Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب . سورة البَقَرة الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كما يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ اٌلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) الْخَّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْثَرِينَ( لعاقبتك عليه عقاباً شديداً، فكان الغرض منه لا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحد من الأمة. أما قوله تعالى ( من بعد ما جاءك من العلم ) فيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لم يرد بذلك أنه نفس العلم جاءك، بل المراد الدلائل والآيات والمعجزات ، لأن ذلك من طرق العلم ، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر على المؤثر ، واعلم أن الغرض من الاستعارة هو المبالغة والتعظيم فكأنه سبحانه وتعالى عظم أمر النبوات والمعجزات بأن سماها باسم العلم ، وذلك ينبهك على أن العلم أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة . ﴿ المسألة الثانية﴾ دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم لأن قوله ( من بعد ما جاءك من العلم ) يدل على ذلك . أما قوله تعالى ( إنك إذاً لمن الظالمين ) فالمراد إنك لو فعلت ذلك لكنت بمنزلة القوم في كفرهم وظلمهم لأنفسهم ، والغرض منه التهديد والزجر والله أعلم. قوله تعالى ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ﴾ . اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى﴾ قوله (الذين آتيناهم الكتاب) وإن كان عاماً بحسب اللفظ لكنه مختص بالعلماء منهم ، والدليل عليه أنه تعالى وصفهم بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، والجمع العظيم الذي علموا شيئاً استحال عليهم الاتفاق على كتمانه في العادة ، ألا ترى أن واحداً لو دخل البلد وسأل عن الجامع لم يجز أن لا يلقاه أحد إلا بالكذب والكتمان ، بل إنما يجوز ذلك على الجمع القليل ، والله أعلم. ١٤٢ قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب . سورة البقرة المسألة الثانية﴾ الضمير في قوله (يعرفونه) إلى ماذا يرجع؟ ذكروا فيه وجوهاً ( أحدها) أنه عائد إلى رسول الله بس طر أي يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم ، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم . عن عمر رضى الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله ◌ُّه فقال: أنا أعلم به مني بإبني ، قال: ولم ؟ قال لأني لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت . فقبل عمر رأسه ، وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السمع ومثل هذا الإضمار فيه تفخیم وإشعار بأنه لشهرته معلوم بغير إعلام وعلى هذا القول أسئلة . السؤال الأول﴾ أنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله من أمر القبلة. (الجواب) أنه تعالى في الآية المتقدمة لما حذر أمة محمد عليه عن اتباع اليهود والنصارى بقوله ( ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين ) أخبر المؤمنين بحاله عليه الصلاة والسلام في هذه الآية فقال : اعلموا يا معشر المؤمنين أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمداً وما جاء به وصدقه ودعوته وقبلته لا يشكون فيه كما لا يشكون في أبنائهم. ﴿ السؤال الثاني﴾ هذه الآية نظيرها قوله تعالى ( يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل) وقال ( ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) إلا أنا نقول من المستحيل أن يعرفوه كما يعرفون أبناءهم ، وذلك لأنه وصفه في التوراة والإنجيل إما أن يكون قد أتى مشتملا على التفصيل التام ، وذلك إنما يكون بتعيين الزمان والمكان والصفة والخلقة والنسب والقبيلة أو هذا الوصف ما أتى مع هذا النوع من التفصيل فان كان الأول وجب أن يكون بمقدمه في الوقت المعين من البلد المعين من القبلة المعينة على الصفة المعينة معلوماً لأهل المشرق والمغرب لأن التوراة والإنجيل كانا مشهورين فيما بين أهل المشرق والمغرب ، ولو كان الأمر کذلك لما تمکن أحد من النصارى واليهود من إنكار ذلك. ﴿ وأما القسم الثاني ﴾ فانه لا يفيد القطع بصدق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لأنا نقول : هب أن التوراة اشتملت على أن رجلا من العرب سيكون نبياً إلا أن ذلك الوصف لما لم يكن منتهياً في التفصيل إلى حد اليقين، لم يلزم من الاعتراف به الاعتراف بنبوة محمد سليم . ( والجواب ) عن هذا الإشكال إنما يتوجه لو قلنا بأن العلم بثبوته إنما حصل من اشتمال التوراة والإنجيل على وصفه ونحن لا نقول به بل نقول أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزة على یده وكل من كان كذلك كان نبياً صادقاً فهذا برهان والبرهان یفید الیقین فلا جرم كان العلم بنبوة محمد أقوى وأظهر من العلم بينوة الأبناء وأبوة الآباء. : ١٤٣ قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب . سورة البقرة السؤال الثالث﴾ فعلى هذا الوجه الذي قررتموه كان العلم بنبوة محمد هم علما برهانياً غير محتمل للغلط ، أما العلم بأن هذا ابني فذلك ليس علماً يقينياً بل ظن ومحتمل للغلط ، فلم شبه اليقين بالظن؟ . ( والجواب) ليس المراد أن العلم بنبوة محمد ◌َّ يشبه العلم بينوة الأبناء ، بل المراد به تشبيه العلم بأشخاص الأبناء وذواتهم فكما أن الأب يعرف شخص ابنه معرفة لا يشتبه هو عنده بغيره ، فكذا ههنا وعند هذا يستقيم التشبيه لأن هذا العلم ضروري وذلك نظري وتشبيه النظري بالضروري يفيد المبالغة وحسن الاستعارة. السؤال الرابع ﴾ لم خص الأبناء الذكور؟. ( الجواب ) لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق. القول الثاني﴾ الضمير في قوله ( يعرفونه) راجع إلى أمر القبلة : أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد . واعلم أن القول الأول أولى من وجوه ( أحدها) أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق ، وأقرب المذكورات العلم في قوله ( من بعد ما جاءك من العلم ) والمراد من ذلك العلم : النبوة ، فكأنه تعالى قال : إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم ، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة ( وثانيها ) أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل ، وأخبر فيه أن نبوة محمد * مذكورة في التوراة والإنجيل ، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى ( وثالثها ) أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد عليه السلام ، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ◌ّ فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. · أما قوله تعالى (وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) فاعلم أن الذين أوتوا الكتاب وعرفوا الرسول فمنهم من آمن به مثل عبد الله بن سلام وأتباعه ، ومنهم من بقي على كفره ، ومن آمن لا يوصف بكتمان الحق ، وإنما يوصف بذلك من بقي على كفره ، لا جرم قال الله تعالى ( وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) فوصف البعض بذلك ، ودل بقوله ( ليكتمون الحق ) على سبيل الذم ، على أن كتمان الحق في الدين محظور إذا أمكن إظهاره ، واختلفوا في المكتوم فقيل: أمر محمد ◌ّه، وقيل أمر القبلة وقد استقصينا في هذه المسألة. أما قوله ( الحق من ربك ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ يحتمل أن يكون ( الحق ) خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق ، وقوله ١٤٤ قوله تعالى : ولكل وجهة هو مولّيها. سورة البقرة ج وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ مُوَِّيِهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ أَيْنَ مَا تَحِكُونُواْ يَأْتِ بِكُ الله ◌َجِيْعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ـبوي ١٤٨ ( من ربك) يجوز أن يكون خبراً بغير خبر ، وأن يكون حالاً ، ويجوز أيضاً أن يكون مبتدأ خبره ( من ربك ) وقرأ على رضى الله عنه ( الحق من ربك ) على الإبدال من الأول ، أي یکتمون الحق من ربك . ﴿ المسألة الثانية﴾ الألف واللام في قوله ( الحق) فيه وجهان ( الأول) أن يكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله لل أو إلى الحق الذي في قوله ( ليكتمون الحق ) أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك ، وأن يكون للجنس على معنى : الحق من الله تعالى لا من غيره يعني إن الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل. أما قوله ( فلا تكونن من الممترين ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ ( فلا تكونن من الممترين ) في ماذا اختلفوا فيه على أقوال ( أحدها) فلا تكونن من الممترين في أن الذين تقدم ذكرهم علموا صحة نبوتك ، وأن بعضهم عاند وكتم ، قاله الحسن ( وثانيها ) بل يرجع إلى أمر القبلة ( وثالثها ) إلى صحة نبوته وشرعه ، وهذا هو الأقرب لأن أقرب المذكورات إليه قوله ( الحق من ربك ) فإذا كان ظاهره يقتضى النبوة وما تشتمل عليه من قرآن ووحي وشريعة ، فقوله ( فلا تكونن من الممترين ) وجب أن يكون راجعاً إليه. ﴿ المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى وإن نهاه عن الامتراء فلا يدل ذلك على أنه كان شاكاً فيه ، وقد تقدم القول في بيان هذه المسألة والله أعلم. قوله تعالى ﴿ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير ﴾ . اعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله ( ولكل ) وفيه مسألتان : ز المسألة الأولى﴾ إنما قال (ولكل) ولم يقل لكل قوم أو أمة لأنه معروف المعنى عندهم فلم يضر حذف المضاف إليه وهو كثير في كلامهم كقوله ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) . المسألة الثانية ﴾ ذكروا فيه أربعة أوجه ( أحدها) أنه يتناول جميع الفرق ، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين ، وهو قول الاسم ، قال : لأن في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم في قوله ( هؤلاء شفعاؤنا عند ١٤٥ قوله تعالى : ولكل وجهة .،سورة البقرة الله ) ( وثانيها) وهو قول أكثر علماء التابعين ، أن المراد أهل الكتاب وهم : المسلمون واليهود والنصارى ، والمشركون غير داخلين فيه ( وثالثها ) قال بعضهم : المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها : جنوبية أو شمالية ، أو شرقية أو غربية ، واحتجوا على هذا القول بوجهين ( الأول ) قوله تعالى ( هو موليها ) يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة ، لأن ما عداها تولية الشيطان ( الثاني ) أن الله تعالى عقبه بقوله ( فاستبقوا الخيرات ) والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة ، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة ( ورابعها ) قال آخرون : ولكل وجهة أي لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة ، فقبلة المقربين : العرش ، وقبلة الروحانيين : الكرسي ، وقبلة الكروبيين : البيت المعمور ، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس ، وقبلتك الكعبة . 1 أما قوله تعالى ( وجهة ) ففيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى) قرىء (ولكل وجهة) على الإضافة والمعنى : وكل وجهة هو موليها فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك : لزيد ضربت ، ولزيد أبوه ضارب. المسألة الثانية ﴾ قال الفراء: وجهة، ووجه بمعنى واحد، واختلفوا في المراد فقال الحسن : المراد المنهاج والشرع ، وهو كقوله تعالى ( لكل أمة جعلنا منسكاً ، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) والمراد منه أن للشرائع مصالح ، فلا جرم اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص ، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم يبعد أيضاً اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد ، فلهذا صح القول بالنسخ والتغيير ، وقال الباقون : المراد منه أمر القبلة ، لأنه تقدم قوله تعالى ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فهذه الوجهة يجب أن تكون محمولة على ذلك . أما قوله ( هو موليها ) ففيه وجهان ( الأول ) أنه عائد إلى الكل ، أي ولكل أحد وجهة هو مولى وجهه إليها ( الثاني ) أنه عائد إلى اسم الله تعالى ، أي الله تعالى يوليها إياه ، وتقدير الكلام على الوجه الأول أن نقول : أن لكل منكم وجهة أي جهة من القبلة هو موليها ، أي هو مستقبلها. ومتوجه إليها لصلاته التي هو متقرب بها إلى ربه ، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه ، فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة ، مع لزوم الأديان المختلفة ( فاستبقوا الخيرات ) أي فالزموا معاشر المسلمين قبلتكم فانكم على خيرات من ذلك في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فلشرفكم بقبلة إبراهيم وأما في الآخرة فللثواب العظيم الذي تأخذونه على ١٤٦ قوله تعالى : ولكل وجهة . سورة البقرة انقيادكم لأوامره فان إلى الله مرجعكم ، وأينما تكونوا من جهات الأرض يأت بكم الله جميعاً في صعيد القيامة ، فيفصل بين المحق منكم والمبطل ، حتى يتبين من المطيع منكم ومن العاصي ، ومن المصيب منكم ومن المخطىء ، إنه على ذلك قادر ، ومن قال بهذا التأويل قال : المراد أن لكل من أهل الملل وجهة قد اختارها ، إما بشريعة وإما بهوى ، فلستم تؤخذون بفعل غيركم ، فانما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ، وإما تقرير الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله ( هو موليها ) عائداً إلى الله تعالى فههنا وجهان ( الأول ) أن الله تعالى عرفنا أن كل واحدة من هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده ، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحاً فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما ، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين ، فان انقيادكم خيرات لكم ، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون ( ما ولاهم عن قبلتهم) فان الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء جميعاً في عرصة القيامة ، فيفصل بينكم ( الثاني ) أنا إذا فسرنا قوله ( ولكل وجهة ) بجهات الكعبة ونواحيها ، كان المعنى : ولكل قوم منكم معاشر المسلمين وجهة ، أي ناحية من الكعبة ( فاستبقوا الخيرات ) بالتوجه إليها من جميع النواحي ، فانها وأن اختلفت بعد أن تؤدى إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعاً ويثيبهم على أعمالهم ... وأما قوله تعالى ( هو موليها ) أي هو موليها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه قال الفراء أي مستقبلها وقال أبو معاذ : موليها على معنى متوليها يقال : قد تولاها ورضيها وأتبعها ، وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي ( هو مولاها ) وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن علي الباقر وفي قراءة الباقين ( موليها ) ولقراءة ابن عامر معنيان ( أحدهما ) أن ما وليته فقد ولاك ، لأن معنى وليته أي جعلته بحيث تليه وإذا صار هذا بحيث يلي ذلك فذاك أيضاً يلي هذا ، فإذن قد ولی کل واحد منهما الآخر وهو کقوله تعالى ( فتلقی آدم من ربه کلمات ) و( لا ينال عهدي الظالمين ) والظالمون ، وهذا قول الفراء ( والثاني ) ( هو موليها ) أي قد زينت له تلك الجهة وحببت إليه ، أي صارت بحيث يحبها ويرضاها. أما قوله ( فاستبقوا الخيرات ) فمعناه الأمر بالبدار إلى الطاعة في وقتها ، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي رضي الله عنه أفضل ، خلافاً لأبي حنيفة ، واحتج الشافعي بوجوه: (أولها) أن الصلاة خير لقوله ◌ِ ل# ((الصلاة خير موضوع)) وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقديمه أفضل لقوله تعالى ( فاستبقوا الخيرات ) وظاهر الأمر للوجوب ، فاذا لم يتحقق فلا أقل من الندب ( وثانيها ) قوله ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) ومعناه إلى ما يوجب المغفرة والصلاة مما يوجب المغفرة فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة ( وثالثها) قوله تعالى ١٤٧ قوله تعالى : ولكل وجهة هو موليها م سورة البقرة ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) ولا شك أن المراد منه السابقون في الطاعات ، ولا شك أن الصلاة من الطاعات ، وقوله تعالى ( أولئك المقربون ) يفيد الحصر، فمعناه أنه لا يقرب عند الله إلا السابقون وذلك يدل على أن كمال الفضل منوط بالمسابقة ( ورابعها ) قوله تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) والمعنى : وسارعوا إلى ما يوجب المغفرة ، ولا شك أن الصلاة كذلك ، فكانت المسارعة بها مأمورة ( وخامسها ) أنه مدح الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) ولا شك أن الصلاة من الخيرات ، لقوله عليه السلام ((خير أعمالكم الصلاة )) ( وسادسها) أنه تعالى ذم إبليس في ترك المسارعة فقال ( ما منعك أن تسجد إذا أمرتك ) وهذا يدل على أن ترك المسارعة موجب للذم ( وسابعها ) قوله تعالى ( حافظوا على الصلوات ) والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل ، ليأمن الفوت بالنسيان وسائر الأشغال ( وثامنها ) قوله تعالى : حكاية عن موسى عليه السلام ( وعجلت إليك رب لترضى ) فثبت أن الاستعجال أولى ( وتاسعها ) قوله تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ) فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة فكذا في هذه الصورة ( وعاشرها ) ما روى عمر وجرير بن عبد الله وأنس وأبو محذورة عن النبي ◌َّ أنه قال ((الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله)) قال الصديق رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلينا من عفوه . قال الشافعي رضي الله عنه: رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين فان قيل هذا احتجاج في غير موضعه لأنه يقتضي أن يأثم بالتأخير ، وأجمعنا على أنه لا يأثم فلم يبق إلا أن يكون معناه أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات السابقة ، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله ، فكان التأخير موجباً للعفو والرضوان ، والتقديم موجباً للرضوان دون العفو فكان التأخير أولى قلنا : هذا ضعيف من وجوه ( الأول ) أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون تأخير المغرب أفضل وذلك لم يقله أحد ( الثاني ) أنه عدم المسارعة الامتثال يشبه عدم الإلتفات ، وذلك يقتضى العقاب ، إلاّ أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء ( الثالث ) أن تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه يبطل هذا التأويل الذي ذكروه. ﴿ الحادي عشر﴾ روى عن على بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﴾ أنه قال ((يا على ثلاث لا تؤخرها : الصلاة إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً)). الثاني عشر﴾ عن ابن مسعود أنه سأل الرسول عليه فقال: أي الأعمال أفضل؟ فقال : الصلاة لميقاتها الأول. الثالث عشر﴾ روى أبو هريرة عن النبي صل أنه قال ((إن الرجل ليصلي الصلاة وقد ١٤٨ قوله تعالى : ولكل وجهة هو موليها. سورة البقرة فاته من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله )). ﴿ الرابع عشر﴾قال عليه السلام ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة )) فمن كان أسبق في الطاعة كان هو الذي سن عمل الطاعة في ذلك الوقت ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر من ثواب المتأخر. الخامس عشر﴾ إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصحابة المسابقة إلى الإِسلام حتى وقع الخلاف الشديد بين أهل السنة وغيرهم أن أبا بكر أسبق إسلاماً أم عليا ، وما ذاك إلا اتفاقهم على أن المسابقة في الطاعة توجب مزيد الفضل وذلك يدل على قولنا .. السادس عشر﴾ قوله عليه السلام في خطبة له ((وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا )) ولا شك أن الصلاة من الأعمال الصالحة . السابع عشر﴾ أن تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها، فوجب أن يكون الحال في أداء حقوق الله تعالى كذلك ، والجامع بينهما رعاية معنى التعظيم. الثامن عشر﴾ أن المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة ، والولوع بها ، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها ، فيكون الأول أولى. ﴿ التاسع عشر﴾ أن الاحتياط في تعجيل الصلاة لأنه إذا أداها في أول الوقت تفرغت ذمته ، فإِذا أخر فربما عرض له شغل فمنعه عن أدائها فيبقى الواجب في ذمته ، فالوجه الذي. يحصل فيه الاحتياط لا شك أنه أولى. ﴿ العشرون﴾ أجمعنا في صوم رمضان أن تعجيله أفضل من تأخيره وذلك لأن المريض يجوز له أن يفطر ويؤخر الصوم ، ويجوز له أن يعجل ويصوم في الحال ، ثم أجمعنا على أن التعجيل في الصوم أفضل على ما قال (وأن تصوموا خير لكم ) فوجب أيضاً أن يكون التعجيل :.. في الصلاة أولى فإِن قيل : تنتقض هذه الدلائل القياسية بالظهر في شدة الحر ، أو بما إذا حصل . . له رجاء إدراك الجماعة أو وجود الماء ، قلنا : التأخير ثبت في هذه المواضع لأمور عارضة ، وكلامنا في مقتضى الأصل . الحادي والعشرون﴾ المسارعة إلى الامتثال أحسن في العرف من ترك المسارعة ، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله عليه السلام (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله: حسن ﴾ . ٠ ١٤٩ قوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها . الثاني والعشرون ﴾ صلاة كملت شرائطها فوجب أداؤها في أول الوقت، كالمغرب ففيه احتراز عن الظهر في شدة الحر ، لأنه إنما يستحب التأخير إذا أراد أن يصليها في المسجد لأجل أن المشي إلى المسجد في شدة الحر كالمانع ، أما إذا صلاها في داره فالتعجيل أفضل ، وفيه احتراز عمن يدافع الأخبثين أو حضره الطعام وبه جوع لهذا المعنى أيضاً ، وكذلك المتيمم إذا كان على ثقة من وجود الماء ، وكذلك إذا توقع حضور الجماعة فإن الكمال لم يحصل في هذه الصورة ، فهذه هي الأدلة الدالة على أن المسارعة أفضل ، ولنذكر كل واحد من الصلوات : أما صلاة الفجر فقال محمد : المستحب أن يدخل فيها بالتغليس ، ويخرج منها بالإِسفار ، فإن أراد الاقتصار على أحد الوقتين فالإِسفار أفضل ، وقال الشافعي رضي الله عنه : التغليس أفضل ، وهو مذهب أبي بكر وعمر وبه قال مالك وأحمد ، واحتج الشافعي رضي الله عنه بعد الدلائل السالفة بوجوه ( أحدها ) ما أخرج في الصحيحين برواية عائشة رضي الله عنها أنها قالت ((كان رسول الله له ليصلي الصبح فينصرف والنساء متلفعات بمر وطهن ما يعرفن من الغلس)) قال محي السنة في كتاب شرح السنة: متلفعات بمروطهن أي متجللات بأكسيتهن ، والتلفع بالثوب الاشتمال ، والمروط : الأردية الواسعة ، واحدها مرط ، والغلس : ظلمة آخر الليل ، فإن قيل : كان هذا في ابتداء الإِسلام حين كان النساء يحضرن الجماعات ، فكان النبي(آلټ يصلي بالغلس کیلا يعرفن ، وهکذا کان عمر رضي الله عنه يصلي بالغلس ، ثم لما نهين عن الحضور في الجماعات ترك ذلك قلنا : الأصل المرجوع إليه في إثبات جميع الأحكام عدم النسخ ، ولولا هذا الأصل لما جاز الاستدلال بشيء من الدلائل الشرعية (وثالثها ) ما أخرج في الصحيحين عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله ◌َّ ثم قمنا إلى الصلاة، قال قلت: كم كان قدر ذلك، قال: قدر خمسين آية، وهذا يدل أيضاً على التغليس ( وثالثها) ما روى عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله وال غلس بالصبح ، ثم أسفر مرة ، ثم لم يعد إلى الإِسفار حتى قبضة الله تعالى ( ورابعها ) أنه تعالى مدح المستغفرين بالأسحار فقال ( والمستغفرين بالأسحار ) ومدح التاركين للنوم فقال ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ) وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ترك النوم بأداء الفرائض أفضل لقوله عليه السلام حكاية عن الله ((لن يتقرب المتقربون إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم)) وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون التغليس أفضل (وخامسها ) أن النوم في ذلك الوقت أطيب ، فيكون تركه أشق ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر ، لقوله عليه السلام ((أفضل العبادات أحمزها )) أي أشقها ، واحتج أبو حنيفة بوجوه ( أحدها ) قوله عليه السلام ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)) (وثانيها) روى عبدالله بن مسعود أنه صلى الفجر ١٥٠ قوله تعالى : ولكل وجهة . سورة البقرة بالمزدلفة فغلس ، ثم قال ابن مسعود: ما رأيت رسول الله بيّ صلى صلوات إلا لميقاتها إلا صلاة الفجر ، فإنه صلاها يومئذ لغير ميقاتها ( وثالثها) عن ابن مسعود قالَ ، ما رأيت أصحاب رسول الله بية حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر (ورابعها) عن أبي بكر رضي الله عنه أنه صلى الفجر فقرأ آل عمران، فقالوا : كادت الشمس أن تطلع ، فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين ، وعن عمر أنه قرأ البقرة فاستشرقوا الشمس ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين ( وخامسها) لأن تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة الانتظار ، وقال عليه السلام ((المنتظر للصلاة كمن هو في الصلاة )) فمن أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة أولاً ثم بها ثانياً ومن صلاها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار (وسادسها) أن التأخير يفضي إلى كثرة الجماعة فوجب أن يكون أولى تحصيلاً لفضل الجماعة ( وسابعها) أن التغليس يضيق على الناس ، لأنه إذا كان الصلاة في وقت الغليس احتاج الإِنسان إلى أن يتوضأ بالليل حتى يتفرغ للصلاة بعد طلوع الفجر ، والحرج منفي شرعاً (وثامنها) أنه تكره الصلاة بعد صلاة الفجر فإذا صلى وقت الإِسفار فإنه يقل وقت الكراهة ، وإذا صلى بالتغليس فإنه يكثر وقت الكراهة . ( والجواب عن الأول ) أن الفجر اسم للنور الذي ينفي به ظلام المشرق ، فالفجر إنما يكون فجراً لو كانت الظلمة باقية في الهواء ، فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجراً، وأما الأسفار فهو عبارة عن الظهور ، يقال : أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت عنه ، إذا ثبت هذا فنقول : ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء ، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد، فقوله («أسفروا بالفجر)) يجب أن يكون محمولاً على التغليس ، أي كلما وقعت صلاتكم حين كان الفجر أظهر وأبهر كان أكثر ثواباً ، وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر ، وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه أن الإسفار المذكور في الحديث محمول على تيقن طلوع الفجر وزوال الشك عنه ، والذي يدل على ما قلنا أن أداء الصلاة في ذلك الوقت أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثواباً ، وأما تأخير الصلاة إلى وقت التنوير فهو عادة أهل الكسل ، فكيف يمكن أن يقول الشارع : إن الكسل أفضل من الجد في الطاعة . ( والجواب عن الثاني ) وهو قول ابن مسعود : حافظوا على التنوير بالفجر ، فجوابه هذا الذي قررناه لأن التنوير بالفجر إنما يحصل في أول الوقت ، فأما عند امتلاء العالم من النور فإنه لا يسمى ذلك فجراً، وأما سائر الوجوه فهي معارضة ببعض ما قدمناه والله أعلم . أما قوله تعالى (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً) فهو وعد لأهل الطاعة ، ووعيد لأهل ١٥١ قوله تعالى : ومن حيث خرجت . سورة البَقَرة وَمِنْ حَيْثُ خَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَظَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبٌِّّ وَمَا اللهُ بِغَشِفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ وَمِنْ حَيْثُ تَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوْلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرُ لِئَلَا يَكُونَ لِنَّاسِ عَيْكُرْ بُهَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَآَخْتَوْنِى وَلِأُمِّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ ١٥٠ المعصية ، كأنه تعالى قال : استبقوا أيها المحققون والعارفون بالنبوة والشريعة الخيرات وتحملوا فيها المشاق لتصلوا يوم القيامة إلى مالكم عند الله من أنواع الكرامة والزلفى ، ثم إنه سبحانه حقق بقوله ( إن الله على كل شيء قدير ) وذلك لأن الإعادة في نفسها ممكنة وهو قادر على جميع الممكنات ، فوجب أن يكون قادراً على الإعادة ، وأما المسائل المستنبطة من هذه الآية ، فقد ذكرناها في قوله تعالى ( ولوشاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ) . قوله تعالى ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون، ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتی علیکم ولعلكم تهتدون ﴾ . اعلم أن أول ما في هذه الآية من البحث أن الله تعالى قال قبل هذه الآيات ( قد نری تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون) وذكر ههنا ثانياً قوله تعالى ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ) ثم ذكر ثالثاً قوله ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحیث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس علیکم حجة ) فهل في هذا التكرار فائدة أم لا؟ وللعلماء فيه أقوال ( أحدها ) أن الأحوال ثلاثة ( أولها) أن يكون الإنسان في المسجد الحرام ( وثانيها ) أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد ( وثالثها ) أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض ، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى ، ١٥٢ قوله تعالى : ومن حيث خرجت . سورة البقرة والثانية على الثانية ، والثالثة على الثالثة ، لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للعبد ، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات . ( والجواب الثاني ) أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل مرة فائدة زائدة أما في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد له وأمر هذه القبلة حق ، لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل ، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق ، وشهادة الله بكونه حقاً مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقاً ، وأما في المرة الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة ، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من هذه الفوائد ، ونظيره قوله تعالى ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) . ( والجواب الثالث) أنه تعالى قال في الآية الأولى ( فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحیث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) فکان ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلباً لرضا محمد لأنه قال ( فلنولينك قبلة ترضاها ) فأزال الله تعالى هذا الوهم الفاسد بقوله ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك ) أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك ، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل ، ثم أنه تعالى قال ثالثاً ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات ، ولا تولوا فيصير ذلك التولي سبباً للطعن في دينكم ، والحاصل أن الآية السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة والأمكنة ، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخاً البتة . ( والجواب الرابع ) أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم عليه السلام والثاني مقرون بقوله تعالى ( ولكل وجهة هو موليها ) أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو قوله ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وأنه للحق من ربك ) والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمر القبلة فكانت هذه عللا ثلاثاً قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة نظيره أن يقال : ألزم هذه القبلة فإنها القبلة التي ١٥٣ قوله تعالى : لئلا يكون للناس . سورة البَقَرة كنت تهواها ، ثم يقال ألزم هذه القبلة فأنها قبلة الحق لا قبلة الهوى ، وهو قوله ( وإنه للحق من ربك ) ثم يقال : ألزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك ، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) وكذلك ما كرر في قوله تعالى ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ) . (والجواب الخامس ) أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة وإيضاح البينات . أما قوله تعالى ( وما الله بغافل عما تعملون ) يعني ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق وهم يعرفونه ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) وبأنه قد اشتاق إلى مولده ودين آبائه فإن الله عالم بهذا فأنزل ما أبطله وكشف عن وهنه وضعفه . أما قوله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا الكلام يوهم حجاجاً وكلاماً تقدم من قبل في باب القبلة عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجة تزول الآن باستقبال الكعبة ، وفي كيفية تلك الحجة روايات ( أحدها ) أن اليهود قالوا تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا ( وثانيها ) قالوا ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه ( وثالثها ) أن العرب قالوا إنه كان يقول : أنا على دين إبراهيم والآن ترك التوجه إلى الكعبة ، ومن ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم عليه السلام فصارت هذه الوجوه وسائل لهم إلى الطعن في شرعه عليه الصلاة والسلام ؛ إلا أن الله تعالى لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين ، لأن قولهم لا يؤثر في المصالح ، وقد بينا من قبل تلك المصلحة ، وهي تميز من اتبعه بمكة ممن أقام على تكذيبه فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة ، فلهذا قال الله تعالى ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) يعني تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل ، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أنه يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى ، وهو قول بعض العرب : إن محمداً عليه الصلاة والسلام عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية وكان التمسك بهذه الشبهة والاستمرار عليها سبباً للبقاء على الجهل والكفر ، وذلك ظلم على النفس على ما قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) فلا جرم قال الله تعالى ( إلا الذين ظلموا منهم ) . ١٥٤ قوله تعالى : لئلا يكون المناس . سورة البقرة المسألة الثانية﴾ قرأ نافع ( ليلا) بترك الهمزة وكل همزة مفتوحة قبلها كبيرة فإنه يقلبها ياء والباقون بالهمزة وهو الأصل . المسألة الثالثة﴾ ( لئلا) موضعه نصب ، والعامل فيه ( ولوا) أي ولو الثلا ، وقال الزجاج التقدير : عرفتكم ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة . المسألة الرابعة ﴾ قيل : الناس هم أهل الكتاب عن قتادة والربيع وقيل : هو على العموم . المسألة الخامسة﴾ ههنا سؤال ، وهو أن شبهة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ليست بحجة ، فكيف يجوز استثناؤها عن الحجة وقد اختلف الناس فيه على أقوال ( الأول ) أنه استثناء متصل ثم على هذا القول یمکن دفع السؤال من وجوه : ... ( الوجه الأول) أن الحجة كما أنها قد تكون صحيحة ، قد تكون أيضاً باطلة ، قال الله تعالى ( حجتهم داحضة عند ربهم) وقال تعالى ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة ولأن الحجة اشتقاقها من حجه إذا علا عليه فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة ، وقال بعضهم إنها مأخوذة من محجة الطريق ، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكاً لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة ، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء. متصلا ... ( الوجه الثاني ) في تقرير أنه استثناء متصل : أن المراد بالناس أهل الكتاب فإنهم وجدوه في كتابهم أنه عليه الصلاة والسلام يحول القبلة فلما حولت"، بطلت حجتهم إلا الذين ظلموا بسبب أنهم كتموا ما عرفوا عن أبي روق . ( الوجه الثالث) أنهم لما أوردوا تلك الشبهة على اعتقاد أنها حجة سماها الله ( حجة ) بناء على معتقدهم أو لعله تعالى سماها ( حجة ) تهكماً بهم . ( الوجه الرابع ) أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال ( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا. الذين ظلموا منهم) فإنهم يحاجونكم بالباطل . ( القول الثاني ) أنه استثناء منقطع ، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة ، وهو كقوله تعالى ( ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) وقال النابغة: ١٥٥ قوله تعالى : لئلا يكون للناس . سورة البقرة بهن فلول من قراع الكتائب ولا عيب فيهم غیر أن سیوفهم ومعناه : لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال له ما على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم ، ونظيره أيضاً قوله تعالى ( إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ) وقال ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب . ( القول الثالث ) زعم أبو عبيدة أن ( إلا ) بمعنى الواو كأنه تعالى قال لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد . لعمر أبيك إلا الفرقدان وكل أخ مفارقه أخوه يعني : والفرقدان . ( القول الرابع ) قال قطرب : موضع ( الذين ) خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار ، قال على ابن عيسى : هذان الوجهان بعيدان . أما قوله تعالى ( فلا تخشوهم واخشوني ) فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج ، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم واخشوني . يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه الآية تدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه : خشية عقاب الله ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شىء البتة ، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم . أما قوله تعالى (ولأتم نعمتي عليكم ) فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه ( أحدها ) أنه راجع إلى قوله تعالى ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ، ولأتم نعمتي عليكم ) فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين ( إحداهما ) لانقطاع حجتهم عنه ( والثانية ) لتمام النعمة ، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول ريّة إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي مسلّ يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة (وثانيها ) أن متعلق اللام محذوف ؛ معناه: ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك ( وثالثها ) أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل : واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله ◌َي* (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) فبين ان تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم، ١٥٦ قوله تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولا . سورة البقرة كَمَ أَرْسَلْنَا فِكُمْ رَسُولًا مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُرْءَايَتِنَا وَبَُِّّيُّكُمْ وَ يُعَلِمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّالَمْ تَكُونُواْ تَعْلُونَ. ١٥١ فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية ( ولأتم نعمتي عليكم ) قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به، وفي الحديث ((تمام النعمة دخول الجنة )) وعن علي رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإِسلام . واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت المقدس ، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك فقد أصاب ، لأن شيئاً من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما بيناه ، وإن أراد به إنكاره أصلاً ، فبعيد . لأن الأخبار في ذلك قريبة من المتواتر ، ولأبي مسلم رحمه الله أن يمنع التواتر ، وعند ذلك يقول : لا يصح التعويل في القطع بوقوع النسخ في شرعنا على خبر الواحد والله أعلم . قوله تعالی ﴿ کما أرسلنا فیکم رسولاً منکم یتلو علیکم آیاتنا ویزکیکم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ . اعلم أنا قد بينا ان الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة والسلام بوجوه ؛ بعضها إلزامية وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله ، وهو المراد بقوله ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) وبعضها برهانية وهو قوله ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية شبهتين لهم ( إحداهما ) قوله ( وقالوا كونوا هوداً أو نصارى) ( والثانية ) استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة ، وهو قوله ( سيقول السفهاء من الناس ما. ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) وأطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة وبالحق فعل . ذلك ، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام إنكار النسخ ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة ، وختم ذلك الجواب بقوله ( ولأتم نعمتي عليكم ) فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيهاً على عظيم نعم الله تعالى ، ولا شك أن أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا ، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوباً فيه ، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب . أما قوله ( كما أرسلنا ) ففيه مسائل : ١٥٧ قوله تعالى : كما أرسلنا فيكم . سورة البقرة المسألة الأولى﴾ هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده، فإن قلنا: إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه ( الأول ) أنه راجع إلى قوله ( ولأتم نعمتي عليكم ) أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف، وفي الآخرة بالفوز بالثواب ، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول ( الثاني ) أن إبراهيم عليه السلام قال ( ربنا وأبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ) وقال أيضاً ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا ) فكأنه تعالى قال : ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع ، وأهديكم إلى الدين إجابة الدعوة إبراهيم ، كما أرسلنا فيكم رسولا إجابة لدعوته عن ابن جرير ( الثالث ) قول أبي مسلم الأصفاني ، وهو أن التقدير : وكذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولاً ، أي كما أرسلنا فيكم رسولاً من شأنه وصفته كذا وكذا ، فكذلك جعلناكم أمة وسطاً ، وأما إن قلنا إنه متعلق بما بعده ، فالتقدير : كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يعلمكم الدين والشرع ، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتاباً، ولا تعلمون رسولاً، ومحمد الية رجل منكم ليس بصاحب كتاب ، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء ، وفيه الخبر عن أحوالهم ، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة ، والنهي عن أخلاق السفهاء ، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال : كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلا ، فاذكروني بالشكر عليها ، اذكركم برحمتي وثوابي ، والذي يؤكده قوله تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم ) فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة ، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل ( كما ) هل يجوز أن يكون جواباً ؟ قلنا : جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين ( أحدهما ) (كما ) ( والثاني ) ( أذكركم ) ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته ، ولما سلف من نعمته ، قال القاضي : والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى . ﴿ المسألة الثانية﴾ في وجه التشبيه قولان إن قلنا الكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح ، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى ( اذكروني ) دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ (ما) في قوله (كما أرسلنا ) مصدرية كأنه قيل : كإرسالنا فيكم، ويحتمل أن تكون كافة . - - ١٥٨ قوله تعالى : فاذكروني . سورة البقرة فَاذْكُرُونِيّ أَذْ كُرْكُرْ وَأَشْكُرُواْلِ وَلَا تَكْفُرُونِ أما قوله تعالى ( فيكم ) فالمراد به العرب وكذلك قوله ( منكم ) وفي إرساله فيهم ومنهم ، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف ، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب . أما قوله تعالى ( يتلو عليكم آياتنا) فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات ؛ ولأنه يتلى فيستفاد منه جميع العلوم ، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة ، فكأنه يحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة . أما قوله ( ويزكيكم ) ففيه أقوال (أحدها ) أنه عليه الصلاة والسلام يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن ( وثانيها ) يزكيهم بالثناء والمدح ، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فیصفکم به ، کما يقال : إن المزكي زكي الشاهد ، أي وصفه بالزكاء ( وثالثها ) أن التزكية عبارة عن التنمية ، كأنه قال يكثركم ، كما قال ( إذ كنتم قليلا فكثركم ) وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا ، عن أبي مسلم ، قال القاضي: وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك . أما قوله تعالى ( ويعلمكم الكتاب ) فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم ، وأما ( الحكمة ) فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها ، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه ( الحكمة ) هي سنة الرسول عليه السلام . أما قوله ( ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم ، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمداً بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم .. قوله تعالى ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ . اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر ، والفكر ، أما الذكر فقد يكون باللسان ، وقد يكون بالقلب ، وقد يكون بالجوارح ، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه ، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع (أحدها) أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته ، وصفاته ، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة الفادحة في ١٥٩ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا استعينوا . سورة البَقَرة يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَِّرِينَ ١٥٣ تلك الدلائل ( وثانيها ) أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ، فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد ، وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم ( وثالثها ) أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس ، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم ، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها ، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها ، وعلى هذا الوجه سمي الله تعالى الصلاة ذكراً بقوله ( فاسعوا إلى ذكر الله ) فصار الأمر بقوله ( اذكروني ) متضمناً جميع الطاعات ، فلهذا روى عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه ، أما قوله ( أذكركم ) فلا بد من حمله على ما يليق بالموضع ، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح ، وإظهار الرضا والإكرام ، وإيجاب المنزلة ، وكل ذلك داخل تحت قوله ( أذكركم ) ثم للناس في هذه الآية عبارات ( الأولى ) اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي (الثانية ) اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله ( ادعوني أستجب لكم ) وهو قول أبي مسلم قال : أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين ، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء ، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة ( الثالثة ) اذكروني بالثناء والطاعة أذكركم بالثناء والنعمة ( الرابعة ) اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة ( الخامسة ) اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات ( السادسة ) اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء ( السابعة ) اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي ، ( الثامنة ) اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي ( التاسعة ) اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد من الإختصاص ( العاشرة ) اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية في الخاتمة . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾. اعلم أنه تعالى لما أوجب بقوله( فاذكر وني ) جميع العبادات ، وبقوله ( واشكروا لي ) ما بتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما فقال ( استعينوا بالصبر والصلاة ) وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات ، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع ، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل ١٦٠ قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل ... سورة البقرة ٢٥٤ وَلَا تَقُولُوْلِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَحْيَاءُ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات ، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم ، ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله) وأيضاً فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا) وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال ( وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا إغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) إلا أن القول الذي اخترناه أولى لمعموم اللفظ وعدم تقييده ، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإِخلاص له ، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة ، وروى أنه عليه الصلاة والسلامکانإذا حز به أمر فزع إلى الصلاة . ثم قال ( إن الله مع الصابرين ) يعني في النصر لهم كما قال ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقاً وتسديداً وألطافاً كما قال ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) . قوله تعالى ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ .! اعلم أن هذه الآية نظیر قوله في آل عمران ( بل أحياء عند ربهم يرزقون) ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني ، فأن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوى بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم أحياء عندي وههنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، فمن المهاجرين : عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب ، وعمر بن أبي وقاص ، وذو الشمالين ، وعمرو بن نفيلة ، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله، ومن الأنصار : سعيد بن خيثمة ، وقيس بن عبد المنذر ، وزيد بن الحرث ، وتميم بن الهمام ، ورافع بن المعلى ، وحارثة بن سراقة ، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء ، وكانوا يقولون: مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم