Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
قوله تعالى ((ليس البران تولوا وجوهكم)) سورة البقرة
أحدها الصلاة ولا بد فيها من استقبال فيلزم التناقض ولأجل هذا السؤال اختلف المفسرون على
أقوال ( الأول ) أن قوله ( لیس البر ) نفي لكمال البر نفياً لأصله كأنه قال ليس البر كله هو
هذا ، البراسم لمجموع الخصال الحميدة واستقبال القبلة واحد منها ، فلا يكون ذلك تمام البر
( الثاني) أن يكون هذا نفياً لأصل كونه براً ، لأن استقبالهم المشرق والمغرب كان خطأ في
وقت النفي حين ما نسخ الله تعالى ذلك ، بل كان ذلك إثماً وفجوراً لأنه عمل بمنسوخ قد نهى
الله عنه ، وما يكون كذلك فإنه لا يعد في البر ( الثالث ) أن استقبال القبلة لا يكون براً إذا لم
يقارنه معرفة الله ، وإنما يكون براً إذا أتى به مع الإيمان ، وسائر الشرائط كما أن السجدة لا
تكون من أفعال البر ، إلا إذا أتى بها مع الإيمان بالله ورسوله ، فأما إذا أتى بها بدون هذا
الشرط ، فإنها لا تكون من أفعال البر ، روى أنه لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها وصار
كأنه لا يراعي بطاعة الله إلا الاستقبال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا
الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين .
المسألة السادسة ﴾ قوله (ولكن البر من آمن بالله ) فيه حذف وفي كيفيته وجوه
( أحدها ) ولكن البر بر من آمن بالله ، فحذف المضاف وهو كثير في الكلام كقوله ( واشربوا في
قلوبهم العجل ) أي حب العجل ، ويقولون : الجود حاتم والشعر زهير ، والشجاعة عنترة ،
وهذا اختيار الفراء ، والزجاج ، وقطرب ، قال أبو علي : ومثل هذه الآية قوله ( أجعلتم
سقاية الحاج ) ثم قال ( كمن آمن ) وتقديره ، أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن ،أو أجعلتم
سقاية الحاج كإيمان من آمن ليقع التمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين ، إذ لا يقع التمثيل بين
مصدر وفاعل ( وثانيها ) قال أبو عبيدة البر ههنا بمعنى البار كقوله ( والعاقبة للتقوى ) أي
للمتقين ومنه قوله ( إن أصبح ماؤكم غوراً ) أي غائراً، وقالت الخنساء :
فانما هي إقبال وإدبار
أي مقبلة ومدبرة معاً (وثالثها) أن معناه ولكن ذا البر فحذف كقولهم: هم درجات عند
الله أي ذووا درجات عن الزجاج ( ورابعها ) التقدير ولكن البر يحصل بالإيمان وكذا وكذا
عن المفصل .
واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى مقصود الكلام فيكون معناه : ولكن البر الذي هو كل
البر الذي يؤدي إلى الثواب العظيم بر من آمن بالله ، وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن
بقراءته لقرأت ( ولكن البر ) بفتح الباء ، وقرأ نافع وابن عامر (ولكن ) مخففة ( البر )
بالرفع ، والباقون ( لكن ) مشددة ( البر ) بالنصب .

٤٢
قوله تعالى « ليس البر)) سورة البقرة
المسألة السابعة﴾ اعلم أن الله تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أموراً (الأول)
الإيمان بأمور خمسة ( أولها) الإيمان بالله ، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته
المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه ، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند
العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه العلم بحدوث العالم ، والعلم بالأصول التي عليها
يتفرع حدوث العالم ، ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده وقدمه وبقائه ،
وكونه عالماً بكل المعلومات ، قادراً على كل الممكنات حياً مريداً سميعاً بصيراً متكلماً ، ويدخل
في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية ، ويدخل
في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثة الرسل ( وثانيها ) الإيمان باليوم الآخر ،
وهذا الإيمان مفرع على الأول ، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ولم نعلم
قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر ( وثالثها ) الإيمان بالملائكة
(ورابعها ) الإيمان بالكتب (وخامسها ) الإيمان بالرسل ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول﴾ إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ولا إلى العلم بصدق الكتب
إلا بواسطة صدق الرسل ، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب قلم قدم
الملائكة والكتب في الذكر على الرسل ؟
(الجواب) أن الأمر وإن كان كما ذكرتموه في عقولنا وأفكارنا ، إلا أن ترتيب الوجود على
العكس من ذلك ، لأن الملك يوجد أولاً ، ثم يحصل بواسطة تبليغة نزول الكتب ، ثم يصل
ذلك الكتاب إلى الرسول ، فالمراعى في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجي ، لا ترتيب الاعتبار
الذهني .
( السؤال الثاني ) لم خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة ؟
( الجواب ) لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن صدق به ، فقد دخل تحت الإيمان بالله :
معرفته بتوحيده وعدله وحكمته ، ودخل تحت اليوم الآخر : المعرفة بما يلزم من أحكام الثواب
والعقاب والمعاد ، إلى سائر ما يتصل بذلك ، ودخل تحت الملائكة ما يتصل بأدائهم الرسالة إلى
النبي ◌َّ ليؤديها إلينا إلى غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة ، ودخل تحت الكتاب
القرآن ، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه ، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم ، وصحة
شرائعهم ، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإِيمان به إلا دخل تحت هذه الآية ، وتقرير آخر :
وهو أن للمكلف مبدأ ووسطاً ونهاية ، ومعرفة المبدأ والمنتهى هو المقصود بالذات ، وهو المراد
بالإيمان بالله واليوم الآخر ، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي لا تتم إلا بأمور

٤٣
قوله تعالى ((ليس البر)) سورة البَقَرة
ثلاثة : الملائكة الآتين بالوحي ، ونفس ذلك الوحي وهو الكتاب ، والموحى إليه وهو
الرسول ؟
السؤال الثالث﴾ لم قدم هذا الإيمان على أفعال الجوارح، وهو إيتاء المال،
والصلاة ، والزكاة .
( الجواب ) للتنبيه على أن أعمال القلوب أشرف عند الله من أعمال الجوارح ، الأمر
الثاني من الأمور المعتبرة في تحقق مسمى البر قوله ( وآتي المال على حبه ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن الضمير في قوله (على حبه) إلى ماذا يرجع ؟ وذكروا
فيه وجوها ( الأول) وهو قول الأكثرين أنه راجع إلى المال ، والتقدير : وآتي المال على حب
المال ، قال ابن عباس وابن مسعود : وهو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغني ،
وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بانت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وهذا التأويل
يدل على أن الصدقة حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت ، والعقل يدل على ذلك
أيضاً من وجوه ( أحدها ) أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال وعند ظن قرب الموت
يحصل ظن الاستغناء عن المال ، وبذل الشيء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله عند
الاستغناء عنه على ما قال (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ( وثانيها ) أن إعطاءه حال
الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطاءه حال المرض والموت ( وثالثها ) أن
إعطاءه حال الصحة أشق ، فيكون أكثر ثواباً قياساً على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد
ثوابه على ما يبذله الغني ( ورابعها ) أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه من أحد مع العلم
بأنه لو لم يهبه منه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفاً من ضياع المال ثم
إنه وهبه منه طائعاً وراغباً فكذا ههنا (وخامسها ) أنه متأيد بقوله تعالى ( لن تنالوا البر حتى
تنفقوا مما تحبون ) وقوله ( ويطعمون الطعام على حبه ) أي على حب الطعام ، وعن أبي
الدرداء أنه * قال ((مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعد ما شبع)).
القول الثاني﴾ أن الضمير يرجع إلى الإيتاء كأنه قيل : يعطي ويحب الإعطاء رغبة
في ثواب الله .
﴿ القول الثالث﴾ أن الضمير عائد على اسم الله تعالى، يعني يعطون المال على حب
الله أي على طلب مرضاته .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء فقال قوم: إنها الزكاة وهذا ضعيف
وذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله ( وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) ومن حق المعطوف

٤٤
قوله تعالى ((ليس البر)) سورة البَقَرة
والمعطوف عليه أن يتغايرا ، فثبت أن المراد به غير الزكاة ، ثم إنه لا يخلو إما أن يكون من
التطوعات أو من الواجبات ، لا جائز أن يكون من التطوعات لأنه تعالى قال في آخر الآية
( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) وقف التقوى عليه ، ولو كان ذلك ندباً لما وقف
التقوى عليه ، فثبت أن هذا الإيتاء ، وإن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات ثم فيه قولان :
القول الأول ﴾ أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية مثل إطعام المضطر، ومما يدل
على تحقق هذا الوجوب النص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام (( لا يؤمن بالله
واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره طاو إلى جنبه)) وروى عن فاطمة بنت قيس : أن في المال
حقاً سوى الزكاة ، ثم تلت ( وآتي المال على حبه) وحكى عن الشعبي أنه سئل عمن له مال
فأدى زكاته فهل عليه شيء سواه ؟ فقال : نعم يصل القرابة ، ويعطي السائل ، ثم تلا هذه
الآية ، وأما العقل فإنه لا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة ، وجب على الناس أن
يعطوه مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز
الأخذ منهم قهراً ، فهذا يدل على أن هذا الإيتاء واجب ، واحتج من طعن في هذا القول بما
روى عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الزكاة نسخت كل حق .
(والجواب ) من وجوه (الأول) أنه معارض بما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال (( في
المال حقوق سوى الزكاة)» وقول الرسول أولى من قول على ( الثاني ) أجمعت الأمة على أنه إذا
حضر المضطر فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر ، وإن كان قد أدى الزكاة بالكمال
( الثالث ) المراد أن الزكاة نسخت الحقوق المقدرة ، أما الذي لا يكون مقدراً فإنه غير منسوخ
بدليل أنه يلزم التصدق عن الضرورة ، ويلزم النفقة على الأقارب ، وعلى المملوك ، وذلك غير
مقدر ، فإن قيل : هب أنه صح هذا التأويل ولكن ما الحكمة في هذا الترتيب ؟ قلنا فيه وجوه
(أحدها ) أنه تعالى قدم الأولى فالأولى لأن الفقير إذا كان قريباً فهو أولى بالصدقة من غيره من
حيث أنه يكون ذلك جامعاً بين الصلة والصدقة، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال
إليه ولذلك يستحق به الأرث ويحجر بسببه على المالك في الوصية ، چِتى لا يتمكن من الوصية.
إلا في الثلث ، ولذلك كانت الوصية للأقارب من الواجبات على ما قال ( كتب عليكم إذا حضر
أحدكم الموت) الآية ، وإن كانت تلك الوصية قد صارت منسوخة إلا عند بعضهم ، فلهذه
الوجوه قدم ذاالقربى ، ثم أتبعه تعالى باليتامى ، لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب
فهو منطقع الحيلة من كل الوجوه ، ثم أتبعهم تعالى بذكر المساكين لأن الحاجة قد تشتد بهم ،
ثم ذكر ابن السبيل إذ قد تشتد حاجته عند اشتداد رغبته إلى أهله ، ثم ذكر السائلين وفي
الرقاب لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم ذكره ( وثانيها ) أن معرفة المرء بشدة حاجة هذه

٤٥
قوله تعالى ((ليس البر)) سورة البقرة
الفرق تقوى وتضعف ، فرتب تعالى ذكر هذه الفرق على هذا الوجه لأن علمه بشدة حاجة من
يقرب إليه أقرب ، ثم بحاجة الأيتام ، ثم بحاجة المساكين ، ثم على هذا النسق ( وثالثها ) أن
ذا القربى مسكين ، وله صفة زائدة تخصه لأن شدة الحاجة فيه تغمه وتؤذي قلبه ، ودفع الضرر
عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير ، فلذلك بدأ الله تعالى بذي القربى ، ثم باليتامى ،
وأخر المساكين لأن الغم الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام والشراب أشد من الغم
الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما ، فأما ابن السبيل فقد يكون غنياً ، وقد تشتد حاجته
في الوقت ، والسائل قد يكون غنياً ويظهر شدة الحاجة وأخر المكاتب لأن إزالة الرق ليست في
محل الحاجة الشديدة .
القول الثاني ﴾ أن المراد بإيتاء المال ما روى أنه عليه الصلاة والسلام عند ذكره
للابل قال: ((إن فيها حقاً)) هو إطراق فحلها وإعارة ذلولها، وهذا بعيد لأن الحاجة إلى
إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن السبيل والسائل والمكاتب .
القول الثالث﴾ أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجباً، ثم إنه صار منسوخاً بالزكاة،
وهذا أيضاً ضعيف لأنه تعالى جمع في هذه الآية بين هذا الإيتاء وبين الزكاة .
المسألة الثالثة﴾ أما ذوو القربى فمن الناس من حمل ذلك على المذكور في آية النفل
والغنيمة والأكثرون من المفسرين على ذوي القربى للمعطين ، وهو الصحيح لأنهم به أخص ،
ونظيره قوله تعالى ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ) .
واعلم أن ذوى القربى هم الذين يقربون منه بولادة الأبوين أو بولادة الجدين ، فلا
وجه لقصر ذلك على ذوي الرحم المحرم على ما حكى عن قوم لأن المحرمية حكم شرعي أما
القرابة فهي لفظة لغوية موضوعة للقرابة في النسب وإن كان من يختص بذلك يتفاضل
ويتفاوت في القرب والبعد ، أما اليتامى ففي الناس من حمله على ذوي اليتامى ، قال : لأنه لا
يحسن من المتصدق أن يدفع المال إلى اليتيم الذي لا يميز ولا يعرف وجوه منافعه ، فإنه متى فعل
ذلك يكون مخطئاً بل إذا كان اليتيم مراهقاً عارفاً بمواقع حظه ، وتكون الصدقة من باب ما
يؤكل ويلبس ولا يخفي على اليتيم وجه الانتفاع به جاز دفعها إليه ، هذا كله على قول من
قال : اليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر ، وعند أصحابنا هذا الإسم قد يقع على الصغير
وعلى البالغ والحجة فيه قوله تعالى ( وآتوا اليتامى أموالهم ) ومعلوم أنهم لا يؤتون المال إلا إذا
بلغوا ، وكان رسول الله ◌َلل يسمى: يتيم أبي طالب بعد بلوغه، فعلى هذا إن كان اليتيم بالغاً
دفع المال إليه ، وإلا فيدفع إلى وليه ، وأما المساكين ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في
سورة التوبة والذي نقوله هنا : إن المساكين أهل الحاجة ، ثم هم ضربان منهم من يكف عن

٤٦
قوله تعالى ((ليس البر)) سورة البقرة
السؤال وهو المراد ههنا ، ومنهم من يسأل وينبسط وهو المراد بقوله ( والسائلين ) وإنما فرق
تعالى بينهما من حيث يظهر على المسكين المسكنة مما يظهر من حاله ، وليس كذلك السائل لأنه
بمسألته يعرف فقره وحاجته ، وأما ابن السبيل فروى عن مجاهد أنه المسافر ، وعن قتادة أنه
الضيف لأنه إنما وصل إليك من السبيل ، والأول أشبه لأن السبيل اسم للطريق وجعل المسافر
ابناً له للزومه إياه كما يقال لطير الماء : ابن الماء ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون : ابن
الأيام . وللشجعان : بنوة لحرب . وللناس : بنو الزمان . قال ذو الرمة :
وردت عشاء والثريا كأنها
على قمة الرأس ابن ماء مخلق
وأما قوله ( والسائلين ) فعني به الطالبين ، ومن جعل الآية في غير الزكاة أدخل في هذه
الآية المسلم والكافر ، روى الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال
((للسائل حتى ولو جاء على فرس)) وقال تعالى (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم).
أما قوله ( وفي الرقاب ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ (الرقاب) جمع الرقبة وهي مؤخر أصل العنق ، واشتقاقها من
المراقبة ، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم ، ولهذا المعنى يقال :
أعتق الله رقبته ولا يقال أعتق الله عنقه ، لأنه لما سميت رقبة كأنها تراقب العذاب ، ومن هذا
يقال للتي لا يعيش ولدها : رقوب ، لأجل مراعاتها موت ولدها .
المسألة الثانية ﴾ معنى الآية: ويؤتى المال في عتق الرقاب، قال القفال: واختلف
الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات ، فقال قائلون : إنه يدخل فيه من يشتريه
فيعتقه . ومن يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته ، فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة
المفروضة ، وقال قائلون : لا يجوز صرف الزكاة إلا في إعانة المكاتبين ، فمن تأول هذه الآية
على الزكاة المفروضة فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف ، ومن حمل هذه الآية على غير الزكاة أجاز
الأمرين فيها قطعاً ، ومن الناس من حمل الآية على وجه ثالث وهو فداء الأساري .
واعلم أن تمام الكلام في تفسير هذه الأصناف سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة التوبة في:
تفسير آية الصدقات .
الأمر الثالث ﴾ من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله ( وأقام الصلاة وآتى
الزكاة ) وذلك قد تقدم ذكره .
الأمر الرابع ﴾ قوله تعالى (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) وفيه مسألتان :

٤٧
قوله تعالى (( ليس البر)) سورة البَقَرة
المسألة الأولى﴾ في رفع والموفون قولان (أحدهما ) أنه عطف على محل ( من آمن )
تقديره لكن البر المؤمنون والموفون ، عن الفراء والأخفش ( الثاني ) رفع على المدح على أن
يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهم الموفون .
المسألة الثانية﴾ في المراد بهذا العهد قولان ( الأول ) أن يكون المراد ما أخذه الله من
العهود على عباده بقولهم ، وعلى ألسنة رسله آليهم بالقيام بحدوده ، والعمل بطاعته ، فقبل
العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب ، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا
العهود والمواثيق وأمرهم بالوفاء بها فقال ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) فكان المعنى في هذه الآية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء
بعهد الله ، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق الله وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم
وكذبوا بكتابه ، واعترض القاضى على هذا القول وقال : إن قوله تعالى ( والموفون بعهدهم )
صريح في إضافة هذا العهد إليهم ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله ( إذا عاهدوا ) فلا وجه لحمله
على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى .
( والجواب عنه) أنه تعالى وإن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك
الإلزام والتزموه ، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم .
أن يحمل ذلك على الأمور التى يلتزمها المكلف ابتداء من عند
القول الثاني ﴾
نفسه. واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله، أو بينه وبين رسول الله، أو
بينه وبين سائر الناس أما الذي بينه وبين الله فهو ما يلزمه بالنذور والإيمان ، وأما الذي بينه
وبين رسول الله فهو الذي عاهد الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة والمظاهرة والمجاهدة
وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، وأما الذي بينه وبين سائر الناس فقد يكون ذلك من
الواجبات مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم ، وكذا الشرائط التي يلتزمها
في السلم والرهن ، وقد يكون ذلك من المندوبات مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص
في المناصرة ، فقوله تعالى ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى
لقصر الآية على بعض هذه الأقسام دون البعض ، وهذا الذي قلناه هو الذي عبر عنه المفسرون
فقالوا : هم الذين إذا واعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا وفوا ، وإذا قالوا صدقوا ، وإذا
ائتمنوا أدوا ، ومنهم من حمله على قوله تعالى ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ) الآية .
﴿ الأمر الخامس﴾ من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله تعالى ( والصابرين في
البأساء والضراء وحين البأس ) وفيه مسائل :

٤٨
قوله تعالى ((ليس البر)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ في نصب الصابرين أقوال ( الأول ) قال الكسائي هو معطوف على
( ذوي القربى ) كأنه قال : وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين : قال الْنحويون: إن
تقدير الآية يصير هكذا : ولكن البر من آمن بالله وآتى المال على حبه ذوي القربى
والصابرين ، فعلى هذا قوله ( والصابرين ) من صلة من قوله ( والموفون ) متقدم على قوله
( والصابرين ) فهو عطف على ( من ) فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئاً ، وهذا
غير جائز لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد ، ومحال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو
يعطف عليه إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه ، أما إن جعلت قوله ( والموفون) رفعاً على
المدح ، وقد عرفت أن هذا الفصل غير جائز، بل هذا أشنع لأن المدح جملة فإذا لم يجز الفصل
بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى .
فإن قيل : أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة كقول القائل : إن زيداً فافهم
ما أقول رجل عالم ، وكقوله تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من
أحسن عملا ) ثم قال ( أولئك ) ففصل بين المبتدأ والخبر بقوله ( إنا لا نضيع ) قلنا :
الموصول مع الصلة كالشيء الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق الذي بين المبتدأ
والخبر ، فلا يلزم من جواز الفصل بين المبتدأ والخبر جوازه بين الموصول والصلة .
القول الثاني ﴾ قول الفراء: إنه نصب على المدح، وإن كان من صفة من ، وإنما
رفع الموفون وتصب الصابرين لطول الكلام بالمدح ، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم إذا
طال الكلام بالنسق في صفة الشيء الواحد ، وأنشد الفراء :
.:
وليث الكتيبة في المزدحم
إلى الملك القرم وابن الهمام
وقالوا فيمن قرأ (حمالة الحطب) بنصب (حمالة) أنه نصب على الذم، قال أبو علي
الفارسي: وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن تخالف باعرابها ولا
تجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في
القول، فإذا خولف باعراب الأوصاف كان المقصود أكمل، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب
يصير كانه أنواع من الكلام وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجها واحدا،.
وجملة واحدة، ثم اختلف الكوفيون والبصريون في أن المدح والذم لم صارا علتين لاختلاف
الحركة؟ فقال الفراء: أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال
له: قام زيد فربما أثنى السامع على زيد ، وقال ذكرت والله الظريف، ذكرت العاقل، أي هو
والله الظريف هو العاقل، فاراد المتكلم أن يمدح بمثل ما مدحه به السامع، فجرى الإعراب على
ذلك، وقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى أعني الظريف، وأنكر الفراء ذلك لوجهين
:

٤٩
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم)) الآية .، سورة البَقَرة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَيْكُ الْقِصَاصُ فِ الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
(الأول) أن أعني إنما يقع تفسيرا للاسم المجهول، والمدح يأتي بعد المعروف (الثاني) أنه لو
صح ما قاله الخليل لصح أن يقول: قام زيد أخاك، على معنى: أعني أخاك، وهذا مما لم تقله
العرب أصلا.
واعلم أن من الناس من قرأ (والموفين، والصابرين) ومنهم من قرأ (والموفون،
والصابرون) .
أما قوله (في البأساء) قال ابن عباس: يريد الفقر، وهو اسم من البؤس (والضراء) قال:
يريد به المرض، وهما اسمان على فعلاء ولا أفعل لهما، لأنهما ليسا بنعتين (وحين البأس) قال
ابن عباس رضي الله عنهما يريد القتال في سبيل الله والجهاد، ومعنى البأس في اللغة الشدة
يقال: لا بأس عليك في هذا، أي لا شدة (وعذاب بئيس) شديد ثم تسمى الحرب بأساً لما فيها
من الشدة والعذاب يسمى بأسا لشدته قال تعالى (فلما رأوا بأسنا، فلما أحسوا بأسنا، فمن
ینصرنا من بأس الله).
ثم قال تعالى (أولئك الذين صدقوا) أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في
إيمانهم، وذكر الواحدي رحمه الله في آخر هذه الآية مسألة وهي أنه قال: هذه الواوات في
الأوصاف في هذه الآية للجمع، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن تجتمع فيه هذه الأوصاف،
ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر، فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من
جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء بل لا يكون قائماً بالبر، إلا عند استجماع هذه
الخصال، ولذلك قال بعضهم: هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام، لأن غيرهم لا تجتمع
فيه هذه الأوصاف كلها، وقال آخرون: هذه عامة في جميع المؤمنين، وما توفيقي إلا بالله عليه
توكلت.
الحكم الرابع
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد
والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من
الفخر الرازي ج ٥ م ٤

٥٠
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم)) الآية. سورة البقرة
وَآلْأُنْثَى بِالْأُنثَى ثَمَنْ عُنِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوِ وَأَدَاكِ إِلَيْه ◌ِحْسَئِنِ
ذَلِكَ تَّحْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ, عَذَابٌ أَلِيمُ (١٣)
ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾.
قبل الشروع في التفسير لا بد من ذكر سبب النزول وفيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن سبب
نزوله إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل مبعث محمد عليه السلام، وذلك لأن اليهود كانوا
بوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون
القتل، وأخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين،
أما في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى، فالأشراف كانوا
يقولون: لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم،
وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن
واحدا قتل إنسانا من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، وقالوا: ماذا تريد؟
فقال إحدى ثلاث قالوا: وما هي؟ قال: إما تحيون ولدي، أو تملأون داري من نجوم السماء أو
تدفعوا إلى جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً.
وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس،
فلما بعث الله تعالى محمداً ◌ٍّ أوجب رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل
هذه الآية .
﴿ والرواية الثانية﴾ في هذا المعنى وهو قول السدى: إن قريظة والنضير كانوا مع تدينهم
بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي.
والرواية الثالثة ﴾ أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي الله عنه.
﴿ والرواية الرابعة ﴾ ما نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس ورواها عن علي
بن أبي طالب وعن الحسن البصري أن المقصود من هذه الآية بيان أن بين الحرين والعبدين
والذكرين والأنثيين يقع القصاص ويكفي ذلك فقط، فأما إذا كان القاتل للعبد حراً، أو للحر
عبداً فأنه يجب مع القصاص التراجع، وأما حر قتل عبداً فهو قوده، فان شاء موالي العبد أن
بقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر ، ويردوا إلى أولياء الحر بقية ديته ،
و إن قتل عبد حراً فهو به قود ، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وأسقطوا قيمة العبد من دية
:

... ...
٥١
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا » سورة البَقَرة
الحر ، وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته ، وإن شاؤًا أخذوا كل الدية وتركوا قتل
العبد ، وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود ، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية ، وإن
قتلت المرأة رجلاً فهي به قود ، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية ، وإن شاؤا
أعطوا كل الدية وتركوها ، قالوا فالله تعالى أنزل هذه الآية لبيان أن الاكتفاء بالقصاص
مشروع بين الحرين والعبدين والانثيين والذكرين فأما عند اختلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص
غير مشروع فيه إذا عرفنا سبب النزول فلنرجع إلى التفسير .
أما قوله تعالى (كتب عليكم) فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من
وجهين: (أحدهما) أن قوله تعالى (کتب) يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى (کتب علیکم
الصيام) وقال (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية) وقد كانت الوصية
واجبة ومنه الصلوات المكتوبات أي المفردات، وقال عليه السلام ((ثلاث كتبن على ولم تكتب
عليكم)) (والثاني) لفطة (عليكم) مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت)
وأما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل
مثل فعله، قال تعالى (فارتدا على آثارهما قصصاً) وقال تعالى (وقالت لأخته قصيه) أي اتبعي
أثره، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي، وسمي القصص لأنه يذكر مثل
أخبار الناس، ويسمى المقص مقصاً لتعادل جانبيه.
أما قوله تعالى (في القتلى) أي بسبب قتل القتلى، لأن كلمة (في) قد تستعمل للسببية
كقوله عليه السلام ((في النفس المؤمنة مائة من الإبل)) إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية: يا أيها
الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص
على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا
العموم وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كثيرة، وهي إذا قتل الوالد ولده،
والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربياً أو معاهداً، وفيما إذا قتل مسلم مسلماً خطأ إلا أن العام
الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه.
فأن قيل: قولكم هذه الآية تقتضى وجوب القصاص فيه إشكالان (الأول) أن القصاص لو وجب
لوجب إما على القاتل، أو على ولي الدم، أو على ثالث، والأقسام الثلاثة باطلة، وإنما قلنا: إنه
لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وإنما قلنا: إنه
غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك بقوله
(وأن تعفوا أقرب للتقوى) والثالث أيضاً باطل لأنه يكون أجنبياً عن ذلك القتل والأجنبي عن
الشيء لا تعلق له به .

٥٢
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا)) سورة البقرة
السؤال الثاني ﴾ إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب
التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل البتة، بل أقصى ما في الباب أن
الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعا وعلى هذا التقدير تسقط دلالة
الآية على كون القتل مشروعا بسبب القتل.
:
(والجواب عن السؤال الأول) من وجهين (الأول) أن المراد إيجاب إقامة القصاص على
الإمام أو من يجري مجراه، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فانه لا يحل للأمام أن يترك
القود لأنه من جملة المؤمنين، والتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي
الدم استيفاءه (والثاني) أنه خطاب مع القاتل والتقدير: يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم
النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر ،
بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله ولا يقرا، والفرق أن ذلك
حق الآدمي
(وأما الجواب عن السؤال الثاني) فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل
والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، فكانت الآية مفيدة لإيجاب
القتل من هذا الوجه ويتفرع على ما ذكرنا مسائل:
المسألة الأولى﴾ ذهب أبو حنيفة إلى أن موجب العمد هو القصاص، وذهب الشافعي
في أحد قوليه إلى أن موجب العمد إما القصاص وإما الدية، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية،
ووجه الاستدلال بها في غاية الضعف، لأنه سواء كان المخاطب بهذا الخطاب هو الإمام أو ولي
الدم فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان ولي الدم يريد القتل على التعيين، وعندنا أنه متى كان
الأمر كذلك كان القصاص متعيناً، إنما النزاع في أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلى الدية
ولیس في الآية دلالة على أنه إذا أراد الدية ليس له ذلك.
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في كيفية المماثلة التي دلت هذه الآية على إيجابها فقال
الشافعي: يراعي جهة القتل الأول فان كان الأول قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل فان مات منه
في تلك المرة وإلا حزت رقبته، وكذلك لو أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك
المرة وإلا حزت رقبته، وقال أبو حنيفة رحمه الله: المراد بالمثل تناول النفس بأرجى ما يمكن فعلى
هذا لا اقتصاص إلا بالسيف بحز الرقبة، حجة الشافعي رحمه الله أن الله تعالى أوجب التسوية
بين الفعلين وذلك يقتضى حصول التسوية من جميع الوجوه الممكنة، ويدل عليه وجوه (أحدها)
أنه يجوز أن يقال كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، والاستثناء يخرج من الكلام ما
:

٥٣
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا)) سورة البقرة
لولاه لدخل، فدخل هذا على أن كيفية القتل داخلة تحت النص (وثانيها) أنا لو لم نحكم
بدلالة هذه الآية على التسوية في كل الأمور لصارت الآية مجملة ولو حكمنا فيها بالعموم كانت
الآية مفيدة، لكنها بما صارت مخصوصة في بعض الصور والتخصيص أهون من الاجمال
(وثالثها) أن الآية لو لم تفد إلا الإيجاب للتسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان
في بعض الأمور، فحينئذ لا يستفاد من هذه الآية شيء البتة، وهذا الوجه قريب من الثاني فثبت
أن هذه الآية تفيد وجوب التسوية من كل الوجوه ثم تأكد هذا النص بسائر النصوص المقتضية
لوجوب المماثلة، كقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن اعتدى علیکم فاعتدوا عليه بمثل ما
اعتدى عليكم، من عمل سيئة فلا يجزي إلا مثلها) ثم تأكدت هذه النصوص المتواترة بالخبر
المشهور عن الرسول عليه السلام وهو قوله ((من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه)) ومما يروي أن
يهوديا رضخ رأس صبيه بالحجارة فقتلها، فأمر النبي مار أن ترضخ رأس اليهودي بالحجارة،
وإذا ثبت هذا بلغت دلالة الآية مع سائر الآيات، ومع هذه الأحاديث على قول الشافعي مبلغا
قويا، واحتج أبو حنيفة بقوله عليه السلام ((لا قود إلا بالسيف)) وبقوله عليه السلام ((لا يعذب
بالنار إلا ربها )) والجواب أن الأحاديث لما تعارضت بقيت دلالة الآيات خالية عن المعارضات
والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة ؛ فإن
القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائباً فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن
· يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن التوبة مقبولة قال تعالى ( وهو الذي يقبل التوبة
عن عباده ويعفوا عن السيآت ) وإذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقاً
للعقاب، ولأنه عليه السلام قال ((التوبة تمحوا الحربة)) فثبت أن شرع القصاص في حق
التائب لا يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا : يفعل الله ما يشاء ولا
اعتراض عليه في شيء وقالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفاً به ثم سألوا أنفسهم فقالوا : إنه لا
تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفاً به ؟ وأجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولى
المقتول من حيث التشفي ومنفعة لسائر المكلفين من حيث يزجر سائر الناس عن القتل ، ومنفعة
للقاتل من حيث إنه متى علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار
والتمرد .
أما قوله تعالى (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) ففيه قولان:
: القول الأول) إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعا إلا بين الحرين
وبين العبدين وبين الأنثيين .
واحتجوا عليه بوجوه (الأول) أن الألف واللام في قوله (الحر) تفيد العموم فقوله (الحر
:

٥٤:
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا)) سورة البقرة
بالحر) يفيد أن يقتل كل حر بالحر، فلو كان قتل حر بعبد مشروعا لكان ذلك الجر مقتولا لا
بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولا بالحر (الثاني) أن الباء من حروفالجر فيكون
متعلقاً لا محالة بفعل، فيكون التقدير: الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر، بل إما
أن يكون مساويا له أو أخص منه، وعلى التقديرين فهذا يقتضى أن يكون كل حر مقتولا بالحر
وذلك ينافي كون حر مقتولا بالعبد (الثالث) وهو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو
قوله (كتب عليكم القصاص في القتلى) فلما ذكر عقيبه قوله (الحر بالحر والعبد بالعبد) دل ذلك
على أن رعاية التسوية في الحرية والعندية معتبرة، لأن قوله (الخر بالخر والتعبد بالعبد). خرج
مخرج التفسير لقوله (كتب عليكم القصاص في القتلى) وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد
إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى، فوجب أن لا يكون مشروعا فان احتج الخصم بقوله تعالى
( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) فجوابنا أن الترجيح معنا لوجهين (أحدهما) أن قوله
(وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) شرع لمن قبلنا، والآية التي تمسكنا بها شرع لنا ولا شك
أن شرعنا أقوى في الدلالة من شرع من قبلنا (وثانيهما) أن الآية التي تمسكنا بها مشتملة على
أحكام النفوس على التفصيل والتخصيص، ولا شك أن الخاص مقدم على العام، ثم قال
أصحاب هذا القول مقتضى ظاهر هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد، وأن لا تقتل الأنثى
إلا بالأنثى، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الاجتماع، وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية،
وذلك المعنى غير موجود في قتل الحر بالعبد، فوجب أن يبقى ههنا على ظاهر اللفظ، أما الإجماع
فظاهر، وأما المعنى المستنبط فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه کان اولى،
بخلاف الحر فانه لما قتل بالحر لا يلزم أن يقتل بالعبد الذي هو دونه، وكذا القول في قتل الأنثى
بالذكر، فأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع والله اعلم.
القول الثاني ﴾ أن قوله تعالى (الحر بالحر) لا يفيد الحصر البتة، بل يفيد شرع
القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام، واحتجوا عليه بوجهين
(الأول) أن قوله (والأنثى بالأنثى) يقتضى قصاص المرأة الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله
(الحر بالحر والعبد بالعبد) مانعاً من ذلك لوقع التناقض (الثاني) أن قوله تعالى (كتب عليكم
القصاص في القتلى) جملة تامة مستقلة بنفسها وقوله (الحر بالحر) تخصيص لبعض جزئيات تلك
الجملة بالذكر وإذا تقدم ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمتنع من
ثبوت الحكم في سائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم
عن سائر الصور، ثم اختلفوا في تلك الفائدة فذكروا فيها وجهين (الأول) وهو الذي عليه
الأکثر ون أن تلك الفائدة بیان إيطال ما كان عليه أهل الجاهلية على ما روینا في سبب نزول
الآية أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل، ففائدة التخصيص زجرهم عن
:
:
:

٥٥
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا » سورة البقرة
ذلك.
واعلم أن للقائلين بالقول الأول أن يقولوا قوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى)
هذا يمنع من جواز قتل الحر بالعبد لأن القصاص عبارة عن المساواة، وقتل الحر بالعبد لم
يحصل فيه رعاية المساواة لأنه زائدة عليه في الشرف وفي أهلية القضاء والإمامة والشهادة فوجب
أن لا يكون مشروعا، أقصى ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل
والشريف بالخسيس، إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع على الأصل، ثم إن سلمنا أن قوله (كتب
عليكم القصاص في القتلى) يوجب قتل الحر بالعبد، إلا أنا بينا أن قوله (الحر بالحر والعبد
بالعبد) يمنع من جواز قتل الحر بالعبد؛ هذا خاص وما قبله عام والخاص مقدم على العام لا سيما
إذا کان الخاص متصلا بالعام في اللفظ فإنه يكون مجری الاستثناء ولا شك في وجوب تقديمه على
العام.
الوجه الثاني ﴾ في بيان فائدة التخصيص ما نقله محمد بن جرير الطبري عن علي بن
أبي طالب والحسن البصري، أن هذه الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص، أما في سائر
الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد، وبين الذكر والأنثى، فهناك لا يكتفي
بالقصاص بل لا بد فيه من التراجع، وقد شرحنا هذا القول في سبب نزول هذه الآية، إلا أن
كثيراً من المحققين زعموا أن النقل لم يصح عن على بن أبي طالب وهو أيضاً ضعيف عند النظر
لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد ولا تراجع، فكذلك يقتل الذكر بالأنثى ولا تراجع، ولأن
القود نهاية ما يجب في القتل فلا يجوز وجوب غيره معه.
أما قوله تعالى (فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) فاعلم
أن الذين قالوا: موجب العمد أحد أمرين إما القصاص وإما الدية تمسكوا بهذه الآية وقالوا
الاية تدل على أن في هذه القصة عافياً ومعفواً عنه، وليس ههنا إلا ولى الدم والقاتل، فيكون
- العافي أحدهما ولا يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق وذلك إنما يتأتى من
الولي الذي له الحق على القاتل، فصار تقدير الآية: فإذا عفى ولي الدم عن شىء يتعلق بالقاتل
فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف، وقوله (شيء) مبهم فلا بد من حمله على المذكور السابق وهو
وجوب القصاص إزالة للابهام، فصار تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب
القصاص، فليتبع القاتل العافي بالمعروف، وليؤد إليه ما لا بإحسان، وبالإجماع لا يجب أداء غير
الدية، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو
المال، ولو لم يكن كذلك لما كان المال واجباً عند العفو عن القود، ومما يؤكد هذا الوجه قوله تعالى
(ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) أي أثبت الخيار لكم في أخذ الدية، وفي القصاص رحمة من الله

٥٦
قوله تعالى ((فمن عفى له من أخيه شيء )) سورة البقرة
عليكم، لأن الحكم في اليهود حتم القصاص والحكم في النصارى حتم العفو فخف عن هذه
الأمة وشرع لهم التخيير بين القصاص والدية، وذلك تخفيف من الله ورحمة في حق هذه الأمة
لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجاً إلى المال، وقد يكون القود آثر إذا
كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه، فجعل الخيرة له فيما أحبه رحمة من الله في حقه.
فإن قيل: لا نسلم أن العافي هو ولى الدم وقوله العفو إسقاط الحق وذلك لا يليق إلا
بولي الدم .
قلنا: لا نسلم أن العفو هو إسقاط الحق، بل المراد من قوله (فمن عفى له من أخيه
شيء) أي فمن سهل له من أخيه شيء، يقال: أتاني هذا المال عفواً صفواً، أي سهلا،
ويقال: خذ ماعفا، أي ما سهل، قال الله تعالى (خذ العفو) فيكون تقدير الآية: فمن كان من
أولياء الدم وسهل له من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في
مطالبة ذلك المال وليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان من غير مطل ولا مدافعة،
فيكون معنى الآية على هذا التقدير: إن الله تعالى حث الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على
الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفوا عن القود.
سلمنا أن العافي هو ولي الدم، لكن لم لا يجوز أن يقال: المراد هو أن يكون القصاص
مشتركا بين شريكين فيعفوا أحدهما فحينئذ ينقلب نصيب الاخر ما لا فالله تعالى أمر الشريك
الساكت باتباع القاتل بالمعروف، وأمر القاتل بالأداء إليه باحسان.
سلمنا أن العافي هو ولي الدم سواء كان له شريك أو لم يكن، لكن لم لا يجوز أن يقال:
إن هذا مشروط برضا القاتل، إلا أنه تعالى لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتاً لا محالة لأن
الظاهر من كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه لأنه إذا قتل لا يبقى له لا
النفس ولا المال أما بذل المال ففيه إحياء النفس، فلما كان هذا الرضا حاصلا في الأعم الأغلب
لا جرم ترك ذكره وإن كان معتبراً في النفس الأمر.
(والجواب) حمل لفظ العفو في هذه الاية على إسقاط حق القصاص أولى من حمله على أن
يبعث القاتل المال إلى ولي الدم، وبيانه من وجهين (الأول) أن حقيقة العفو إسقاط الحق،
فيجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك، وحمل اللفظ في هذه الآية على إسقاط الحق
أولى من حمله على ما ذكرتم، لأنه لما تقدم قوله (كتب عليكم القصاص في القتلى) كان حمل قوله
(فمن عفى له من أخيه شيء) على إسقاط حق القصاص أولى، لأن قوله (شيء) لفظ مبهم وحمل
هذا المبهم على ذلك المعنى الذي هو المذكور السابق أولى (الثاني) أنه لو كان المراد بالعفو ما
٠٠
.
:

٥٧
قوله تعالى ((فمن عفى له من أخيه )) سورة البقرة
ذكرتم، لكان قوله (فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) عبئاً لأن بعد وصول المال إليه بالسهولة
واليسرلا حاجة به إلى اتباعه، ولا حاجة بذلك المعطي إلى أن يؤمر بأداء ذلك المال بالإحسان.
وأما السؤال الثاني فمدفوع من وجهين (الأول) أن ذلك الكلام إنما يتمشى بفرض
صورة مخصوصة ، وهي ما إذا كان حق القصاص مشتركاً بين شخصين ثم عفا أحدهما وسكت
الآخر، والآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق ، فحمل اللفظ المطلق على الصورة
الخاصة المفيدة خلاف الظاهر ( والثاني ) أن الهاء في قوله ( وأداء إليه باحسان ) ضمير عائد إلى
مذكور سابق ، والمذكور السابق هو العافي، فوجب أداء هذا المال إلى العافي ، وعلى قولكم :
يجب اداؤه إلى غير العافى فكان قولكم باطلا .
وأما السؤال الثالث أن شرط الرضا إما أن يكون ممتنع الزوال ، أو كان ممكن الزوال ،
فإن كان ممتنع الزوال، فوجب أن يكون مكنة أخذ الدية ثابتة لولى الدم على الإطلاق، وإن
كان ممكن الزوال كان تقييد اللفظ بهذا الشرط الذي ما دلت الآية على اعتباره مخالفة للظاهر وأنه
غير جائز ولما تلخص هذا البحث فنقول: الآية بقيت فيها أبحاث لفظية نذكرها في معرض
السؤال والجواب .
﴿ البحث الأول ﴾ کیف ترکیب قوله (فمن عفى له من أخيه شيء)
(الجواب) تقديره: فمن له من أخيه شيء من العفو، وهو كقوله؛ سير يزيد بعض السير
وطائفة من السير.
﴿ البحث الثاني ﴾ أن (عفی) یتعدی بعن لا باللام، فما وجه قوله (فمن عفی له).
(الجواب) أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال عفوت عن فلان وعن ذنبه قال
الله تعالى (عفا الله عنك) فإذا تعدى إلى الذنب قيل: عفوت عن فلان عما جنى، كما تقول:
عفوت له عن ذنبه، وتجاوزت له عنه، وعليه هذه الآية، كأنه قیل: فمن عفی له من جنایته،
فاستغنى عن ذكر الجناية .
البحث الثالث ﴾ لم قيل شيء من العفو؟.
(والجواب) من وجهين (أحدهما) أن هذا إنما يشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط،
فحينئذ يقال: القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله (شيء) فائدة، أما إذا كان مجموع حقه إما القود
وإما المال كان مجموع حقه متبعضاً لأن له أن يعفو عن القود دون المال، وله أن يعفو عن الكل،
فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول (فمن عفى له من أخيه شيء)
(والجواب الثاني ) أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة، لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا

۵٨
قوله تعالى (( فمن عفى له من أخيه )) سورة البقرة
يؤثر في سقوط القود، إلا أن يكون عفواً عن جميعه، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن
كله في سقوط القود، وعفو بعض الأولياء عن حقه، كعفو جميعهم عن خلقهم، فلو عرف الشيء
كان لا يفهم منه ذلك، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوما منه، فلذلك قال تعالى (فمن عفى له
من أخيه شيءٍ).
﴿ البحث الرابع﴾ بأي معنى أثبت الله وصف الأخوة.
(والجواب) قيل: إن ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمنا من ثلاثة
أوجه (الأول) أنه تعالى سماه مؤمنا حال ما وجب القصاص عليه، وإنما وجب القصاص عليه
إذا صدر عنه القتل العمد العدوان وهو بالإجماع من الكبائر، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة
مؤمن (والثاني) أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك أن هذه الأخوة
تكون بسبب الدين، لقوله تعالى (إنما المؤمنون اخوة) فلولا أن الإيمان باق مع الفسق وإلا لما
بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان (الثالث) أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والندب إلى
العفو إنما يليق بالمؤمن، أجابت المعتزلة عن الوجه الأول فقالوا: إن قلنا المخاطب بقوله (كتب
عليكم القصاص في القتلى) هم الأئمة فالسؤال زائل، وإن قلنا: إنهم هم القاتلون فجوابه من
وجهين (أحدهما) أن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمنا، فسماه الله تعالى مؤمنا بهذا
التأويل (والثاني) أن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمنا، ثم إنه تعالى أدخل فيه غير
التائب على سبيل التغليب.
(وأما الوجه الثاني) وهو ذكر الأخوة فأجابوا عنه من وجوه (الأول) أن الآية نازلة قبل أن
يقتل أحد أحداً، ولا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل (والثاني) الظاهر أن
الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له (الثالث) يجوز أن يكون جعله أخاً
له في النسب كقوله تعالى (وإلى عاد أخاهم هوداً) (والرابع) أنه حصل بين ولي الدم وبين
القاتل تعلق واختصاص، وهذا القدر يكفي في اطلاق اسم الأخوة كما تقول للرجل: قل
لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق (والخامس) ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على
صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار والاعتقاد.
(والجواب) أن هذه الوجوه بأسرها تقتضى تقييد الأخوة بزمان دون زمان، وبصفة دون
صفة، والله تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق.
وأما قوله تعالى (فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان) ففيه أبحاث:
﴿ البحث الأول) قوله (فاتباع بالمعروف) رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فحكمه
اتباع، أو هو مبتدأ خبره محذوف تقديره: فعليه اتباع بالمعروف.
البحث الثاني ﴾ قيل: على العافي الاتباع بالمعروف، وعلى المعفو عنه أداء باحسان،
:
:

٥٩
قوله تعالى (( ولكم في القصاص حياة)) الآية . سورة البقرة
وَلَكُمْ فِىِ الْقِصَاصِ حَيَزَةٌ يَأُوْلِ الْأُلْبَبِ لَعَلَّكْ نَتَّقُونَ (3)
عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، وقيل: هما على المعفو عنه فانه يتبع عفو العافي بمعروف،
ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان .
البحث الثالث ﴾ الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجري فيها على العادة
المألوفة فإن كان معسراً فالنظرة ، وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر
الحق ، وإن كان واجداً لغير المال الواجب ، فالإِمهال إلى أن يبتاع ويستبدل ، وأن لا يمنعه
بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات ، فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي
الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود ، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه ، وأن يؤدي
ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل .
.أما قوله تعالى ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) ففيه وجوه ( أحدها ) أن المراد بقوله
( ذلك ) أي الحكم بشرع القصاص والدية تخفيف في حقكم ، لأن العفو وأخذ الدية محرمان
على أهل التوراة والقصاص مكتوب عليهم البتة والقصاص والدية محرمان على أهل الإنجيل
والعفو مكتوب عليهم وهذه الأمة مخيرة بين القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيراً ،
وهذا قول ابن عباس ، (وثانيها ) أن قوله ( ذلك ) راجع إلى قوله ( فاتباع بالمعروف وأداء إليه
بإحسان ) .
أما قوله ( فمن اعتدى بعد ذلك ) التخفيف يعني جاوز الحد إلى ما هو أكثر منه قال ابن
عباس والحسن : المراد أن لا يقتل بعد العفو والدية ، وذلك لأن أهل الجاهلية إذا عفوا
وأخذوا الدية ، ثم ظفروا بعد ذلك بالقاتل قتلوه ، فنهى الله عن ذلك وقيل المراد : أن يقتل
غير قاتله ، أو أكثر من قاتله أو طلب أكثر مما وجب له من الدية أو جاوز الحد بعد ما بين له
كيفية القصاص ويجب أن يحمل على الجميع لعموم اللفظ ( فله عذاب أليم ) وفيه قولان
( أحدهما ) وهو المشهور أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة ( والثاني ) روى عن قتادة
أن العذاب الأليم هو أن يقتل لا محالة ولا يعفى عنه ولا يقبل الدية منه لقوله عليه السلام (( لا
أعافي أحداً قتل بعد أن أخذ الدية )) وهو المروي عن الحسن وسعيد بن جبير وهذا القول
ضعيف لوجوه ( أحدها ) أن المفهوم من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة
( وثانيها ) أنا بينا أن القود تارة يكون عذاباً وتارة يكون امتحاناً ، كما في حق التائب فلا يصح
إطلاق اسم العذاب عليه إلا في وجه دون وجه ( وثالثها ) أن القاتل لمن عفى عنه لا يجوز أن
يختص بأن لا یمکن ولي الدم من العفو عنه لأن ذلك حق ولی الدم فله اسقاطه قياساً على تمكنه
من إسقاط سائر الحقوق والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ﴾

٦٠
قوله تعالى ((ولكم في القصاص حياة)) سورة البقرة
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أوجب في الآية المتقدمة القصاص وكان القصاص من باب
الإيلام توجه فيه سؤال وهو أن يقال كيف يليق بكمال رحمته إيلام العبد الضعيف؟ فلأجل دفع
هذا السؤال ذكر عقبة حكمة شرع القصاص فقال ( ولكم في القصاص حياة ) وفي الآية
مسائل :
المسألة الأولى﴾ في الآية وجوه (الأول) أنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس
القصاص حياة لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء متنع أن تكون نفس ذلك الشيء ، بل
المراد أن شرع القصاص یفضي إلى الحياة في حق من یرید أن يكون قاتلاً ، وفي حق من يراد
جعله مقتولاً وفي حق غيرهما أيضاً، أما في حق من يريد أن يكون قاتلاً فلأنه إذا علم أنه لو
قتل قتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حياً ، وأما في حق من يراد جعله مقتولاً فلأن من أراد قتله
إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول ، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص
بقاء من هم بالقتل ، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما ، لأن الفتنة تعظم بسبب
القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس وفي تصور كون القصاص مشروعاً
زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل .
الوجه الثاني ﴾ في تفسير الآية أن المراد منها أن نفس القصاص سبب الحياة وذلك
لأن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ، فكان القصاص نفسه سبباً
للحياة من هذا الوجه ، واعلم أن الوجه الذي ذكرناه غير مخص بالقصاص الذي هو القتل ،
يدخل فيه القصاص في الجوارح والشجاج وذلك لأنه إذا علم أنه إن جرح عدوه اقتص منه
زجره ذلك عن الإقدام فيصير سبباً لبقائهما لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت وكذلك الجارح إذا
اقتص منه وأيضاً فالشجة والجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية لأن الجارح لا يأمن أن
تؤدي جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود ، فخوف القصاص حاصل في النفس .
الوجه الثالث﴾ أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في إيجاب
التسوية حياة لغير القاتل ، لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية وهو قول
السدي .
﴿الوجه الرابع﴾ قرأ أبو الجوزاء (ولكم في القصاص حياة ) أي فيما قص عليكم من
حكم القتل والقصاص وقيل ( القصاص ) القرآن ، أي لكم في القرآن حياة القلوب كقوله
( روحاً من أمرنا ويحي من حى عن بينة ) والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة