Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البَقَرة لا؟ فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بابعاث محمد ◌ّل، فإن هذه الأشياء أمور شاقة ، أما الإمامة فلأن المراد منها ههنا هو النبوة، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة، لأن النبي ◌ّ يز يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة ، وأن لا يخون في أداء شيء منها ، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق، ولهذا قلنا: إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده ، فمن وقف على ما روى في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه ، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك ، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره، وأما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمداً له في آخر الزمان ، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى ، وإزالة الحسد عن القلب بالكلية ، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية: تكاليفشاقة شديدة ، فأمکن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك ، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذکره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل ، وقال: إني جاعلك للناس إماماً ، بل قال (إني جاعلك) فدل هذا على أن ذلك الإبتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة ، واعترض القاضى على هذا القول فقال: هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فاتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: إني جاعلك للناس إماما فأتمهن، إلا أنه ليس كذلك ، بل ذكر قوله (إني جاعلك للناس إماما) بعد قوله (فأتمهن) وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات وأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك (إني جاعلك للناس إماما) ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد ◌َله، كأن الله تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء ، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا مما لا يعد فيه (القول الثاني) أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين (أحدهما) بكلمات كلفه الله بهن ،وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) مما شاء كلفه بالأمر بها (والوجه الثاني) بكلمات تكون من إبراهیم یکلم بها قومه ، أي يبلغهم إياها ، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شيء كان على أقوال (أحدها) قال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه وهي سنة في شرعنا ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، أما التي في الرأس: فالمضمضة ، والإستنشاق وفرق الرأس ، وقص الشارب ، والسواك ، وأما التي في البدن: فالختان ، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستنجاء بالماء (وثانيها) قال بعضهم: ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام ، عشر منها في سورة براءة (التائبون العابدون) إلى آخر الآية ، وعشر منها ١٠٠ ٤٢ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البقرة في سورة الأحزاب (إن المسلمين والمسلمات) إلى آخر الآية ، وعشر منها في المؤمنون (قد أفلح المؤمنون) إلى قوله (أولئك هم الوارثون) وروي عشر في (سأل سائل) إلى قوله (والذين هم على صلاتهم يحافظون) فجعلها أربعين سهما عن ابن عباس (وثالثها) أمره بمناسك الحج ، كالطوف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس (ورابعها) ابتلاه بسبعة أشياء؛ بالشمس، والقمر، والكواكب، والختان على الكبر، والنار، وذبح الولد، والهجرة، فوفى بالكل فلهذا قال الله تعالى (إبراهيم الذي وفى) عن الحسن (وخامسها) أن المراد ذكره في قوله (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) (وسادسها) المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم ، وقسم الغنائم ، والضيافة ، والصبر عليها ، قال القفال رحمه الله: وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منه ، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل ، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات ، فوجب التوقف والله أعلم. [ المسألة السادسة﴾ قال القاضي هذا الابتلا إنما كان قبل النبوة ، لأن الله تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله إماما ، والسبب مقدم على المسبب ، فوجب كون هذا الابتلاء متقدماً في الوجود على صيرورته إماما وهذا أيضاً ملائم لقضايا العقول وذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق ، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق وأجل المتاعب، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجراً من أمته، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة ، فلما وفى عليه الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة ، وقال آخرون: إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة ، فلما تمم ذلك جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق، إذا عرفت هذه المسألة فنقول قال القاضي: يجوز أن يكون المراد بالكلمات ، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب والشمس والقمر، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله بذلك قبل النبوة، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة ، وكذا الختان ، فأنه عليه السلام يروى أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة، ثم قال: فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات هذه الأشياء كان المراد من قوله ٤٣ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البقرة (أتمهن) أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة . المسألة السابعة ﴾ الضمير المستكن في (فأتمهن) في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام ، وأداهن أحسن التأدية ، من غير تفريط وتوان. ونحوه (وإبراهيم الذي وفى) وفي الأخرى لله تعالى بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً. أما قوله تعالى (إني جاعلك للناس إماماً) فالإمام اسم من یؤتم به کالازار لما يؤتزر به ، أي يأتمون بك في دينك. وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال أهل التحقيق: المراد من الإمام ههنا النبي ويدل عليه وجوه (أحدها) أن قوله (للناس إماماً) يدل على أنه تعالى جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولا من عند الله مستقلا بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له فحينئذ يبطل العموم (وثانيها) أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبياً (وثالثها) أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم، قال الله تعالى (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) والخلفاء أيضاً أئمة لأنهم رتبوا في الحل الذي يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى ، والذي يصلي بالناس يسمى أيضاً إماماً لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به قال عليه الصلاة والسلام ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فاذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم)) فثبت بهذا أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضاً من يؤتم به في الباطل، قال الله تعالى (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيداً فانه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى (يدعون إلى النار) كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق ، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد ، قال الله تعالى (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء) وقال (فانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً) إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه ، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ ههنا عليه لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام ههنا في معرض الامتنان فلا بد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة. المسألة الثانية ) أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة فان أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم ٤٤ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البقرة عليه الصلاة والسلام ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام، وقال الله تعالى في كتابه (ثم أزحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً) وقال (من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) وقال في آخر سورة الحج ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا إنه تعالى بين أنه إنما صار إماماً بسبب التنصيص على إمامته ونظيره قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة إلا بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة ههنا النبوة ، ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص ، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي ولا بالإثبات. المسألة الرابعة ﴾ قوله (إني جاعلك للناس إماماً) يدل على أنه عليه السلام كان معصوماً عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعاً من فعله وكونه واجباً عبارة عن كونه ممنوعاً من تركه والجميع محال. أما قوله (من ذريتي) ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ الذرية: الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وهو أن تكون منسوبة إلى الذر . . . المسألة الثانية ﴾ قوله (ومن ذريتي) عطف علی الکافکأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزیداً. المسألة الثالثة﴾ قال بعضهم: إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر؟ فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالماً لا يصلح لذلك وقال آخرون: إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلّم على وجه المسألة، فأجابه الله تعالى صريحاً بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم، فان قيل: هل كان إبراهيم عليه السلام مأذوناً في قوله ( ومن ذريتي ) أو لم يكن مأذوناً فيه؟ فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه ؟ وإن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنباً ، قلنا : قوله ( ومن ذريتي ) يدل 1 ٤٥ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البَقَرة على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس ، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه في المؤمنین من ذريته کاسمعیل وإسحاق ويعقوب ویوسف وموسى وهرون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحي وعيسى وجعل آخرهم محمد ◌ً ◌ّ من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام . أما قوله تعالى (قال لا ينال عهدي الظالمين) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة وحفص عن عاصم (عهدي) بإسكان الياء والباقون بفتحها ، وقرأ بعضهم (لا ينال عهدي الظالمون) أي من كان ظالماً من ذريتك فإنه لا ينال عهدی. ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في العهد وجوها (أحدها) أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل ، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا وإلا فلا (وثانيها) (عهدي) أي رحمتي عن عطاء (وثالثها) طاعتي عن الضحاك (ورابعها) أماني عن أبي عبيد، والقول الأول أولى لأن قوله (ومن ذريتي) طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله (إني جاعلك للناس إماماً) فقوله (لا ينال عهدي الظالمين) لا يكون جواباً عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة. المسألة الثالثة) الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل ، ولولا ذلك لكان الجواب: لا ، أو يقول: لا ينال عهدي ذريتك، فإن قيل: أفما كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظالمين، قلنا: بلى، ولكن لم يعلم حال ذريته، فبين الله تعالى أن فيهم من هذا حاله وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم. ﴿ المسألة الرابعة﴾ الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من ثلاثة أوجه (الأول) أن أبا بكر وعمر كانا كافرين ، فقد كانا حال كفرهما ظالمين ، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالون عهد الإمامة البتة ولا في شىء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان للامامة، (الثاني) أن من كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين ، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهراً وباطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته ولما لم يكونا معصومين بالاتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة (الثالث) قالوا كانا مشركين وكل مشرك ظالم والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة، أما أنهما كانا مشركين فبالإتفاق ، وأما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) وأما أن الظالم لا يناله عهد الإمامة فلهذه الآية، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال ٤٦ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البقرة كفرهما، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم، وقولنا وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين وما كان مشتركا بين القسمين لا يلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين فلا يلزم من نفي كونه ظالما في الحال نفي كونه ظالماً والذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى مؤمنا والإيمان هو التصديق والتصديق غير حاصل حال كونه نائماً، فدل على أنه يسمى مؤمناً لأن الإيمان كان حاصلا قبل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل، وأيضاً فالكلام عبارة عن حروف متوالية، والمشي عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة فمجموع تلك الأشياء البتة لا وجود لها، فلو كان حصول المشتق منه شرطاً في كون الإسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم المتكلم والماشي وأمثالها حقيقة في شيء أصلا وأنه باطل قطعاً فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطا لكون الإسم المشتق حقيقة؟ (والجواب) كل ما ذكرتموه معارض، بما أنه لو حلفلا يسلم على الكافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فانه لا يحنث، فدل على ما قلناه، ولأن التائب عن الكفر لا يسمى كافزاً والغائب عن المعصية لا يسمى عاصياً فكذا القول في نظائره، ألا ترى إلى قوله (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) فانه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم، وقوله (ما على المحسنين من سبيل) معناه: ما أقاموا على الإِحسان ، على أنا بينا المراد من الإمامة في هذه الآية النبوة ، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة . ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم لا؟ واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين (الأول) ما بينا أن قوله (لا ينال عهدي الظالمين) جواب لقوله (ومن ذريتي) وقوله (ومن ذريتي) طلببب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب: مطابقا للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فانه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، فان قيل : ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة، قلنا: أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً، وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة، فان قيل: أليس أن يونس عليه السلام قال (سبحانك إني كنت من الظالمين) وقال آدم (ربنا ظلمنا أنفسنا) قلنا: المذكور في الآية هو الظلم ٤٧ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البقرة المطلق، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام (الوجه الثاني) أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله تعالى (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) يعني ألم آمركم بهذا، وقال الله تعالى (قالوا إن الله عهد إلينا) يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضائهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله (لا ينال عهدي الظالمين) من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق، قال عليه السلام ((لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق)) ودل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولى الحكم، وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره عن النبي ◌َّله، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان هو بحيث لو اقتدى به فإنه لا تفسد صلاته ، قال ابو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة، ولا يجوز كون الفاسق قاضياً ، قال: وهذا خطأ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الخليفة والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة، وأحكامه غير نافذة، وكيف يجوز أن يدعى ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء ، وضربه فامتنع من ذلك فحبس، فلح ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً ، فلما خيف عليه ، قال له الفقهاء: تول له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه، ثم دعاه المنصور إلی مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك وقصته في أمر زید بن على مشهورة، وفي حمله المال إليه وفتیاه الناس سراً في وجوب نصرته. والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن الحسن، ثم قال: وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة: أن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه ، وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة، والصلاة خلفه جائزة، لأن القاضي إذا كان عدلا في نفسه ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه، وليس شرط أعوان القاضي أن يكونوا عدولا ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى یکونوا أعواناً له علی من امتنع من قبول أحکامه لکان قضاؤه نافذاً وإن لم یکون له ولاية من جهة إمام ولا سلطان والله أعلم. المسألة السادسة ﴾ الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين (الأول) أنه قدثبت أن المراد ٤٨ قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه. سورة البَقَرة من هذا العهد: الإمامة، ولا شك أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلا للذنب والمعصية أولى (الثاني) قال (لا ينال عهدي الظالمين) فهذا العهد إن کان هو النبوة؛ وجب أن تکون لا یناها أحد من الظالمين وإن کان هو الإمامة، فكذلك لأن کل نبي لا بد وأن یکون إماماً یؤتم به ، وکل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم. المسألة السابعة﴾ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهداً، ولك معه عهداً وبين أنك متی تفي بعهدك، فانه سبحانه يفي أيضاً بعهده فقال (وأوفوا بعهدي أوفبعهدکم) ثم في سائر. الآيات فانه أفرد عهدك بالذكر، وأفرد عهد نفسه أيضاً بالذكر، أما عهدك فقال فيه (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) وقال (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) وقال (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقال (لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه(ومن أوفى بعهده من الله) ثم بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسی ولم نجد له عزماً) ثم بین کیفیة عهدہ إلینا،فقال (ألم أعهد إلیکم یا بني آدم) ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال (إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول) ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال (لا ينال عهدي الظالمين) فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضى البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول: العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول: أول إنعامه عليك إنعام الخلق الإيجاد والإِحياء وإعطاء العقل والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ونزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق الإيجاد منه على سبيل العبث فقال (وما خلقنا السماء والأرض وما بينها لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق) وقال أيضاً (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا) وقال (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق والإِيجاد فقال (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فهو سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك عاقلا مميزاً فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته (وثانيها) أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل، ٤٩ قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت . سورة البَقَرة 1+ ثم إنه وفى بعهد الربوبية فانه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى سبيل الحق (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية (وثالثها) أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله (وما بكم من نعمة فمن الله) ثم مع أن هذه النعمة منه فانه يشكرك عليها وقال (فأولئك كان سعيهم مشكوراً) فاذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشکره على ما أعطى من التوفيق والهدایة کان أولی، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال (قتل الإنسان ما أكفره) فهو تعالى وفى بعهده، وأنت نقضت عهدك (ورابعها) أن تنفق نعمه في سبيل مرضاته، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) (وخامسها) أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسناً إلى الفقراء (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم (والذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) (وسادسها) أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلا على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السلطان العظیم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولا بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا ههنا، واعلم أنا لو أشتغلنا بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فانا من أول الحياة إلى آخرها ماصرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكراً على حدة وخدمة على حدة، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم ، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم ، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعاً وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعاً ، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تقضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية ( لا ينال عهدي الظالمين ) وهذا تخويف شديد لكنا نقول : إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإِحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر والتقصير والكسل فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنايا أرحم الراحمين . قوله تعالى ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ﴾. =٤-٤٢ ٥٠٠ قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت . سورة البقرة وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَبَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَا وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَاِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَن طَهِرَا بَيْىَ لِلطَّيِفِينَ وَالْعَلَكِفِينَ وَالُّكَّعِ السُّجُودِ اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة ، وهذا شرح التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت ، ثم نقول: أما البيت فانه يريد البيت الحرام، وأكتفى بذكر البيت مطلقاً لدخول الألف واللام عليه، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة، ثم نقول: ليس المراد نفس الكعبة، لأنه تعالى وصفه بكونه (أمنا) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى (هديا بالغ الكعبة) والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك، وقال في آية أخرى (أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً) وقال الله تعالى في آية أخرى مخبراً عن إبراهيم (رب اجعل هذا البلد آمناً) فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت . أما قوله (مثابة للناس) ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال أهل اللغة: أصله من تاب یثوب مثابة وثوباً إذا رجع يقال: ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه، وثاب إلى فلان عقله أی رجع وتفرق عنه الناس ، ثم ثابوا أي عادوا مجتمعین ، والثواب من هذا أخذ ، کأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه ، والمثاب من البئر: مجتمع الماء في أسفلها ، قال القفال قيل: إن مثاباً ومثابة لغتان مثل: مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج، وقيل: الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم: نسابة وعلاءة، وأصل مثابة مثوبة مفعلة. ﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الحسن: معناه أنهم یثوبون إليه في كل عام ، وعن ابن عباس ومجاهد: أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه ، قال الله تعالى (فاجعل أفئدة من الناس تهوی إلیهم) وقیل مثابة أی يحجون إليه فیثابون عليه ، فإن قيل كون البيت مثابة يحصل ٥١ قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس . سورة البقرة بمجرد عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى، فما معنى قوله (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) قلنا: أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العودة إليه مرة بعد مرة، وإِنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضاً فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه فى التمسك والتقرب إلى الله تعالى وإظهار العبودية له ، والمواظبة على العمرة والطواف، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه ، يستوجب بذلك ثوابا عظيماً عند الله تعالى. ﴿ المسألة الثانية﴾ تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) ووجه الاستدلال به أن قوله (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفاً بصفة كونه مثابة للناس، لكن لا يمكن أجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، وإذا ثبت تعذر اجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف، فوجب تحققه في الطواف، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذی بیناه . أما قوله تعالى (وأمناً) أی موضع أمن ، ثم لا شك ان قوله (جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً) خبر ، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر. (أما القول الأول) فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال (أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً) وقوله (أو لم يمكن لهم حرماً آمناً يحبي إليه ثمرات كل شيء) ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه، وأيضاً فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم) فأخبر عن وقوع القتل فيه. ٥٢ قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس . سورة البقرة (القول الثاني) أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل، فكان البيت محترما بحكم الله تعالى ، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه، لا يهيجون على أحد التجأ إليه، وكانوا يسمون قريشاً: أهل الله تعظيما له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام ((إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لى ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كما كانت)) فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى: أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله يم ليه ، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه: إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدى إلى خروجه من الحرم ، فاذا خرج أقيم عليه الحد في الحل ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عند ما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سيفان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه ، قال الشافعي رحمه الله: وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحداً من شىء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها ، وأحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، والجواب عنه أن قوله (وأمناً) ليس فيه بيان أنه جعله أمناً فيما ذا فيمكن أن يكون أمناً من القحط، وأن يكون أمناً من نصب الحروب ، وأن يكون أمناً من إقامة الحدود ، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك ، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى. أما قوله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي (واتخذوا) بكسر الخاء على صيغة الأمر ، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر. (أما القراءة الأولى) فقوله (واتخذوا) عطف على ماذا، وفيه أقوال (الأول) أنه عطف على قوله (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (الثاني) إنه عطف على قوله (إني جاعلك للناس إماماً) والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن ، قال له جزاء لما فعله من ذلك (إني جاعلك للناس إماماً) وقال (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده ، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال ، ونظيره ٥٣ قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس . سورة البقرة قوله تعالى (وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة) (الثالث) أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد # أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وهو كلام اعتراض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ، وكأن وجهه (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا) أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمناً فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم ، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح ، أما من قرأ (واتخذوا) بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى ، فيكون هذا عطفاً على (جعلنا البيت) واتخذوه مصلى، ويجوز أن يكون عطفاً على (وإذ جعلنا البيت) وإذ اتخذوه مصلى . المسألة الثانية﴾ ذكروا أقوالاً في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو: (القول الأول) إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام ، ثم هؤلاء ذكروا وجهين: (أحدهما) أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضاً فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس (وثانيها) ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام. (القول الثاني) أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد (الثالث) أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء (الرابع) الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس ، واتفق المحققون على أن القول الأول أولى ويدل عليه وجوه (الأول) ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلاقوله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر (وثانيها) أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلا لوسأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يحبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع ( وثالثها ) ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال بلى قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ قال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية ( ورابعها ) أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام ، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص ٥٤ قوله تعالى : وإذا جعلنا البيت مثابة للناس. سورة البقرة غيره به فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى ( وخامسها) أنه تعالى قال ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع ( وسادسها ) أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه ، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ، أعني : مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال القفال : ومن فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج. قوله ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) على مجاز قول الرجل : اتخذت من فلان صديقاً وقد أعطاني الله من فلان أخاً صالحاً ووهب الله لي منك ولياً مشفقاً وإنما تدخل ( من) لبيان المتخذ الموصوف وتميزه في ذلك المعنى من غيره والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ذكروا في المراد بقوله (مصلى) وجوهاً (أحدها) المصلى المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء ، قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ) وهو قول مجاهد ، إنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله : إن كل الحرم مقام إبراهيم ( وثانيها ) قال الحسن : أراد به قبلة ( وثالثها) قال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده. قال أهل التحقيق : هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلي المصر وهو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد وقال عليه السلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة وقد دل عليه أيضاً فعل النبي ويليه للصلاة عنده بعد تلاوة الآية ولأن حملها على الصلاة المعهودة أولى لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها وههنا بحث فقهي وهو أن ركعتي الطواف فرض أم سنة ينظر إن كان الطواف فرضاً فللشافعي رضي الله عنه فيه قولان ( أحدهما ) فرض لقوله تعالى ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) والأمر للوجوب ( والثاني ) سنة لقوله عليه السلام للأعرابي حين قال : هل على غيرها قال لا إلا أن تطوع وإن كان الطواف نفلاً مثل طواف القدوم فركعتاه سنة والرواية عن أبي. حنيفة مختلفة أيضاً في هذه المسألة والله أعلم . : : ٤ ﴿ المسألة الرابعة﴾ في فضائل البيت: روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب الإيمان عن أبي ذر قال ((قلت يا رسول الله أي مسجد وضع على الأرض أولاً ؟ قال المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال ثم المسجد الأقصى قلت كم بينهما قال أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد)) أخرجاه في الصحيحين ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام (( أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض ، وأن أول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال )) وعن وهب بن منبه قال : إن قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس. سورة البقرة آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها ولأنه لم ير فيها أحداً غيره فقال يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري فقال الله تعالى إني سأجعل فيها من ذریتك من يسبح بحمدی ویقدس لي وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكرى فيسبحني فيها خلقي وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسى وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي واسميه بيتي أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي وأجعله أحق البيوت كلها وأولاها بذكرى وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً آمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ومن أحله فقد أباح حرمتي ومن آمن أهلة استوجب بذلك أماني ومن أخافهم فقد أخافني ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني ومن تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني وعمارها وفدي وزوارها أضيافي أجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض يأتونه أفواجاً شعئاً غبراً ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) يعجون بالتكبير عجاً إلى ويثجون بالتلبية ثجاً فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ونزل بي ووفد على فحق لي أن أتحفه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام وهو خاتم النبيين فأجعله من سکانه وعماره وحماته وولاته فیکون أمیني علیه ما دام حياً ، فإذا انقلب إلی وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه وتكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضى على يديه عمارته وأعلمه مشاعره ومناسكه وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره فيفعل وينذر لي فيفي ويدعوني فأستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا أو يغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن والإِنس . وعن عطاء قال : أهبط آدم بالهند فقال یا رب مالی لا أسمع صوت الملائكة کما کنت أسمعها في الجنة قال بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتاً تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهاراً وعمارة وما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة ، وسأل عمر كعباً فقال : أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله الله تعالى من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم عليه السلام فقال يا آدم إن هذا بيتي ٥٦ قوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس. سورة البَقَرة فطف حوله وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلى ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ، فوضع البيت على القواعد فلما أغرق الله قوم نوح رفعه الله وبقيت أ قواعده وعن علي رضي الله عنه قال البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح وهو بحيال : الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً وذکر على رضى الله عنه أنه مر عليه الدهر، بعد بناء إبراهيم فلنهدم: فبنته العمالقة ومر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم ومر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش ورسول الله : وَ ل* يومئذ شاب فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا يحكم بيننا أول رجل. يخرج من هذه السكة وكان رسول الله يتسلم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر . في مرط ثم ترفعه جميع القبائل فرفعوه كلهم فأخذه رسول الله وسلّ فوضعه، وعن الزهري قال: أ بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم عليه السلام ثلاث صفوح فی کل صفح منها کتاب ، (في . الصفح الأول ) أنا الله ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حفاً !. وباركت لأهلها في اللحم واللبن ( وفي الصفح الثاني ) أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت . لها إسماً من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته (وفي الثالث) أنا الله ذو بكة خلقت. الخير والشر، فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه . المسألة الخامسة﴾ في فضائل الحجر والمقام، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال عليه السلام (( الركن والمقام ياقوتتان من یواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بین المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقیم إلا شفی )) وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام ((إنه كان أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا أهل الشرك)) . وعن ابن عباس قال عليه السلام (( ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق . به ، يشهد على من استلمه بحق )) وروي عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه انتهى إلى الحجر الأسود فقال : إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله ولم يقبلك ما قبلتك. أخرجاه في الصحيح. أما قوله تعالى ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ) فالأولى أن يراد به ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً وثقناً عليهما فيه وقد تقدم من قبل معنى العهد والميثاق . أما قوله ( أن طهرا بيتي ) فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت ، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار ، وإذا كان موضع العبادة ، والإِخلاص لله تعالى : وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله . وكل ذلك داخل تحت الكلام ثم إن المفسرين ذكروا وجوهاً ( أحدها) أن معنى ( طهرا بيتي ) أبنياه وطهراه من الشرك ! ٥٧ قوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس. سورة البقرة وأسساه على التقوى ، كقوله تعالى ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ) ( وثانيها ) عرفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به ، ومجازه : اجعلاه طاهراً عندهم ، كما يقال : الشافعي رضي الله عنه يطهر هذا، وأبو حنيفة ينجسه (وثالثها) ابنياه ولا تدعا أحداً من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه ، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب ، كما يقال : طهر الله الأرض من فلان ، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك ، وهو كقوله تعالى ( ولهم فيها أزواج مطهرة ) فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات ، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً ، والله أعلم ( ورابعها ) معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي ، ليقتدي الناس بكما في ذلك ( وخامسها) قال بعضهم : إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن ماله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز . أما قوله ( للطائفين والعاكفين والركع السجود ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفاً إذا لزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف، وقيل ، إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه . المسألة الثانية﴾ في هذه الأوصاف الثلاثة قولان (الأول) وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة ، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والغاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف ، فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به ، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور ، والمراد بالركع السجود : من يصلي هناك ( والقول الثاني) وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود . ﴿ المسألة الثالثة﴾ هذه الآية، تدل على أمور (أحدها) أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص . وروي عن ابن عباسٍ ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل ( وثانيها ) تدل الآية على جواز الإعتكاف في البيت ( وثالثها ) تدل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً إذ لم تفرق الآية بين شيئين ٥٨ قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم ... سورة البقرة وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَاذَا بَلَدًا ءَامِنَّا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَ امَنَ مِنْهُمْ بِلّهِ وَالْيَوْمِ آلْآَنِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأَمَنِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَ أَضْطَرُهُ إِلَى عَذَابٍ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٣٦ منها ، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت ، فإن قيل : لا نسلم دلالة الآية على ذلك ، لأنه تعالى لم يقل : والركع السجود في البيت ، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت ، وإنما دلت على فعله خارج البيت ، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجهاً إليه ، قلنا ، ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت ، سواء كان ذلك في البيت أو خارجاً عنه، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن يطوف بالبيت ، ولا یسمی طائفاً بالبيت من طاف في جوفه ، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه ، لقوله تعالى ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) وأيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة ، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه ، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه ، واحتج مالك بقوله تعالى ( فول وجهك شطر المسجد الحرام) ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه ( والجواب ) أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجهاً إلى كل المسجد ، بل لا بد وأن یکون متوجهاً إلى جزء من أجزائه ومن کان داخل البيت فھو کذلك فوجب أن یکون داخلاً تحت الآية ( ورابعها ) أن قوله ( للطائفين ) يتناول مطلق الطواف سواء كان منصوصاً. عليه في كتاب الله تعالى ، كقوله تعالى ( وليطوفوا بالبيت العتيق)، أو ثبت حكمه بالسنة ، أو. كان من المندوبات . 1 قوله تعالى ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى ههنا ، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير، لأن قوله ( رب اجعل هذا بلداً آمناً ) لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله ( وإذ يرفع إبراهيم. القواعد من البيت) وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم في المعنى ، وههنا مسائل : و المسألة الأولى﴾ المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن حية ٥٩ قوله تعالى : وإذ قال ابراهيم رب اجعل . سورة البقرة والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه ، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها . ثم أن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمناً من الآفات ، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل ، وههنا سؤالان : ( السؤال الأول ) أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟ الجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئاً آخر . ( السؤال الثاني ) المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها . والجواب عنه من وجوه ( أحدها ) أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضدذلك کانوا علی ضد ذلك ( وثانيها ) أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطريق آمنة والأقوات هناك رخيصة ( وثالثها) لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة . ﴿ المسألة الثانية﴾ (بلداً آمناً) يحتمل وجهين ( أحدهما ) مأمون فيه كقوله تعالى ( في عيشة راضية ) أي مرضية ( والثاني) أن يكون المراد أهل البلد كقوله ( واسأل القرية ) أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في الأمن المسئول في هذه الآية على وجوه ( أحدها) سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع ( وثانيها) سأله الأمن من الخسف والمسخ ( وثالثها ) سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولاً ، ثم سأله الرزق ثانياً ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية ( رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات ) وقال في آية أخرى ( رب اجعل هذا البلد آمناً) ثم قال في آخر القصة ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ذرع) إلى قوله ( وارزقهم من الثمرات ) واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول : لعل الأمن المسئول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة : ٦٠ قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم رب اجعل. سورة البَقَرة العظيمة . ﴿ المسألة الرابعة﴾ اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه السلام (( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض)) وأيضاً قال إبراهيم ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم)) وهذا يقتضى أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت كسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام «اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة)) ( والقول الثالث ) إنها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة ( فالأول ) يمنع الله تعالى من الأصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم ( والثاني ) بالأمر على ألسنة الرسل . ﴿ المسألة الخامسة﴾ إنما قال في هذه السورة (بلداً آمناً) على التنكير وقال في سورة إبراهيم ( هذا البلد آمناً) على التعريف لوجهين ( الأول ) أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلداً آمناً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ) فقال: ههنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً،". والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمناً ( الثاني ) أن تكون الدعوتان وقعتا بعدما صار المكان بلداً، فقوله ( اجعل هذا بلداً آمناً) تقديره : اجعل هذا البلد بلداً آمناً، كقولك : كان .. اليوم يوماً حاراً ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ،* فقوله ( رب اجعل هذا بلداً آمناً) معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله ( رب اجعل هذا البلد آمناً) فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، وأما قوله (وارزق. أهله من الثمرات ) فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب. الله تعالى له فصارت مکة يجبی إليها ثمرات کل شيء ، أما قوله ( من آمن منهم ) فهو يدل من قوله ( أهله) يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوماً كفاراً بقوله ( لا ينال عهدي. الظالمين ) لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى ( فلا تأس على القوم الكافرين ) وأما القياس فمن وجهين : ( الوجه الأول) أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذریته ، قال الله تعالى ( لا ینالی عهدي الظالمين ) فصار ذلك تأديباً في المسئلة ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب