Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
قوله تعالى ((أصابها وابل فآتت)) سورة البَقَرة
أنفسهم في طلب المستحق ، وصرف المال في وجهه ، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من
الانفاق هذان الأمران ضرب لانفاقهم مثلا ، فقال ( كمثل جنة بربوة أصابها وابل ) وفيه
مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وابن عامر (بربوة) بفتح الراء وفي المؤمنين (إلى ربوة )
وهو لغة تميم ، والباقون بضم الراء فيهما ، وهو أن أشهر اللغات ولغة قريش ، وفيه سبع
لغات ( ربوة ) بتعاقب الحركات الثلاث على الراء ، و(رباوة) بالألف بتعاقب الحركات
الثلاث على الراء ، و( ربو) والربوة المكان المرتفع ، قال الأخفش : والذي أختاره ( ربوة )
بالضم ، لأن جمعها الربى ، وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع ، ومنه
الرابية ، لأن أجزاءها ارتفعت ، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد ، ومنه الربا ، لأنه
يأخذ الزيادة .
واعلم أن المفسرين قالوا : البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر
ريعاً .
( ولى فيه إشكال) وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء ولا ترتفع
إليه أنهار وتضربه الرياح كثيراً فلا يحسن ريعه ، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت میاه
الأنهار ، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضاً ريعه ، فاذن البستان إنما يحسن ريعه إذا
كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة ، فاذن ليس المراد من هذه الربوة ما
ذكروه ، بل المراد منه كون الأرض طيناً حراً، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما ، فان
الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ريعها ، وتكمل الأشجار فيها ، وهذا التأويل الذي
ذكرته متأكد بدليلين ( أحدهما ) قوله تعالى ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت
وربت) والمراد من ربوها ما ذكرنا فكذا ههنا ( والثاني ) أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل
الأول ، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر ، ولا يربو، ولا ينمو بسبب
نزول المطر عليه فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو ، فهذا ما
خطر ببالي والله أعلم بمراده.
ثم قال تعالى ( أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (أكلها) بالتخفيف، والباقون
بالتثقيل ، وهو الأصل ، والأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل قال الله تعالى ( تؤتى
أكلها كل حين باذن ربها ) أي ثمرتها وما يؤكل منها ، فالأكل في المعنى مثل الطعمة ، وأنشد
٦٢
ايود احدكم ان تكون له الآية
قوله تعالى
سورة البَقَرة
أَيَوَدُّ أَحَدُ كُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُرْ جَنَّةٌ مِّنْ لَخِلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْمَ الْأَنْهُلَهُ فِيَهَ مِنْ
كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارُ فِ نَارٌ فَاحْتَقَتْ
"كَذَ لِكَ يُبَيِّنُ اللّهُلَكُ الْأَيْنَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكُّونَ
الأخفش :
فما أكلة إن نلتها بغنيمة
ولا جوعة إن جعتها بقرام
وقال أبو زيد : يقال إنه لذو أکل إذا كان له حظ من الدنيا.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج ( آتت أكلها ضعفين ) يعني مثلين لأن ضعف الشيء
مثله زائداً عليه ، وقيل ضعف الشيء مثلاه قال عطاء : حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها
في سنتين ، وقال الاصم : ضعف ما يكون في غيرها ، وقال أبو مسلم : مثلي ما كان يعهد
منها .
ثم قال تعالى ( فإن لم يصبها وابل فطل ) الطل : مطر صغير القطر ، ثم في المعنى
وجوه :
( الأول) المعنى أن هذه الجنة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل ، إلا أن
ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت
( الثاني ) معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلا بد وأن يصيبها ظل يعطي
ثمراً دون ثمر الوابل ، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر ، فكذلك من أخرج صدقة
لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلا كان أو كثيراً.
ثم قال ( والله بما تعملون بصير ) والمراد من البصير العليم ، أي هو تعالى عالمٍ بكمية
النفقات وكيفيتها ، والأمور الباعثة عليها ، وأنه تعالى مجاز بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
قوله تعالى ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها
من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله
لكم الآيات لعلكم تتفكرون ﴾ .
٦٣
قوله تعالى (( جنة من نخيل وأعناب)) سورة البقرة
اعلم أن هذا مثل آخر ذكره الله تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن والأذى ، والمعنى أن
يكون للانسان جنة في غاية الحسن والنهاية ، كثيرة النفع ، وكان الإنسان في غاية العجز عن
الكسب وفي غاية شدة الحاجة ، وكما أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضاً في غاية الحاجة ، وفي
غاية العجز، ولا شك أن كونه محتاجاً أو عاجزاً مظنة الشدة والمحنة ، وتعلق جمع من
المحتاجين العاجزين به زيادة محنة على محنة ، فإِذا أصبح الإنسان وشاهد تلك الجنة محرقة
بالكلية ، فانظر كم يكون في قلبه من الغم والحسرة ، والمحنة والبلية تارة بسبب أنه ضاع مثل
ذلك المملوك الشريف النفيس ، وثانياً بسبب أنه بقي في الحاجة والشدة مع العجز عن
الاكتساب واليأس عن أن يدفع إليه أحد شيئاً ، وثالثاً بسبب تعلق غيره به ، ومطالبتهم إياه
بوجوه النفقة ، فكذلك من أنفق لأجل الله ، كان ذلك نظيراً للجنة المذكورة وهو يوم القيامة ،
كذلك الشخص العاجز الذي يكون كل اعتماده في وجوه الانتفاع على تلك الجنة ، وأما إذا
أعقب إنفاقه بالمن أو بالأذى كان ذلك كالأعصار الذي يحرق تلك الجنة ، ويعقب الحسرة
والحيرة والندامة فكذا هذا المال المؤذي إذا قدم يوم القيامة ، وكان في غاية الاحتياج إلى الانتفاع
بثواب عمله ، لم يجد هناك شيئاً فيبقى لا محالة في أعظم غم ، وفي أكمل حسرة وحيرة ، وهذا
المثل في غاية الحسن ، ونهاية الكمال ، ولنذكر ما يتعلق بألفاظ الآية .
أما قوله ( أیود أحدكم) فيه مسألتان :
المسألة الأولى 0 2 الود ، هو المحبة الكاملة.
﴿ المسألة الثانية﴾ الهمزة في (أيود) استفهام لأجل الإِنكار ، وإنما قال ( أيود ) ولم
يقل أيريد لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة ومعلوم أن محبة كل أحد لعدم هذه الحالة محبة
كاملة تامة فلما كان الحاصل هو مودة عدم هذه الحالة ذكر هذا اللفظ فى جانب الثبوت فقال -
( أيود أحدكم ) حصول مثل هذه الحالة تنبيهاً على الإنكار التام ، والنفرة البالغة إلى الحد
الذي لا مرتبة فوقه .
أما قوله ( جنة من نخيل وأعناب ) فاعلم أن الله تعالى وصف هذه الجنة بصفات
ثلاث :
الصفة الأول ﴾ كونها من نخيل وأعناب ، واعلم أن الجنة تكون محتوية على النخيل
والأعناب ، ولا تكون الجنة من النخيل والأعناب إلا أن بسبب كثرة النخيل والأعناب ، صار
كأن الجنة إنما تكون من النخيل والأعناب ، وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر لأنهما أشرف
الفواكه ولأنهما أحسن الفواكه مناظر حين تكون باقية على أشجارها.
١
٦٤
قوله تعالى (( جنة من نخيل وأعناب
سورة البقرة
والصفة الثانية﴾ قوله ( تجري من تحتها الأنهار) ولا شك أن هذا سبب لزيادة
الحسن في هذه الجنة .
الصفة الثالثة ) قوله ( له فيها من كل الثمرات ) ولا شك أن هذا يكون سبباً لكمال
حال هذا البستان فهذه هي الصفات الثلاثة التي وصف الله تعالى هذه الجنة بها ، ولا شك أن
هذه الجنة تكون في غاية الحسن ، لأنها مع هذه الصفات حسنة الرؤية والمنظر كثيرة النفع
والريع ولا تمكن الزيادة في حسن الجنة على ذلك ، ثم إنه تعالى بعد ذلك شرع في بيان شدة
حاجة المالك إلى هذه الجنة ، فقال ( وأصابه الكبر ) وذلك لأنه إذا صار كبيراً ، وعجز عن
الاكتساب كثرت جهات حاجاته في مطعمه ، وملبسه ، ومسكنه ، ومن يقوم بخدمته ،
وتحصيل مصالحه ، فإذا تزايدت جهات الحاجات وتناقصت جهات الدخل والكسب ، إلا من
تلك الجنة ، فحينئذ يكون في نهاية الاحتياج إلى تلك الجنة .
فان قيل : كيف عطف ( وأصابه) على ( أيود) وكيف يجوز عطف الماضي على
المستقبل .
قلنا الجواب عنه من وجوه ( الأول ) قال صاحب الكشاف ( الواو ) للحال لا للعطف،
ومعناه ( أيود أحدكم أن تكون له جنة ) حال ما أصابه الكبر ثم إنها تحرق .
(والجواب الثاني) قال الفراء: وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا فحمل العطف
على المعنى ، كأنه قيل : أيود أحدكم إن كان له جنة وأصابه الكبر.
ثم إنه تعالى زاد في بيان احتياج ذلك الإنسان إلى تلك الجنة فقال ( وله ذرية ضعفاء)
والمراد من ضعف الذرية : الضعف بسبب الصغر والطفولية ، فيصير المعنى أن ذلك الإنسان
كان في غاية الضعف والحاجة إلى تلك الجنة بسبب الشيخوخة والكبر ، وله ذرية في غاية
الضعف والحاجة بسبب الطفولية والصغر .
ثم قال تعالى ( فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ) والاعصار ريح ترتفع وتستدير نحو
السماء كأنها عمود ، وهي التي يسميها الناس الزوبعة ، وهي ريح في غاية الشدة ومنه قول
شاعر :
إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً
والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والمحنة والحسرة
والحيرة ما لا يعلمه إلا الله، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة ، إلا أنه لا يقصد بها وجه الله ،
٦٥
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا )) الآية سورة البَقَرة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيَِّتِ مَا كَبْتُمْ وَبَِّ أَثْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
وَلَا تَيَّمُوْ اْحِثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم ◌ِعَاخِذِهِ إِلَّ أَنْ تُغِْضُواْ فِيهِ وَأَعْلُواْ أَنَّ الَهَ
غَنِىُّمَدُ
بل يقرن بها أموراً تخرجها عن كونها موجبة للثواب ، فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية
الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته ، ونظير هذه الآية قوله تعالى
( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) وقوله ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء
منثوراً) .
ثم قال ( کذلك یبین الله لكم الآيات ) أی کما بین الله لکم آیاته ودلائله في هذا الباب
ترغیباً وترهيباً کذلك یبین الله لكم آياته ودلائله في سائر أمور الدين ( لعلكم تتفكرون).
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ أن: لعل، للترجي وهو لا يليق بالله تعالى.
المسألة الثانية) أن المعتزلة تمسكوا به في أنه يدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان
وقد تقدم شرح هاتين الآيتين مراراً.
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض
ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد﴾.
اعلم أنه رغب في الانفاق، ثم بين أن الإنفاق على قسمين: منه ما يتبعه المن والأذى ،
ومنه ما لا يتبعه ذلك .
ثم إنه تعالى شرح ما يتعلق بكل واحد من هذين القسمين ، وضرب لكل واحد منهما
مثلا يكشف عن المعنى ويوضح المقصود منه على أبلغ الوجوه .
ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن المال الذي أمر بانفاقه فى سبيل الله كيف ينبغي أن
يكون فقال ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) واختلفوا في أن قوله ( أنفقوا ) المراد منه ماذا فقال
الحسن : المراد منه الزكاة المفروضة وقال قوم : المراد منه التطوع وقال ثالث : إنه يتناول
الفرض والنفل ، حجة من قال المراد منه الزكاة المفروضة أن قوله ( أنفقوا ) أمر وظاهر الأمر
الفخر الرازي ج ٧ ٥٠
٦٦
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا)) سورة البقرة
للوجوب والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة ، حجة من قال المراد صدقة
التطوع ما روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والحسن ومجاهد : أنهم كانوا يتصدقون
بشرار ثمارهم ورديء أموالهم فأنزل الله هذه الآية ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : جاء
رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله ولي ((بئس ما صنع صاحب
هذا)) فأنزل الله تعالى هذه الآية ، حجة من قال الفرض والنفل داخلان في هذه الآية أن المفهوم
من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أن يجوز الترك أو لا
يجوز ، وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل ، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر.
إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول وهو أنه للوجوب فيتفرع عليه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان ،
فيدخل فيه زكاة التجارة ، وزكاة الذهب والفضة ، وزكاة النعم ، لأن ذلك مما يوصف بأنه
مكتسب ، ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض ، على ما هو قول أبي حنيفة رحمه
الله، واستدلاله بهذه الآية ظاهر جداً، إلا أن مخالفيه خصصوا هذا الغموم بقوله ◌َ ل﴾((ليس فى
الخضراوات صدقة)) وأيضاً مذهب أبي حنيفة أن إخراج الزكاة من كل ما أنبتته الأرض واجب
قليلا كان أو كثيراً وظاهر الآية يدل على قوله إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله وقل
((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)).
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين :
القول الأول ﴾ أنه الجيد من المال دون الرديء، فأطلق لفظ الطيب على الجيد على
سبيل الاستعارة ، وعل هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في هذه الآية الرديء.
﴿ والقول الثاني﴾ وهو قول ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال ، والخبيث هو
حجة الأول وجوه :
الحجة الأولى﴾ إنا ذكرنا في سبب النزول انهم يتصدقون بردىء اموالهم نزلت الآية
وذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد .
الحجة الثانية﴾ أن المحرم لا يجوز أخذه لا باغماض ولا بغير إغماض ، والآية تدل
على أن الخبيث يجوز أخذه بالإِغماض قال القفال رحمه الله : ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد من
الإغماض المسامحة وترك الاستقصاء ، فيكون المعنى : ولستم بأخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم
إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ، ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال ، أمن حلاله أومن
حرامه .
﴿ الحجة الثالثة﴾ أن هذا القول متأيد بقوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقون مما
٦٧
قوله تعالى ((ولا تيمموا الخبيث ، سورة البقرة
تحبون ) وذلك يدل على أن المراد بالطيبات الاشياء النفيسة التي يستطاب ملكها ، لا الأشياء
الخسيسة التي يجب على كل أحد دفعها عن نفسه وإخراجها عن بيت، واحتج القاضي للقول
الثاني فقال : أجمعنا على أن المراد من الطيب في هذه الآية إما الجيد وإما الحلال ، فاذا بطل
الأول تعين الثاني ، وإنما قلنا إنه بطل الأول لأن المراد لو كان هو الجيد لكان ذلك أمراً بانفاق
مطلق الجيد سواء كان حراماً أو حلالاً وذلك غير جائز والتزام التخصيص خلاف الأصل ،
فثبت أن المراد ليس هو الجيد بل الحلال ، ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث وهو أن المراد من
الطيب ههنا ما يكون طيباً من كل الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال ، ويكون طيباً بمعنى
الجودة، وليس لقائل أن يقول حمل اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز لأنا نقول الحلال إنما
سمي طيباً لأنه يستطيبه العقل والدين ، والجيد إنما يسمى طيباً لأنه يستطيبه الميل والشهوة ،
فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين القسمين ، فكان اللفظ محمولا عليه إذ أثبت أن
المراد منه الجيد الحلال فنقول : الأموال الزكاتية إما أن تكون كلها شريفة أو كلها خسيسة أو
تكون متوسطة أو تكون مختلطة، فإن كان الكل شريفاً كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك ،
وإن كان الكل خسيساً كان الزكاة أيضاً من ذلك الخسيس ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ فى
هذه الحالة لا يكون خسيساً من ذلك المال بل إن كان في المال جيد ورديء ، فحينئذ يقال
للانسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك وأما إن كان المال مختلطاً فالواجب هو الوسط قال عليه
لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى
فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم )) هذا كله إذا قلنا المراد من قوله ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم )
الزكاة الواجبة ، أما على القول الثاني وهو أن يكون المراد منه صدقة التطوع ، أو قلنا المراد منه
الانفاق الواجب والتطوع ، فنقول : إن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما
يملكونه ، كمن تقرب إلى السلطان الكبير بتحفة وهدية ، فانه لا بد وأن تكون تلك التحفة
أفضل ما في ملكه وأشرفها ، فكذاههنا ، بقي في الآية سؤال واحد ، وهو أن يقال ما الفائدة فى
كلمة ( من ) في قوله ( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) .
( وجوابه ) تقدير الآية : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، وأنفقوا من طيبات ما أخرجنا
لكم من الأرض ، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة الثانية لدلالة المرة
الأولى عليه .
أما قوله تعالى ( ولا تيمموا الخبيث ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ يقال: أممته، ويممته ، وتأمته ، كله بمعنى قصدته قال الأعشى:
من الأرض من مهمه ذي شرف
تيممت قيسا وكم دونه
٦٨
قوله تعالى ((ولا تيمموا الخبيث)) سورة البقرة
المسألة الثانية ﴾ قرأ ابن كثير وحده ( ولا تيمموا) بتشديد التاء لأنه كان في الأصل
تاءان تاء المخاطبة ، وتاء الفعل فأدغم أحداهما في الأخرى ، والباقون بفتح التاء مخففة وعلى
هذا الخلاف في أخواتها ، وهي ثلاثة وعشرون موضعاً : لا تفرقوا ، توفاهم ، تعاونوا ، فتفرق
بكم ، تلقف، تولوا ، تنازعوا ، تربصون ، فان تولوا ، لا تكلم ، تلقونه ، تبرجن ،
تبدل ، تناصرون ، تجسسوا ، تنابزوا ، لتعارفوا ، تميز ، تخيرون ، تلهى ، تلظى ، تنزل
الملائكة ، وههنا بحثان :
البحث الأول ﴾ قال أبو علي : هذا الإدغام غير جائز، لأن المدغم يسكن وإذا سكن
لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به ، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو : اداراتم ،
وارتبتم واطيرنا ، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع .
﴿ البحث الثاني ﴾ اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة، فقال بعضهم: هي
التاء الأولى وسيبويه لا يسقط إلا الثانية ، والفراء يقول : أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية
عنها .
أما قوله تعالى ( منه تنفقون ) .
فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين ( الأول ) أنه تم الكلام عند قوله ( ولا تيمموا
الخبيث ) ثم ابتدأ ، فقال ( منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه) فقوله ( منه
تنفقون ) استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أمنه تنفقون مع أنكم لستم بأخذيه إلا مع
الاغماض ( والثاني ) أن الكلام إنما يتم عند قوله ( إلا أن تغمضوا فيه ) ويكون الذي
مضمراً ، والتقدير : ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه ،
ونظيره إضمار التي في قوله تعالى ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) والمعنى الوثقى
التي لا انفصام لها .
أما قوله تعالى ( ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ الاغماض في اللغة غض البصر، وإطباق جفن على جفن وأصله من
الغموض ، وهو الخفاء يقال : هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض المتطامن الخفي
من الأرض.
﴿ المسألة الثانية﴾ في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه (الأول ) أن المراد بالاغماض
ههنا المساهلة ، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك
٦٩
سورة البقرة
قوله تعالى ((الشيطان يعدكم الفقر)) الآية
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُ اَلْفَقْرَ وَيَأْمُ كُمْ بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ
وَسِعُ عَلِيمٌ
٢٦٨
حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضاً ، فقوله ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا
فيه) يقول لو أهدى إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض ، فكيف
ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم ( والثاني ) أن يحمل الأغماض على المتعدي كما تقول :
أغمضت بصر الميت وغمضته والمعنى ولستم بأخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه
بالإغماض والحط من الثمن.
ثم ختم الآية بقوله ( واعلموا أن الله غني حميد ) والمعنى أنه غني عن صدقاتكم ،
ومعنى حميد ، أي محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر ، وهو أن قوله ( غني ) كالتهديد
على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و( حميد ) بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه
من الخيرات وهو كقوله ( فأولئك كان سعيهم مشكوراً ) .
قوله تعالى ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله
واسع عليم ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة
الشيطان فقال ( الشيطان يعدكم الفقر ) أي يقال إن أنفقت الأجود صرت فقيراً فلا تبال بقوله
فان الرحمن ( يعدكم مغفرة منه وفضلا ) وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل شياطين
الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء.
المسألة الثانية ﴾ الوعد يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى ( النار وعدها الله
الذين كفروا) ويمكن أن يكون هذا محمولاً على التهكم ، كما في قوله ( فبشرهم بعذاب
أليم ) .
المسألة الثالثة ﴾ الفقر والفقر لغتان، وهو الضعيف بسبب قلة المال وأصل الفقر في
اللغة كسر الفقار ، يقال : رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار ، قال طرفة .
انني لست بمرهون فقر
٧٠
قوله تعالى ((الشيطان يعدكم الفقر)) سورة البقرة
قال صاحب الكشاف : قرىء الفقر بالضم والفقر بفتحتين .
﴿ المسألة الرابعة﴾ أما الكلام في حقيقة الوسوسة، فقد ذكرناه في أول الكتاب في
تفسير ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) روى عن ابن مسعود رضي الله عنه : إن للشيطان لمة
وهي الإيعاد بالشر، وللملك لمة وهي الوعد بالخير ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن
وجد الأول فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وقرأ هذه الآية وروى الحسن ، قال بعض
المهاجرين : من سره أن يعلم مكان الشيطان منه فليتأمل موضعه من المكان الذي منه يجد الرغبة
في فعل المنکر ،
أما قوله تعالى ( ويأمركم بالفحشاء ) ففيه وجوه ( الأول ) أن الفحشاء هي البخل
( ويأمركم بالفحشاء ) أي ويغريكم على البخل إغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب
البخيل ، قال طرفة :
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد
ويعتام منقول من عام فلان إلى اللبن إذا اشتهاه وأراد بالفاحش البخيل ، قال تعالى
( وإنه لحب الخير لشديد ) وقد نبه الله تعالى في هذه الآية على لطيفة وهي أن الشيطان يخوفه
أولاً بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ويغريه بالبخل ، وذلك لأن
البخل صفة مذمومة عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلا بتقديم تلك
المقدمة ، وهي التخويف من الفقر .
﴿ الوجه الثاني﴾ في تفسير الفحشاء، وهو أنه يقول: لا تنفق الجيد من مالك في
طاعة الله لئلا تصير فقيراً ، فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك زاد الشيطان ، فيمنعه من
الإنفاق في الكلية حتى لا يعطي لا الجيد ولا الرادىء وحتى يمنع الحقوق الواجبة ، فلا يؤدي
الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة ، فإذا صار هكذا سقط وقع الذنوب عن قلبه ويصير غير
مبال بارتكابها ، وهناك يتسع الخرق ويصير مقداماً على كل الذنوب ، وذلك هو الفحشاء
وتحقيقه أن لكل خلق طرفين ووسطاً فالطرف الكامل هو أن يكون بحيث يبذل كل ما يملكه في
سبيل الله الجيد والرديء والطرف الفاحش الناقص لا ينفق شيئاً في سبيل الله لا الجيد ولا
الرديء والأمر المتوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء ، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف
الفاضل إلى الطرف الفاحش ، لا يمكنه إلا بأن يجره إلى الوسط ، فإن عصى الإنسان الشيطان في
هذا المقام انقطع طمعه عنه ، وإن أطاعه فيه طمع في أن يجره من الوسط إلى الطرف
الفاحش ، فالوسط هو قوله تعالى ( يعدكم الفقر ) والطرف الفاحش، قوله ( ويأمركم
٧١
قوله تعالى ((الشيطان يعدكم الفقر)) سورة البقرة
بالفحشاء ) ثم لما ذكر سبحانه وتعالى درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن
فقال (والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً) فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة ، والفضل إشارة إلى ما
يحصل في الدنيا من الخلق، وروى عنه ◌ّ ر أن الملك ينادي كل ليلة ((اللهم أعط كل منفق
خلفاً وكل ممسك تلفاً)) .
وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يعدك الفقر في غد دنياك ، والرحمن يعدك المغفرة
في غد عقباك ، ووعد الرحمن في غد العقبى أولى بالقبول من وجوه ( أحدها ) أن وجدان غد
الدنيا مشكوك فيه ، ووجدان غد العقبى مقطوع به ( وثانيها ) أن بتقدير وجدان غد الدنيا ،
فقد يفي المال المبخول به ، وقد لا يبقى وعند وجدان غد العقبى لا بد من وجدان المغفرة
الموعود بها من عند الله تعالى، لأنه الصادق الذي يمتنع وجود الكذب في كلامه ( وثالثها أن
بتقدير بقاء المال المبخول به في غد الدنيا ، فقد يتمكن الإنسان من الانتفاع به وقد لا يتمكن إما
بسبب خوف أو مرض اشتغال بمهم آخر وعند وجدان غد العقبي حاصل بمغفرة الله
وفضله وإحسانه ( ورابعها ) أن بتقدير حصول الانتفاع بالمال المبخول به غد الدنيا لا شك أن
ذلك الانتفاع ينقطع ولا يبقى ، وأما الانتفاع بمغفرة الله وفضله وإحسانه فهو الباقي الذي لا
ينقطع ولا يزول ، ( وخامسها ) أن الانتفاع بلذات الدنيا مشوب بالمضار ، فلا ترى شيئاً من
اللذات إلا ويكون سبباً للمحنة من ألف وجه بخلاف منافع الآخرة فإنها خالصة عن
الشوائب ، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن الانقياد لوعد الرحمن بالفضل والمغفرة أولى من
الانقياد لوعد الشيطان .
إذا عرفت هذا فنقول : المراد بالمغفرة تكفير الذنوب كما قال ( خذ من أموالهم صدقة
تطهرهم وتزكيهم بها ) وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة ( أحدها ) التنكير في لفظة
المغفرة ، والمعنى مغفرة أي مغفرة ( والثاني ) قوله ( مغفرة منه) فقوله ( منه ) يدل على کمال
حال هذه المغفرة لأن كمال كرمه ونهاية جوده معلوم لجميع العقلاء وكون المغفرة منه معلوم أيضاً
لكل أحد فلما خص هذه المغفرة بأنها منه علم أن المقصود تعظيم حال هذه المغفرة ، لأن عظم
المعطى يدل على عظم العطية ، وكمال هذه المغفرة يحتمل أن يكون المراد منه ما قاله في آية
أخرى ( فأولئك يبدل الله سياتهم حسنات ) ويحتمل أن يكون المراد منه أن يجعله شفيعاً في
غفران ذنوب سائر المذنبين ، ويحتمل أن يكون كمال تلك المغفرة أمراً لا يصل إليه عقلنا ما
دمنا في دار الدنيا فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة عنا ما دمنا في الدنيا ، وأما معنى
الفضل فهو الخلف المعجل في الدنيا ، وهذا الفضل يحتمل عندي وجوهاً ( أحدها) أن المراد
من هذا الفضل الفضيلة الحاصلة للنفس وهي فضيلة الجود والسخاء ، وذلك لأن مراتب
السعادة ثلاث : نفسانية ، وبدنية ، وخارجية . وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول
٧٢
قوله تعالى ((يؤتى الحكمة من يشاء)) الآية سورة البَقَرة
يُؤْنِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَُّ إِلَّ
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث :
السعادات النفسانية ، وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة
الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال
النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل . فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي
حصول ما وعد الله به من حصول الفضل ( والثاني ) وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت
عن الروح هيئة الإشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها ، ولا مانع للروح من تجلي نور
جلال الله لها إلا حب الدنيا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام (( لولا أن الشياطين يوحون
إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات)) وإذا زال عن وجه القلب غبار حب الدنيا
استناراً بأنوار عالم القدس وصار كالكوكب الدري والتحق بأرواح الملائكة ، وهذا هو الفضل
لا غير (والثالث) وهو أحسن الوجوه : أنه مهما عرف من الإِنسان كونه منفقاً لأمواله في وجوه
الخيرات مالت القلوب إليه فلا يضايقونه في مطالبه ، فحينئذ تنفتح عليه أبواب الدنيا ، ولأن
أولئك الذين أنفق ماله عليهم يعينونه بالدعاء والهمة فيفتح الله عليه أبواب الخير .
ثم ختم الآية بقوله ( والله واسع عليم ) أي أنه واسع المغفرة ، قادر على إغنائكم ،
وإخلاف ما تنفقونه ، وهو علم لا يخفى عليه ما تنفقون ، فهو يخلفه عليكم .
قوله تعالى ﴿ يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا
أولوا الألباب ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء ، وأن
الرحمن يعد بالمغفرة والفضل نبه على أن الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد
الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس
من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم ، ولا شك أن
حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل ، وحكم الحس والشهوة
والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة ، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول . فهذا هو
الإشارة إلى وجه النظم بقي في الآية مسائل:
٧٣
قوله تعالى (( يؤتى الحكمة من يساء)) سورة البَفَرة
المسألة الأولى﴾ المراد من الحكمة إما العلم وإما فعل الصواب يروى عن مقاتل أنه
قال : تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه ( أحدها ) مواعظ القرآن ، قال في البقرة ( وما
أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) يعني مواعظ القرآن وفي النساء ( وما أنزل
عليكم من الكتاب والحكمة ) يعني المواعظ، ومثلها في آل عمران ( وثانيها ) الحكمة بمعنى
الفهم والعلم ، ومنه قوله تعالى ( وآتيناه الحكم صبياً) وفي لقمان ( ولقد آتينا لقمان الحكمة )
يعني الفهم والعلم وفي الانعام ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم) (وثالثها) الحكمة
بمعنى النبوة في النساء ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ) يعني النبوة ، وفي ص (وآتيناه
الحكمة وفصل الخطاب ) يعني النبوة ، وفي البقرة ( وآتاه الله الملك والحكمة ) (ورابعها)
القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) وفي هذه الآية
( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ،
ثم تأمل أيها المسكين فإنه تعالى ما أعطى إلا القليل من العلم ، قال تعالى ( وما أوتيتم من
العلم إلا قليلاً) وسمي الدنيا بأسرها قليلاً ، فقال ( قل متاع الدنيا قليل ) وانظركم مقدار هذا
القليل حتى تعرف عظمة ذلك الكثير، والبرهان العقلي أيضاً يطابقه لأن الدنيا متناهية
المقدار ، متناهية المدة ، والعلوم لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها ، والسعادة الحاصلة
منها ، وذلك ينبئك على فضيلة العلم ، والاستقصاء في هذا الباب قد مر في تفسير قوله تعالى
( وعلم آدم الأسماء كلها) وأما الحكمة بمعنى فعل الصواب فقيل في حدها : إنها التخلق
بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية، ومداد هذا المعنى على قوله وَله ((تخلقوا بأخلاق الله تعالى))
واعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين ، وذلك لأن كمال الإنسان في شيئين :
أن يعرف الحق لذاته ، والخبر لأجل العمل به ، فالمرجع بالأول إلى العلم والإدراك المطلق ،
وبالثاني إلى فعل العدل والصواب، فحكي عن إبراهيم وير قوله (رب هب لي حكماً) وهو
الحكمة النظرية ( وألحقني بالصالحين ) الحكمة العملية ، ونادي موسى عليه السلام فقال
( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) وهو الحكمة النظرية ، ثم قال (فاعبدني) وهو الحكمة العملية ،
وقال عن عيسى عليه السلام إنه قال ( إني عبد الله ) الآية ، وكل ذلك للحكمة النظرية ، ثم
قال ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً) وهو الحكمة العملية، وقال في حق محمد ثقيلة
( فاعلم أنه لا إله إلا الله) وهو الحكمة النظرية ، ثم قال ( واستغفر لذنبك ) وهو الحكمة
العملية ، وقال في جميع الأنبياء ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن
أنذروا أنه لا إله إلا أنا) وهو الحكمة النظرية : ثم قال ( فاتقون ) وهو الحكمة العملية ،
والقرآن هو من الآية الدالة على أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين ، قال أبو
مسلم : الحكمة فعلة من الحكم ، وهي كالنحلة من النحل ، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى
٧٤
قوله تعالى (( يؤتى الحكمة)) سورة البَقَرة
ولب وإصابة رأي ، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال : أمر حكيم ، أي محكم ،
وهو فعيل بمعنى مفعول . قال الله تعالى ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) وهذا الذي قاله أبو
مسلم من اشتقاق اللغة يطابق ما ذكرناه من المعنى .
المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء (ومن يؤتى الحكمة ) بمعنى : ومن
يؤته الله الحكمة ، وهكذا قرأ الأعمش .
المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى وذلك
لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية ، لأنها حاصلة للبهائم
والمجانين والأطفال ، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكم ، فهي مفسرة بالعلوم النظرية ، وإن
فسرناها بالأفعال الحسية فالأمر ظاهر ، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية
والأفعال الحسية ثابتاً من غيرهم ، وبتقدير مقدر غيرهم ، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى
بالاتفاق ، فدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوة والقرآن ، أو قوة الفهم والحسية
على ما هو قول الربيع بن أنس .
قلنا : الدليل الذي ذكرناه يدفع هذه الاحتمالات ، وذلك لأنه بالنقل المتواتر ثبت أنه
يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء ، فتكون الحكمة مغايرة للنبوة والقرآن ، بل هي مفسرة إما
بمعرفة حقائق الأشياء ، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة ، وعلى التقديرين فالمقصود
حاصل ، فإن حاولت المعتزلة حمل الإيتاء على التوفيق والإعانة والألطاف، قلنا : كل ما فعله
من هذا الجنس في حق المؤمنين فقد فعل مثله في حق الكفار ، مع أن هذا المدح العظيم
المذكور في هذه الآية لا يتناولهم ، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى
فعل الالطاف والله أعلم.
ثم قال ( وما يذكر إلا أولو الألباب ) والمراد به عندي والله أعلم أن الإنسان إذا رأى
الحكم والمعارف حاصلة في قلبه ، ثم تأمل وتدبر وعرف أنها لم تحصل إلا بإيتاء الله تعالى
وتيسيره ، كان من أولى الألباب ، لأنه لم يقف عند المسببات ، بل ترقى منها إلى أسبابها ،
فهذا الانتقال من المسبب إلى السبب هو التذكر الذي لا يحصل إلا لأولى الألباب ، وأما من
أضاف هذه الأحوال إلى نفسه ، واعتقد أنه هو السبب في حصولها وتحصيلها ، كان من الظاهر
بين الذين عجزوا عن الانتقال من المسببات إلى الأسباب ، وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة
بقوة الفهم ووضع الدلائل ، قالوا : هذه الحكمة لا تقوم بنفسها ، وإنما ينتفع بها المرء بأن
٧٥
قوله تعالى ((وما انفقتم من نفقة)) الآية
سورة البَقَرة
٧٠
وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْنَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، وَمَا لِلظَّالِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
يتدبر ويتفكر ، فيعرف ماله وما عليه ، وعند ذلك يقدم أو يحجم .
قوله تعالى ﴿وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين أن الانفاق يجب أن يكون من أجود المال ، ثم حث أولا بقوله
( ولا تيمموا الخبيث ) وثانياً بقوله ( الشيطان يعدكم الفقر ) حث عليه ثالثاً بقوله ( وما أنفقتم
من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في قوله ( فإن الله يعلمه) على اختصاره ، يفيد الوعد العظيم
للمطيعين ، والوعيد الشديد للمتمردين ، وبيانه من وجوه ( أحدها ) أنه تعالى عالم بما في
قلب المتصدق من نية الاخلاص والعبودية أو من نية الرياء والسمعة ( وثانيها ) أن علمه
بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات ، كما قال ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وقوله
( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) ( وثالثها) أنه تعالى يعلم القدر
المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها ، ولا يشتبه عليه
شيء منها .
﴿ المسألة الثانية﴾ إنما قال (فإن الله يعلمه) ولم يقل: يعلمها، لوجهين ( الأول)
أن الضمير عائد إلى الأخير ، كقوله ( ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً) وهذا قول
الأخفش، ( والثاني ) أن الكتابة عادت إلى ما في قوله ( وما أنفقتم من نفقة ) لأنها اسم كقوله
( وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ) .
المسألة الثالثة﴾ النذر ما يلتزمه الإنسان بايجابه على نفسه يقال : نذر ينذر ، وأصله
من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ، وأنذرت القوم
إنذاراً بالتخويف ، وفي الشريعة على ضربين : مفسر وغير مفسر، فالمفسر أن يقول : لله على
عتق رقبة ، ولله على حج ، فههنا يلزم الوفاء به ، ولا يجزيه غيره وغير المفسر أن يقول : نذرت
الله أن لا أفعل كذا ثم يفعله، أو يقول: الله عليَّ نذر من غير تسمية فيلزم فيه كفارة يمين،
لقوله {وَل# ((من نذر نذراً وسمي فعليه ما سمي، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين)).
أما قوله تعالى ( وما للظالمين من أنصار ) ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه وعيد شديد للظالمين، وهو قسمان، أما ظلمه نفسه فذاك
٧٦
قوله تعالى ((أن تبدوا الصدقات)) الآية سورة البقرة
إِن تُبْدُوا الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَ إِن تُحْفُوهَا وَتُؤْتُوَهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمْ وَيُكَفِّرُ.
عَنْكُم مِّنْ سَبِعَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (2)
حاصل في كل المعاصي ، وأما ظلمه غيره فبأن لا ينفق أو يصرف الانفاق عن المستحق إلى
غيره ، أو يكون نيته في الانفاق على المستحق الرياء والسمعة ، أو يفسدها بالمعاصي ،
وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير ، بل من باب الظلم على النفس .
﴿ المسألة الثانية﴾ المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر،
قالوا : لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه فلو اندفعت العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان
أولئك أنصاراً لهم وذلك يبطل قوله تعالى ( وما للظالمين من أنصار ) .
واعلم أن العرف لا يسمي الشفيع ناصراً ، بدليل قوله تعالى ( واتقوا يوماً لا تجزي نفس
عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) ففرق تعالى بين
الشفيع والناصر فلا يلزم من نفى الأنصار نفى الشفعاء .
والجواب الثاني : ليس لمجموع الظالمين أنصار ، فلم قلتم ليس لبعض الظالمين
أنصار .
فإن قيل : لفظ الظالمين ولفظ الأنصار جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على
الفرد ، فكان المعنى : ليس لأحد من الظالمين أحد من الأنصار .
قلنا : لا نسلم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد لاحتمال أن يكون
المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد .
والجواب الثالث : أن هذا الدليل النافي للشفاعة عام في حق الكل ، وفي كل
الأوقات ، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات ، والخاص مقدم
على العام والله أعلم .
والجواب الرابع : ما بينا أن اللفظ العام لا يكون قاطعاً في الاستغراق ، بل ظاهراً على
سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً ، والمسألة ليست ظنية ، فكان التمسك بها ساقطاً .
المسألة الثالثة﴾ الانصار جمع نصير، كاشراف وشريف، وأحباب وحبيب .
قوله تعالى ﴿ إن تبدوا الصدقات فنعماً هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ویکفر
٧٧
قوله تعالى ((أن تبدوا الصدقات)) سورة البقرة
عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ﴾ .
اعلم أنه تعالى بين أولاً أن الانفاق منه ما يتبعه المن والأذى ، ومنه ما لا يكون كذلك ،
وذكر حكم كل واحد من القسمين ، ثم ذكر ثانياً أن الانفاق قد يكون من جيد ومن رديء ،
وذكر حكم كل واحد من القسمين ، وذكر في هذه الآية أن الانفاق قد يكون ظاهراً وقد يكون
خفياً ، وذكر كل واحد من القسمين ، فقال ( إن تبدوا الصدقات فنعماً هي ) وفي الآية
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ سألوا رسول الله ◌َله: صدقة السرأفضل أم صدقة العلانية فنزلت
هذه الآية .
﴿ المسألة الثانية﴾ الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى ( خذ من أموالهم صدقة
تطهرهم) وقال ( إنما الصدقات للفقراء) وقال وَلة ((نفقة المرء على عياله صدقة)) والزكاة لا
تطلق إلا على الفرض، قال أهل اللغة أصل الصدقة ((ص دق )) على هذا الترتيب موضوع
للصحة والكمال ، ومنه قولهم : رجل صدق النظر ، وصدق اللقاء ، وصدقوهم القتال ،
وفلان صادق المودة وهذا خل صادق الحموضة ، وشيء صادق الحلاوة ، وصدق فلان في خبره
إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحاً كاملا ، والصديق يسمى صديقاً لصدقه في
المودة . والصداق سمي صداقاً لأن عقد النكاح به يتم ويكمل ، وسمي الله تعالى الزكاة
صدقة لأن المال بها يصح ويكمل ، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه ، وإما لأنه يستدل بها على
صدق العبد في إيمانه وکماله فيه .
المسألة الثالثة﴾ الأصل في قوله ( فَنِعِماً) نعم ما، إلا أنه أدغم أحد الميمين في
الآخر ، ثم فيه ثلاثة أوجه من القراءة : قرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر عن عاصم ( فنعما )
بكسر النون وإسكان العين وهو اختيار أبي عبيد، قال: لأنها لغة النبي ◌َّ حين قال لعمرو
بن العاص ( نعما بالمال الصالح للرجل الصالح )) هكذا روى في الحديث بسكون العين ،
والنحويون قالوا : هذا يقتضى الجمع بين الساكنين ، وهو غير جائز إلا فيما يكون الحرف الأول
منهما حرف المد واللين ، نحو: دابة وشابة، لأن ما في الحرف من المد يصير عوضاً عن الحركة .
وأما الحديث فلأنه لما دل الحس على أنه لا يمكن الجمع بين هذين الساكنين علمنا أن النبي وله
لما تكلم به أوقع في العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس والقراءة الثانية قرأ ابن كثير ونافع
برواية ورش وعاصم في رواية حفص ( فنعماً هي ) بكسر النون والعين وفي تقريره وجهان
٧٨
قوله تعالى ((أن تبدوا الصدقات)) سورة البقرة
( أحدهما ) أنهم لما احتاجوا إلى تحريك العين حركوها مثل حركة ما قبلها ( والثاني ) أن هذا
على لغة من يقول (نِعِم ) بكسر النون والعين ، قال سيبويه : وهي لغة هذيل ، القراءة الثالثة
وهي قراءة سائر القراء ( فنَعِما هي ) بفتح النون وكسر العين ، ومن قرأ بهذه القراءة ، فقد أتى
بهذه الكلمة على أصلها وهي ( نَعِم ) قال طرفة :
نعم الساعون في الأمر المير
المسألة الرابعة ﴾ قال الزجاج : ما في تأويل الشيء ، أي نعم الشيء هو ، قال أبو
علي الجيد : في تمثيل هذا أن يقال : ما في تأويل شيء ، لأن ما ههنا نكرة ، فتمثيله بالنكرة
أبين ، والدليل على أن ما نكرة ههنا أنها لو كانت معرفة فلا بد لها من الصلة ، وليس ههنا ما
يوصل به ، لأن الموجود بعدما هو هي ، وكلمة هي مفردة والمفرد لا يكون صلة لما وإذا بطل هذا
القول فنقول : ما نصب على التمييز ، والتقدير : نعم شيئاً هي إبداء الصدقات ، فحذف
المضاف لدلالة الكلام عليه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ اختلفوا في أن المراد بالصدقة المذكورة في هذه الآية : التطوع ، أو
الواجب ، أو مجموعهما .
﴿ فالقول الأول ﴾ وهو قول الأكثرين : أن المراد منه صدقة التطوع ، قالوا : لأن
الإخفاء في صدقة التطوع أفضل ، والإظهار في الزكاة أفضل ، وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ في أن الأفضل في إعطاء صدقة التطوع إخفاؤه ، أو إظهاره ،
فلنذكر أولاً الوجوه الدالة على إخفاءه أفضل ( فالأول ) أنها تكون أبعد عن الرياء والسمعة ،
قال ◌َلَّ (( لا يقبل الله مسمع ولا مراء ولا منان)) والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة
والمعطى في ملأ من الناس يطلب الرياء ، والإِخفاء والسكوت ، هو المخلص منهما ، وقد بالغ
أن
يعرفهم
لا
واجتهدوا
الإِخفاء ،
قصد
فی
قوم
الأخذ ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى ، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير ، وفي موضع
جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطى ، وبعضهم كان يشدد في أثواب الفقير وهو نائم ،
وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره ، والمقصود عن الكل الاحتراز عن الرياء
والسمعة والمنة ، لأن الفقير إذا عرف المعطى فقد حصل الرياء والمنة معاً وليس في معرفة المتوسط
الرياء ( وثانيها ) أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح وتعظيم ، فكان
ذلك يشق على النفس، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثواباً (وثالثها) قوله وَليّة (( أفضل
الصدقة جهد المقل إلى الفقير في سر)) وقال أيضاً ((إن العبد ليعمل عملاً في السريكتبه الله له
٧٩
قوله تعالى ((أن تبدوا الصدقات)) سورة البقرة
سراً فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية ، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب
في الرياء» وفي الحديث المشهور (« سبعة يظلهم الله تعالى يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا
ظله: أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطاه يمينه)) وقال ◌َله ((صدقة السر
تطفئ غضب الرب)) (ورابعها) أن الإظهار يوجب الحاق الضرر بالأخذ من وجوه ،
والإِخفاء لا يتضمن ذلك ، فوجب أن يكون الإخفاء أولى ، وبيان تلك المضار من وجوه
( الأول) أن في الإظهار هتك عرض الفقير وإظهار فقره ، وربما لا يرضى الفقير بذلك
( والثاني ) أن في الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف وعدم السؤال ، والله تعالى مدح ذلك
في الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم
بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً) ( والثالث ) أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ تلك
الصدقة ، ويظنون أنه أخذها مع الاستغناء عنها ، فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة
( والرابع ) أن في إظهار الإعطاء إذلالا للآخذ وإهانة له وإزلال المؤمن غير جائز ( والخامس )
أن الصدقة جارية مجرى الهدية، وقال عليه الصلاة والسلام ((من أهدى إليه هدية وعنده قوم
فهم شركاؤه فيها)) وربما لا يدفع الفقير من تلك الصدقة شيئاً إلى شركائه الحاضرين فيقع الفقير
بسبب إظهار تلك الصدقة في فعل ما لا ينبغي فهذه جملة الوجوه الدالة على أن إخفاء صدقة
التطوع أولى .
وأما الوجه في جواز إظهار الصدقة ، فهو أن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها ، صار
ذلك سبباً لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات ، فينتفع الفقراء بها فلا يمتنع ، والحال هذه أن
يكون الإظهار أفضل، وروى ابن عمر عن النبي ◌َّ قال ((السر أفضل من العلانية،
والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به )) قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي: الإنسان إذا أتى
بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة
فههنا الشيطان يورد عليه ذكر رؤية الخلق ، والقلب ينكر ذلك ويدفعه ، فهذا الإنسان في
محاربة الشيطان فضوعف العمل سبعين ضعفاً على العلانية ، ثم إن لله عباداً راضوا
أنفسهم حتى من الله عليهم بأنواع هدايته فتراكمت على قلوبهم أنوار المعرفة ، وذهبت عنهم
وساوس النفس ، لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله تعالى ،
فإذا عمل عملاً علانية لم يحتج أن يجاهد ، لأن شهوة النفس قد بطلت ، ومنازعة النفس قد
اضمحلت ، فإذا أعلن به فإنما يريد به أن يقتدي به غيره فهذا عبد كملت ذاته فسعى في
تكميل غيره ليكون تاماً وفوق التمام ، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على قوم في تنزيله سماهم
عباد الرحمن ، وأوجب لهم أعلى الدرجات في الجنة ، فقال ( أولئك يجزون الغرفة ) ثم ذكر
من الخصال التي طلبوها بالدعاء أن قالوا ( واجعلنا للمتقين إماماً) ومدح أمة موسى عليه
٨٠
قوله تعالى ((أن تبدوا الصدقات)) سورة البقرة
السلام فقال(ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) ومدح أمة محمد يل فقال (كنتم
خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ثم أبهم المنكر فقال ( وممن
خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم
يهتدون في الذهاب إلى الله .
فإن قيل : إن كان الأمر على ما ذكرتم فلم رجح الاخفاء على الاظهار في قوله ( وإن
تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) .
(والجواب) من وجهين (الأول) لا نسلم قوله (فهو خير لكم) يفيد الترجيح فإنه يحتملأن
يكون المعنى أن إعطاء الصدقة حال الاخفاء خير من الخيرات ، وطاعة من جملة الطاعات ،
فيكون المراد منه بيان كونه في نفسه خيراً وطاعة ، لا أن المقصود منه بيان الترجيح .
والوجه الثاني ﴾ سلمنا أن المراد منه الترجيح ، لكن المراد من الآية أنه إذا كانت
الحال واحدة في الابداء والاخفاء ، فالأفضل هو الإخفاء ، فأما إذا حصل في الابداء أمر آخر
لم يبعد ترجيح الابداء على الاخفاء .
﴿ البحث الثاني﴾ أن الإظهار في إعطاء الزكاة الواجبة أفضل، ويدل عليه وجوه
(الأول ) أن الله تعالى أمر الأئمة بتوجيه السعاة لطلب الزكاة ، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها
(وثانيها) أن في إظهارها نفي التهمة، روی أنهصلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت
إلا المكتوبة فإذا اختلف حكم فرض الصلاة ونفلها في الإظهار والاخفاء لنفي التهمة ، فكذا
في الزكاة (وثالثها) أن إظهارها يتضمن المسارعة إلى أمر الله تعالى وتكليفه ، وإخفاءها يوهم
ترك الالتفات إلى أداء الواجب فكان الاظهار أولى ، هذا كله في بيان قول من قال المراد
بالصدقات المذكورة في هذه الآية صدقة التطوع فقط .
القول الثاني ﴾ وهو قول الحسن البصري أن اللفظ متناول للواجب والمندوب ،
وأجاب عن قول من قال : الاظهار في الواجب أولى من وجوه ( الأول ) أن إظهار زكاة
الأموال توجب إظهار قدر المال ، وربما كان ذلك سبباً للضرر ، بأن يطمع الظلمة في ماله ، أو
بكثرة حساده ، وإذا كان الأفضل له إخفاء ماله لزم منه لا محالة أن يكون إخفاء الزكاة أولى
( والثاني) أن هذه الآية إنما نزلت في أيام الرسول ◌َ ل﴿ والصحابة ما كانوا متهمين في ترك الزكاة
فلا جرم كان إخفاء الزكاة أولى لهم لأنه أبعد عن الرياء والسمعة أما الآن فلما حصلت
التهمة كان الإظهار أولى بسبب حصول التهمة ( الثالث ) أن لا نسلم دلالة قوله ( فهو خير )
على الترجيح وقد سبق بيانه .