Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ قوله تعالى: ((ولما يأتكم مثل)) سورة البقرة يستقر بل يضطرب قلبه ، ولذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد ، لأنه يذهب السكون ، فيجب أن يكون زلزلوا ههنا مجازاً، والمراد : خوفوا ، ويجوز أن يكونوا مضطر بين "لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف، ثم أنه تعالى بعد ذكر هذه الأشياء ذكر شيئاً آخر وهو النهاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة ، فقال ( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) وذلك لأن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا ، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة ، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم ( ألا إن نصر الله قريب ) إجابة لهم إلى طلبهم ، فتقدير الآية هكذا : كانت حالهم إلى أن أتاهم نصر الله ولم يغيرهم طول البلاء عن دينهم ، وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق ، فإن نصر الله قريب ، لأنه آت ، وكل ما هو آت قريب ، وهذه الآية مثل قوله ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله) وقال ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) والمقصود من هذه الآية ما ذكرنا أن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينالهم الأمر العظيم من البأساء والضراء من المشركين والمنافقين واليهود ، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والنفوس ما لا يخفي ، فعزاهم الله في ذلك وبين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان كذلك ، والمصيبة إذا عمت طابت ، وذكر الله من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في النار ، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه الله به ، ومن أمر سائر الأنبياء عليهم السلام في مصابرتهم على أنواع البلاء ما صار ذلك في سلوة المؤمنين . روى قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرث ، قال: شكونا إلى رسول الله ود ليل ما نلقى من المشركين ، فقال (( إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم ، حتى أن الرجل يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين . ويمشط الرجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من لحم وعصب وما يصرفه ذلك عن دينه ، وأيم الله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون )) . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ نافع ( حتى يقول ) برفع اللام والباقون بالنصب ، ووجهه أن ( حتى ) إذا نصبت المضارع تكون على ضربين ( أحدهما ) أن تكون بمعنى : إلى ، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل ( حتى ) والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا ، تقول : سرت حتى أدخلها ، أي إلى أن أدخلها ، فالسير والدخول قد وجدا مضيا ، وعليه النصب في هذه الآية ، لأن التقدير : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ، والزلزلة والقول قد وجدا ( والثاني ) أن تكون بمعنى : كي ، كقوله : أطعت الله حتى أدخل الجنة ، أي كي أدخل الجنة ، ٢٢ قوله تعالى: ((ألا إن نصر الله قريب)) سورة البقرة والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد ، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه ، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد ( حتى ) لا بد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت ، كما حكيت الحال في قوله ( هذا من شيعته وهذا من عدوه ) وفي قوله (كليهم باسط ذراعيه بالوصيد ) لأن هذا لا يصح إلا على سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام ، ويقال : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه ، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال : يجيء البعير يجر بطنه ، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب ، كقولك : سرت حتى أدخل البلد . فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا ، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد ، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع ، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها ، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراء النصب أولى . ﴿ المسألة الخامسة﴾ في الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد ( متى نصر الله ) . والجواب عنه من وجوه ( أحدها) أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، قال تعالى (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ) وقال تعالى ( لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ) وقال تعالى ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى ) وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه ( متى نصر الله ) حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطاب قلبه ، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب ( ألا إن نصر الله قريب ) فلما كان الجواب يذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعاً عن القرب . ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد . ( والجواب الثاني ) أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين ( أحدهما ) ( متى نصر الله) ( والثاني ) ( ألا إن نصر الله قريب ) فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين : الذين آمنوا قالوا ( متى نصر الله ) والرسول ◌َ ﴿ قال ( ألا إن نصر الله قريب) قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر، أما القرآن فقوله ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتُبتغوا من فضله ) والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، وأما من الشعر فقول امرىء القيس : ٢٣ قوله تعالى: ((يسألونك ماذا ينفقون)) الآية . سورة البقرة يَسْعَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَ أَنْفَقْتُ مِّنْ خَيٍْ فَلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَ وَالْيَمِى وَ الْمَسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ الَّبِهِ، عَلِيمٌ ( ٢١٥ كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العناب والحشف البالى فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جداً . ﴿ المسألة السادسة﴾ (ألا إن نصر الله قريب) يحتمل أن يكون جواباً من الله تعالى لهم ، إذ قالوا ( متى نصر الله) فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله ( متى نصر الله ) ثم قال الله عند ذلك ( ألا إن نصر الله قريب ) ويحتمل أن يكون ذلك قولاً لقوم منهم ، كأنهم لما قالوا ( متى نصر الله) رجعوا إلى أنفسهم فعلموا أن الله لا يعلى عدوهم عليهم ، فقالوا ( ألا إن نصر الله قريب ) فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك . فإن قيل : قوله ( ألا إن نصر الله قريب ) يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أنه سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت . قلنا : لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام ، ويمكن أن يكون ذلك عاماً في حق الكل ، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين ، إما أن يتخلص عنه ، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر، وإنما جعله قريباً لأن الموت قريب . قوله تعالى ﴿ يسألونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ﴾ . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضاً عن طلب العاجل ، وأن يكون مشتغلاً بطلب الآجل، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ) لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطاً بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مقوياً للآخر ومؤكداً له . ٢٤ قوله تعالى: ((يسألونك ماذا ينفقون)) سورة البقرة الحكم الأول فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال عطاء: عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لى ديناراً فقال : أنفقه على نفسك قال : إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لى ثلاثة قال : أنفقها على خادمك قال ؛ إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسة قال : أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها : وروى الكلبي عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً هرماً، هو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية . ﴿ المسألة الثانية﴾ للنحويين في (ماذا) قولان (أحدهما) أن يجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصباً بينفقون ، والدليل عليه أن العرب يقولون : عماذا تسأل ؟ بإثبات الألف في ( ما ) فلولا أن ( ما) مع ( ذا) بمنزلة اسم واحد لقالوا : عماذا تسأل ؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى ( عم يتساءلون ) وقوله ( فيم أنت من ذكراها ) فلما لم يحذفوا الألف من آخر ( ما) علمت أنه مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخراً إلا أن يكون في شعر كقوله : کخنزير تمرغ في رماد غلاما قام یشتمني لئيم والقول الثاني ﴾ أن يجعل (ذا) بمعنى الذي ويكون ( ما ) رفعاً بالابتداء خبرها ( ذا ) والعرب قد يستعملون (ذا) بمعنى الذي ، فيقولون : من ذا يقول ذاك ؟ أي من ذا الذي يقول ذاك ، فعلى هذا يكون تقدير الآية : يسألونك ما الذي ينفقون . ﴿ المسألة الثالثة﴾ في الآية سؤال، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم ، فکیف أجابهم بهذا ؟ ( والجواب عنه من وجوه) ( أحدها) أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود ، وذلك لأن قوله ( ما أنفقتم من خير ) جواب عن السؤال ، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفاً إلى جهة الإستحقاق ، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلاً للبيان ( وثانيها ) قال القفال : إنه وإن كان ٢٥ قوله تعالى: ((يسألونك ماذا ينفقون)) سورة البقرة السؤال وارداً بلفظ ( ما ) إلا أن المقصود : السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين إن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى ، وإذا كان هذا معلوماً لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مراداً تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو ؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال ، ونظيره قوله تعالى ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا قال أنه يقول انها بقرة لا ذلول ) وإنما كان هذا الجواب موافقاً لذلك السؤال ، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا ، فقوله ( ما هي ) لا يمكن حمله على طلب الماهية ، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها ، فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال ، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو ، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم ( ماذا ينفقون ) ليس هو طلب الماهية ، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب ( وثالثها) يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا السؤال فكأنهم قيل لهم : هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالاً حلالاً وبشرط أن يكون مصروفاً إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإِنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان ، فقال للطبيب : ماذا آكل ؟ فيقول الطبيب : كل في اليوم مرتين ، كان المعنى : كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا المعنى : أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك . المسألة الرابعة﴾ اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الانفاق ، فقدم الوالدين ، وذلك لأنهما كالمخرج من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب ، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف ، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه ، ولذلك قال تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ) وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين ، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة ، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة ، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق ، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين ، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء ، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض ، والترجيح لا بد له من مرجح ، والقرابة تصلح أن تكون سبباً للترجيح من وجوه ( أحدها ) أن القرابة مظنة المخالطة ، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر ، فإذا كان أحدهما غنياً والآخر فقيراً كان اطلاع الفقير على الغني أثم ، واطلاع الغني على الفقير أتم ، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق ( وثانيها ) أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعاً للضرر عن النفس ( وثالثها ) أن قريب الإنسان جار ٢٦ قوله تعالى: (( كتب عليكم القتال)) سورة البقرة مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الانفاق على الغير ، فلهذا السبب كان الانفاق على القريب أولى من الانفاق على البعيد ، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى ، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم ؛ فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب ، وأشرف على الضياع ، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل بانه بسبب انقطاعه عن بلده ، قد يقع في الاحتياج والفقر ، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الانفاق ، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالاجمال فقال ( وما تفعلوا من خير فان الله به عليم ) أي وكل ما فعلتموه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلباً لجزيل ثوابه وهرباً من أليم عقابه فإن الله به عليم ، والعليم مبالغة في كونه عالماً يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم احسن الجزاء عليه كما قال ( إني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) وقال ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ) المسألة الخامسة﴾ المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل ( وإنه لحب الخير لشديد) وقال ( إن ترك خيراً الوصية ) فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر ، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله ( وما تفعلوا من خير ) يتناول هذا الانفاق وسائر وجوه البر والطاعة ، وهذا أولى . ﴿ المسألة السادسة﴾ قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريت، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها ( أحدها ) قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك ، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث ، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت ، وأيضاً فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة ( وثانيها) أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع ( وثالثها ) أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة ( ورابعها ) يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ . ٢٧ قوله تعالى: ((كتب عليكم)) الآية .. سورة البَقَرة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمَّ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَ ٢١٦ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمَّ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْلَا تَعْلُونَ الحكم الثاني فيما يتعلق بالقتال قوله تعالى ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ وفيه مسائل: : المسألة الأولى﴾ اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضى وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله ( كتب ) يقتضي الوجوب وقوله ( عليكم ) يقتضيه أيضاً ، والخطاب بالکاف في قوله ( علیکم ) لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلی من سیوجد بعد ذلك كما في قوله ( كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام ) . فان قيل : ظاهر الآية هل يقتضى أن يكون واجباً على الأعيان أو على الكفاية . قلنا : بل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان لأن قوله ( عليكم ) أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله ( كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام ) حجة عطاء أن قوله ( كتب ) يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله ( عليكم ) يقتضى تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله ( كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام ) حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الاجماع ، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى (وكلا وعد الله الحسنى ) ولو كان ٢٨ قوله تعالى: ((عسى أن تكرهوا شيئاً)) سورة البقرة القاعد مضيعاً فرضاً لما كان موعوداً بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتاً ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ قوله ( وهو کره لكم) فیه إشكال وهو أن الظاهر من قوله ( کتب عليكم ) أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضاً لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال ( وهو كره لكم ) فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارهاً لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز ، لأن المؤمن لا يكون ساخطاً لأوامر الله تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ویعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده . والجواب من وجهين ( الأول ) أن المراد من الكره ، كونه شاقاً على النفس ، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلاً شاقاً على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، فلذلك أشقى الأشياء على النفس القتال ( الثاني ) أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) ثم فيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء : فإنما هي إقبال وإدبار كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له ( والثاني ) أن يكون فعلاً بمعنى مفعول ، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف . ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز ، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ، ومشقته عليهم ، ومنه قوله تعالى ( حملته أمه كرها ووضعته كرهاً) والله أعلم وقال بعضهم: الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح . أما قوله ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرلكم ) ففيه مسائل : ٢٩ قوله تعالى: ((عسى أن تكرهوا شيئاً.)) سورة البقرة المسألة الأولى﴾ (عسى) فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فقال منه ، عسيتما وعسيتم قال تعالى ( فهل عسيتم ) ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد . كما تقول : قام زيد ومعناه : قرب قال تعالى ( قل عسى أن يكون ردف لكم ) أي قرب ، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسی قیام زيد أي قرب قيام زيد . المسألة الثانية ﴾ معنى الآية ربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد ، ولأجله حسن شرب الدواء المر في الحال للتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل ، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى ، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، وصون المال عن الانفاق ، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتلكم فاما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم ، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح ، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء ، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطراً إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة ، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن ، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت ، ومنها وجدان الغنيمة ، ومنها السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء . أما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقرباً وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله ، ومنها أن من أقدم على القتال طلباً لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله ، وما لم يصر الرجل متيقناً بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين ، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا ، وذلك من أعظم سعادات الإنسان . فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد ، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرلكم ) . ٣٠ قوله تعالى: (( يسألونك عن الشهر الحرام)) الآية . سورة البقرة يَسْعَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّعَنِ سَبِلِ الهِ وَكُفْرُ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَ يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ خَّى يَدُّ وكُمْ عَنْ دِيِكُمْ إِنِ أَسْتَطَاعُواْ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنَكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ المسألة الثالثة﴾ ( الشر) السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته ، يقال : شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف ، ومنه قوله . وحتی أشرت بالأکف المصاحف ( والشرر ) اللهب لانباسطه فعلى هذا ( الشر) انبساط الأشياء الضارة . ﴿ المسألة الرابعة﴾ (عسى) توهم الشك مثل (لعل) وهي من الله تعالى يقين ، ومنهم من قال انها كلمة مطمعة ، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك المستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل ، أما إن قلنا بأنها بمعنى ( لعل ) فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى ( لعلكم تتقون ) قال الخليل ( عسى ) من الله واجب في القرآن قال ( فعسى الله أن يأتي بالفتح ) وقد وجد ( وعسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ) وقد حصل والله أعلم . أما قوله تعالى ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه ، وكمال علم الله تعالى ، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته ، علم قطعاً أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله ، سواء كان مكروهاً للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال : يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة ( إني أعلم ما لا تعلمون ) . قوله تعالى ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله و کفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عنه الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ٣١ قوله تعالى: ((يسألونك عن الشهر الحرام)) الآية .ـ سورة البقرة أَصْحَبُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ٢١٧ الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ . في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان ( الأول ) الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بأن يكون في غير الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي ◌َّة، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع ؟ فنزلت الآية ، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين . الفريق الثاني ﴾ وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال: إن رسول الله وَلّ بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين ، وبعد سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة في ثمانية رهط ، وكتب له كتاباً وعهداً ودفعه إليه ، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين ، ويقرأه على أصحابه ، ويعمل بما فيه ، فاذا فيه : أما بعد فسرعلى بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل ، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير ، فقال عبد الله : سمعاً وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فاني ماض لأمره ، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف ، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه ، فلما رأوا أصحاب رسول الله ير حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قومعمار، ثم أتی واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من کان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو ابن الحضرمي فقتله ، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله وَلّ ، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام ، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء ، والمسلمون أيضاً قد استبعدوا ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادي فوقف رسول الله وله العير والأسارى ، فنزلت هذه الآية ، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة ، وعلى ٣٢ قوله تعالى: (( يسألونك عن الشهر الحرام)) سورة البقرة هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه ( أحدها) أن أكثر الحاضرين عند رسول الله لو كانوا مسلمين (وثانيها) أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) وهو خطاب مع المسلمين وقوله ( يسألونك عن الخمر والميسر ويسألونك عن اليتامى ) ( وثالثها ) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله وَ لقل ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها ( يسألونك عن الشهر الحرام ) . والقول الثاني ﴾ أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فیه فأنزل الله تعالى هذه الآية ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ( قل قتال فيه كبير ) ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال(ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم) فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز . المسألة الثانية) قوله تعالى ( قتال فيه) خفض على البدل من الشهر الحرام ، وهذا یسمی بدل الإشتمال ، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله ، وسلب زيد ثوابه ، قال تعالى ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ) وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع ، ونظيره قوله تعالى ( للذين استضعفوا لمن آمن منهم ) وقرأ عكرمة (قتل فيه ) . أما قوله تعالى ( قل قتال فيه كبير ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى ﴾( قتال فيه ) مبتدأ و( کبیر) خبره ، وقوله ( قتال) وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله ( فيه ) فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله ( كبير ) أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم) . فان قيل : لم نكر القتالى في قوله تعالى ( قتال فيه ) ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى ( إن مع العسر يسراً) . ٣٣ قوله تعالى: (( قل قتال فيه كبير)) سورة البقرة قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش ، فقال تعالى ( قل قتال فيه كبير ) وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيراً ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه ، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر ، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضیق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه ، وباطنه يكون موافقاً للحق ، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير ، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سرلطيف لا يهتدي إليه إلا أولو الألباب . المسألة الثانية ﴾ اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال : حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ، ولا في الأشهر الحرم ، إلا على سبيل الدفع ، روى جابر قال: لم يكن رسول الله ◌َلا يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام ؟ قال نعم ، قال أبو عبيد : والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها ، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز . والحجة في إباحته قوله تعالى ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وهذه الآية ناسخة لتحريم قتال في الشهر الحرام ، والذي عندي أن قوله تعالى ( قل قتال فيه كبير ) هذا نكرة في سياق لإثبات فيتناول فرداً واحداً ، ولا يتناول كل الأفراد ، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال طلقاً في الشهر الحرام ، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه . أما قوله تعالى ( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ للنحويين في هذه الآية وجوه (الأول) قول البصريين وهو الذي اختاره الزجاج ، أن قوله ( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه ) كلها مرفوعة بالابتداء ، وخبرها قوله ( أكبر عند الله ) والمعنى : أن القتال الذي سألتم عنه ، وإن كان كبيراً ، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه ، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام ، فكيف = ٦-٣٢ ٣٤ قوله تعالى: ((وصد عن سبيل . سورة البقرة تعییون عبد الله بن جحش علی ذلك القتال مع أن له فیه عذراً ظاهراً ، فانه كان يجوز أن یکون ذلك القتل واقعاً في جمادى الآخرة ، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ، لم تقولون ما لا تفعلون ) وهذ وجه ظاهر ، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله ( والمسجد الحرام) وذكروا فيه وجهين ( أحدهما ) أنه عطف على الهاء في به ( والثاني ) وهو قول الأكثرين : أنه عطف على ( سبيل الله) قالوا : وهو متأكد بقوله تعالى ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ) . واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير ، فإنه لا يقال : مررت به وعمرو ، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، فقوله ( عن المسجد الحرام) صلة للصد ، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد ، فايقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزاً. ( أجيب عن الأول ) لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر به وبالمسجد الحرام ، والاضمار في كلام الله ليس بغريب ، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة ( تساءلون به والأرحام) على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولاً بالاتفاق ، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولاً ، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا : لا شك أنه يقتضى وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول ، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين (الأول) أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى ، فكأنه لا فصل ( الثاني ) أن موضع قوله ( وكفر به ) عقيب قوله ( والمسجد الحرام ) إلا أنه قدم عليه لفرط العناية ، كقوله تعالى ( ولم يكن له كفؤاً أحد) كان من حق الكلام أن يقال : ولم يكن له أحد كفؤاً إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا . ﴿ الوجه الثاني﴾ في هذه الآية، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى ( والمسجد الحرام ) عطف بالواو على الشهر الحرام ، والتقدير : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام ، ثم بعد هذا طريقان ( أحدهما ) أن قوله ( قتال فيه ) مبتدأ ، وقوله ( كبير وصد عن سبيل الله وكفر به) خبر بعد خبر ، والتقدير : إن قتلا فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله ، وبأنه كفر بالله . والطريق الثاني ﴾ أن يكون قوله ( قتال فيه كبير ) جملة مبتدأ وخبر ، وأما قوله ( وصد عن سبيل الله ) فهو مرفوع بالابتداء ، وكذا قوله ( وكفر به ) والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، والتقدير : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير، ونظيره ٣٥ قوله تعالى: ((وصد عن سبيل الله)) سورة البقرة قولك : زيد منطلق وعمرو ، تقديره : وعمر و منطلق ، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعاً عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام ، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً بالله ، وهو خطأ بالإجماع ، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك ( وإخراج أهله منه أكبر ) أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر ، وهو خطأ بالاجماع . وأقول : للفراء أن يجيب عن الأول بأنه من الذي أخبركم بانه ما وقع السؤال عن القتال في المسجد الحرام .، بل الظاهر أنه وقع لأن القوم كانوا مستعظمين للقتال في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وكان أحدهما كالآخر في القبح عند القوم ، فالظاهر أنهم جمعوهما في السؤال ، وقولهم على الوجه الأول يلزم أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً. قلنا : يلزم أن يكون قتال في الشهر الحرام كفراً ونحن نقول به ، لأن النكرة في الاثبات لا تفيد العموم، وعندنا أن قتالا واحداً في المسجد الحرام كفر ، ولا يلزم أن كل قتال كذلك ، وقولهم على الوجه الثاني يلزم أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر ، قلنا : المراد من أهل المسجد هم الرسول عليه السلام والصحابة ، وإخراج الرسول من المسجد على سبيل الاذلال لا شك أنه كفر وهو مع كونه كفراً فهو ظلم لأنه إيذاء للانسان من غير جرم سابق وعرض لاحق ولا شك أن الشيء الذي يكون ظلماً وكفراً، أكبر وأقبح عند الله مما يكون كفراً وحده ، فهذا جملة القول في تقرير قول الفراء . القول الثالث ﴾ في الآية قوله ( قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به) وجهه ظاهر ، وهو أن قتالا فيه موصوف بهذه الصفات ، وأما الخفض في قوله ( والمسجد الحرام ) فهو واو القسم إلا أن الجمهور ما أقاموا لهذا القول وزنا . ﴿ المسألة الثانية﴾ أما الصد عن سبيل الله ففيه وجوه (أحدها) أنه صد عن الايمان بالله وبمحمد عليه السلام ( وثانيها ) صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى الرسول عليه السلام ( وثالثها ) صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت ، ولقائل أن يقول : الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة عبد الله بن جحش ، وقصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ما كان في معلوم الله تعالى كان كالواقع ، وأما الكفر بالله فهو الكفر بكونه مرسلا للرسل ، مستحقاً للعبادة ، قادراً على البعث ، وأما قوله ( والمسجد الحرام) فإن عطفناه على الضمير في ( به ) كان المعنى : وكفر بالمسجد الحرام ، . ٣٦ قوله تعالى: ((وصد عن سبيل الله)): سورة البقرة ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به ، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي بها يتميز عن سائر البقاع ، ومن قال : إنه معطوف على سبيل الله كان المعنى : وصد عن المسجد الحرام، وذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين والعاكفين والركع السجود. وأما قوله تعالى ( وإخراج أهله منه ) فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد ، بل من مكة ، وإنما جعلهم أهلاله إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى ( وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها) وقال تعالى ( وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ) فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر ، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام ، وهذا تفريع على قول الزجاج ، وإنما قلنا : إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين ( أحدهما ) أن كل واحد من هذه الأشياء كفر ، والكفر أعظم من القتال ( والثاني ) أنا ندعى أن كل واحد من هذه الأشياء أکبر من قتال في الشهر الحرام وهو القتال الذي صدر عن عبد الله بن جحش ، وهو ما كان قاطعاً بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام ، وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام ، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر. أما قوله تعالى ( والفتنة أكبر من القتل ) فقد ذكروا في الفتنة قولين ( أحدهما ) هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، وهو عندي ضعيف، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك ، فانه تعالى قال ( وكفر به أكبر ) فحمل الفتنة على الكفر يكون تكراراً ، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء. والقول الثاني﴾ أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم ، تارة بالقاء الشبهات في قلوبهم ، وتارة بالتعذيب ، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر، وهذا قول محمد بن إسحق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان ، يقال : فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه ، ومنه قوله تعالى ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي امتحان لكم . لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده ، فصار ذلك مانعاً له عن الانفاق ، وقال تعالى ( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، وقال ( وفتناك فتونا ) وإنما هو الامتحان بالبلوى ، وقال ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فاذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ) والمراد أنهم آذوهم ٣٧ قوله تعالى: (( والفتنة أكبر من القتل)) سورة البقرة وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم ، وقال ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) وقال ( ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ) وقال ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) أي المحنة في الدين وقال (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) وقال ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) وقال ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال ( فستبصر ويبصرون بأيكم المفتنون ) قيل : المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول. فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا : إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي . روى أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة : إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله مس* من مكة ، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام قال ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) والمعنى ظاهر ، ونظيره قوله تعالى ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ ما زال يفعل كذا، ولا يزال يفعل كذا ، قال الواحدي: هذا فعل لا مصدر له ، ولا یقال منه : فاعل ولا مفعول ، ومثاله في الأفعال کثیر نحو ( عسی ) لیس له مصدر ولا مضارع وكذلك : ذو ، وما فتىء ، وهلم ، وهاك ، وهات ، وتعالى، ومعنى ( لا يزالون ) أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي فإذا أدخلت عليه: ما ، كان ذلك نفياً للنفي فيكون دليلاً على الثبوت الدائم. ﴿ المسألة الثانية﴾ قوله (حتى يردوكم عن دينكم) أي إلى أن يردوكم وقيل المعنى: ليردوكم. ﴿ المسألة الثالثة) قوله (إن استطاعوا) استبعاد لاستطاعتهم ، كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق على وهو واثق بأنه لا يظفر به. ٠٠ ٣٨ قوله تعالى: (( حتى يردوكم عن دينكم )) سورة البقرة ثم قال تعالى ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدي قوله (ومن يرتدد ) أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف ( الثاني ) وهو أكثر في اللغة من الإدغام ، وقوله ( فيمت ) هو جزم بالعطف على ( يرتدد ) وجوابه فأولئك حبطت أعمالهم ) . ﴿ المسألة الثانية﴾ لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دینهم ، ذکر بعده وعیداً شديداً على الردة ، فقال ( ومن یرتدد منکم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) واستوجب العذاب الدائم في النار. المسألة الثالثة﴾ ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام المذكورة إذا مات المرتد على الكفر ، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من هذه الأحكام ، وقد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي وبحث فروعي ، أما البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة . فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه . قالوا : لأن من كان مؤمناً ثم ارتد والعياذ بالله فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي ، ثم بعد كفره يستحق العقاب الأبدي فاما أن يبقى الاستحقاقان وهو محال ، وإما أن يقال : إن الطارىء يزيل السابق وهذا محال لوجوه ( أحدها ) أن المنافاة حاصلة بين السابق والطارىء ، فليس كون الطارىء مزيلاً للسابق أولى من كون السابق دافعاً للطارىء ، بل الثاني أولى لأن الدفع أسهل من الرفع ( وثانيها) أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين ، كان شرط طريان الطارىء زوال السابق فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال ( وثالثها ) أن ثواب الإيمان السابق وعقاب الكفر الطارىء ، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما أزيد من الآخر ، فان تساويا وجب أن يتحابط كل واحد منهما بالآخر ، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب ولا من أهل العقاب وهو باطل بالإجماع ، وإن ازداد أحدهما على الآخر ، فلنفرض أن السابق أزيد ، فعند طريان الطارىء لا يزول إلا ما يساويه ، فحينئذ يزول بعض الاستحقاقات دون البعض مع كونها متساوية في الماهية ، فيكون ذلك ترجيحاً من غير مرجح وهو محال ، لنفرض أن السابق أقل فحينئذ إما أن يكون الطارىء الزائد ، يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق فحينئذ يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة وهو محال ، وإما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض أجزاء الطارىء دون البعض ، وحينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجيحاً للمثل من غير مرجح وهو محال ، فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمناً ثم كفر ، فذلك الايمان السابق ، وإن كنا نظنه إيماناً إلا أنه ما كان ٣٩ قوله تعالى: ((فأولئك حبطت أعمالهم )) سورة البقرة عند الله إيماناً ، فظهر أن الموافاة شرط لكون الايمان إيماناً ، والكفر كفراً، وهذا هو الذي دلت الآية عليه ، فانها دلت على أن شرط كون الردة موجبة لتلك الأحكام أن يموت المرتد على تلك الردة . ( أما البحث الفروعي ) فهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت قال الشافعي رحمه الله : لا إعادة عليه ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج ، حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه قوله تعالى ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ) شرط في حبوط العمل أن يموت وهو كافر ، وهذا الشخص لم يوجد في حقه هذا الشرط ، فوجب أن لا يصير عمله محبطاً ، فان قيل : هذا معارض بقوله ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) وقوله ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) لا يقال : حمل المطلق على المقيد واجب . لأنا نقول : ليس هذا من باب المطلق والمفيد ، فانهم أجمعوا على أن من علق حكماً بشرطين ، وعلقه بشرط أن الحكم ينزل عند أيهما وجه ، كمن قال لعبده : أنت حر إذا جاء يوم . الخميس ، أنت حر إذا جاء يوم الخميس والجمعة : لا يبطل واحد منهما ، بل إذا جاء يوم الخميس عتق ، ولو كان باعه فجاء يوم الخميس ولم يكن في ملكه . ثم اشتراه ثم جاء يوم الجمعة وهو في ملكه عتق بالتعليق الأول. والسؤال الثاني﴾ عن التمسك بهذه الآية أن هذه الآية دلت على أن الموت على الردة شرط لمجموع الأحكام المذكورة في هذه الآية ، ونحن نقول به فان من جملة هذه الأحكام : الخلود في النار وذلك لا يثبت إلا مع هذا الشرط وإنما الخلاف في حبط الأعمال ، وليس في الآية دلالة على أن الموت على الردة شرط فيه . ( والجواب ) أن هذا من باب المطلق والمقيد لا من باب التعليق بشرط واحد وبشرطين ، لأن التعليق بشرط وبشرطين إنما يصح لو لم يمكن تعليقه بكل واحد منهما مانعاً من تعليقه بالآخر ، وفي مسألتنا لو جعلنا مجرد الردة مؤثراً في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلا في شيء من الأوقات . فعلمنا أن هذا ليس من باب التعليق بشرط وبشرطين بل من باب المطلق والمقيد . ﴿ وأما السؤال الثاني﴾ لجوابه أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط بشرط الموت على الردة ، وإنما توجب الخلود في النار بشرط الموت على الردة ، وعلى هذا التقدير فذلك السؤال ساقط . ٤٠ قوله تعالى: ((أن الذين آمنوا)) الآية . سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَابُواْ وَجَهَدُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله أما قوله تعالى ( فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال أهل اللغة أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك وفي الحديث ((وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم)) فسمى بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه . ﴿ المسألة الثانية﴾ المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال ، وإعدام المعدوم محال ، ثم اختلف المتكلمون فيه ، فقال المثبتون للإحباط والتكفير ، المراد منه أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق ، إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة أولا بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي ، وقال المنكرون للإحباط بهذا المعنى المراد من الاحباط الوارد في كتاب الله هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لأن الآتي بالردة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثواباً فاذا لم يأت بذلك العمل الجيد وأتى بدله بهذا العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعاً بل يستفيد منه أعظم المضار يقال : إنه أحبط عمله أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة بل فيه مضرة، ثم قال المنكرون للاحباط هذا الذي ذكرناه في تفسير الإحباط ، إما أن يكون حقيقة في لفظ الاحباط ، وإما أن لا يكون ، فان كان حقيقة فيه وجب المصير إليه ، وإن كان مجازاً وجب المصير إليه ، لأنا ذكرنا الدلائل القاطعة في مسألة أن الموافاة شرط في صحة الإيمان ، على أن القول بأن أثر الفعل الحادث يزيل أثر الفعل السابق محال. المسألة الثالثة﴾ أما حبوط الأعمال في الدنيا، فهو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً ، وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين ، ويجوز أن يكون المعنى في قوله ( حبطت أعمالهم في الدنيا ) أن ما يريدونه بعد الردة من الإضرار بالمسلمين ومكايدتهم بالانتقال عن دينهم يبطل كله ، فلا يحصلون منه على شيء لاعزاز الله الإِسلام بأنصاره فتكون الأعمال على هذا التأويل ما يعملونه بعد الردة ، وأما حبوط أعمالهم في الآخرة فعند القائلين بالاحباط معناه أن هذه الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استقوه بأعمالهم السالفة ، وعند المنكرين لذلك معناه : أنهم لا يستفيدون من تلك الردة ثواباً ونفعاً في الآخرة بل يستفيدون منها أعظم المضار ، ثم بين كيفية تلك المضرة فقال تعالى ( وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . قوله عز وجل ﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة