها على خلاف
تلك الأحوال ، علمنا أن المؤثر فيها قادر مختار لا موجب بالذات ، ثم يستدل بما في أفعاله من
الأحكام والإتقان على كمال علمه، فحينئذ يعرفه قادراً عالماً حياً سميعاً بصيراً موصوفاً منعوتاً
بالجلال وصفات الكمال ، وقد استقصينا ذلك في تفسير قوله ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) .
وأما الإِيمان بأفعاله ، فبأن تعلم أن كل ما سواه فهو ممكن محدث ، وتعلم ببديهة عقلك
أن الممكن المحدث لا يوجد بذاته ، بل لا بد له من موجد يوجده وهو القديم ، وهذا الدليل
يحملك على أن تجزم بأن كل ما سواه فانما حصل بتخليقه وإيجاده وتكوينه إلا أنه وقع في البين
عقدة وهي الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات ، فالحكم الأول وهو أنها ممكنة
محدثة فلا بد من إسنادها إلى واجب الوجود مطرد فيها .
فان قلت: إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أتحرك تحركت ، وإن شئت أن لا أتحرك
لم أتحرك فكانت حرکاتي وسكناتي بي لا بغيري .
فنقول : قد علقت حركتك بمشيئتك لحركتك ، وسكونك بمشيئتك لسكونك فقبل
حصول مشيئة الحركة لا تتحرك وقبل حصول مشيئة السكون لا تسكن ، وعند حصول مشيئة
الحركة لا بد وأن تتحرك .
إذا ثبت هذا فنقول : هذه المشيئة كيف حدثت فان حدوثها إما أن يكون لا بمحدث
أصلا أو يكون بمحدث ، ثم ذلك المحدث إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى ، فإن حدثت
لا بمحدث فقد لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد افتقر في إحداثها إلى مشيئة أخرى
ولزم التسلسل ، فثبت أن محدثها هو الله سبحانه وتعالى .
إذا ثبت هذا فنقول : لا اختيار للانسان في حدوث تلك المشيئة ، وبعد حدوثها فلا
اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا المشيئة به ، ولا حصول الفعل بعد المشيئة ، فالإنسان مضطر
في صورة مختار ، فهذا كلام قاهر قوي ، وفي معارضته إشكالان ( أحدهما ) كيف يليق بكمال
حكمة الله تعالى إيجاد هذه القبائح والفواحش من الكفر والفسق ( والثاني ) أنه لو كان الكل
بتخليقه فكيف توجه الأمر والنهي ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب على العبد ، فهذا هو
الحرف المعول عليه من جانب الخصم ، إلا أنه وارد عليه أيضاً في العلم على ما قررناه في
مواضع عدة .
وأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله ﴾ فهي معرفة أحكامه ، ويجب أن يعلم في أحكامه

١٤٣
قوله تعالى ((والمؤمنون كل آمن بالله)) سورة البقرة
أموراً أربعة ( أحدها) أنها غير معللة بعلة أصلا ، لأن كل ما كان معللا بعلة كان صاحبه
ناقصا بذاته ، كاملا بغيره ، وذلك على الحق سبحانه محال ( وثانيها ) أن يعلم أن المقصود من
شرعها منفعة عائدة إلى العبد لا إلى الحق ، فانه منزه عن جلب المنافع ، ودفع المضار ( وثالثها )
أن يعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد ( ورابعها ) أنه يعلم أنه لا يجب لأحد
على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء ، وأنه سبحانه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب
من يشاء بعدله، وأنه لا يقبح منه شيء ، ولا يجب عليه شيء ، لأن الكل ملکه وملكه ،
والمملوك المجازي لا حق له على المالك المجازي ، فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي .
وأما المرتبة الخامسة في الإيمان بالله ﴾ فمعرفة أسمائه قال في الأعراف ( ولله الأسماء
الحسنى ) وقال في بني إسرائيل ( أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) وقال في طه ( الله لا إله إلا
هوله الأسماء الحسنى) وقال في آخر الحشر ( له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات
والأرض ) والأسماء الحسنى هي الأسماء الواردة في كتب الله المنزلة على ألسنة أنبيائه
المعصومين ، وهذه الاشارة إلى معاقد الإيمان بالله .
وأما الإيمان بالملائكة ، فهو من أربعة أوجه ( أولها ) الإيمان بوجودها ، والبحث عن
أنها روحانية محضة ، أو جسمانية ، أو مركبة من القسمين ، وبتقدير كونها جسمانية فهي
أجسام لطيفة أو كثيفة ، فان كانت لطيفة فهي أجسام نورانية ، أو هوائية ، وإن كانت كذلك
فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى ، فذاك مقام العلماء
الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية .
والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة ﴾ العلم بانهم معصومون مطهرون ( يخافون ربهم
من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ) فان لذتهم بذكر
الله ، وأنسهم بعبادة الله ، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق
الهواء ، فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته .
والمرتبة الثالثة﴾ أنهم وسائط بين الله وبين البشر، فكل قسم منهم متوكل على قسم
من أقسام هذا العالم ، كما قال سبحانه ( والصافات صفاً فالزاجرات زجرا ) وقال
( والذاريات ذروا فالحاملات وقرا ) وقال ( والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا) وقال
( والنازعات غرقا والناشطات نشطا ) ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسراراً مخفية ، إذا
طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها .
والمرتبة الرابعة﴾ أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ، قال

١٤٤
قوله تعالى ((والمؤمنون كل آمن بالله)) سورة البقرة
الله تعالى ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) فهذه المراتب
لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة ، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه
بالملائكة أتم .
﴿ وأما الإيمان بالكتب ﴾ فلا بد فيه من أمور أربعة ( أولها) أن يعلم أن هذه الكتب
وحي من الله تعالى إلى رسوله ، وأنها ليست من باب الكهانة ، ولا من باب السحر ، ولا من
باب القاء الشياطين والأرواح الخبيثة ( وثانيها ) أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من
قبل الملائكة المطهرين ، فالله تعالى لم يمكن أحداً من الشياطين من القاء شيء من ضلالاتهم في
أثناء هذا الوحي الطاهر ، وعند هذا يعلم أن من قال : إن الشيطان القى قوله : تلك الغرانيق
العلا في أثناء الوحي ، فقد قال قولا عظيما ، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن .
والمرتبة الثالثة﴾ أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف، ودخل فيه فساد قول من قال :
إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه ، فان من قال ذلك أخرج
القرآن عن كونه حجة .
والمرتبة الرابعة ﴾ أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وأن محكمه
يكشف عن متشابهه .
وأما الإيمان بالرسل ﴾ فلا بد فيه من أمور أربعة .
المرتبة الأولى﴾ أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب، وقد أحكمنا هذه المسألة فى
تفسير قوله ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) وجميع الآيات التي يتمسك بها
المخالفون قد ذكرنا وجه تأويلاتها في هذا التفسير بعون الله سبحانه وتعالى .
﴿ والمرتبة الثانية ﴾ من مراتب الإيمان بهم : أن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي ،
ومن الصوفية من ينازع في هذا الباب ..
﴿ المرتبة الثالثة﴾ قال بعضهم: أنهم أفضل من الملائكة، وقال كثير من العلماء: إن
الملائكة السماوية أفضل منهم ، وهم افضل من الملائكة الأرضية ، وقد ذكرنا هذه المسألة فى
تفسير قوله ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) ولأرباب المكاشفات في هذه المسألة مباحثات
غامضة .
﴿ المرتبة الرابعة﴾ أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض، وقد بينا ذلك في تفسير قوله
تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) ومنهم من انكر ذلك وتمسك بقوله تعالى له فى

١٤٥
قوله تعالى ((والمؤمنون كل آمن بالله)) سورة البقرة
هذه الآية ( لا نفرق بين أحد من رسله ) .
وأجاب العلماء عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر، وهو أن الطريق إلى إثبات
نبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا كانوا حاضرين هو ظهور المعجزة على وفق دعاويهم ،
فاذا كان هذا هو الطريق ، وجب في حق كل من ظهرت المعجزة على وفق دعواه أن يكون
صادقا، وإن لم يصح هذا الطريق وجب أن لا يدل في حق أحد منهم على صحة رسالته ،
فأما أن يدل على رسالة البعض دون البعض فقول فاسد متناقض ، والغرض منه طريقة اليهود
والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى، ويكذبون بنبوة محمد تيمية، فهذا هو المقصود من
قوله تعالى ( لا نفرق بين أحد من رسله ) لا ما ذكرتم من أنه لا يجوز أن يكون بعضهم أفضل
من البعض فهذا هو الإشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ حمزة (وكتابه) على الواحد، والباقون (كتبه) على الجمع ، أما
الأول ففيه وجهان ( أحدهما ) أن المراد هو القرآن ثم الإيمان به ويتضمن الإيمان بجميع الكتب
والرسل ( والثاني ) على معنى الجنس ، فيوافق معنى الجمع ، ونظيره قوله تعالى ( فبعث الله
النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ) .
فان قيل : اسم الجنس إنما يفيد العموم إذا كان مقرونا بالألف واللام ، وهذه مضافة .
قلنا : قد جاء المضاف من الأسماء ونعني به الكثرة ، قال الله تعالى (وإن تعدوا نعمة الله
لا تحصوها ) وقال الله تعالى (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) وهذا الإحلال شائع
في جميع الصيام قال العلماء : والقراءة بالجمع أفضل لمشاكلة ما قبله وما بعده من لفظ الجمع
ولأن أكثر القراءة عليه ، واعلم أن القراء أجمعوا في قوله ( ورسله ) على ضم السين ، وعن
عمروسكونها ، وعن نافع ( وكتبه ورسله ) مخففين ، وحجة الجمهور أن أصل الكلمة على
فعل بضم العين ، وحجة أبي عمرو هي أن لا تتوالى أربع متحركات ، لأنهم كرهوا ذلك ،
ولهذا لم تتوال هذه الحركات في شعر إلا أن يكون مزاحفاً، وأجاب الأولون أن ذلك مكروه
في الكلمة الواحدة أما في الكلمتين فلا بدليل أن الإدغام غير لازم في وجعل ذلك مع أنه قد
توالى فيه خمس متحركات ، والكلمة إذا اتصل بها ضمير فهي كلمتان لا كلمة واحدة .
المسألة الرابعة ) قوله ( لا نفرق بين أحد من رسله) فيه محذوف، والتقدير :
يقولون لا نفرق بين أحد من رسله كقوله ( والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا ) معناه يقولون :
أخرجوا وقال ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ) أي قالوا هذا .
المسألة الخامسة﴾ قرأ أبو عمرو ( يفرق) بالياء على أن الفعل لكل ، وقرأ عبدالله
الفخر الرازي ج ٧ م ١٠

١٤٦
قوله تعالى ((والمؤمنون كل آمن بالله)) سورة البَقَرة
( لا يفرقون ) .
المسألة السادسة ﴾ أحد في معنى الجمع ، كقوله ( فما منكم من أحد عنه حاجزين )
والتقدير : لا نفرق بين جميع رسله ، هذا هو الذي قالوه ، وعندي أنه لا يجوز أن يكون أحد
ههنا في معنى الجمع ، لأنه يصير التقدير : لا نفرق بين جميع رسله ، وهذا لا ينافي كونهم
مفرقين بين بعض الرسل والمقصود بالنفي هو هذا ، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين
كل الرسل ، بل بين البعض وهو محمد ◌ّة، فثبت أن التأويل الذي ذكروه باطل ، بل معنى
الآية : لا نفرق بين أحد من الرسل ، وبين غيره في النبوة ، فاذا فسرنا بهذا حصل المقصود من
الكلام ، والله أعلم .
ثم قال الله تعالى ( وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير )
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ الكلام في نظم هذه الآية من وجوه (الأول) وهو أن كمال الإنسان
في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، واستكمال القوة النظرية بالعلم ، واستكمال
القوة العملية بفعل الخيرات ، والقوة النظرية أشرف من القوة العملية ، والقرآن مملوء من
ذكرهما بشرط أن تكون القوة النظرية مقدمة على العملية قال عن إبراهيم ( رب هب لي حكما
وألحقني بالصالحين ) فالحكم كمال القوة النظرية ( والحقني بالصالحين ) كمال القوة العملية ،
وقد أطنبنا في شواهد هذا المعنى من القرآن فيما تقدم من هذا الكتاب .
إذا عرفت هذا فنقول : الأمر في هذه الآية أيضاً كذلك ، فقوله ( كل آمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف
الشريفة وقوله (وقالوا سمعنا وأطعنا ) إشارة إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال
الفاضلة الكاملة ، ومن وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها
الأكثرون .
والوجه الثاني ﴾ من النظم في هذه الآية أن للانسان أياما ثلاثة: الأمس . والبحث
عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط ، والغد والبحث عنه
ويسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود ( ولله
غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ) وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات
الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، لا جرم ذكرها في هذه الآية ، وقوله ( ولله غيب السموات
والأرض ) إشارة إلى كمال العلم، وقوله ( وإليه يرجع الأمر كله ) إشارة إلى كمال القدرة ،

١٤٧
قوله تعالى ((والمؤمنون كل آمن بالله سورة البقرة
فهذا هو الإِشارة إلى علم المبدأ ، وإما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به ، فله
أيضاً مرتبتان : البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية ، وأما النهاية فقطع النظر عن
الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ، وذلك هو المسمى بالتوكل ، فذكر
هذين المقامين ، فقال ( فاعبده وتوكل عليه ) وأما علم المعاد فهو قوله ( وما ربك بغافل عما
يعملون) أي فيومك غداً سيصل فيه نتائج أعمالك إليك ، فقد اشتملت هذه الآية على كمال
ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة ، ونظيرها أيضاً قوله سبحانه وتعالى ( سبحان ربك رب
العزة عما يصفون ) وهو إشارة إلى علم المبدأ ، ثم قال ( وسلام على المرسلين ) وهو إشارة إلى
علم الوسط، ثم قال ( والحمد لله رب العالمين) وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة
أهل الجنة ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) .
إذا عرفت هذا فنقول : تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة ، فقوله
( آمن الرسول) إلى قوله ( لا نفرق بين أحد من رسله ) إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله ( وقالوا
سمعنا وأطعنا) إشارة إلى علم الوسط، وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالما
مشتغلابها ، ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا ، وقوله ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) إشارة إلى
علم المعاد ، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة
عالم الأفلاك ، وأنوار بهجة السموات .
﴿ الوجه الثالث في النظم﴾ أن المطالب قسمان ( أحدهما ) البحث عن حقائق
الموجودات ( والثاني ) البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر ، أما القسم
الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو المراد بقوله (والمؤمنون
كل آمن بالله) والقسم الثاني هو المراد بقوله ( وقالوا سمعنا وأطعنا ) .
المسألة الثانية﴾ قال الواحدي رحمه الله قوله ( سمعنا وأطعنا) أي سمعنا قوله
وأطعنا أمره ، إلا أنه حذف المفعول ، لأن في الكلام دليلا عليه من حيث مدحوا به .
وأقول : هذا من الباب الذي ذكره عبد القاهر النحوي رحمه الله أن حذف المفعول فيه
ظاهرا وتقديرا أولى لأنك إذا جعلت التقدير : سمعنا قوله ، وأطعنا أمره ، فاذن ههنا قول
آخر غير قوله ، وأمر آخر يطاع سوى أمره ، فاذا لم يقدر فيه ذلك المفعول أفاد أنه ليس في
الوجود قول يجب سمعه إلا قوله وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته : أطعنا إلا أمره فكان
حذف المفعول صورة ومعنى في هذا الموضع أولى .
المسألة الثالثة ﴾ اعلم أنه تعالى لما وصف إيمان هؤلاء المؤمنين وصفهم بعد ذلك بأنهم

١٤٨
قوله تعالى ((غفرانك ربنا وإليك المصير)) سورة البقرة
يقولون : سمعنا وأطعنا ، فقوله ( سمعنا) ليس المراد منه السماع الظاهر ، لأن ذلك لا يفيد
المدح ، بل المراد أنا سمعناه بآذان عقولنا ، أي عقلناه وعلمنا صحته ، وتيقنا أن كل تكليف
ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلينا فهو حق صحيح واجب القبول
والسمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن ، قال الله تعالى ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له
قلب أو القى السمع وهو شهيد) والمعنى : لمن سمع الذكرى بفهم حاضر، وعكسه قوله تعالى
( كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً) ثم قال بعد ذلك (وأطعنا) فدل هذا على أنه كما صح
اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها ، لجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما
يتعلق بأبواب التكليف علما وعملا .
ثم حكي عنهم بعد ذلك أنهم قالوا ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في هذه الآية سؤال، وهو أن القوم لما قبلوا التكاليف وعملوا بها،
فأي حاجة بهم إلى طلبهم المغفرة .
والجواب من وجوه ( الأول ) أنهم وإن بذلوا مجهودهم في آداء هذه التكاليف إلا أنهم
كانوا خائفين من تقصير يصدر عنهم، فلما جوزوا ذلك قالوا ( غفرانك ربنا ) ومعناه أنهم
يلتمسون من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون ( والثاني ) روي عن
النبي ◌َّ أنه قال ((إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة)) فذكروا
لهذا الحديث تأويلات من جملها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في درجات العبودية
فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيراً ، فكان يستغفر الله منه ،
فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضاً غير مستبعد ( والثالث ) أن
جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلهيته جنايات ، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في
مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل ، ولذلك قال (وما قدروا الله حق قدره ) وإذا كان
كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية ، وإن كان عالما جداً إذا قوبل ذلك بجلال
كبرياء الله تعالى صارعين التقصير الذي يجب الاستغفار منه ، وهذا هو السر في قوله تعالى
لمحمد ◌َّ (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) فان مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا
أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن
التقصير، فكان يستغفر منها ، وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال (دعواهم فيها
سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ) فسبحانك اللهم إشارة إلى التنزيه .
ثم إنه قال ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا

١٤٩
قوله تعالى ((غفرانك ربنا وإليك المصير سورة البقرة
نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا .
﴿ المسألة الثانية) قوله (غفرانك) تقديره : اغفر غفرانك، ويستغني بالمصدر عن
الفعل في الدعاء نحوسقيا ورعيا ، قال الفراء : هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب ، ومثله
الصلاة الصلاة ، والأسد الأسد ، وهذا أولى من قول من قال : نسألك غفرانك لأن هذه
الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه ، ونظيره قولك : حمداً حمداً ،
وشكراً شكراً، أي أحمد حمداً، وأشكر شكراً.
﴿ المسألة الثالثة﴾ أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين ( أحدهما ) بالاضافة إليه ،
وهو قوله ( غفرانك ) (والثاني ) أردفه بقوله ( ربنا) وهذان القيدان يتضمنان فوائد
( إجداها ) أنت الكامل في هذه الصفة ، فأنت غافر الذنب ، وأنت غفور ( وربك الغفور ،
وهو الغفور الودود ) وأنت الغفار ( واستغفروا ربكم إنه كان غفارا) يعني أنه ليست غفاريته
من هذا الوقت ، بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب ، فهذه الغفارية كالحرفة له ، فقوله
ههنا ( غفرانك ) يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة ، والمطموع من
الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة ، فقوله ( غفرانك ) طلب لغفران كامل ، وما ذاك إلا
بأن يغفر جميع الذنوب بفضله ورحمته ، ويبدلها بالحسنات ، كما قال ( فأولئك يبدل الله
سيئاتهم حسنات ) (وثانيها ) روي في الحديث الصحيح ((إن الله مائة جزء من الرحمة قسم
جزءاً واحداً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات ، فبها يتراحمون ، وادخر تسعة
وتسعين جزءً ليوم القيامة )) فأظن أن المراد من قوله ( غفرانك ) هو ذلك الغفران الكبير ، كان
العبد يقول : هب أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي ( وثالثها ) كأن العبد يقول :
كل صفة من صفات جلالك وإلهيتك ، فانما يظهر أثرها في محل معين ، فلولا الوجود بعد العدم
لما ظهرت آثار قدرتك ، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك ، فكذا
لولا جرم العبد وجنايته ، وعجزه وحاجته ، لما ظهرت آثار غفرانك ، فقوله ( غفرانك ) معناه
طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره إلا في حقي ، وفي حق أمثالى من المجرمين .
( وأما القيد الثاني ) وهو قوله (ربنا) ففيه فوائد ( أولها ) ربيتني حين ما لم أذكرك
بالتوحيد ، فكيف يليق بكرمك أن لاتر بيني عند ما أفنيت عمري في توحيدك ( وثانيها ) ربيتني
حين كنت معدوما ، ولو لم تربني في ذلك الوقت لما تضررت به ، لأني كنت أبقي حينئذ في
العدم ، وأما الآن فلولم تربني وقعت في الضرر الشديد ، فأسألك أن لا تهملني (وثالثها)
ربيتني في الماضي فاجعل لي في الماضي شفيعي إليك في أن تربيني في المستقبل (ورابعها ) ربيتني
في الماضي فاتمام المعروف خير من ابتدائه ، فتمم هذه التربية بفضلك ورحمتك .

١٥٠
قوله تعالى (( لا يكلف الله نفساً)) الآية
سورة البقرة
لَا يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبْنَالَا
تُؤَاخِذْنَآ إِن تَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا
ثم قال الله تعالى ( وإليك المصير ) وفيه فائدتان (إحداهما ) بيان أنهم كما أقروا بالمبدأ
فكذلك أقروا بالمعاد ، لأن الإيمان بالمبدأ أصل الإيمان بالمعاد ، فإن من أقر أن الله عالم
بالجزئيات ، وقادر على كل الممكنات ، لا بد وأن يقر بالمعاد ( والثانية ) بيان أن العبد متى علم
أنه لا بد من المصير إليه، والذهاب إلى حيث لا حكم إلا حكم الله ، ولا يستطيع أحد أن
يشفع إلا بأذن الله ، كان إخلاصه في الطاعات أتم ، واحترازه عن السيئات أكمل ، وههنا
آخر ما شرح الله تعالى من إيمان المؤمنين .
قوله تعالى ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا ﴾ اعلم أن في الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ قوله ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) يحتمل أن يكون ابتداء خبر
من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق الكلام في قوله ( وقالوا سمعنا
وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) وقالو (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) ويؤيد ذلك ما أردفه
من قوله (ربنا لا تؤاخذنا) فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل
الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها .
المسألة الثانية﴾ في كيفية النظم: إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم
لما قالوا ( سمعنا وأطعنا) فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع ، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما
في وسعنا وطاقتنا ، فإذا كان هو تعالى بحكم الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين ،
فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين ، وإن قلنا : إن هذا من كلام
الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا ( سمعنا وأطعنا ) ثم قالوا بعده ( غفرانك ربنا ) دل ذلك
على أن قولهم ( غفرانك) طلب للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل
العمد فلما كان قولهم ( غفرانك) طلبا للمغفرة في ذلك التقصير ، لا جرم خفف الله تعالى عنهم
ذلك وقال ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) والمعنى أنكم اذا سمعتم وأطعتم ، وما تعمدتم
التقصير ، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه
فان الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم

١٥١
قوله تعالى (( لا يكلف الله نفساً)) سورة البقرة
( غفرانك ربنا ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ يقال: كلفته الشيء فتكلف، والكلفة اسم منه، والوسع ما يسع
الانسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه ، قال الفراء : هو اسم كالوجد والجهد ، وقال بعضهم :
الوسع دون المجهود في المشقة ، وهو ما يتسع له قدرة الانسان .
﴿ المسألة الرابعة﴾ المعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ولا
يقدر عليه ، ونظيره قوله تعالى ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقوله ( يريد الله أن
يخفف عنكم ) وقوله ( يريد الله بكم اليسر) وقالوا : هذه الآية صريحة في نفي تكليف ما لا
يطاق ، قالوا : وإذا ثبت هذا فههنا أصلان ( الأول ) أن العبد موجد لأفعال نفسه ، فإنه لو
كان موجدها هو الله تعالى ، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق ، فإن الله تعالى إذا
خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة البتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه ، أما إنه لا قدرة له
على الفعل فلأن ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى ، والموجود لا يوجد ثانيا ، وأما إنه لا قدرة له
على الدفع فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى ، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى
وإذا لم يخلق الله الفعل استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل ، فثبت أنه لو كان
الموجد لفعل العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق ( والثاني ) ان
الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادراً على الإيمان ، فكان ذلك
التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في هذا الموضع .
أما الأصحاب فقالوا : دلت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا الوجه ،
فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية .
الحجة الأولى﴾ أن من مات على الكفر ينبىء موته على الكفر أن الله تعالى كان عالماً
في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط، فكان العلم بعدم الإيمان موجوداً ، والعلم بعدم
الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في مواضع ، وهو أيضاً مقدمة بينة بنفسها ، فكان
تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفاً بالجمع بين النقيضين ، وهذه الحجة كما
أنها جارية في العلم ، فهي أيضاً جارية في الجبر .
الحجة الثانية ﴾ أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي ، وتلك الداعية
مخلوقة لله تعالى ومتى كان الأمر كذلك كان تكليف ما لا يطاق لازما ، إنما قلنا : إن صدور
الفعل عن العبد يتوقف على الداعي ، لأن قدرة العبد لما كانت صالحة للفعل والترك ، فلو
ترجح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجح لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي
الصانع ، وإنما قلنا : إن تلك الداعية من الله تعالى لأنها لو كانت من العبد لافتقر إيجادها إلى

١٥٢
قوله تعالى (( لا يكلف الله نفساً)) سورة البقرة
داعية أخرى ولزم التسلسل ، وإنما قلنا : إنه متى كان الأمر كذلك لزم الجبر ، لأن عند
حصول الداعية المرجحة لأحد الطرفين صار الطرف الآخر مرجوحاً ، والمرجوح ممتنع الوقوع ،
وإذا كان المرجوح ممتنعاً كان الراجح واجباً ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين ، فأذن صدور
الإيمان من الكافر يكون ممتنعاً وهو مكلف به ، فكان التكليف تكليف ما لا يطاق .
الحجة الثالثة﴾ أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعيين ، أو حال
رجحان أحدهما ، فإن كان الأول فهو تكليف ما لا يطاق ، لأن الاستواء يناقض الرجحان ،
فإذا كلف حال حصول الاستواء بالرجحان ، فقد كلف بالجمع بين النقيضين ، وإن كان الثاني
فالراجح واجب ، والمرجوح ممتنع ، وإن وقع التكليف بالراجح فقد وقع بالواجب ، وإن وقع
المرجوح فقد وقع بالممتنع .
﴿ الحجة الرابعة﴾ أنه تعالى كلف أبا لهب الإيمان، والإيمان تصديق الله في كل ما أخبر
عنه ، وهو مما أخبر أنه لا يؤمن ، فقد صار أبو لهب مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ، وذلك
تكليف ما لا يطاق .
﴿ الحجة الخامسة﴾ العبد غير عالم بتفاصيل فعله، لأن من حرك اصبعه لم يعرف عدد
الأحيان التي حرك اصبعه فيها ، لأن الحركة البطيئة عبارة عند المتكلمين عن حركات مختلطة
بسكنات ، والعبد لم يخطر بباله انه يتحرك في بعض الأحيان ، ويسكن في بعضها ، وأنه أين
تحرك وأين سكن ، وإذا لم يكن عالما بتفاصيل فعله لم يكن موجداً لها ، لأنه لم يقصد إيجاد
ذلك العدد المخصوص من الأفعال ، فلو فعل ذلك العدد دون الأزيد ودون الأنقص فقد
ترجح الممكن لا لمرجح وهو محال ، فثبت أن العبد غير موجد ، فإذا لم يكن موجداً كان تكليف
ما لا يطاق لازماً على ما ذكرتم ، فهذه وجوه عقلية قطعية يقينية في هذا الباب ، فعلمنا أنه لا
بد للآية من التأويل وفيه وجوه ( الأول ) وهو الأصوب : أنه قد ثبت أنه متى وقع التعارض
من القاطع العقلي ، والظاهر السمعي ، فإما أن يصدقهما وهو محال ، لأنه جمع بين
النقيضين ، وإما أن يكذبهما وهو محال ، لأنه إبطال النقيضين ، وإما أن يكذب القاطع
العقلي ، ويرجح الظاهر السمعي ، وذلك يوجب تطرق الطعن في الدلائل العقلية ، ومتى كان
كذلك بطل التوحيد والنبوة والقرآن ، وترجيح الدليل السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي
والدليل السمعي معا ، فلم يبق إلا أن يقطع بصحة الدلائل العقلية ، ويحمل الظاهر السمعي
على التأويل ، وهذا الكلام هو الذي تعول المعتزلة عليه أبداً في دفع الظواهر التي تمسك بها
أهل التشبيه ، فبهذا الطريق علمنا أن لهذه الآية تأويلا في الجملة ، سواء عرفناه أو لم
نعرفه ، وحينئذ لا يحتاج إلى الخوض فيه على سبيل التفصيل .

١٥٣
قوله تعاتى (( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)) سورة البقرة
﴿ الوجه الثاني في الجواب﴾ هو أنه لا معنى للتكليف في الأمر والنهي إلا الإعلام بأنه
متى فعل كذا فإنه يثاب ، ومتى لم يفعل فإنه يعاقب ، فإذا وجد ظاهر الأمر فإن كان المأمور
به ممكناً كان ذلك أمراً وتكليفاً في الحقيقة ، وإلا لم يكن في الحقيقة تكليفاً ، بل كان إعلاماً
بنزول العقاب به في الدار الآخرة ، وإشعاراً بأنه إنما خلق للنار .
والجواب الثالث﴾ وهو أن الإنسان ما دام لم يمت، وأنا لا ندري أن الله تعالى علم
منه أنه يموت على الكفر أو ليس كذلك . فنحن شاكون في قيام المانع ، فلا جرم نأمره بالإيمان
ونحثه عليه . فإذا مات على الكفر علمنا بعد موته أن المانع كان قائماً في حقه . فتبين أن شرط
التكليف كان زائلاً عنه حال حياته ، وهذا قول طائفة من قدماء أهل الجبر .
الجواب الرابع﴾ أنا بينا أن قوله ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) ليس قول الله
تعالى ، بل هو قول المؤمنين ، فلا يكون حجة ، إلا أن هذا ضعيف، وذلك لأن الله تعالى لما
حكاه عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم ، فبسبب هذا الكلام وجب أن يكونوا صادقين
في هذا الكلام، إذ لو كانوا كاذبين فيه لما جاز تعظيمهم بسببه ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال
في هذا الموضع ونسأل الله العظيم أن يرحم عجزنا وقصور فهمنا ، وأن يعفو عن خطايانا ، فأنا
لا نطلب إلا الحق ، ولا نروم إلا الصدق .
أما قوله تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في أنه هل في اللغة فرق بين الكسب والاكتساب ، قال
الواحدي رحمه الله : الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما ،
قال ذو الرمة :
ألقى أباه بذاك الکسب يكتسب
والقرآن أيضاً ناطق بذلك ، قال الله تعالى ( كل نفس بما كسبت رهينة ) وقال ( ولا
تكسب كل نفس إلا عليها ) وقال ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) وقال ( والذين
يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ) فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين
مقام الآخر ، ومن الناس من سلم الفرق ، ثم فيه قولان ( أحدهما ) أن الاكتساب أخص
من الكسب ، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره ، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب
الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله ، ولا يقال مكتسب لأهله ( والثاني ) قال
صاحب الكشاف : إنما خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب ، لأن الاكتساب اعتمال ،
فلما كان الشرمما تشتهيه النفس ، وهي منجذبة إليه ، وأمارة به كانت في تحصيله أعمل

١٥٤
قوله تعالى ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)) سورة البقرة
وأجد ، فجعلت لهذا المعنى مكتسبة فيه ولما لم يكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة
فيه على الاعتمال والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده وتكوينه، قالوا
لأن الآية صريحة في إضافة خيره وشره إليه ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة
ويجري صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها البتة
والكلام فيه معلوم وبالله التوفيق ، قال القاضي : لو كان خالقاً أفعالهم فما الفائدة في
التكليف، وأما الوجه في أن يسألوه أن لا يثقل عليهم والثقيل على قولهم كالخفيف في أنه تعالى
يخلقه فيهم وليس يلحقهم به نصب ولا لغوب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة قالوا: لأنه
تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع ، فبين أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما
اكتسبت ، وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان ، وأنه لا يلزم من طريان أحدهما
زوال الآخر ، قال الجبائي : ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير : لها ما
كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم تبطله ، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره
بالتوبة ، وإنما صرنا إلى إضمار هذا الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة
وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة ، والجمع بينهما محال في العقول ، فكان الجمع
بين استحقاقيهما أيضا محالا .
واعلم أن الكلام على هذه المسألة مر على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى ( لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى ) فلا نعيده .
المسألة الرابعة ﴾ احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية رعلى أن الله تعالى لا يعذب
الأطفال بذنوب آبائهم ، ووجه الاستدلال ظاهر فيه، ونظيره قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر
أخرى ) .
المسألة الخامسة﴾ الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في الإمساك البقاء
؟
والاستمرار، لأن اللام في قوله ( لها ما كسبت ) يدل على ثبوت هذا الاختصاص ، وتأكد
ذلك بقوله و 18 ((كل امرىء أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين)) وإذا تمهد هذا
الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه .
منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان ، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم ، وهو قوله
( لها ما كسبت) والعارض الموجود ، إما الغضب ، وإما الضمان ، وهما لا يوجبان زوال الملك

١٥٥
قوله تعالى ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)) سورة البقرة
بدليل أم الولد والمدبرة .
ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه ، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك
لقوله ( لها ماكسبت ) .
ومنها أنه لا شفعة للجار ، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم ، وهو قوله ( لها ما كسبت )
والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك ، وذلك يمنع من حصول
الاستواء ولأن التضرر بمخالطة الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا
المعنى مفقود في الجار .
ومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان ، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم ، وهو قوله ( لها
ما كسبت ) والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً قائماً ، فانه يجب رده
على المالك ، ولا يكون القطع مقتضياً زوال ملكه عنه .
ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به ، وجوابه أن الدلائل الموجبة للزكاة أخص ،
والخاص مقدم على العام، وبالجملة فهذه الآية أصل كبير في فروع الفقه والله أعلم .
ثم أعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين دعاءهم، وذلك لأنه مسلم قال ((الدعاء مخ العبادة))
لأن الداعي يشاهد نفسه في مقام الفقر والحاجة والذلة والمسكنة ويشاهد جلال الله تعالى وكرمه
وعزته وعظمته بنعت الاستغناء والتعالي، وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا
السبب ختم هذه السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع إلى الله
والكلام في حقائق الدعاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى ( وإذا سألك عبادي عني فاني قريب )
فقال ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء ، وذكر في
مطلع كل واحد منها قوله ( ربنا ) إلا في النوع الرابع من الدعاء فانه حذف هذه الكلمة عنها
وهو قوله ( واعف عنا واغفر لنا ) .
أما النوع الأول فهو قوله ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا، وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد ،
لأن الناسي قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله ، فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين
لنفسه في إيذاء نفسه ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الله يأخذ المذنب بالعقوبة ، فالمذنب
كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم ، فإنه لا يجد من يخلصه من عذابه إلا هو، فلهذا

١٥٦
قوله تعالى ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)) سورة البقرة
يتمسك العبد عند الخوف منه به ، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر عبر عنه بلفظ
المؤاخذة .
المسألة الثانية ﴾ في النسيان وجهان (الأول ) أن المراد منه هو النسيان نفسه الذي هو
ضد الذكر .
فإن قيل : أليس أن فعل الناسي في محل العفو بحكم دليل العقل حيث لا يجوز تكليف
ما لا يطاق وبدليل السمع وهو قوله ◌َّية ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإذا
كان النسيان في محل العفو قطعاً فما معنى طلب العفو عنه في الدعاء .
( والجواب ) عنه من وجوه ( الأول ) أن النسيان منه ما يعذر فيه صاحبه ، ومنه ما لا
يعذر ألا ترى أن من رأى في ثوبه دماً فاخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصراً ،
إذ كان يلزمه المبادرة إلى إزالته وأما إذا لم يره في ثوبه فإنه يعذر فيه ، ومن رمى صيداً في موضع
فأصاب إنساناً فقد يكون بحيث لا يعلم الرامي أنه يصيب ذلك الصيد أو غيره فإذا رمى ولم
يتحرز كان ملوماً أما إذا لم تكن امارات الغلط ظاهرة ثم رمى وأصاب إنساناً كان ههنا
معذوراً، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدرس والتكرار حتى نسي القرآن يكون ملوماً ،
وأما إذا واظب على القراءة ، لكنه بعد ذلك نسي فههنا يكون معذوراً، فثبت أن النسيان على
قسمين ، منه ما يكون معذوراً، ومنه ما لا يكون معذوراً، وروى أنه كان إذا أراد أن
يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه فثبت بما ذكرنا أن الناسي قد لا يكون معذوراً، وذلك ما إذا
ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر ، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء .
الوجه الثاني في الجواب ﴾ أن يكون هذا دعاء على سبيل التقدير وذلك لأن هؤلاء المؤمنين
الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حتى تقاته ، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على
وجه النسيان والخطأ ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إشعاراً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به كأن
قيل : إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به .
الوجه الثالث في الجواب﴾ أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى ، لا
طلب الفعل ، ولذلك فإن الداعي كثيراً ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم
يدع ، قال الله تعالى (قال رب احكم بالحق ) وقال (ربناوآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا
يوم القيامة ) وقالت الملائكة في دعائهم ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) فكذا في هذه الآية
العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء .
الوجه الرابع في الجواب ﴾ أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلا، وذلك لأن الإنسان

١٥٧
قوله تعالى ((ربنا ولا تحمل علينا اصراً)) الآية سورة البقرة
رَبْنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآَ إِصْرًا كَا خَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَالَا طَاقَةً
لَنَا بِهِ
إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذاً فانه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر، فحينئذ لا يصدر
عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس ، فلما كان ذلك جائزاً في العقول ، لا
جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء .
﴿ الوجه الخامس ﴾ أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه
الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل ، فلولا أنه جائز عقلاً من الله تعالى أن
يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه .
والقول الثاني ﴾ في تفسير النسيان، أن يحمل على الترك ، قال الله تعالى ( فنسي ولم
نجد له عزماً) وقال تعالى ( نسوا الله فنسيهم ) أي تركوا العمل لله فتركهم ، ويقول الرجل
لصاحبه : لا تنسني من عطيتك ، اي لا تتركني ، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل
فاسد ، والمراد بالخطأ ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد .
﴿ المسألة الثالثة﴾ علم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن يكونا
مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي ، أو يكون أحدهما كذلك دون الآخر ،
فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر، لأن العمد إلى المعصية لما
كان حاصلاً في النسيان وفي الخطأ ثم إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم ( لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا) فكان ذلك امراً من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على
المعاصي ، ولما أمرهم بطلب ذلك ، دل على أنه يعطيهم هذا المطلوب ، وذلك يدل على
حصول العفو لأصحاب الكبائر، وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن المؤاخذة على ذلك
قبيحة عند الخصم ، وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب بالدعاء .
فإن قيل : الناسي قد يؤاخذ في ترك التحفظ قصداً وعمداً على ما قررتم في المسألة
المتقدمة .
قلنا : فهو في الحقيقة مؤاخذة بترك التحفظ قصداً وعمداً ، فالمؤاخذة إنما حصلت على ما
تركه عمداً، وظاهر ما ذكرنا دلالة هذه الآية على رجاء العفو لأهل الكبائر .
قوله تعالى ( ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ .

١٥٨
قوله تعالى ((ربنا ولا تحمل علينا أصراً)) سورة البقرة
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدعاء وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الإصر في اللغة: الثقل والشدة، قال النابغة:
يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإِصر عنهم بعد ما عرفوا
ثم سمي العهد إصراً لأنه ثقيل ، قال الله تعالى ( وأخذتم على ذلكم إصري ) أي
عهدي وميثاقي والإِصر العطف، يقال : ما يأصرني عليه آصرة ، أي رحم وقرابة ، وإنما سمي
العطف إصراً لأن عطفك عليه يثقل على قلبك كل ما يصل إليه من المكاره .
المسألة الثانية ﴾ ذكر أهل التفسير فيه وجهين ( الأول ) لا تشدد علينا في التكاليف
كما شددت على من قبلنا من اليهود ، قال المفسرون : إن الله تعالى فرض عليهم خمسين
صلاة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها ، وكانوا
إذا نسوا شيئاً عجلت لهم العقوبة في الدنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام
بعض ما كان حلالا لهم ، قال الله تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ) وقال تعالى
( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) وقد
حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر ، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا ، كما قال
( من قبل أن نطمس وجوها ) وكانوا يمسخون قردة وخنازير ، قال القفال : ومن نظر في السفر
الخامس من التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود
والمواثيق ، ورأى الأعاجيب الكثيرة ، فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه
التغليظات ، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم ، قال الله تعالى في صفة هذه الأمة
( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) وقال عليه السلام ((رفع عن أمتي المسخ
والخسف والغرق)) وقال الله تعالى ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم
يستغفرون) وقال عليه الصلاة والسلام ((بعثت بالحنيفية السهلة السمحة)) والمؤمنون إنما طلبوا
هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير ، والتقصير موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب
اللّه تعالى ، فلا جرم طلبوا السهولة في التكاليف.
( والقول الثاني ) لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة ،
وهذا القول يرجع إلى الأول في الحقيقة لكن باضمار شيء زائد على الملفوظ، فيكون الأول
أولی .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ لقائل أن يقول: دلت الدلائل العقلية والسمعية على أنه أكرم
الأكرمين وأرحم الراحمين ، فما السبب في أن شدد التكليف على اليهود حتى أدى ذلك إلى
وقوعهم في المخالفات والتمرد ، قالت المعتزلة : من الجائز أن يكون الشيء مصلحة في حق

١٥٩
قوله تعالى ((ربنا ولا تحملنا)) سورة البقرة
إنسان ، مفسدة في حق غيره ، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم ، فما كانوا
ينصلحون إلا بالتكاليف الشاقة والشدة ، وهذه الأمة كانت الرقة وكرم الخلق غالباً على
طباعهم ، فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ .
أجاب الأصحاب بأن السؤال الذي ذكرناه في المقام الأول ننقله إلى المقام الثاني فنقول:
ولماذا خص اليهود بغلظة الطبع ، وقسوة القلب ودناءة الهمة ، حتى احتاجوا إلى التشديدات
العظيمة في التكاليف ولماذا خص هذه الأمة بلطافة الطبع وكرم الخلق وعلو الهمة حتى صار
يكفيهم التكاليف السهلة في حصول مصالحهم .
ومن تأمل وأنصف علم أن هذه التعليلات عليلة فجل جناب الجلال عن أن يوزن
بميزان الاعتزال ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ( لا يسأل عما يفعل وهم
يسألون )
قوله تعالى ﴿ ربنا ولا تحملنا وما لا طاقة لنا به ﴾ .
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من دعاء المؤمنين ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الطاقة اسم من الإطاقة ، كالطاعة من الإطاعة ، والجابة من الإجابة
وهي توضع موضع المصدر .
المسألة الثانية ﴾ من الأصحاب من تمسك به في أن تكليف ما لا يطاق جائز إذ لو لم
يكن جائزاً لما حسن طلبه بالدعاء من الله تعالى .
أجاب المعتزلة عنه من وجوه ( الأول ) أن قوله ( ما لا طاقة لنا به ) أي يشق فعله مشقة
عظيمة وهو كما يقول الرجل : لا أستطيع أن أنظر إلى فلان إذا كان مستثقلا له . قال
الشاعر :
ساءك ما سرك مني من خلق
إنك إن كلفتني ما لم أطق
وفي الحديث أن النبي ◌ّقال في المملوك (( له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا
يطيق)) أي ما يشق عليه، وروى عمران بن الحصين أن النبي مل﴾ قال ((المريض يصلى
جالساً، فان لم يستطع فعلى جنب)) فقوله: فان لم يستطع ليس معناه عدم القوة على
الجلوس ، بل كل الفقهاء يقولون : المراد منه إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة عظيمة شديدة ،

١٦٠
قوله تعالى ((ربنا ولا تحملنا)) سورة البقرة
وقال الله تعالى في وصف الكفار ( ما كانوا يستطيعون السمع ) أي كان يشق عليهم .
﴿ الوجه الثاني﴾ أنه تعالى لم يقل: لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به ، بل قال ( لا تحملنا ما
لا طاقة لنا به) والتحميل هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمله فيكون المراد منه العذاب
والمعنى لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله فلو حملنا الآية على ذلك كان قوله ( لا تحملنا )
حقيقة فيه ولو حملناه على التكليف كان قوله ( لا تحملنا ) مجازاً فيه ، فكان الأول أولى .
الوجه الثالث ﴾ هب أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم بما لا قدرة لهم عليه لكن
ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه ، لأنه لو دل على ذلك لدل قوله ( رب احكم بالحق )
على جواز أن يحكم بباطل ، وكذلك يدل قول إبراهيم عليه السلام ( ولا تخزني يوم يبعثون )
على جواز أن يخزي الأنبياء ، وقال الله تعالى لرسوله ول# (ولا تطع الكافرين والمنافقين ) ولا
يدل هذا على جواز أن يطيع الرسول الكافرين والمنافقين وكذا الكلام في قوله ( لئن أشركت
ليحبطن عملك ) هذا جملة أجوبة المعتزلة .
أجاب الأصحاب فقالوا :
﴿ أما الوجه الأول﴾ فمدفوع من وجهين (الأول) أنه لو كان قوله ( ولا تحملنا ما لا
طاقة لنا به ) محمولا على أن لا يشدد عليهم في التكليف لكان معناه ومعنى الآية المتقدمة عليه
وهو قوله ( ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) واحداً فتكون هذه الآية تكراراً
محضا وذلك غير جائز ( الثاني ) أنا بينا أن الطاقة هي الإطاقة والقدرة ، فقوله ( لا تحملنا ما لا
طاقة لنا به ) ظاهره لا تحملنا ما لا قدرة لنا عليه أقصى ما في الباب أنه جاء هذا اللفظ بمعنى
الاستقبال في بعض وجوه الاستعمال على سبيل المجاز إلا أن الأصل حمل اللفظ على الحقيقة .
﴿ وأما الوجه الثاني﴾ فجوابه أن التحمل مخصوص في عرف القرآن بالتكليف، قال
الله تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السموات ) إلى قوله (وحملها الإنسان ) ثم هب أنه لم يوجد
هذا العرف إلا أن قوله ( لا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) عام في العذاب وفي التكليف فوجب إجراؤه
على ظاهره أما التخصيص بغير حجة فانه لا يجوز .
﴿ وأما الوجه الثالث ﴾ فجوابه أن فعل الشيء إذا كان ممتنعاً لم يجز طلب الامتناع منه
على سبيل الدعاء والتضرع ويصير ذلك جارياً مجرى من يقول في دعائه وتضرعه : ربنا لا تجمع
بين الضدين ولا تقلب القديم محدثاً، كما أن ذلك غير جائز، فكذا ما ذكرتم .
إذا ثبت هذا فنقول : هذا هو الأصل فاذا صار ذلك متروكاً في بعض الصور لدليل