Indexed OCR Text

Pages 61-80

:
٦١
قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم سورة البقرة
الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله
(فأمتعه قليلاً) الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين
لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره
ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع
والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقرة ومأواه .
( الوجه الثاني ) يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في
البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص
المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ، أما قوله تعالى ( ومن كفر فأمتعه قليلاً) ففيه مسئلتان :
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر (فأمتعه) بسكون الميم خفية من أمتعت ، والباقون
بفتح الميم مشددة من متعت ، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف .
﴿ المسألة الثانية) أمتعه قيل: بالرزق، وقيل: بالبقاء في الدنيا ، وقيل: بهما إلى
خروج محمد ◌ّ فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر ، والمعنى أن الله تعالى كأنه
قال إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا ، ولا أمنعه
من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم أضطره في الآخرة إلى عذاب
النار ، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلاً ، إذ كان وقعاً في مدة عمرة ، وهي مدة واقعة
فيما بين الأزل والأبد وهو بالنسبة إليهما قليل جداً، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن
في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة ، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت
وتتخلص منه إلى الآخرة ، أما قوله ( ثم أضطره إلى عذاب النار ) فاعلم أن في الإضطرار
قولين : ( أحدهما ) أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك ، كما قال الله تعالى
(يوم يدعون إلى نار جهنم دعا) و(يوم يسبحون في النار على وجوههم) يقال: اضطررته إلى
الأمر أي الجأته وحملته عليه من حيث كان كارهاً له ، وقالوا إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء
من الشيء ، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها ( والثاني) أن الإضطرار هو أن يصير الفاعل
بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً ، كقوله تعالى ( فمن اضطر غير باغ ولا
عاد ) فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة ، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى : أن الله
تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه ، لأن من
هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار ، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير، لأن نعم المصير
ما ينال فيه النعيم والسرور ، وبئس المصير ضده .

٦٢
قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم . سورة البقرة
وَإِذْ يَرَفَعُ إِبَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ الَِّيْعُ
اَلْعَلِيمُ ﴿ رَبَّا وَاجْعَلْنَا مُسْلِيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِ يِنَا أُمَّةً مُّسْلِمةُ لَكَ وَإِنَا مَنَاسًِ
وَتُبْ عَلَيْنَّ إِنّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الَّحِيُ ◌ّهَ رَبَّنَا وَبْعَثْ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِكَ وَ يُعْلِمُهُمُ الْكِتَبَ وَاَلِكَةَ وَيُزَكِِّمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِزُ الْحَكِيمُ ﴾
قوله تعالى ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع
العليم ، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت
التواب الرحيم ، ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم أيتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزکیھم
إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ .
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله (وإذ يرفع ) حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي
الأساس والأصل لما فوقه ، وهي صفة غالبة ، ومعناها الثابتة . ومنه أقعدك الله أى أسأل الله
أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض
إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل شافى
قاعدة للذي يبني عليه ويوضع فوقه ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافاً قوق
ساف فقد رفع السافات والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجوداً قبل
إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله ( وإذا يرفع إبراهيم القواعد
من البيت ) فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه
السلام رفعها وعمرها .

٦٣
قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم . سورة البَقَرة
المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكاً لإبراهيم عليه
السلام في رفع قواعد البيت وبنائه ؟ قال الأكثرون : إنه كان شريكاً له في ذلك والتقدير وإذ
يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم
فلا بد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع
قواعد البيت موجب أن یکون إسماعيل معطوفاً علی إبراهيم في ذلك ، ثم إن اشتراکھما في ذلك
يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يشتركا في البناء ورفع الجدران ( والثاني ) أن يكون أحدهما بانياً
للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين ، ويهيء له الآلات والأدوات ، وعلى الوجهين تصح
إضافة الرفع إليهما ، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل
في ذلك الوقت كان طفلاً صغيراً وروى معناه عن علي رضي الله عنه ، وأنه لما بنی البيت خرج
وخلف إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا ؟ فقال إبراهيم : إلى الله فعطش إسماعيل فلم
ير شيئاً من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا
الوقف على قوله (من البيت) ثم ابتدؤوا: وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى
هذا التقدير يكون إسماعيل شريكاً في الدعاء لا في البناء وهذا التأويل ضعيف لأن قوله ( تقبل
منا ) ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت
فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه فإذن هذا القول على خلاف ظاهر
القرآن فوجب رده والله أعلم .
المسألة الرابعة ﴾ إنما قال ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ) ولم يقل يرفع
قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة
الأخرى واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء .
﴿ النوع الأول﴾ في قوله ( تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في تفسير قوله (تقبل منا) فقال المتكلمون : كل عمل يقبله
الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه ، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود ، فههنا
عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر ، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو
أن يقبل الرجل ما يهدى إليه ، فشبه الفعل من العبد بالعطية ، والرضا من الله تعالى بالقبول
توسعاً وقال العارفون : فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في
قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير
في العمل ، واعتراف بالعجز والانكسار وأيضاً فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه ، لأن
كون الفعل واقعاً موقع القبول من المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام
.:.

٦٤
قوله تعالى: وإذ يرفع. سورة البقرة
تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى ( والذين آمنوا أشد حباً لله ) والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها
وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون ، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون
بالإخلاص واجباً على الله تعالى ، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة ، فإنه يجري مجرى أن
الإِنسان يتضرع إلى الله فيقول : يا إلهي اجعل النار حارة والجمد بارداً بل ذلك الدعاء أحسن
لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال
باردة ، والجمد حال بقائه على صورته في الانجماد والبياض حاراً ويستحيل عند المعتزلة أن لا
يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا
أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلاً والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ إنما عقب هذا الدعاء بقوله ( إنك أنت السميع العليم ) كانه يقول
تسمع دعاءنا وتضرعنا ، وتعلم ما في قلبنا من الإِخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك . فإن
قيل : قوله ( إنك أنت السميع العليم ) يفيد الحصر وليس الأمر كذلك فإن غيره قد يكون
سميعاً . قلنا : إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره .
النوع الثاني ﴾ من الدعاء قوله (ربنا واجعلنا مسلمين لك) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله ( ربنا واجعلنا مسلمين
لك) فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد ، أو الاستسلام والانقياد وكيف كان
فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة : وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما فإن
الجعل عبارة عن الخلق ، قال الله تعالى (وجعل الظلمات والنور ) فدل هذا على أن الإسلام
مخلوق لله تعالى ، فإن قيل : هذه الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير
مسلمين ، إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل وإنه
باطل ، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين ، ولأن صدور هذا الدعاء
منهما لا يصلح إلا بعد أن كانا مسلمين ، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك
بها ، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر ، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق والإيجاد ،
بل له معان أخرى سوى الخلق ( أحدها) جعل بمعنى صير، قال الله تعالى ( هو الذي جعل
لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً) ( وثانيها) جعل بمعنى وهب ، نقول :
جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس ( وثالثها) جعل بمعنى الوصف للشيء والحكم
به كقوله تعالى ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) وقال (وجعلوا لله شركاء الجن )
.
:

٦٥
قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم . سورة البقرة
( ورابعها) جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى (وجعلناهم أئمة ) يعني أمرناهم بالاقتداء
بهم، وقال ( إني جاعلك للناس إماماً) فهو بالأمر (وخامسها ) أن يجعله بمعنى التعليم
كقوله : جعلته كاتباً وشاعراً إذا علمته ذلك ( وسادسها) البيان والدلالة تقول : جعلت كلام
فلان باطلاً إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك إذ ثبت ذلك فنقول : لم لا يجوز أن
يكون المراد وصفهما بالإسلام والحكم لهما بذلك كما يقال : جعلني فلان لصاً وجعلني فاضلاً
أديباً إذا وصفه بذلك ، سلمنا أن المراد من الجعل الخلق ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه
خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها
فقد جعله مسلماً له ، ومثاله من يؤدب ابنه حتى يصير أديباً فيجوز أن يقال : صيرتك أديباً
وجعلتك أديباً ، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصاً محتالاً ، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي
كونه تعالى خالقاً للإسلام ، لكنه على خلاف الدلائل العقلية فوجب ترك القول به ، وإنما
قلنا : أنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما استحق العبد به
مدحاً ولا ذماً ، ولا ثواباً ولا عقاباً ، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد
(والجواب) قوله الآية متروكة الظاهر ، قلنا : لا نسلم وبيانه من وجوه (الأول ) أن الإسلام
عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله ( واجعلنا مسلمين لك ) أي اخلق هذا العرض
فينافي الزمان المستقبل دائماً ، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال
( الثاني ) أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله ( ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ، والذين
اهتدوا زادهم هدى) وقال إبراهيم (ولكن ليطمئن قلبي ) فكأنهما دعواه بزيادة اليقين
والتصديق ، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال (الثالث) أن الإسلام إذا أطلق
يفيد الإيمان والاعتقاد ، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله ( مسلمين لك ) فالمراد الاستسلام له
والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته ، فلقد كانا عارفين
مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله
ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال ، فثبت بهذه الوجوه أن
الآية ليست متروكة الظاهر ، قوله : يحمل الجعل على الحكم بذلك ، قلنا : هذا مدفوع من
وجوه :
(أحدها) أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن
المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة ، ولا يقال وصفه تعالى بذلك
ثناء ومدح وهو مرغوب فيه ، قلنا نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من الرغبة في
تحصيل الوصف به والحكم به ، فكان حمله على الأول أولى ( وثانيها) أنه متى حصل الإِسلام
فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب ، فكان ذلك الوصف حاصلاً

٦٦
قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم. سورة البقرة
وأي فائدة في طلبه بالدعاء ( وثالثها) أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى
إبراهيم مسلماً جاز أن يقال جعله مسلماً أما قوله يحمل ذلك على فعل الألطاف، قلنا: هذا
أيضاً مدفوع من وجوه ( أحدها) أن لفظ الجعل مضاف إلى الإِسلام نصرفه عنه إلى غيره ترك
للظاهر ( وثانيها ) أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على
مذهب المعتزلة ، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز ( وثالثها) أن تلك
الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون فإن لم يكن لها أثر
في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً وإن كان لها أثر في الترجيح فنقول : متى حصل الرجحان
فقد حصل الوجوب وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما أن يجب الفعل أو يمتنع
أولا يجب ولا يمتنع ، فإن وجب فهو المطلوب ، وإن امتنع فهو مانع لأمر مرجح ، وإن لم يجب
ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع
إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول
كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً
وقد فرضناه كذلك هذا خلف، وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على
الآخر من غير مرجح وهو محال ، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول ، قوله : الدلائل
العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم ، قلنا إنه
معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم تقريره مراراً وأطواراً والله أعلم .
واعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف طلبا الإسلام ؟
قد أدرجناه في هذه المسئلة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية والحمد لله على ذلك ، ثم إن الذي
يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما
ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا ؟ فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك
القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين ، وإن كانت صالحة لتركه فهو
باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على
عدمه الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ولأنه عدم باق والباقي لا
يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر ، فإذن لا قدرة إلا على
الوجود فالقدرة غير صالحة إلا للوجود ، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود
والعدم فالمقصود حاصل ، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح ،
ويجب انتهاء المرجحات إلى فعل الله تعالى قطعاً للتسلسل ، وعند حصول المرجح من الله تعالى
يجب وقوع الفعل ، فثبت أن قوله ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) هو الذي يصح على قوانين
الدلائل العقلية .

٦٧
قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم . سورة البقرة
!
المسألة الثانية ﴾ قوله (ربنا واجعلنا مسلمين لك) يفيد الحصر أى أن نكون مسلمين
لك لا لغيرك وهذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلماً لأحكام الله تعالى وقضائه
وقدره ، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه ، وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه
السلام في موضع آخر ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) ثم ههنا قولان ( أحدهما ) ربنا واجعلنا
مسلمين لك) أي موحدين مخلصين لا نعبد إلا إياك ( والثاني ) قائمين بجميع شرائع الإسلام
وهو الأوجه لعمومه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أما إن العبد لا يخاطب الله تعالى وقت الدعاء إلا بقوله: ربنا
فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في تفسير قوله ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) في شرائط
الدعاء .
أما قوله تعالى ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) فالمعنى: واجعل أولادنا و(من ) للتبعيض
وخص بعضهم لأنه تعالى: أعلمهما أن في ذريتهما الظالم بقوله تعالى (لا ينالى عهدي الظالمين) ومن
الناس من قال أراد به العرب لأنهم من ذريتهما ، و( أمة) قيل هم أمة محمد عليه بدليل قوله
( وابعث فيهم رسولاً منهم ) وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ قد بينا أن قوله ( لا ينال عهدي الظالمين) كما يدل على أن في ذريته
من یکون ظالماً فكذلك یوجد فيهم من لا یکون ظاماً ، فإذن کون بعض ذريته أمة مسلمة صار
معلوماً بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى ؟
( الجواب ) تلك الدلالة ما كانت قاطعة ، والشفيق بسوء الظن مولع .
السؤال الثاني﴾ لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في
الدعاء ؟ .
( والجواب) الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى ( قوا أنفسكم وأهليكم
ناراً) ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وتابعهم على الخيرات ، ألا ترى أن
المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم .
﴿ السؤال الثالث﴾ الظاهر أن الله تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد فلما لم
يصرح بالرد علمنا أنه أجابه إليه ، وحينئذ يتوجه الإشكال، فإن في زمان أجداد محمد ◌َلي لم
يكن أحد من العرب مسلماً ، ولم يكن أحد سوى العرب من ذرية إبراهيم وإسمعيل عليهما
السلام .

٦٨
قوله تعالى : وإذا يرفع إبراهيم . سورة البقرة
( والجواب ) قال القفال : إنه لم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً،
ولم تزل الرسل من ذرية إبراهيم ، وقد كان في الجاهلية : زيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن
ساعدة، ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله وَلافيه ، وعامر بن الظرب كانوا على دين
الإسلام يقرون بالإبداء والإعادة ، والثواب والعقاب ، ويوحدون الله تعالى، ولا يأكلون
الميتة ، ولا يعبدون الأوثان .
أما قوله تعالى ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ في (أرنا) قولان (الأول) معناه علمنا شرائع حجنا إذ أمرتنا ببناء
البیت لنحجه وندعوا الناس إلى حجه ، فعلمنا شرائعه وما ينبغي لنا أن نأتیه فیه من عمل وقول
مجاز هذا من رؤية العلم قال الله تعالى ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ، ألم تر كيف فعل
ربك بأصحاب الفيل ) ( الثاني) أظهرها لأعيننا حتى نراها . قال الحسن : إن جبريل عليه
السلام أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات ، فقال : يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من
المناسك ؟ قال نعم فسميت عرفات فلما كان يوم النحر أراد أن يزوار البيت عرض له إبليس
فسد عليه الطريق ، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان
ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام برمي
الحصيات .
وههنا قول ثالث وهو أن المراد العلم والرؤية معاً. وهو قول القاضي لأن الحج لا يتم إلا
بأمور بعضها يعلم ولا يرى ، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية فوجب حمل اللفظ على
الأمرين جميعاً وهذا ضعيف لأنه يقتضى حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز معاً وأنه جائز ، فبقي
القول المعتبر وهو القولان الأولان ، فمن قال بالقول الثاني قال : إن المناسك هي المواقف
والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج كمنى وعرفات والمزدلفة ونحوها ، ومن قال بالأول قال :
إن المناسك هي أعمال الحج كالطواف والسعي والوقوف .
المسألة الثانية ﴾ النسك هو التعبد يقال للعابد ناسك ثم سمى الذبح نسكاً والذبيحة
نسيكة وسمى أعماله الحج مناسك . قال عليه السلام (( خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم
بعد عامي هذا )) والمواضع التي تقام فيها شرائع الحج تسمى : مناسك أيضاً ويقال المنسك بفتح
السين بمعنى الفعل وبكسر السين بمعنى المواضع ، كالمسجد والمشرق والمغرب ، قال الله تعالى
( لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه ) قرىء بالفتح والكسر، وظاهر الكلام يدل على الفعل ،
وكذلك قوله عليه السلام ((خذوا عني مناسككم)) أمرهم بأن يتعلموا أفعاله في الحج لا أنه

٦٩
قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم . سورة البقرة
١
أراد : خذوا عني مواضع نسككم إذا عرفت هذا فنقول إن حملنا المناسك على مناسك الحج فإن
حملناها على الأفعال فالإراءة لتعريف تلك الأعمال ، وإن حملناها على المواضع فالإراءة لتعريف
البقاع ومن المفسرين من حمل المناسك على الذبيحة فقط وهو خطأ لأن الذبيحة إنما تسمى نسكاً
لدخولها تحت التعبد ، ولذلك لا يسمون ما يذبح للأكل بذلك فما لأجله سميت الذبيحة نسكاً
وهو كونه عملاً من أعمال الحج قائم في سائر الأعمال فوجب دخول الكل فيه وإن حملنا المناسك
على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى ، واللزوم لما يرضيه وجعل
ذلك عاماً لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فقوله ( وأرنا مناسكنا ) أي علمنا كيف
نعبدك ، وأين نعبدك وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك به كما يخدم العبد مولاه .
المسألة الثالثة ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو في بعض الروايات (أرنا) باسكان الراء في
كل القرآن ، ووافقهما عاصم وابن عامر في حرف واحد ، في حم السجدة ( أرنا الذين
أضلانا) وقرأ أبو عمرو في بعض الروايات الظاهرة عنه باختلاس كسرة الراء من غير إشباع في
كل القرآن ، والباقون بالكسرة مشبعة ، وأصله أرئنا بالهمزة المكسورة نقلت كسرة الهمزة إلى
الراء وحذفت الهمزة وهو الإختيار لأن أكثر القراء عليه ، ولأنه سقطت الهمزة فلا ينبغي أن
تسكن الراء لئلا يجحف بالكلمة وتذهب الدلالة على الهمزة ، وأما التسكين فعلى حذف الهمزة
وحركتها وعلى التشبيه بما سكن كقولهم : فخذ وكبد ، وأما الإختلاس فلطلب الخفة وبقاء
الدلالة على حذف الهمزة .
أما قوله ( وتب علينا ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج من جوز الذنب على الأنبياء بهذه الآية قال : لأن التوبة
مشروطة بتقدم الذنب ، فلولا تقدم الذنب وإلا لكان طلب التوبة طلباً للمحال ، وأما المعتزلة
فقالوا : إنا نجوز الصغيرة على الأنبياء فكانت هذه التوبة توبة من الصغيرة ، ولقائل أن
يقول : إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب فاعلها وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها محال ،
لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل محال .
وههنا أجوبة أخر تصلح لمن جوز الصغائر ولمن لم يجوزها ، وهي من وجوه ( أولها ) يجوز
أن يأتي بصورة التوبة تشدداً في الإنصراف عن المعصية ، لأن من تصور نفسه بصورة النادم
العازم على التحرز الشديد ، كان أقرب إلى ترك المعاصي ، فيكون ذلك لطفاً داعياً إلى ترك
المعاصي، ( وثانيها) أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض
الوجوه : إما على سبيل السهو، أو على سبيل ترك الأولى ، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك

٧٠
قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم . سورة البقرة
( وثالثها) أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته من يكون ظالماً عاصياً ، لا جرم
سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة ، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين
للتوبة فقال ( وتب علينا) أي على المذنبين من ذريتنا ، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولد
فاعتذر الوالد عنه فقد یقول أجرمت وعصیت وأذنبت فاقبل عذری ویکون مراده : إن ولدي
أذنب فاقبل عذره ، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، والذي يقوي هذا التأويل وجوه
( الأول) ما حكى الله تعالى في سورة إبراهيم أنه قال ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب
إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) فيحتمل أن
يكون المعنى : ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب ، وتغفر له ما سلف من
ذنوبه ( الثاني) ذكر أن في قراءة عبد الله: وأرهم مناسكهم وتب عليهم ، ( الثالث ) أنه قال
عطفا على هذا ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) ( الرابع ) تأولوا قوله تعالى ( ولقد خلقناكم ثم
صورناكم) بجعل خلقه إياه خلقاً لهم إذ كانوا منه ، فكذلك لا یبعد أن یکون قوله ( أرنا
مناسكنا ) أي أنا ذريتنا .
المسألة الثانية﴾ احتج الأصحاب بقوله ( وتب علينا) على أن فعل العبد خلق الله
تعالى قالوا لأنه عليه السلام طلب من الله تعالى أن يتوب عليه ، فلو كانت التوبة مخلوقة
للعبد ، لكان طلبها من الله تعالى محالا وجهلا ، قالت المعتزلة : هذا معارض بما أن الله تعالى
طلب التوبة منا ، فقال ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً) ولو كانت فعلا لله
تعالى ، لكان طلبها من العبد محالا وجهلا ، وإذا ثبت ذلك حمل قوله ( وتب علينا) على
التوفيق وفعل الالطاف أو على قبول التوبة من العبد ، قال الأصحاب الترجيح معنا لأن دليل
العقل يعضد قولنا من وجوه ( أولها ) أنه متى لم يخلق الله تعالى داعية موجبة للتوبة استحال
حصول التوبة ، فكانت التوبة من الله تعالى لا من العبد ، وتقرير دليل الداعي قد تقدم غير
مرة ( وثانيها ) أن التوبة على ما لخصه الشيخ الغزالي رحمه الله : عبارة عن مجموع أمور ثلاثة
مرتبة علم وحال وعمل ، فالعلم أول والحال ثان وهو موجب العلم والعمل ثالث وهو موجب
الحال ، أما العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب ، يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب
فوت المنفعة وحصول المضرة وهذا التألم هو المسمى بالندم ثم يتولد من هذا الندم صفة تسمى :
إرادة ولها تعلق بالحال والماضي والمستقبل ، أما تعلقه بالحال فهو الترك للذنب الذي كان ملابساً
له ، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر وأما في
الماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه
الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين فان الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم

٧١
قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم . سورة البَقَرة
مهلكة واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب ، ثم أن
هذا اليقين مهما استولى على القلب اشتعل نار الندم فيتألم به القلب حيث يبصر بإشراق نور
الإيمان أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فرأى محبوبه
قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فيتولد من تلك الحالة إرادته للانتهاض
للتدارك إذا عرفت هذا فنقول : ان ترتب الفعل على الإرادة ضروري لأن الإرادة الجازمة
الخالية عن المعارض لا بد وأن يترتب عليها الفعل وترتب الإرادة على تألم القلب أيضاً
ضروري ، فإن من تألم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه لا بد وأن يحصل في قلبه إرادة الدفع
وترتب ذلك الألم على العلم بكون ذلك الشيء جالباً للمضار ، ودفعاً للمنافع أيضاً أمر
ضروري ، فكل هذه المراتب ضرورية فكيف تحصل تحت الاختبار والتكلف .
بقي أن يقال الداخل تحت التكليف هو العلم ، إلا أن فيه أيضاً إشكالا ، لأن ذلك
العلم إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، فان كان ضرورياً لم يكن داخلا تحت الاختبار
والتكليف أيضاً، وان كان نظرياً فهو مستنتج عن العلوم الضرورية فمجموع تلك العلوم
الضرورية المنتجة للعلم النظري الأول . إما أن يكون كافياً في ذلك الإنتاج أو غير كاف، فان
كان كافياً كان ترتب ذلك العلم النظري المستنتج أولا على تلك العلوم الضرورية واجباً ،
والذي يجب ترتبه على ما يكون خارجاً عن الاختيار ، كان أيضاً خارجاً عن الإختيار ، وإن لم
يكن كافياً فلا بد من شىء آخر فذلك الآخر إن كان من العلوم الضرورية فهو إن كان حاصلاً
فالذي فرضناه غير كاف وقد كان كافياً ، هذا خلف، وإن كان من العلوم النظرية افتقر أول
العلوم النظرية إلى علم نظري آخر قبله فلم يكن أول العلوم النظرية أولا للعلوم النظرية ،
وهذا خلف. ثم الكلام في ذلك الأول كما فيما قبله فيلزم التسلسل وهو محال ، فثبت بما ذكرنا
آخراً أن قوله تعالى ( وتب علينا) محمول على ظاهره ، وهو الحق المطابق للدلائل العقلية وأن
سائر الآيات المعارضة لهذه الآية أولى بالتأويل .
أما قوله ( إنك أنت التواب الرحيم ) فقد تقدم ذكره .
﴿ النوع الثالث﴾ قوله (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) واعلم أنه لا شبهة في أن قوله
( ربنا وابعث فيهم رسولا ) يريد من أراد بقوله ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) لأنه المذكور من
قبل ووصفه لذريته بذلك لا يليق إلا بأمة محمد عليه فعطف عليه بقوله تعالى ( ربنا وابعث فيهم
رسولا منهم) وهذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين ( أحدهما ) أن يكون فيهم رسول
يكمل لهم الدين والشرع ويدعوهم إلى ما يثبتون به على الإِسلام ( والثاني ) أن يكون ذلك
1

٧٢
قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم . سورة البَقَرة
المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه ( أحدها ) ليكون محلهم ورتبتهم في العز والدين أعظم ،
لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معاً من ذريته ، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها ( وثانيها )
أنه إذا كان منهم فانهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته
( وثالثها ) أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو
أرسل إليهم ، إذا ثبت هذا فنقول : إذا كان مراد إبراهيم عليه السلام عمارة الدين في الحال
وفي المستقبل ، وكان قد غلب على ظنه أن ذلك إنما يتم ويكمل بأن يكون القوم من ذريته
حسن منه أن يريد ذلك ليجتمع له بذلك نهاية المراد في الدين وينضاف إليه السرور العظيم بأن
يكون هذا الأمر في ذريته لأن لا عز ولا شرف أعلى من هذه الرتبة ، وأما إن الرسول هو محمد
﴿* فيدل عليه وجوه (أحدها) إجماع المفسرين وهو حجة ( وثانيها) ما روى عنه عليه السلام
أنه قال ((أنا دعوة ابراهيم وبشارة عيسى)) وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى عليه
السلام ما ذكر في سورة الصف من قوله ( مبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) ( وثالثها )
أن إبراهيم عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث
الله تعالى الى من بمكة وما حولها إلا محمدً الته .
وههنا سؤال وهو أنه يقال : ما الحكمة في ذكر ابراهيم عليه السلام مع محمدێ# في باب
الصلاة حيث يقال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل
ابراهيم؟ .
وأجابوا عنه من وجوه ( أولها) أن إبراهيم عليه السلام دعا لمحمد عليه السلام حيث
قال ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ) فلما وجب للخليل على الحبيب حق
دعائه له : قضى الله تعالى عنه حقه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة ( وثانيها )
أن إبراهيم عليه السلام سأل ذلك ربه بقوله ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) يعني ابق
لي ثناء حسناً في أمة محمد (، فأجابه الله تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن
عليه في أمته ( وثالثها) أن إبراهيم كان أب الملة لقوله ( ملة أبيكم إبراهيم ) ومحمد كان أب
الرحمة ، وفي قراءة ابن مسعود ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ) وقال في قصته
( بالمؤمنين رؤوف رحيم) وقال عليه السلام ((إنما أنا لكم مثل الوالد)) يعني في الرأفة والرحمة
فلما وجب لكل واحد منهم حق الأبوة من وجه قرب بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة
( ورابعها) أن إبراهيم عليه السلام كان منادي الشريعة في الحج ( وأذن في الناس بالحج )
وكان محمد عليه السلام منادي الدين ( سمعنا منادياً ينادي للإيمان ) فجمع الله تعالى بينهما في
الذكر الجميل .
واعلم أنه تعالى لما طلب بعثة رسول منهم إليهم ، ذكر لذلك الرسول صفات ( أولها )

٧٣
قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم . سورة البقرة
قوله ( يتلو عليهم آياتك) وفيه وجهان ( الأول) أنها الفرقان الذي أنزل على محمد هالة لأن
الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك فوجب حمله عليه ( الثاني ) يجوز أن تكون الآيات هي
الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته سبحانه وتعالى ، ومعنى تلاوته إياها عليهم : أنه كان
يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها ( وثانيها) قوله ( ويعلمهم الكتاب )
والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه ، وذلك لأن التلاوة مطلوبة
لوجوه : منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً عن التحريف والتصحيف ومنها
أن يكون لفظه ونظمه معجزاً لمحمد ◌َّة، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة ، ومنها
أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة ، فهذا حكم التلاوة إلا أن الحكمة
العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام ، فان الله تعالى وصف القرآن
بكونه هدى ونوراً لما فيه من المعاني والحكم والأسرار ، فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة ذكر
بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال ( ويعلمهم الكتاب ) . ( الصفة الثالثة ) من صفات الرسول
* قوله (والحكمة) أي ويعلمهم الحكمة . واعلم أن الحكمة هي: الإصابة في القول
والعمل ، ولا يسمى حكيماً إلا من اجتمع له الأمران وقيل : أصلها من أحكمت الشىء أي
رددته ، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في
القول والفعل ، ووضع كل شىء موضعه . قال القفال : وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة
بأنها التشبه بالإِه بقدر الطاقة البشرية . واختلف المفسرون في المراد بالحكمة ههنا على وجوه
( أحدها ) قال ابن وهب قلت لمالك : ما الحكمة ؟ قال معرفة الدين ، والفقه فيه ، والاتباع
له ( وثانيها) قال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة سنة رسول الله وَي . . وهو قول قتادة قال
أصحاب الشافعي رضي الله عنه : والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولا وتعليمه ثانياً
ثم عطفعليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شیئاً خارجاً عن الكتاب ، وليس ذلك
إلا سنة الرسول عليه السلام ، فإن قيل : لم لا يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على
التوحيد والعدل والنبوة ؟ قلنا : لأن العقول مستقبلة بذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد
من الشرع أولى ( وثالثها) الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل ، وهو مصدر بمعنى الحكم ،
كالقعدة والجلسة ، والمعنى : يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم ، وفصل أقضيتك وأحكامك
التي تعلمه إياها ، ومثال هذا : الخبر والخبرة ، والعذر والعذرة ، والغل والغلة ، والذل
والذلة ( ورابعها) ويعلمهم الكتاب أراد به الآيات المحكمة ( والحكمة) أراد بها الآيات
المتشابهات (وخامسها) ( يعلمهم الكتاب ) أي يعلمهم ما فيه من الأحكام (والحكمة ) أراد
بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع ، ومن الناس من قال :
الكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات ، وبأنه كتاب ، وبأنه حكمة ( الصفة

٧٤
قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم . سورة البقرة
الرابعة ) من صفات الرسول ويقول: قوله (ويزكيهم) واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين
(وأحدهما ) أن يعرف الحق لذاته (والثاني) أن يعرف الخير لأجل العمل به ، فإِن أخل بشيء
من هذين الأمرين لم يكن طاهراً عن الرذائل والنقائص ، ولم يكن زكياً عنها، فلما ذكر
صفات الفضل والكمال أردفها بذكر التزكية عن الرذائل والنقائص ، فقال ( ويزكيهم ) واعلم .
أن الرسول لا قدرة له على التصرف في بواطن المكلفين ، وبتقدير أن تحصل له هذه القدرة لكنه
لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلاً فيهم على سبيل الجبر لا على سبيلى الإختيار ،
فاذن هذه التزكية لها تفسيران ( الأول ) ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة ، حتى
يكون ذلك كالسبب لطهارتهم ، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والايعاد ،
والوعظ والتذكير ، وتکریر ذلك علیهم ، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا ،
فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل.
الصالح ، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم ، وأنه أوتي مكارم الأخلاق ( الثاني) ..
يزكيهم ، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت ، كتزكية المزكى
الشهود ، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكله مراده بالدعاء ، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية
الفوز بالجنة ، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة ، ثم بالترغيب الشديد في العمل.
والترهيب عن الاخلال بالعمل وهو التزكية ، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية ، ..
وللمفسرين فيه عبارات ( أحدها ) قال الحسن : يزكيهم : يطهرهم من شركهم ، فدلت الآية
على أنه سيكون في ذرية إسماعيل جهال لا حكمة فيهم ولا كتاب ، وأن الشرك ينجسهم ،
وأنه تعالى يبعث فيهم رسولا منهم يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم ( وثانيها ) !
التزكية هي الطاعة لله والاخلاص عن ابن عباس ( وثالثها) ويزكيهم عن الشرك وسائر
الأرجاس ، كقوله ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) واعلم أنه عليه السلام لما ذكر
هذه الدعوات ختمها بالثناء على الله تعالى فقال ( إنك أنت العزيز الحكيم ) والعزيز: هو
القادر الذي لا يغلب ، والحكيم هو العالم الذي لا يجهل شيئاً، وإذا كان عالماً قادراً كان ما
يفعله صواباً ومبرأ عن العبث والسفه ، ولولا كونه كذلك لما صح منه إجابة الدعاء ولا بعثة
الرسل ، ولا إنزال الكتاب ، واعلم أن العزيز من صفات الذات إذا أريد اقتداره على الأشياء ..
وامتناعه من الهضم والذلة ، لأنه إذا كان منزها عن الحاجات لم تلحقه ذلة المحتاج ، ولا يجوز ..
أن يمنع من مراده حتى يلحقه اهتضام ، فهو عزيز لا محالة ، وأما الحكيم فإذا أريد به معنی
العليم فهو من صفات الذات ، فإذا أريد بالعزة كمال العزة وهو الإمتناع من استيلاء الغير.
عليه ، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذات بل من .
صفات الفعل والفرق بين هذين النوعين من الصفات وجوه ( أحدها) أن صفات الذات.

٧٥
قوله تعالى : ومن يرغب عن ملة إبراهيم . سورة البقرة
وَمَنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبَهِكْمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الذُّنْيَا وَإِنَّهُ
١٢٠
فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
أزلية ، وصفات الفعل ليست كذلك ، ( وثانيها) أن صفات الذات لا يمكن أن تصدق
نقائضها في شيء من الأوقات ، وصفات الفعل ليست كذلك ( وثالثها) أن صفات الفعل
أمور نسبية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفاعل ، وصفات الذات ليست كذلك ، واحتج
النظام على أنه تعالى غير قادر على القبيح بأن قال : الإله يجب أن يكون حكيماً لذاته ، وإذا كان
حكيماً لذاته لم يكن القبيح مقدوراً ، والحكمة لذاتها تنافي فعل القبيح فالإِله يستحيل منه فعل
القبيح ، وما كان محال لم يكن مقدوراً ، إنما قلنا : الاله يجب أن يكون حكماً لأنه لولم يجب
ذلك لجاز تبدله بنقيضه فحينئذ يلزم أن يكون الاله إلهاً مع عدم الحكمة وذلك بالاتفاق محال ،
وأما أن الحكمة تنافي فعل السفه فذلك أيضاً معلوم بالبديهة ، وأما أن مستلزم المنافي مناف
فمعلوم بالبديهة فإذن الإلهية لا يمكن تقريرها مع فعل السفه ، وأما أن المحال غير مقدور
فبين ، فثبت أن الإِلِه لا يقدر على فعل القبيح .
( والجواب عنه) أما على مذهبنا فليس شىء من الأفعال سفها منه فزال السؤال والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في
الآخرة لمن الصالحين
اعلم أن الله تعالى بعد أن ذكر أمر إبراهيم عليه السلام وما أجراه على يده من شرائف
شرائعة التي ابتلاه بها ، ومن بناء بيته وأمره بحج عباد الله إليه وما جبله الله تعالى عليه من
الحرص على مصالح عباده ودعائه بالخير لهم ، وغير ذلك من الأمور التي سلف في هذه الآية
السالفة عجب الناس فقال ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم ) والإيمان بما أتى من شرائعه فكان في
ذلك توبيخ اليهود والنصارى ومشركي العرب لأن اليهود إنما يفتخرون به ويوصلون بالوصلة
التي بينهم وبينه من نسب إسرائيل ، والنصارى فافتخارهم ليس بعيسى وهو منتسب من جانب
الأم إلى إسرائيل ، وأما قريش فإنهم إنما نالوا كل خير في الجاهلية بالبيت الذي بناه فصاروا
لذلك يدعون إلى كتاب الله، وسائر العرب وهم العدنانيون فمرجعهم إلى إسماعيل وهم
يفتخرون على القحطانيين بإسمعيل بما أعطاه الله تعالى من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار
الكل بإبراهيم عليه السلام ، ولما ثبت أن إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله تعالى بعثة

٧٦
قوله تعالى : ومن يرغب . سورة البَقَرة
هذا الرسول في آخر الزمان وهو الذي تضرع إلى الله تعالى في تحصيل هذا المقصود ، فالعجب
من أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى ابراهيم عليه السلام ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو
دعوة إبراهيم عليه السلام ومطلوبه بالتضرع لا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه .
أما قوله ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ يقال: رغبت من الأمر إذا كرهته، ورغبت فيه إذا أردته (ومن )
الأول استفهام بمعنى الإنكار ، والثانية بمعنى الذي ، قال صاحب الكشاف ( من سفه ) في محل
الرفع على البدل من الضمير في يرغب وإنما صح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك : هل
جاءك أحد إلا زيد .
المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول ههنا سؤال وهو أن المراد بملة إبراهيم هو الملة التي
جاء بها محمد عليه السلام لأن المقصود من الكلام ترغيب الناس في قبول هذا الدين فلا يخلو إما
أن يقال : إن هذه الملة عين ملة إبراهيم في الأصول والفروع، أو يقال: هذه الملة هي تلك
الملة في الأصول أعني التوحيد والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق ، ولكنهما يختلفان في فروع
الشرائع أوكيفية الأعمال .
١
( أما الأول ) فباطل لأنه عليه السلام كان يدعى أن شرعه نسخ كل الشرائع ، فكيف
يقال هذا الشرع هو عين ذلك الشرع .
( وأما الثاني ) فهو لا يفيد المطلوب لأن الإعتراف بالأصول أعني التوحيد والعدل
ومكارم الأخلاق والمعاد لا يقتضى الاعتراف بنبوة محمدټ ، فکیفیتمسك بهذا الكلام في هذا
المطلوب .
وسؤال آخر وهو أن محمداً مليار لما اعترف بأن شرع إبراهيم منسوخ، ولفظ الملة يتناول
الأصول والفروع ، فيلزم أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام راغباً أيضاً عن ملة إبراهيم
فيلزم ما ألزم عليهم .
(وجوابه) أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تضرع إلى الله تعالى وطلب منه
بعثة هذا الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته ، عبر عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم فلما سلم
اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم عليه السلام محقاً في مقاله، وجب عليهم الاعتراف
بنبوة هذا الشخص الذي هو مطلوب إبراهيم عليه السلام .
قال السائل : إن القول ما سلموا أن إبراهيم طلب مثل هذا الرسول من الله تعالى ،

٧٧
قوله تعالى : ومن يرغب . سورة البقرة
وإنما محمد عليه الصلاة والسلام روى هذا الخبر عن إبراهيم عليه السلام ليبني على هذه الرواية
إلزام أنه يجب عليهم الإعتراف بنبوة محمد عليه السلام ، فإذن لا تثبت نبوته ما لم تثبت هذه
الرواية ، ولا تثبت هذه الرواية ما لم تثبت نبوته ، فيفضي إلى الدور وهو ساقط، سلمنا أن
القوم سلموا صحة هذه الرواية لكن ليس في هذه الرواية إلا أن إبراهيم طلب من الله تعالى أن
يبعث رسولا من ذريته وذرية إسماعيل ، فكيف القطع بأن ذلك الرسول هو هذا الشخص ؟
فلعله شخص آخر سيجيء بعد ذلك ، وإذا جاز أن تتأخر إجابة هذا الدعاء بمقدار ألفي
سنة ، وهو الزمان الذي بين إبراهيم وبين محمد عليهما السلام ، فلم لا يجوز أن تتأخر بمقدار
ثلاثة آلاف سنة حتى يكون المطلوب بهذا الدعاء شخصاً آخر سوى هذا الشخص المعين؟ .
(والجواب عن السؤال الأول) لعل التوراة والانجيل شاهدان بصحة هذه الرواية ،
ولولا ذلك لکان اليهود والنصارى من أشد الناس مسارعة إلی تکذيبه في هذه الدعوى ( وعن
الثاني ) أن المعتمد في إثبات نبوته عليه السلام : ظهور المعجز على يده ، وهو القرآن وإخباره
عن الغيوب التي لا يعلمها إلا نبي مثل هذه الحكايات ، ثم إن هذه الحجة تجري مجرى المؤكد
للمقصود والمطلوب والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ في انتصاب ( نفسه) قولان ( الأول ) لأنه مفعول قال المبرد : سفه
لازم، وسفه متعد ، وعلى هذا القول وجوه ( الأول ) امتهنها واستخف بها ، وأصل السفه
الخفة ، ومنه زمام سفيه، والدليل عليه ما جاء في الحديث (( الكبر أن تسفه الحق وتغمص
الناس )) وذلك أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إزالة نفسه وتعجيزها ،
حيث خالف بها كل نفس عاقلة ( والثاني ) قال الحسن : إلا من جهل نفسه وخسر نفسه ،
وحقيقته أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من جهل فلم يفكر فيها ، فيستدل بما يجده فيها من
آثار الصنعة على وحدانية الله تعالى وعلى حكمته، فيستدل بذلك على صحة نبوة محمد تي
( والثالث) أهلك نفسه وأوبقها عن أبي عبيدة ( والرابع ) أضل نفسه ( القول الثاني ) أن
نفسه ليست مفعولا وذكروا على هذا القول وجوهاً ( الأول ) أن نفسه نصب بنزع الخافض
تقديره سفه في نفسه ( والثاني ) أنه نصب على التفسير عن الفراء ومعناه سفه نفساً ثم أضاف
وتقديره إلا السفيه ، وذكر النفس تأكيد كما يقال : هذا الأمر نفسه والمقصود منه المبالغة في
سفهه ( الثالث ) قرىء ( إلا من سفه نفسه ) بتشديد الفاء ثم إنه تعالى لما حكم بسفاهة من
رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام بين السبب فقال ( ولقد اصفيناه في الدنيا) والمراد به أنا إذا
اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة ، وعرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع
والامامة الباقية إلى قيام الساعة ثم أضيف إليه حكم الله تعالى فشرفه الله بهذا اللقب الذي فيه

٧٨
قوله تعالى : إذ قال له ربه أسلم. سورة البَقَرة
٠٠٠٠٠٠
إِذْ قَالَ لَهُوَ رَبُهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلْتُ لَبِّ الْعَالَمِينَّ
١
----
نهاية الجلالة لمن نالها من ملك من ملوك البشر فكيف من نالها من ملك الملوك والشرائع فليحقق
كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته فهو سفيه ، ثم بين أنه في الآخرة عظيم المنزلة ليرغب
في مثل طريقته لينال مثل تلك المنزلة ، وقيل في الآية تقديم وتأخير وتقديره : ولقد اصطفيناه فى
الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين ، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى قال
الحسن : من الذين يستوجبون الكرامة وحسن الثواب على كرم الله تعالى.
قوله تعالى ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ﴾.
اعلم أن هذا النوع الخامس من الأمور التي حكاها الله عن إبراهيم عليه السلام وفيه
مسائل :
المسألة الأولى ﴾ موضع ( إذ) نصب وفي عامله وجهان ( الوجه الأول ) أنه نصب
باصطفيناه أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم ، فكأنه تعالى ذكر الاضطفاء ثم عقبُه
بذكر سبب الاصطفاء ، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من
حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه مستمر على هذه الطريقة وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب
فعند ذلك اختاره للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء
والعاقبة ، فاسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به فان قيل قوله ( ولقد اصطفيناه ) إخبار عن
النفس وقوله ( إذ قال له ربه أسلم ) إخبار عن المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم
واحداً ؟ قلنا : هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مراراً ( الثاني ) أنه نصب باضمار اذكر كأنه
قيل : اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله :
المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أن الله تعالى متى قال له أسلم؟ ومنشأ الإشكال أنه إنما
يقال له أسلم في زمان لا يكون مسلماً فيه فهل كان إبراهيم عليه السلام غير مسلم فى بعض
الأزمنة ليقال له في ذلك الزمان أسلم ؟ فالأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة
وقبل البلوغ ، وذلك أعند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس ، واطلاعه على أمارات
الحدوث فيها ، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية وأمارات الحدوث ، فلما عرف
ربه قال له تعالى ( أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن
عرف ربه ويحتمل أيضاً أن يكون قوله ( أسلم ) كان قبل الاستدلال ، فيكون المراد من هذا
القول لا نفس القول بل دلالة الدليل عليه على حسب مذاهب العرب في هذا كقول الشاعر :

٧٩
قوله تعالى : ووصى بها إبراهيم . سورة البَقَرة
وَوَصَِّى بِهَا ◌ِبْرَاهِكُ بَنِهِ وَيَعْقُوبُ يَنَّ إِنَّ اللَّهَاصْطَفَى لَكُ الدِّينَ فَلاَ تَحُنَّ إِلَّ
١٠١١٤٠
وَأَنْتُ مُسْلِمُونَ
٣٢
مهلا رويداً قد ملأت بطني
امتلأ الحوض وقال قطني
وأصدق دلالة منه قوله تعالى ( أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون )
فجعل دلالة البرهان كلاماً، ومن الناس من قال : هذا الأمر كان بعد النبوة ، وقوله ( أسلم )
ليس المراد منه الإسلام والإيمان بل أمور أخر ( أحدها ) الانقياد لأمر الله تعالى ، والمسارعة
إلى تلقيها بالقبول ، وترك الإعراض بالقلب واللسان ، وهو المراد من قوله ( ربنا واجعلنا
مسلمين لك ) ( وثانيها) قال الأصم (أسلم ) أي أخلص عبادتك واجعلها سليمة من الشرك
وملاحظة الأغيار ( وثالثها ) استقم على الإسلام وأثبت على التوحيد كقوله تعالى ( فاعلم أنه لا
إله إلا الله) (ورابعها) أن الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح ، وأن إبراهيم عليه
السلام كان عارفاً بالله تعالى بقلبه وكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح والأعضاء بقوله
( أسلم) .
قوله تعالى ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن
إلا وأنتم مسلمون ﴾ .
اعلم أن هذا هو النوع السادس من الأمور المستحسنة التي حكاها الله عن إبراهيم وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر (وأوصى) بالألف وكذلك هو في مصاحف المدينة
والشام والباقون بغير ألف بالتشديد وكذلك هو في مصاحفهم والمعنى واحد إلا أن في ( وصى )
دليل مبالغة وتكثير .
المسألة الثانية﴾ الضمير في (بها) إلى أي شيء يعود؟ فيه قولان (الأول ) أنه عائد
إلى قوله ( أسلمت لرب العالمين ) على تأويل الكلمة والجملة ، ونحوه رجوع الضمير في قوله
( وجعلها كلمة باقية ) إلى قوله ( إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني) وقوله ( كلمة باقية )
دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة ( القول الثاني ) أنه عائد إلى الملة في قوله ( ومن يرغب
عن ملة إبراهيم ) قال القاضي وهذا القول أولى من الأول من وجهين ( الأول ) أن ذلك غير
مصرح به ورد الإضمار الى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم ( الثاني)

٨٠
قوله تعالى : أم كنتم شهداء . سورة البقرة
:
أن الملة أجمع من تلك الكلمة ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز
بالآخرة ، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك.
المسألة الثالثة ﴾ اعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين
( أحدها) أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال : وصاهم ولفظ الوصية أوكد من
الأمر ، لأن الوصية عند الخوف من الموت ، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد
وأتم ، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك الوقت كان مهتماً بهذا الأمر متشدداً فيه ، كان القول
إلى قبوله أقرب ( وثانيها) أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك ، وذلك لأن شفقة الرجل على
أبنائه أکثر من شفقته على غيرهم فلما خصهم بذلك في آخر عمره ، علمنا أن اهتمامه بذلك كان
أشد من اهتمامه بغيره ( وثالثها ) أنه عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحداً منهم بهذه
الوصية ، وذلك أيضاً يدل على شدة الاهتمام ( ورابعها) أنه عليه السلام أطلق هذه الوصية
ثم
ومكان
معين ،
معین
بزمان
غير مقيدة
زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين ، وذلك يدل أيضاً على شدة الإهتمام بهذا الأمر
(وخامسها) أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى ، وهذا يدل أيضاً على شدة
الاهتمام بهذا الأمر ، ولما كان إبراهيم عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة
وكمال السيرة ، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر ، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى
الأمور بالاهتمام ، وأجراها بالرعاية ، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية،
وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان يدعو الكل أبداً إلى الإِسلام والدين .
أما قوله ( ويعقوب ) ففيه قولان ( الأول ) وهو الأشهر: أنه معطوف على إبراهيم.،
والمعنى أنه وصى كوصية إبراهيم ( والثاني ) قرىء ( ويعقوب ) بالنصب عطفاً على بنيه ،
ومعناه ، وصى إبراهيم بنيه ، ونافلته يعقوب ، أما قوله ( يا بني ) فهو على إضمار القول عند
البصريين ، وعند الكوفيين يتعلق بوصى لأنه في معنى القول ، وفي قراءة أبي وابن مسعود: أن
يا بني .
أما قوله ( اصطفى لكم الدين ) فالمراد أنه تعالى استخلصه بأن أقام عليه الدلائل
الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره .
أما قوله ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) فالمراد بعثهم على الإسلام ، وذلك لأن الرجال
إذا لم یأمن الموت في كل طرفة عين ، ثم إنه أمر بأن يأتي بالشيء قبل الموت صار مأموراً به في
كل حال لأنه يخشى إن لم يبادر إليه أن تعاجله المنية فيفوته الظفر بالنجاة ويخاف الهلاك فيصير