Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
قوله تعالى ((وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء سورة البقرة
أما قوله تعالى ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) فالاخفاء نقيض الاظهار
وقوله ( فهو ) كناية عن الاخفاء ، لأن الفعل يدل على المصدر ، أي الاخفاء خيرلكم ، وقد
ذكرنا أن قوله ( خير لكم ) يحتمل أن يكون المراد منه أنه في نفسه خير من الخيرات ، كما
يقال : الثريد خير وأن يكون المراد منه الترجيح ، وإنما شرط تعالى في كون الاخفاء أفضل أن
تؤتوها الفقراء لأن عند الاخفاء الأقرب أن يعدل بالزكاة عن الفقراء إلى الأحباب والأصدقاء
الذين لا يكونون مستحقين للزكاة ، ولذلك شرط في الاخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء ،
والمقصود بعث المتصدق على أن يتحرى موضع الصدقة ، فيصير عالماً بالفقراء ، فيميزهم عن
غيرهم ، فاذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة .
أما قوله تعالى ( ويكفر عنكم من سيئاتكم ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ التكفير في اللغة التغطية والستر، ورجل مكفر في السلاح مغطى
فيه ، ومنه يقال : كفر عن يمينه ، أي ستر ذنب الحنث بما بذل من الصدقة ، والكفارة ستارة لما
حصل من الذنب .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر (نكفر ) بالنون
ورفع الراء وفيه وجوه ( أحدها ) أن يكون عطفاً على محل ما بعد الفاء ( والثاني ) أن يكون
خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر ( والثالث ) أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأ بمستأنفة منقطعة
عما قبلها ، والقراءة الثانية قراءة حمزة ونافع والكسائي بالنون والجزم ، ووجهه أن يحمل
الكلام على موضع قوله ( فهو خير لكم ) فإن موضعه جزم ، ألا ترى أنه لو قال : وإن تخفوها
تكن أعظم لثوابكم ، لجزم فيظهر أن قوله ( خير لكم ) في موضع جزم ، ومثله في الحمل على
موضع الجزم قراءة من قرأ ( من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم) بالجزم ، والقراءة الثالثة
قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم ( يكفر ) بالياء وكسر الفاء ورفع الراء ، والمعنى يكفر الله
أو يكفر الاخفاء ، وحجتهم أن ما بعده على لفظ الافراد ، وهو قوله ( والله بما تعملون خبير )
فقوله ( يكفر ) يكون أشبه بما بعده ، والأولون أجابوا وقالوا لا بأس بأن يذكر لفظ الجمع أولا
ثم لفظ الافراد ثانیاً کما أتی بلفظ الأفراد أولا والجمع ثانیاً في قوله ( سبحان الذي أسرى بعبده
ليلا ) ثم قال ( وآتينا موسى الكتاب ) ونقل صاحب الكشاف قراءة رابعة ( وتكفر ) بالتاء
مرفوعاً ومجزوماً وللفاعل الصدقات ، وقراءة خامسة وهي قراءة الحسن بالتاء والنصب باضمار
(إن) ومعناها إن تخفوها يكن خير لكم ، وإن نكفر عنكم سيئاتكم فهو خير لكم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ في دخول (من ) في قوله ( من سيئاتكم ) وجوه ( أحدها ) المراد :
الفخر الرازي ح ٧ م ٦

٨٢
قوله تعالى (( ليس عليك هداهم)) الآية سورة البَقَرة
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَنُهُمْ وَلَكِنَّ الََّ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا يُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُ وَمَا
◌ُفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ الهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (
٢٧٢
ونكفر عنكم بعض سيئاتكم لأن السيئات كلها لا تكفر بذلك ، وإنما يكفر بعضها ثم أبهم
الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالاغراء بارتكابها إذا علم أنها مكفرة ، بل الواجب أن يكون
العبد في كل أحواله بين الخوف والرجاء ، وذلك إنما يكون مع الإبهام ( والثاني ) أن يكون
( من ) بمعنى من أجل ، والمعنى : ونكفر عنكم من أجل ذنوبكم . كما تقول : ضربتك من
سوء خلقك أي من أجل ذلك ( والثالث ) أنها صلة زائدة كقوله ( فيها من كل الثمرات )
والتقدير : ونكفر عنكم جميع سيئاتكم والأول أولى وهو الأصح .
ثم قال ( والله بما تعملون خبير ) وهو إشارة إلى تفضيل صدقة السرعلى العلانية ،
والمعنى أن الله عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاته ، فقد حصل
مقصودكم في السر، فما معنى الابداء ، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى الاخفاء ليكون أبعد من
الرياء .
قوله تعالى ﴿ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما
تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ﴾ .
هذا هو الحكم الرابع من أحكام الانفاق ، وهو بيان أن الذي يجوز الانفاق عليه من هو
ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في بيان سبب النزول وجوه ( أحدها ) أن هذه الآية نزلت حين
جاءت نتيلة أم أسماء بنت أبي بكر إليها تسألها ، وكذلك جدتها وهما مشركتان ، أتيا أسماء
يسألانها شيئاً فقالت لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله ◌َّ فانكما لستما على ديني ، فاستأمرته
في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله صل أن تتصدق عليهما.
﴿ والرواية الثانية﴾ كان أناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة وكانوا لا يتصدقون
عليهم ، يقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئاً فنزلت هذه الآية .
﴿ والرواية الثالثة﴾ أنه * كان لا يتصدق على المشركين، حتى نزلت هذه الآية

٨٣
قوله تعالى ((ليس عليك هداهم)) سورة البقرة
فتصدق عليهم والمعنى على جميع الروايات : ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة
لأجل أن يدخلوا في الإسلام ، فتصدق عليهم لوجه الله ، ولا توقف ذلك على إسلامهم ،
ونظيره قوله تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ) فرخص في
صلة هذا الضرب من المشركين .
﴿ المسألة الثانية) أنه لو كان شديد الحرص على إيمانهم كما قال تعالى (فلعلك باخع
نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ، لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين )
وقال ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وقال ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز
عليه ما عنتم حريص عليكم ) فأعلمه الله تعالى أنه بعثه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله باذنه
وسراجاً منيراً ومبيناً للدلائل ، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك ، فالهدى ههنا
بمعنى الإهتداء ، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم ، وفيه
وجه آخر : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن توقف صدقتك عنهم على
إيمانهم ، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به ، بل الإيمان المطلوب منهم الإيمان على سبيل
التطوع والاختيار .
﴿ المسألة الثالثة) ظاهر قوله ( ليس عليك هداهم) خطاب مع النبي ومَلل ولكن المراد به
هو وأمته ، ألا تراه قال ( إن تبدوا الصدقات ) وهذا خطاب عام ، ثم قال ( ليس عليك
هداهم ) وهو في الظاهر خاص ، ثم قال بعده ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) وهذا عام
فيفهم من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضاً .
أما قوله تعالى ( ولكن الله يهدي من يشاء ) فقد احتج به الأصحاب على أن هداية الله
تعالى غير عامة ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا : لأن قوله ( ولكن الله يهدي من يشاء ) إثبات
للهداية التي نفاها بقوله ( ليس عليك هداهم ) لكن المنفي بقوله ( ليس عليك هداهم ) هو
حصول الاهتداء على سبيل الاختيار ، فكان قوله ( ولكن الله يهدي من يشاء) عبارة عن
حصول الاهتداء على سبيل الاختيار وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعاً
بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب .
قالت المعتزلة ( ولكن الله يهدي من يشاء ) يحتمل وجوهاً (أحدها) أنه يهدي بالإثابة
والمجازاة من يشاء ممن استحق ذلك ( وثانيها ) يهدي بالألطاف وزيادات الهدى من يشاء
(وثالثها) ولكن الله يهدي بالإكراه من يشاء على معنى أنه قادر على ذلك . إن لم يفعله
( ورابعها ) أنه يهدي بالاسم والحكم من يشاء . فمن اهتدى استحق ان يمدح بذلك .

٨٤
قوله تعالى ((ولكن الله يهدي من يشاء)) سورة البقرة
أجاب الأصحاب عن هذه الوجوه بأسرها أن المثبت في قوله ( ولكن الله يهدي من يشاء )
هو المنفي أولا بقوله ( ليس عليك هداهم ) لكن المراد بذلك المنفي بقوله أولا ( ليس عليك
هداهم ) هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، فالمثبت بقوله ( ولكن الله يهدى من يشاء ) يجب أن
يكون هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، وعلى هذا التقدير يسقط كل الوجوه .
ثم قال (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) فالمعنى : وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير فإنما
هو لأنفسكم أي ليحصل لأنفسكم ثوابه فليس يضركم كفرهم .
ثم قال تعالى (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في هذه الآية وجوه (الأول) أن يكون المعنى: ولستم في صدقتكم
على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله ، فقد علم الله هذا من قلوبكم ، فانفقوا
عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر : وليس عليكم
اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم ( الثاني) أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن
معناه نهي ، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله ، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيراً قال تعالى
( الوالدات يرضعن أولادهن والمطلقات يتربصن ) ( الثالث ) أن قوله ( وما تنفقون ) أي ولا
تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله .
﴿ المسألة الثانية﴾ ذكر في الوجه في قوله (إلا ابتغاء وجه الله) قولان ( أحدهما ) أنك
إذا قلت: فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك فعلته لأن وجه الشيء أشرفما فیه، ثم
كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ (والثاني) أنك إذا قلت: فعلت هذا الفعل له فههنا
يحتمل أن يقال : فعلته له ولغيره أيضاً ، أما إذا قلت فعلت هذا الفعل لوجهه ، فهذا يدل
على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة .
﴿ المسألة الثالثة) أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم ، فتكون هذه
الآية مختصة بصدقة التطوع ، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى أهل
الذمة ، وأباه غيره ، وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك .
ثم قال تعالى ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم ) أي يوف إليكم جزاؤه في الآخرة ، وإنما
حسن قوله ( إليكم ) مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية .
ثم قال ( وأنتم لا تظلمون) أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً لقوله تعالى ( آتت
أكلهاولم تظلم ومنه شيئاً) يريد لم تنقص .

٨٥
قوله تعالى ((للفقراء الذين احصروا)) الآية سورة البقرة
لِلْغُقَرَآءِ الَّذِينَ أَحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ لاَيَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِ الْأَرْضِ يَحَبُهُمُ
الْجَامِلُ أَغْنِيَةَ مِنَ التَّعَّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيَمَنُهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلَخَافًا وَمَا تُنْفِقُواْ
مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّبِهِ، عَلِيمٌ
قوله تعالى ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم
الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به
عليم ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأول أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان ، بين في
هذه الآية أن الذي يكون أشد الناس استحقاقاً بصرف الصدقة إليه من هو ؟ فقال ( للفقراء
الذين أحصروا في سبيل الله ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اللام في قوله (للفقراء) متعلق بماذا فيه وجوه ( الأول ) لما تقدمت
الآيات الكثيرة في الحث على الانفاق ، قال بعدها ( للفقراء ) أي ذلك الانفاق المحثوث عليه
للفقراء ، وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل فتقول : عاقل لبيب ، والمعنى أن ذلك الذي مر وصفه
عاقل لبيب ، وكذلك الناس يكتبون على الكيس الذي يجعلون فيه الذهب والدراهم : ألفان
ومائتان أي ذلك الذي في الكيس ألفان ومائتان هذا أحسن الوجوه ( الثاني ) أن تقدير الآية
اعمدوا للفقراء واجعلوا ما تنفقون للفقراء ( الثالث ) يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف
والتقدير وصدقاتكم للفقراء .
﴿ المسألة الثانية﴾ نزلت في فقراء المهاجرين ، وكانوا نحو أربعمائة ، وهم أصحاب
الصفة لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة ، وكانوا ملازمين المسجد ، ويتعلمون القرآن ،
ويصومون ويخرجون في كل غزوة ، عن ابن عباس: وقف رسول الله ◌َ له يوماً على أصحاب
الصفة فرأى فقرهم وجدهم فطيب قلوبهم ، فقال ((أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقيني من
أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فانه من رفاقي)).
واعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء الفقراء بصفات خمس :
الصفة الأولى﴾ قوله ( الذين أحصروا في سبيل الله) فنقول: الاحصار في اللغة أن
٠

٨٦
قوله تعالى ((للفقراء الذين احصروا)) سورة البقرة
يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره ، من مرض أو كبر أو عدو أو ذهاب نفقة ، أو ما يجري
مجرى هذه الأشياء ، يقال : أحصر الرجل فهو محصر، ومضى الكلام في معنى الاحصار عند
قوله ( فان أحصرتم ) بما يعني عن الإعادة ، أما التفسير فقد فسرت هذه الآية بجميع الأعداد
الممكنة في معنى الاحصار (فالأول) أن المعنى : إنهم حصروا أنفسهم ووقفوها على الجهاد ،
وأن قوله في ( سبيل الله) مختص بالجهاد في عرف القرآن ، ولأن الجهاد كان واجباً في ذلك
الزمان ، وكان تشتد الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع الرسول ومَ له، فيكون مستعداً
لذلك ، متى مست الحاجة ، فبين تعالى في هؤلاء الفقراء أنهم بهذه الصفة ، ومن هذا حاله
يكون وضع الصدقة فيهم يفيد وجوهاً من الخير (أحدها) إزالة عيلتهم (والثاني) تقوية قلبهم
لما انتصبوا إليه (وثالثها) تقوية الإِسلام بتقوية المجاهدين (ورابعها) أنهم كانوا محتاجين جداً
مع أنهم كانوا لا يظهرون حاجتهم ، على ما قال تعالى ( لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم
الجاهل أغنياء من التعفف) .
والقول الثاني ﴾ وهو قول قتادة وابن زيد: منعوا أنفسهم من التصرفات في التجارة
للمعاش خوف العدو من الكفار لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة ، وكانوا متى وجدوهم
قتلوهم .
﴿ والقول الثالث﴾ وهو قول سعيد بن المسيب واختيار الكسائي: أن هؤلاء القوم
أصابتهم جراحات مع رسول ◌َّه، وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض والزمانه عن الضرب في
الأرض .
﴿ والقول الرابع﴾ قال ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد
في سبيل الله فعذرهم الله.
والقول الخامس ﴾ هؤلاء قوم كانوا مشتغلين بذكر الله وطاعته وعبوديته ، وكانت شدة
استغراقهم في تلك الطاعة أحصرتهم عن الاشتغال بسائر المهمات .
﴿ الصفة الثانية لهؤلاء الفقراء) قوله تعالى ( لا يستطيعون ضرباً في الأرض ) يقال
ضربت في الأرض ضرباً إذا سرت فيها ، ثم عدم الاستطاعة إما أن يكون لأن اشتغالهم بصلاح
الدين وبأمر الجهاد ، يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة ، وإما لأن خوفهم من الأعداء
يمنعهم من السفر ، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه ، وعلى جميع الوجوه فلا شك في شدة
احتياجهم إلى من يكون معيناً لهم على مهماثهم .
﴿ الصفة الثالثة لهم﴾ قوله تعالى ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) وفيه مسائل :

٨٧
قوله تعالى (( لا يستطيعون ضرباً)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وابن عامر وحمزة (يحسبهم ) بفتح السين والباقون
بكسرها وهما اللتان بمعنى واحد ، وقرىء في القرآن ما كان من الحسبان باللغتين جميعاً الفتح
والكسر والفتح عند أهل اللغة أقيس ، لأن الماضي إذا كان على فعل ، نحو حسب كان
المضارع على يفعل ، مثل فرق يفرق وشرب يشرب ، وشذ حسب يحسب فجاء علي يفعل مع
كلمات أخر ، والكسرحسن لمجيء السمع به وإن كان شاذاً عن القياس .
﴿ المسألة الثانية ﴾ الحسبان هو الظن ، وقوله ( الجاهل ) لم يرد به الجهل الذي هو ضد
العقل ، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار ، يقول : يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء
من التعفف، وهو تفعل من العفة ومعنى العفة في اللغة ترك الشيء والكف عنه وأراد من
التعفف عن السؤال فتركه للعلم ، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة .
الصفة الرابعة لهؤلاء الفقراء﴾ قوله تعالى ( تعرفهم بسيماهم ) السيما والسيميا العلامة
التي يعرف بها الشيء ، وأصلها من السمة التي هي العلامة ، قلبت الواو إلى موضع العين قال
الواحدي : وزنه يكون فعلا ، كما قالوا : له جاه عند الناس أي وجه ، وقال قوم : السيما
الارتفاع لأنها علامة وضعت للظهور ، قال مجاهد ( سيماهم ) التخشع والتواضع ، قال الربيع
والسدى : أثر الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك صفرة ألوانهم من الجوع وقال ابن زيد
رثاثة ثيابهم والجوع خفي وعندي أن كل ذلك فيه نظر لأن كل ما ذكروه علامات دالة على
حصول الفقر وذلك يناقضه قوله ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) بل المراد شيء آخر هو
أن لعباد الله المخلص ين هيبة ووقعا في قلوب الخلق ، كل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم وذلك
إدراكات روحانية ، لاعلات جسمانية ، ألا ترى أن الأسد إذ مر هابته سائر السباع بطباعها لا
بالتجربة ، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت ، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور
الضعيفة ، وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية ، فكذا ههنا ، ومن هذا الباب آثار
الخشوع في الصلاة ، كما قال تعالى ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) وأيضاً ظهور آثار
الفكر ، روى أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف .
الصفة الخامسة لهؤلاء الفقراء ﴾ قوله تعالى ( لا يسألون الناس إلحافاً) عن ابن مسعود
رضي الله عنه: إن الله يحب العفيف المتعفف ، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف الذي
إن أعطى كثيراً أفرط في المدح، وإن أعطى قليلا أفرط في الذم، وعن رسول الله ◌َّ (( لا يفتح
أحد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يستعفف يعفه الله
تعالى ، لأن يأخذ أحدكم حبلا يحتطب فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس )).

٨٨
سورة
قوله تعالى (( لا يسألون الناس الحافاً
واعلم أن هذه الآية مشكلة ، وذكروا في تأويلها وجوها ( الأول ) أن الالحاف هو
الالحاح والمعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا ، وهو اختيار صاحب الكشاف وهو ضعيف ، لأن
الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال قبل ذلك فقال ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)
وذلك ينافي صدور السؤال عنهم ( والثاني ) وهو الذي خطر ببالي عند كتابة هذا الموضوع : أنه
ليس المقصود من قوله ( لا يسألون الناس إلحافا ) وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافاً ،
وذلك لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بأنهم يتعففون عن السؤال ، وإذا علم أنهم لا يسألون البتة
فقد علم أيضاً أنهم لا يسألون إلحافا ، بل المراد التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس
إلحافا ، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور ثابت ، والآخر طياش مهذار سفيه ،
فاذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ، لا
يخوض في الترهات ، ولا يشرع في السفاهات ، ولم يكن غرضك من قولك ، لا يخوض في
الترهات والسفاهات وصفه بذلك ، لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك ، بل
غرضك التنبيه على مذمة الثاني وكذا ههنا قوله ( لا يسألون الناس إلحافاً) بعد قوله ( يحسبهم
الجاهل أغنياء من التعفف) الغرض منه التنبيه على من يسأل الناس إلحافاً وبيان مباينة أحد
الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم.
﴿ الوجه الثالث﴾ أن السائل الملحف الملح هو الذي يستخرج المال بكثرة تلطفه،
فقوله ( لا يسألون الناس ) بالرفق والتلطف، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه فبأن لا
يوجد على وجه العنف أولى فاذا أمتنع القسمان فقد أمتنع حصول السؤال ، فعلى هذا يكون
قوله ( لا يسألون الناس إلحافاً ) كالموجب لعدم صدور السؤال منهم أصلا .
والوجه الرابع ﴾ وهو الذي خطر ببالي أيضاً في هذا الوقت، وهو أنه تعالى بين فيما
تقدم شدة حاجة هؤلاء الفقراء ، ومن اشتدت حاجته فانه لا يمكنه ترك السؤال إلا بالحاح شديد
منه على نفسه ، فكانوا لا يسألون الناس وإنما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحوا على النفس
ومنعوها بالتكليف الشديد عن ذلك السؤال ، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه :
تنازعني لعلي أو عساني
ولى نفس أقول لها إذا ما
﴿ الوجه الخامس﴾ أن كل من سأل فلا بد وأن يلح في بعض الأوقات ، لأنه إذا سأل
فقد أراق ماء وجهه ، ويحمل الذلة في إظهار ذلك السؤال ، فيقول : لما تحملت هذه المشاق فلا
أرجع بغير مقصود ، فهذا الخاطر يحمله على الإِلحاف والإلحاح، فثبت أن كل من سأل فلا بد
وأن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات ، فكان نفي الإلحاح عنهم مطلقاً موجباً لنفي السؤال
عنهم مطلقاً .

٨٩
سورة البقرة
قوله تعالى ((الذين ينفقون أموالهم)) الآية
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَهُمْ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرَّا وَعَلَائِيَّةً فَلَهُمْ أَبْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ وَلَا خَوْفٍ
عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَ نُونَ (9)
الوجه السادس﴾ وهو أيضاً خطر ببالي في هذا الوقت، وهو أن من أظهر من نفسه
آثار الفقر والذلة والمسكنة ، ثم سكت عن السؤال ، فكأنه أتى بالسؤال الملح الملحف ، لأن
ظهور أمارات الحاجة تدل على الحاجة وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع به تلك الحاجة
ومتى تصور الإنسان من غيره ذلك رق قلبه جداً، وصار حاملا له على أن يدفع إليه شيئاً ،
فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإِلحاف ، فقوله ( لا يسألون الناس إلحافاً ) معناه
أنهم سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار
ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإِلحاف بل يزينون أنفسهم عند الناس ويتجملون بهذا الخلق
ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق ، فهذا الوجه أيضاً مناسب معقول
وهذه الآية من المشكلات وللناس فيها كلمات كثيرة ، وقد لاحت هذه الوجوه الثلاثة بتوفيق الله
تعالى وقت كتب تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده .
واعلم أنه تعالى ذكر صفات هؤلاء الفقراء ، ثم قال بعده ( وما تنفقوا من خير فان الله به
عليم ) وهو نظير ما ذكر قبل هذه الآية من قوله ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا
تظلمون ) وليس هذا من باب التكرار وفيه وجهان ( أحدهما ) أنه تعالى لما قال ( وما تنفقوا من
خير يوف إليكم ) وكان من المعلوم أن توفية الأجر من غير بخس ونقصان لا يمكن إلا عند العلم
بمقدار العمل وكيفية جهاته المؤثرة في استحقاق الثواب لا جرم قرر في هذه الآية كونه تعالى عالماً
بمقادير الأعمال وكيفياتها .
الوجه الثاني ﴾ وهو أنه تعالى لما رغب في التصدق على المسلم والذمى ، قال ( وما
تنفقوا من خير يوف إليكم ) بين أن أجره واصل لا محالة ، ثم لما رغب في هذه الآية في التصدق
على الفقراء الموصوفين بهذه الأوصاف الكاملة ، وكان هذا الإنفاق أعظم وجوه الإنفاقات ، لا
جرم أردفه بما يدل على عظمة ثوابه فقال ( وما تنفقوا من خير فان الله به عليم ) وهو يجري مجرى
ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته : ما يكفيك بأن يكون علمي شاهداً
بكيفية طاعتك وحسن خدمتك ، فان هذا أعظم وقعاً مما إذا قال له : إن أجرك واصل إليك.
قوله تعالى ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا
خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ فى الآية مسائل:

٩٠
قوله تعالى ((الذين ينفقون أموالهم . سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ في كيفية النظم أقوال (الأول) لما بين في هذه الآية المتقدمة أن
أكمل من تصرف إليه النفقة من هو بين في هذه الآية أن أكمل وجوه الإنفاق كيف هو ، فقال
( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم ) ( والثاني ) أنه تعالى ذكر هذه الآية
لتأكيد ما تقدم من قوله ( إن تبدوا الصدقات فنعماً هي ) ( والثالث ) أن هذه الآية آخر الآيات
المذكورة في أحكام الإنفاق ، فلا جرم أرشد الخلق إلى أكمل وجوه الإنفاقات.
المسألة الثانية﴾ في سبب النزول وجوه (الأول) لما نزل قوله تعالى (للفقراء الذين
أحصروا في سبيل الله) بعث عبد الرحمن بن عوف إلى أصحاب الصفة بدنانير ، وبعث علي
رضي الله عنه بوسق من تمر ليلا ، فكان أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقته ، فنزلت هذه
الآية فصدقة الليل كانت أكمل ( والثاني ) قال ابن عباس : إن علياً عليه السلام ما كان يملك
غير أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية ،
فقال ◌َّ: ما حملك على هذا ؟ فقال : أن استوجب ما وعدني ربي ، فقال : لك ذلك فأنزل
الله تعالى هذه الآية ( والثالث ) قال صاحب الكشاف : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله
عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار : عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة في السر، وعشرة في
العلانية ( والرابع ) نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله ، فكان أبو هريرة إذا مر بفرس
سمين قرأ هذه الآية ( الخامس ) أن الآية عامة في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة
تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها
بوقت ولا حال ، وهذا هو أحسن الوجوه . لأن هذا آخر الآيات المذكورة في بيان حكم
الإنفاقات فلا جرم ذكر فيها أكمل وجوه الإنفاقات والله أعلم.
المسألة الثالثة ﴾ قال الزجاج ( الذين ) رفع بالابتداء وجاز أن تكون الفاء من قوله
( فلهم ) جواب الذين لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاء ، فكان التقدير : من أنفق فلا يضيع
أجره ، وتقديره أنه لوقال : الذي أكرمني له درهم لم يفد أن الدرهم بسبب الإكرام ، أما لو
قال : الذي أكرمني فله درهم يفيد أن الدرهم بسبب الإكرام ، فههنا الفاء دلت على أن
حصول الأجر إنما كان بسبب الإنفاق والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ في الآية إشارة إلى أن صدقة السرأفضل من صدقة العلانية، وذلك
لأنه قدم الليل على النهار ، والسرعلى العلانية في الذكر.
ثم قال في خاتمة الآية ( فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
والمعنى معلوم وفيه مسألتان :

٩١
قوله تعالى ((الذين يأكلون الربا)) الآية . سورة البقرة
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّ كَا يَقُومُ الَّذِىِ يَتَخَُّ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنََّا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِّبَوْ وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَّمَ الِبَوْ لَمَنْ جَاءَهُ،
مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَدَ فَأُوْلَئِكَ أَعْتَنْبُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ.
٢٧٥
المسألة الأولى﴾ أنها تدل على أن أهل الثواب لا خوف عليهم يوم القيامة، ويتأكد
ذلك بقوله تعالى ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) .
المسألة الثانية ﴾ أن هذا مشروط عند الكل بأن لا يحصل عقيبه الكفر ، وعند المعتزلة
أن لا يحصل عقيبه كبيرة محبطة ، وقد أحكمنا هذه المسألة ، وههنا آخر الآيات المذكورة في بيان
أحكام الإنفاق.
﴿ الحكم الثاني﴾ من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة حكم
الربا :
قوله تعالى ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس
ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله
ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
اعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد ، وذلك لأن الصدقة عبارة عن
تنقيص المال بسبب أمر الله بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهى الله عنه ، فكانا
متضادين ، ولهذا قال الله تعالى ( يمحق الله الربا ويربى الصدقات ) فلما حصل بين هذين الحكمين
هذا النوع من المناسبة ، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا .
أما قوله ( الذين يأكلون الربا) فالمراد الذين يعاملون به ، وخص الأكل لأنه معظم
الأمر ، كما قال ( الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز
إتلافه ، ولكنه نبه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )
وأيضاً فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل ، إنما
يصرف في المأكول فيؤكل ، والمراد التصرف فيه ، فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من

٩٢
قوله تعالى ((الذين يأكلون الربا)) سورة البقرة
الوعيد، وأيضاً فقد ثبت أنه وَّ ((لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له)) فعلمنا
أن الحرمة غير مختصة بالآكل ، وأيضاً فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس ، أن ما يحرم لا يوقف
تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في
هذه الآية التصرف في الربا ، وأما الربا ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال : ربا الشيء يربو ومنه قوله
( اهتزت وربت) أي زادت، وأربى الرجل إذا عامل في الربا، ومنه الحديث ((من أجبى فقد
أربى)) أي عامل بالربا، والإِجباء بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه ، هذا معنى الربا فى
اللغة .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ حمزة والكسائي (الربا) بالامالة لمكان كسرة الراء والباقون
بالتفخيم بفتح الباء ، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو ، وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو
والياء ، قال صاحب الكشاف: الربا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة
وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن الربا قسمان. ربا النسيئة، وربا الفضل.
أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا
يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً ، ويكون رأس المال باقياً ، ثم إذا حل الدين
طالبوا المديون برأس المال ، فان تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي
كانوا فى الجاهلية يتعاملون به .
وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك .
إذا عرفت هذا فنقول : المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول فكان
يقول : لا ربا إلا في النسيئة ، وكان يجوز بالنقد ، فقال له أبو سعيد الخدري : شهدت ما لم
تشهد ، أو سمعت من رسول الله ﴾ ﴾ ما لم تسمع ثم روى أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين:
كنا في بيت ومعنا عكرمة ، فقال رجل : يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن
عباس ، فقال: إنما كنت استحللت التصرف برأيي، ثم بلغني أنه وَلّ حرمه ، فاشهدوا أني
حرمته وبرئت منه إلى الله ، وحجة ابن عباس أن قوله ( وأحل الله البيع ) يتناول بيع الدرهم
بالدرهمين نقداً ، وقوله ( وحرم الربا) لا يتناوله لأن الربا عبارة عن الزيادة ، وليست كل زيادة
محرمة ، بل قوله ( وحرم الربا ) إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما بينهم بانه

٩٣
قوله تعالى ((الذين يأكلون الربا سورة البقرة
ربا ، وذلك هو ربا النسيئة ، فكان قوله ( وحرم الربا) مخصوصاً بالنسيئة ، فثبت أن قوله
( وأحل الله البيع ) يتناول ربا النقد ، وقوله ( وحرم الربا) لا يتناوله ، فوجب أن يبقى على
الحل ، ولا يمكن أن يقال : إنما يحرمه بالحديث ، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر
الواحد وأنه غير جائز ، وهذا هو عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن بخبر
الواحد هل يجوز أم لا؟
وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين ، أما القسم الأول
فبالقرآن ، وأما ربا النقد فبالخبر ، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة ، ثم
اختلفوا فقال عامة الفقهاء : حرمة التفاضل غير مقصورة على هذه الستة ، بل ثابتة في غيرها ،
وقال نفاة القياس : بل الحرمة مقصورة عليها وحجة هؤلاء من وجوه :
الحجة الأولى﴾ أن الشارع خص من المكيلات والمطعومات والأقوات أشياء أربعة ،
فلو كان الحكم ثابتاً في كل المكيلات أو في كل المطعومات لقال : لا تبيعوا المكيل بالمكيل
متفاضلاً، أوقال: لا تبيعوا المطعوم بالمطعُوم متفاضلاً، فإن هذا الكلام يكون أشد اختصاراً،
وأكثر فائدة، فلما لم يقل ذلك بل عد الأربعة، علمنا أن حكم الحرمة مقصور عليها فقط .
﴿ الحجة الثانية) أنا بينا أن قوله تعالى (وأحل الله البيع ) يقتضي حل ربا النقد فأنتم
أخرجتم ربا النقد من تحت هذا العموم بخبر الواحد في الأشياء الستة ، ثم أثبتم الجرمة في
غيرها بالقياس عليها ، فكان هذا تخصيصاً لعموم نص القرآن في الأشياء الستة بخبر الواحد ،
وفي غيرها بالقياس على الأشياء الستة ، ثبت الحكم فيها بخبر الواحد ، ومثل هذا القياس
يكون أضعف بكثير من خبر الواحد ، وخبر الواحد أضعف من ظاهر القرآن ، فكان هذا
ترجيحاً للأضعف على الأقوى ، وإنه غير جائز .
﴿ الحجة الثالثة) أن التعدية من محل النص إلى غير محل النص، لا تمكن إلا بواسطة
تعليل الحكم في مورد النص ، وذلك غير جائز ، أما أولا فلأنه يقتضي تعليل حكم الله ،
وذلك محال على ما ثبت في الأصول ، وأما ثانياً فلأن الحكم في مورد النص معلوم ، واللغة
مظنونة وربط المعلوم بالمظنون غير جائز ، وأما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة ربا النقد
غير مقصورة على هذه الأشياء الستة ، بل هي ثابتة في غيرها ، ثم من المعلوم أنه لا يمكن تعدية
الحكم عن محل النص إلى غير محل النص إلا بتعليل الحكم الثابت في محل النص بعلة حاصلة في
غير محل النص فلهذا المعنى اختلفوا في العلة على مذاهب .

٩٤
قوله تعالى ((الذين يأكلون الربا)) سورة البقرة
فالقول الأول﴾ وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن العلة في حرمة الربا الطعم
في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس ، وفي الذهب والفضة النقدية .
والقول الثاني ﴾ قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أن كل ما كان مقدراً ففيه الربا ،
والعلة في الدراهم والدنانير الوزن ، وفي الأشياء الأربعة الكيل واتحاد الجنس .
﴿والقول الثالث﴾ قول مالك رضي الله عنه أن العلة هو القوت أو ما يصلح به
القوت ، وهو الملح .
والقول الرابع ﴾ وهو قول عبد الملك بن الماجشون : أن كل ما ينتفع به ففيه الربا ،
فهذا ضبط مذاهب الناس في حكم الربا ، والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير.
المسألة الرابعة ﴾ ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً ( أحدها) الربا يقتضى أخذ مال
الإِنسان من غير عوض ، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم
من غير عوض ، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة، قال ◌َّ ((حرمة مال الإنسان
كحرمة دمه)) فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرماً.
فان قيل : لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضاً عن الدرهم
الزائد ، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد
بسبب تلك التجارة ربحاً فلما تركه في ید المدیون وانتفع به المدیون لم یبعد أن يدفع إلى رب
المال ذلك الدرهم الزائد عوضاً عن انتفاعه بماله.
قلنا : إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل ، وأخذ الدرهم
الزائد أمر متيقن ، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر ( وثانيها ) قال
بعضهم : الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب ، وذلك لأن
صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسيئة خف
عليه اكتساب وجه المعيشة ، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة ،
وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق ، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات
والحرف والصناعات والعمارات ( وثالثها) قيل : السبب في تحريم عقد الربا ، أنه يفضي إلى
انقطاع المعروف بين الناس من القرض ، لأن الربا إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع
مثله ، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين ، فيفضي ذلك إلى
انقطاع المواساة والمعروف والإحسان ( ورابعها) هو أن الغالب أن المقرض يكون غنياً،

٩٥
قوله تعالى ((الذين يأكلون الربا)) سورة البقرة
والمستقرض يكون فقيراً ، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغني من أن يأخذ من الفقير
الضعيف ما لا زائداً ، وذلك غير جائز برحمة الرحيم (وخامسها ) أن حرمة الربا قد ثبتت
بالنص ، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق ، فوجب القطع بحرمة عقد
الربا ، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه .
أما قوله تعالى ( لا يقومون ) فأكثر المفسرين قالوا : المراد منه القيام يوم القيامة ، وقال
بعضهم : المراد منه القيام من القبر ، واعلم أنه لا منافاة بين الوجهين ، فوجب حمل اللفظ
علیھما .
أما قوله تعالى ( إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ التخبط معناه الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف
في أمر ولا يهتدي فيه ؛ إنه يخبط خبط عشواء ، وخبط البعير للأرض بأخفافه ، وتخبطه الشيطان
إذا مسه بخبل أو جنون لأنه كالضرب على غير الاستواء في الادهاش ، وتسمى إصابة الشيطان
بالجنون والخبل خبطة ، ويقال : به خبطة من جنون ، والمس الجنون ، يقال : مس الرجل
فهو ممسوس وبه مس ، وأصله من المس باليد ، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه ، ثم سمى
الجنون مساً، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله ، فسمى الجنون خبطة ، فالتخبط
بالرجل والمس بالید ، ثم فیه سؤالان :
السؤال الأول ﴾ التخبط تفعل، فكيف يكون متعدياً؟.
( الجواب ) تفعل بمعنى فعل كثير ، نحو تقسمه بمعنى قسمه ، وتقطعه بمعنى قطعه .
السؤال الثاني ﴾ بم تعلق قوله (من المس) .
قلنا : فيه وجهان ( أحدهما ) بقوله ( لا يقومون ) والتقدير : لا يقومون من المس الذي
لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ( والثاني ) أنه متعلق بقوله ( يقوم) والتقدير لا يقومون
إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس .
المسألة الثانية ﴾ قال الجبائي : الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن
الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل ، لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم
ويدل عليه وجوه :
( أحدها ) قوله تعالى حكاية عن الشيطان ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن
دعوتكم فاستجبتم لي ) وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والايذاء

٩٦
قوله تعالى ((الذين يأكلون الربا)) سورة البقرة
( والثاني ) الشيطان إما أن يقال : إنه كثيف الجسم ، أو يقال : إنه من الأجسام اللطيفة ،
فان كان الأول وجب أن يرى ويشاهد ، إذلو جاز فيه أن يكون كثيفاً ويحضر ثم لا يرى لجاز أن
يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها، وذلك جهالة عظيمة، ولأنه لو
كان جسماً كثيفاً فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان ، وأما إن كان جسماً لطيفاً
كالهواء ، فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة ، فيمتنع أن يكون قادراً على أن يصرع
الإِنسان ويقتله ( الثالث ) لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل لصح أن يفعل مثل
معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك يجر إلى الطعن في النبوة ( الرابع ) أن الشيطان
لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولم لا يخبطهم مع شدة عدواته لأهل الإيمان ، ولم
لا يغصب أموالهم ، ويفسد أحوالهم ، ويفشي أسرارهم ، ويزيل عقولهم ؟ وكل ذلك ظاهر
الفساد ، واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الأشياء بوجهين ( الأول) ما روى أن
الشياطين في زمان سليمان بن داود عليهما السلام كانوا يعملون الأعمال الشاقة على ما حكى الله
عنهم أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات .
( والجواب عنه) أنه تعالی کلفهم في زمن سلیمان فعند ذلك قدروا علی هذه الأفعال وکان
ذلك من المعجزات لسليمان عليه السلام ( والثاني ) أن هذه الآية وهي قوله ( يتخبطه
الشيطان ) صريح في أن يتخبطه الشيطان بسبب مسه .
( والجواب عنه) أن الشيطان يمسه بوسوسته المؤذية التي يحدث عندها الصرع ، وهو
كقول أيوب عليه السلام ( إني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) وإنما يحدث الصرع عند تلك
الوسوسة لأن الله تعالى خلقه من ضعف الطباع ، وغلبة السوداء عليه بحيث يخاف عند
الوسوسة فلا يجترى فيصرع عند تلك الوسوسة ، كما يصرع الجبان من الموضع الخالى ، ولهذا
المعنى لا يوجد هذا الخبط في الفضلاء الكاملين ، وأهل الحزم والعقل وإنما يوجد فيمن به نقص
في المزاج وخلل في الدماغ فهذا جملة كلام الجبائي في هذا الباب ، وذكر القفال فيه وجه آخر ،
وهو أن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن ، فخوطبوا على ما تعارفوه من هذا ،
وأيضاً من عادة الناس أنهم إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان ، كما في قوله تعالى
( طلعها كأنه رؤس الشياطين ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ للمفسرين في الآية أقوال (الأول) أن آكل الربا يبعث يوم القيامة
مجنوناً وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا ، فعرفه أهل الموقف بتلك العلامة أنه آكل الربا
في الدنيا ، فعلى هذا معنى الآية : أنهم يقومون مجانين ، كمن أصابه الشيطان بجنون .
والقول الثاني ﴾ قال ابن منبه: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين

٩٧
قوله تعالى ((ذلك بأنهم قالوا إنما البيع)) سورة البقرة
لقوله ( يخرجون من الأجداث سراعاً ) إلا آكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون ، كما يقوم الذي
يتخبطه الشيطان من المس وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا ، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة
حتى أثقلهم فهم ينهضون ، ويسقطون ، ويريدون الإِسراع ، ولا يقدرون ، وهذا القول
غير الأول لأنه يريد أن أكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن ، وهذا ليس
من الجنون في شيء ، ويتأكد هذا القول بما روى في قصة الأسراء أن النبي مه لل انطلق به جبريل
إلى رجال كل واحد منهم كالبيت الضخم ، ويقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع ، فقلت : يا
جبريل من هؤلاء ؟ قال ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من
المس ) .
والقول الثالث ﴾ أنه مأخوذ من قوله تعالى (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من
الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات
والاشتغال بغير الله ، فهذا هو المراد من مس الشيطان ، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا
متخبطاً ، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى ، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى ،
فحدثت هناك حركات مضطربة ، وأفعال مختلفة ، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان
وآكل الربا لا شك أنه يكون مفرطاً في حب الدنيا متهالكاً فيها ، فإذا مات على ذلك الحب صار
ذلك الحب حجاباً بينه وبين الله تعالى ، فالخبط الذي كان حاصلاً في الدنيا بسبب حب المال
أورثه الخبط في الآخرة ، وأوقعه في ذل الحجاب ، وهذا التأويل أقرب عندي من الوجهين
اللذين نقلناهما عمن نقلنا .
أما قوله تعالى ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ القوم كانوا في تحليل الربا على هذه الشبهة ، وهي أن من اشترى
ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر فهذا حلال ، فكذا إذا باع العشرة بأحد عشرة يجب أن يكون
حلال ، لأنه لا فرق في العقل بين الأمرين ، فهذا في ربا النقد ، وأما في ربا النسيئة فكذلك
أيضاً ، لأنه لو باع الثوب الذي يساوي عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهر جاز فكذا إذا أعطى
العشرة بأحد عشر إلى شهر ، وجب أن يجوز لأنه لا فرق في العقل بين الصورتين ، وذلك لأنه
إنما جاز هناك ، لأنه حصل التراضي من الجانبين ، فكذا ههنا لما حصل التراضي من الجانبين
وجب أن يجوز أيضاً ، فالبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات ، ولعل الإنسان أن يكون صفر
اليد في الحال شديد الحاجة ، ويكون له في المستقبل من الزمان أموال كثيرة ، فإذا لم يجز الربا
لم يعطه رب المال شيئاً فيبقى الإنسان في الشدة والحاجة ، إما بتقدير جواز الربا فيعطيه رب
المال طمعاً في الزيادة ، والمديون يرده عند وجدان المال ، وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان المال
الفخر الرازي - ٧٥٧

٩٨
قوله تعالى ((ذلك بأنهم قالوا إنما البيع)) سورة البَفَره
أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال ، فهذا يقتضي حل الربا كما حكمنا بحل سائر
البياعات لأجل دفع الحاجة ، فهذا هو شبهة القوم ، والله تعالى أجاب عنه، بحرف واحد، وهو
قوله ( وأحل الله البيع وحرم الربا) ووجه الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص بالقياس ، وهو
من عمل إبليس ، فإنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم ◌َّليل عارض النص بالقياس، فقال ( أنا خير
منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) واعلم أن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف، فقالوا :
لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة ، فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنصر !
بالقياس ، وذكر القفال رحمة الله عليه الفرق بين البابين ، فقال : من باع ثوباً يساوي عشرة
بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلاً بالعشرين ، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل
واحد منهما مقابلاً للآخر في المالية عندهما ، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئاً بغير عوض ، أما
إذا باع العشرة بالعشرة فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض ، ولا يمكن أن يقال : إن غرضه
هو الإمهال في مدة الأجل ، لأن الإمهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً عن
العشرة الزائدة فظهر الفرق بين الصورتين .
المسألة الثانية ﴾ ظاهر قوله تعالى (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا) يدل على أن
الوعيد إنما يحصل باستحلالهم الربا دون الإقدام عليه ، وأكله مع التحريم ، وعلى هذا التقدير
لا يثبت بهذه الآية كون الربا من الكبائر .
فإن قيل : مقدمة الآية تدل على أن قيامهم يوم القيامة متخبطين كان بسبب أنهم أكلوا
الربا .
قلنا : إن قوله ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا) صريح في أن العلة لذلك التخبط
هو هذا القول والاعتقاد فقط ، وعند هذا يجب تأويل مقدمة الآية ، وقد بينا أنه ليس المراد من
الأكل نفس الأكل ، وذكرنا عليه وجوهاً من الدلائل ، فأنتم حملتموه على التصرف في الربا ،
ونحن نحمله على استحلال الربا واستطابته ، وذلك لأن الأكل قد يعبر به عن الاستحلال ،
يقال : فلان يأكل مال الله قضماً خصماً ، أي يستحل التصرف فيه ، وإذا حملنا الأكل على
الاستحلال ، صارت مقدمة الآية مطابقة لمؤخرتها ، فهذا ما يدل عليه لفظ الآية ، إلا أن
جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا ، لا على وعيد من يستحل هذا
العقد .
المسألة الثالثة﴾ في الآية سؤال، وهو أنه لولم يقل: إنما الربا مثل البيع، وذلك
لأن حل البيع متفق عليه ، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الربا ، ومن حق القياس أن يشبه محل

٩٩
قوله تعالى ((واحل الله البيع وحرم الربا) سورة البقرة
الخلاف بمحل الوفاق ، فكان نظم الآية أن يقال : إنما الربا مثل البيع ، فما الحكمة في أن قلب
هذه القضية ، فقال ( إنما البيع مثل الربا ) .
( والجواب ) أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس ، بل كان غرضهم أن
الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والثاني
بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز .
أما قوله تعالى ( وأحل الله البيع وحرم الربا) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار، والمعنى أنهم
قالوا : البيع مثل الربا ، ثم إنكم تقولون ( وأحل الله البيع وحرم الربا) فكيف يعقل هذا ؟
يعني أنهما لما كانا متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعاً للتفرقة بين المثلين ،
وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله ( أحل الله البيع وحرم الربا) ذكره الكفار على سبيل
الاستبعاد ، وأما أكثر المفسرين فقد اتفقوا على أن كلام الكفار انقطع عند قوله ( إنما البيع مثل
الربا) وأما قوله ( أحل الله البيع وحرم الربا) فهو كلام الله تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره
إبطالاً لقول الكفار إنما البيع مثل الربا ، والحجة على صحة هذا القول وجوه .
﴿ الحجة الأولى ﴾ أن قول من قال: هذا كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار زيادات بأن
يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإٍكار ، أو يحمل ذلك على الرواية من قول المسلمين ،
ومعلوم أن الإضمار خلاف الأصل ، وأما إذا جعلناه كلام الله ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا
الإضمار ، فكان ذلك أولى .
﴿ الحجة الثانية) أن المسلمين أبداً كانوا متمسكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية
ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار ، وإلا لما جاز لهم أن يستدلوا به ، وفي هذه
الحجة كلام سيأتي في المسألة الثانية .
الحجة الثالثة ﴾ أنه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله ( فمن جاءه موعظة من ربه
فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النارهم فيها خالدون ) فظاهر هذا
الكلام يقتضي أنهم لما تمسكوا بتلك الشبهة وهي قوله ( إنما البيع مثل الربا ) فالله تعالى قد كشف
عن فساد تلك الشبهة وعن ضعفها ، ولولم يكن قوله ( وأحل الله البيع وحرم الربا) كلام الله
لم يكن جواب تلك الشبهة مذكوراً فلم يكن قوله ( فمن جاءه موعظة من ربه ) لائقاً بهذا
الموضع .

١٠٠
قوله تعالى ((واحل الله البيع)) سورة البقرة
المسألة الثانية﴾ مذهب الشافعي رضي الله عنه أن قوله (وأحل الله البيع وحرم
الربا ) من المجملات التي لا يجوز التمسك بها ، وهذا هو المختار عندي ، ويدل عليه وجوه
( الأول ) أنا بينا في أصول الفقه أن الإِسم المفرد المحلى بلام التعريف لا يفيد العموم البتة ،
بل ليس فيه إلا تعريف الماهية ، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمه في صورة
واحدة .
( والوجه الثاني ﴾ وهو أنا إذا سلمنا أنه يفيد العموم ،ولكنا لا نشك أن إفادته العموم
أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم ، مثلاً قوله ( وأحل الله البيع ) وإن أفاد الاستغراق إلا
أن قوله وأحل الله البيعات أقوى في إفادة الاستغراق ، فثبت أن قوله ( وأحل الله البيع ) لا
يفيد الاستغراق إلا إفادة ضعيفة ، ثم تقدير العموم لا بد وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة
خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله تعالى وكلام رسوله حية ، لأنه
كذب والكذب على الله تعالى محال ، فأما العام الذي يكون موضع التخصيص منه قليلاً جداً
فذلك جائز لأن إطلاق لفظ الإستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب ، فثبت أن
حمل هذا على العموم غير جائز .
﴿ الوجه الثالث﴾ ما روى عن عمر رضي الله عنه قال: خرج رسول اللّه ◌ُ ﴾ من الدنيا
وما سألناه عن الربا ، ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لما قال ذلك فعلمنا أن هذه الآية من
المجملات .
﴿ الوجه الرابع﴾ أن قوله (وأحل الله البيع) يقتضى أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله
( وحرم الربا) يقتضي أن يكون كل ربا حراماً ، لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به
الزيادة ، فأول الآية أباح جميع البيوع ، وآخرها حرم الجميع ، فلا يعرف الحلال من الحرام
بهذه الآية، فكانت مجملة ، فوجب الرجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرسول مخلية .
أما قوله ( فمن جاءه موعظة من ربه ) فاعلم أنه ذكر فعل الموعظة لأن تأنيثها غير حقيقي
ولأنها في معنى الوعظ، وقرأ أبي والحسن ( فمن جاءته موعظة ) ثم قال ( فانتهى ) أي
فامتنع ، ثم قال ( فله ما سلف) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في التأويل وجهان (الأول) قال الزجاج : أي صفح له عما مضى
من ذنبه من قبل نزول هذه الآية ، وهو كقوله ( قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد
سلف) وهذا التأويل ضعيف لأنه قبل نزول الآية في التحريم لم يكن ذلك حراماً ولا ذنباً ،
فكيف يقال المراد من الآية الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ما كان هناك ذنب ، والنهي المتأخر لا